Monday, 16 January 2017

مبادرة محمد المنتصر للسلامة المدرسية

مبادرة محمد المنتصر
قبل عامين او ثلاث أفجعني خبر مقتل طفل في مدرسة ال(ب) الخاصة بالخرطوم ، وذلك بعد أن قام بلمس موصل كهرباءمولد المياه والذي قام يصعقه بالحال بحسب رواية أهل الطفل وأن المدرسة عجزت عن التصرف السليم حيث أخذته الى المشفى ولَم تبلغ ذويه حتى وفاته. اما بحسب رواية المدرسة فإن الطفل كان يعاني من حالة مرضية مجهولة لديهم وأنه أغشي عليه في فسحة الفطور بالاضافة إلى حديث عن كون المشرفة متعبة لأنها حامل أو شيء من هدا القبيل.
أفجعني هذا الخبر لأن أطفالي كانوا يدرسون من قبل في هذه المدرسة وكان في بالي تشكيل لجنة اباء لمراقبة أمن وسلامة المدرسة ، بعد أن ساءني منظر الغبار الكثيف الذي يثيره الأطفال في فسحتي الصباح والفطور والذي يدخل إلى رئتيهما ولو أن أخد الأطفال يعاني من ربو أو حساسية لكان عواقب هذا الأمر صعبة .
حزنت لأني تكاسلت وأهملت هذا الأمر ، والمبادرة التي كانت في ذهني والتي يخطر لي أن أسميها مبادرة محمد تتلخص في تطبيق تلفوني يعدد المخاطر التي قد تتواجد في أي مدرسة سواء داخل الفصل أو في ساحة المدرسة أو الحمامات أو امام المدرسة أو في الترحيل أو في الكانتين او سلم المدرسة ، وتعدد المخاطر بين توصيلات كهرباء يسهل الوصول إليها او آلات حادة مبذولة او أجسام ثقيلة قد تشكل خطر الدهس على الأطفال أو مخاطر بيئية كمراحيض او أتربة عالقة او مواد سامة او مياه راكدة  او مياه مهملة على بلاط قد تسبب في سقوط الطفل او زجاج منثور او مواد قابلة للاحتراق والاشتعال او أثاثات تشكل سلما وقد تسبب في سقوط الطفل من عَل .
اضافة الى ضمانات السلامة من تواجد مشرفات متحركات (لا جالسات متونسات مشغولات بالهاتف) او تدريب لكل موظف ومعلم ومشرف في المدرسة على الإسعاف الأولي (لا بد من قانون يتطلب ذلك من كل عامل مع الأطفال سواء في رياض الأطفال والحضانات أو المدارس الحكومية او الخاصة  ) بالاضافة الى حقيبة إسعافات أولية يتم تحديثها كل ستة أشهر تحتوي على ما تحتويه عادة اضافة الى بخاخ ازمة وحقنة الحساسية . (في استراليا اضافة الى تدريب الإسعاف الأولي والذي يجدد كل عامين فقد تم اضافة اليها التدريب لإسعاف حالات الحساسية ) . واسم وتفاصيل كل العمال والحرفيون والمقاولون والمهندسون وصورة من بطاقاتهم بالمدرسة ويفضل فصلهم عن الطلاب وعن ساعات الدوام المدرسي. وطفايات الحريق وخطة خروج من المدرسة عند حدوث الكوارث سواء كانت حريق او وضع أمني غير مستقر الخ .
اضافة الى ملف طبي لكل طالب يوضح حساسياته وفصيلة دمه وحالته الصحية الخاصة ان وجدت اضافة الى رقم طوارئ وشخص غير الأب والام للاتصال به لإخطارهم عند حدوث اي حادث جلل لا بعد ان تقع الفأس في الرأس
طبعا المرء يتمنى ان تقوم بهذا الجهد الدولة ، لكني ارشح فريق الأمن والسلامة بمجموعة دال الاستثمارية والذين تطوعوا أيام نفير الأولى في وضع قائمة سلامة للمتطوعين العاملين في مناطق الفيضانات . بحيث تعد قائمة محاظير وأمن وسلامة متاحة للتنزيل على الهاتف ، بحيث  تتشكل لجنة مكونة من الآباء والمعلمين والمشرفين تقوم بمتابعة ومراقبة سلامة المدرسة كل شهر وستة أشهر وسنة ويتم تحديثها حسب مستجدات المدرسة
كما ارشح التعاون مع جمعية الهلال الأحمر ان تخصص برنامجا تدريبيا للإسعاف الأولي المدرسي (مجاني للمدارس الحكومي وبسعر مقدر تشجيعي للمدارس الخاصة) وتجهيز حقيبة إسعافات للشراء .
بعض المدارس تخصص اموالها لكاميرات مراقبة داخل الفصول (!!!) البعض قال ان هذا لأمن الأطفال والبعض قال (هذا لمراقبة الاستاذ كي لا يتراخى) وهذا لعمري امر فادح فادح!! كعب عديل كدا ، حتى ان كان هذا يسعد الآباء (الآباء الحاجة دي ما كويسة المدرس الاستاذ دا يربي كيف لو هو واضح للطالب انه ما محل ثقة؟) وكاميرات الحوش لا تغني عن وجود المعلم البشري. فالمدارس الخاصة لا بد ان تخصص مبلغا ماليا لتدبير هذا الامر والذي هو ليس مكلف.
بالنسبة لما تناقل عن حادثة المدرسة الأجنبية العريقة الخاصة ، بغض النظر عن صحة او عدم صحة القضية الا أنها كشفت اضافة لكل شيء عن ضعف توعية الكثير من أولياء الأمور لأطفالهم حول الملامسة والتحرش وأهيب بهم مطالعة تطبيق (أوعى) ومطالعة الصفحة الخاصة به على الفيسبوك. اضافة الى أنه لا بد من تصميم نظام تبليغ يحمي المبلغ من الفصل او الكيد لمجرد تبليغه وتدابير لمعالجة الأمر ، ( برجاء مراجعة مقالي عن قانون حماية الطفل على المدونة). اما حكاية سمعة المدرسة والشوشرة فلا شيء مثل الشفافية والجدية والمسئولية والتواصل الجيد بين المدرسة واولياء الأمور والطلاب ترياقا من هذه الأمور . ولا يفوتني في الختام أن أمر ان أشير الى مسألة أخذ الإذن من أولياء الامور قبل نشر صور الأطفال على صفحة المدرسة على النت. 

Monday, 21 November 2016

تعاضدية الكارثة

تعاضدية الكارثة


أذكر قبل فترة طالت أني كتبت مقالا اسمه "طوعنة النضال" هو عبارة عن ترجمة حرفية لمقتطف من مقال للكاتبة أرونداتي روي، كتبه على إثر افتتاح مجموعة شارع الحوادث لعنبر غسيل للكلى لو لم تخني الذاكرة.
كتبه مبتورا لما ظننته ماضي قريب حاضر في ذهني لذا بدا وكأني أبخس من قيمة هكذا مبادرات، وكأني أضعها قبالة النضال في مواجهة وتنازع. وكنت قد كتبت المقال لسببين الأول هو ما يعرف بـ "رهق المتبرع" و الثاني خوفا على ضياع جهود هذه المبادرات المهمة.

رهق المتبرع: أول تجربة لي مع هذه المبادرات الخرطومية (من النشأة)، كانت عبر التماس من صديق أن أجمع تبرع لمريض يحتاج مساعدة مستعجلة. ولخاطري عند الصحاب تم تجميع المبلغ بسرعة مذهلة، أرسلتها للصديق في التو والحال، لم تمضي ثوان حتى أتصل بي لجمع تبرع لحالة مستعجلة أخرى. هذا هو رهق المتبرع والذي يحمل في طياته الكثير الذي يجب مخاطبته كتنويع مصادر التبرع، منح المتبرع احساس جدوى عمله ، لا أنه يردم بقبضة تراب حفرة أبدية، أو أنه يرتق فتق أبدي. وهذا ينقلني للسبب الثاني.

عندما ترجمت طوعنة النضال لم يكن ذلك على خلفية بعض النداءات التي ترى في المبادرات الخيرية تعطيلا للثورة أو النضال بهذا الشكل المباشر، انما كان كما قلت بسبب ذاكرة حاضرة. فمعظمنا نحن الذين نشأنا بالمدن الجنوبية (جنوب الخرطوم و مدني) ، المدن غير الوسطية والقرى والحلّال، نحن نعرف الدولة المنحسرة لا المتمددة منذ الإستقلال. فعندنا تبني الدولة هيكل المستشفى الأساسي، ويكمله أبناء وبنات المدينة البررة  من تجارها ورأسمالها أو المغتربين في أواخر السبعينيات والثمانينيات، فكان أول ما يحرص عليه المغترب/الرأسمالي هو إكمال هيكل الدولة، سواء كان ذلك تهيئة عنابر كاملة مجهزة، أو تسوير المدرسة، أو تعمير مكتبة، أو إضاءة المقابر أو ضيافة ودفع ماهية مهندسي الكهرباء لتوصيلها للحلة الخ الخ. لكن الفارق كان ما يعرف ب"اللجنة الشعبية ل"، كان قصاد كل عنبر و فصل أو عمود كهرباء ، قصاد كل تبرع لجنة للقيام والإشراف والمتابعة والإشراف ونعم- الإدارة للمجهود المقدّم. 
أذكر النقاشات التي كانت تجمع حبوباتنا وخالاتنا وأعمامنا حول تفصيل ما ، مراجعة نظافة العنابر، صيانة ماكينة، متابعة تقصير في المنشأة. 
هذا ما قصدته. وهذا الذي تعكف عليه الكثير من القرى والحلّال بفاعلية منذ الإنحسار المستفحل للدولة. لجان شعبية لإدارة المجهود الخيري.

وما فائدة هذا؟ هذا العكوف من المجتمع المحلّي حول المجهود الخيري جعلهم أكثر ارتباطا به، (والله قال بقولهم) إن حاولت الدولة أو غيرها المساس بهذا المجهود بأن تفرض عليه رسوما أو تخصخصه أو تصادره. 

المصطلح الذي هو في صعود على عدة أصعدة في العالم اليوم هو "التعاضدية" و "تعاضدية الكارثة"، التي لا تُغيّب مفهوم المقاومة والمطالبة بالحقوق والنضال. لكنها في ذات الوقت تستدرك التوحش الذي أصاب المجتمعات (تحديدا في الغرب) الذي بدأ منذ الثورة الصناعية ثم استفحل جراء توحش الرأسمالية وانحسار الدولة . وأصبحت تستلهم قيم الصمود من تعاضد وتكاتف المجتمعات المحلية القروية أو البدائية، كالتشاركية والتعاونية وتوزيع المهام واقتسام الخيرات. 

هذه التعاضدية أصبحت جزءا حيويا من حركات الصمود ضد التغير المناخي. مجتمعات السكان الأصليين في أمريكا الشمالية و في الهند في دلتا النيجر أصبحت الملهم والمبلور لرؤية "الصمود في وجه كارثة المناخ" وقد حرصت الكاتبة ناومي كلاين على تخليل صفحات كتابها (هذا يغير كل شيء) بهذه الرؤية كالأمل في خلاص البشرية من كارثة المناخ وكارثة استفحال الرأسمالية وآفة الإستهلاك

"الأرض يرثها المستضعفون" هذه البشارة التي ربما لا تعني أنه سينقرض الجميع ولن يبقى سوى المستضعفين، بل لعلها تستبصر أمرا في المهمشين في الأرض (السكان الأصليون- المجتمعات المحلية- النساء) الذين استطاعوا مواجهة ضراوة التاريخ وضراوة الحاضر بمكنيزمات البقاء عبر التعاضد 

اليوم أصبحت مجتمعات ملح ملح الأرض تمسك بالطبشورة ويجلس العالم مستمعا. هذه فرصتنا نحن أيضا أن ننظر إلى أنفسنا ونستلهم سبل البقاء.

الكثير منا يتطلع للحركات النضالية والتحررية التي برزت في القرن الماضي والتي تشهد معظمها انحسارا اليوم، في أحراش أمريكا اللاتينية أو في جبال شرق أوروبا مع العالم الرقمي السريع الذي أصبح لا يطيق "السرديات العظمي" لكن يبدو أن له طاقة للتجمعات الصغيرة وكيف السبيل إلى ذلك؟  المشعل اليوم في يدنا نحن الذين لطالما شنأتنا حركة التاريخ. فماذا ترانا نقول؟

مبادرة توزيع الأدوية في ظل أزمة العلاج الحالية واجهت موقفان كلاهما صحيح، لكن ليس صحيح أنهما خياران منفصلان لا يستقيم أحدهم بوجود الآخر، . فلا بد من إحياء سنة لجان الأحياء واللجان الشعبية (الحقيقية مش الحكومية) في إدارة هذا المجهود. أما المبادرات المدينية المركزية فمصيرها الرهق.


أي لجان مرتجلة تفي، أي مجموعة بيوت في حي تفي لتكوين لجنة، المسجد (كما كان يدرك يساريونا زمان) فرصة كبيرة لرسم خريطة وحدود لجنة شعبية. 

لماذا فقط الوقفات؟ والمقاطعات؟ والإضرابات. سود أمريكا في ستينيات الحركة المدنية ابتدعوا "اعتصام الجلوس" و "رحلات الحرية" ، طلاب الجامعة ومثقفي امريكا في سبعينيات مناهضة الحروب الأمريكية ابتدعوا "اعتصام المحاضرات" . طلاب الجامعات السودانية في تسعينيات الإنقاذ ابتدعوا مهرجانات الإعتصام التي لم تستطع السلطة ولا الطلاب الإسلاميين محاربتها، مهرجانات من الغناء والشعر والمعارض تجعل الذي لا يهم بالإعتصام ينشده بهذا الثراء المعرفي.

الأيام والخيم الصحية (العيادات المرتجلة)، وموائد وتجمعات الإطعام وأسواق الرزق المرتجلة والفعاليات الترفيهية البسيطة، الأيام التعليمية (المدارس المرتجلة) التي لا بد أن تصاحب الخطاب النضالي في الأحياء والحلّال هذه مجهودات تنادي بالتعاضد فلا هي تغيّب النضال ولا هي تغيّب المجهود الخيري الذي يخاطب حاجة ماسة، لعل المثال المجسّد لذلك في الماضي هي برامج حركة الفهود السود في امريكا السبعينات او المركز الصحي الذي كان يعمل فيه ستيف بيكو مع اخرين في جنوب افريقيا ابان فترة الأبارتيد. 

لعل هذا أيضا ما كان ينقص (المجهود المركزي) لنفير

عيادة (الشعب الحر) ،عيادات شعبية في الأحياء أسستها حركة الفهود السود في امريكا 

مدير مدرسة يسقي (مزرعة شوالات)، هناك أمثلة لمزارع الطعام المشتركة في الأحياء

برنامج الفطور المدرسي


كفاية نشاف المخاطبات الجماهيرية والندوات السياسية، حبة طراوة نبل ريقنا وأوردتنا الناشفة .

(على ذكر المخاطبات الجماهيرية، جزا الله الشباب كل خير في كسر حاجز الخوف، وفي اصرارهم على حق أصيل في التعبير الحر عن الرأي- هذه حاجة ساهلة أبدا، لكني بمتابعة الفيديوهات والحاضرين أرى تأييدا صامتا ولا أرى تفاعلا حيّا. حاضرني وسأسكت وسأهز رأسي وسأقول (والله كلامك صاح) . هل هذا الصمت ما نريد، أم نريد أن نجر المستمع في حوار حي. الأجدى أن تنقسم هذه المخاطبات الجماهيرية إلى نوعين: نوع يبتدر النقاش حول أمر مختلف عليه (كالنظام العام- اضراب الأطباء) ، ونوع مرتبط بحلول عملية: ناقش أزمة الدواء ثم وزع منشورات لمنافذ توزيع دواء (التي تشترط مثلا أن لا يتقدم إليها أفراد، بل مجموعة ممثلة لحي سكني)

والله أعلم

Wednesday, 16 November 2016

تعطيل الجمال


تعطيل الجمال

استوقفتني نصيحة في احدى قروبات انقاص الوزن التي أتردد عليها كثيرا، في البدء كان من أجل إيجاد وصفة سحرية تسعفني، أو أخوية تآزر، ثم من بعد للفضول الذي أصبحت تثيره في هذه المجموعات. النصيحة كانت كالآتي، أن تشتري المعنيّة قطعة ملابس أصغر هي بالمقاس الذي تصبو إليه وتعلقه في مكان، نصب عينيها في رواحها وايابها . للتحفيز على ما أظن.

طبعي المتأمل أخذني في دروب لعلها تبعد كثيرا عن مرام هذه النصيحة، لكن هذه احدى مساوئ فرط التفكير. فالنصيحة تقول بالتركيز على جمال آتٍ وجسد منشود مقابل تغييب جمال حاضر وجسد معاش. وهل من الممكن تحقيق أي شيء عند تغييب الذات الحاضرة؟

وهذا ليس أمرا سهلا في ظل ثقافة عامة تشهر صورة الجسد المنشود في كل مساحة في مساحات الحياة، تحاصرك هذه الصور وتغرقك عميقا فتقصيك عن جسدك الحاضر. وهذا ما أسميته بالجمال المعطّل.

الكاتبة روكسان قيي. كاتبة سوداء أمريكية/هايتية، حاصلة على جوائز أدبية عديدة، من بينها جائزة ارثر ميلر الرفيعة، تحدثت عن هذا المفهوم في عدة لقاءات بشكل مؤثر وفي غاية الرقة وأضافت إليه أبعادا مهمة.

تحدثت روكسان قيي عن هذا القمع المتكرر لجسد الأقلية، سواء كانت هذه الأقلية عرقية أو المرأة بشكل عام (ومتكرر). فصورة الجسد المنشود التي يتم تداولها في الحياة العامة هي نوع من أنواع السيطرة القمعية على جسد الأقلية بفرض شرط الجسد كما "يجب أن يكون" ورفض الجسد الكائن. روكسان قيي أصدرت كتابها الأخير، سيرة ذاتية عنوانها "الجوع". وفي محاضرة لها عن الكتاب قالت أنه كان من الصعب عليها الكتابة عن مثل هذا الأمر الخاص، لكنها اضطرت إلى ذلك. فجسدها الكبير يجعل الناس يعتقدون بأن لهم الحق في إبداء رأيهم غير المرغوب فيه حول ما يجب عليها أن تفعله بجسدها، حول ما يجب أن تدخله أو ما لا يجب أن تدخله في جوف جسدها.
جسدها أصبح نصا عاما.
"جسدي أصبح نصا عاما يتداوله الجميع. وجسدي أيضا قفصي. نعم، كنسوية أؤمن بضرورة توسيع منظور الجمال، أؤمن بعدم الإنحناء لمعايير الجمال المفروضة، لكني ما إن أخرج من باب الشقة حتى يتم انتزاع كل ايمان من صدري، أنا لست مرتاحة في جسدي. ما الذي نعنيه بمحبة الذات سوى أن تحب جسدك الذي تحمله ويحملك يوما بعد يوم؟ أنا لست مرتاحة في جسدي وفشلت في الخروج منه لثلاثين سنة"

"جسدي متمرد، أعاقبه بالحرمان ، أحرم نفسي من الفضاء المكاني، أحاول أن أطوي جسدي على نفسه ليختفي، رغم حضوره الذي لا يخفى على عين، أحرم نفسي من يد كرسي مشترك إذ كيف يجرؤ جسدي على التمدد في مساحات الغير، أحرم نفسي من التواجد في أماكن أراها محظورة على جسدي، وهي في الغالب أماكن مأهولة بالسكان، أحرم نفسي من الألوان الزاهية والزخارف فألتحف القمصان الداكنة الساكنة، أحرم نفسي من التعبير الأنثوي وكأنه ليس لي الحق في الأنوثة، فجسدي لا يتبع قواعد المجتمع لما يجب أن تكونه المرأة"

"الدهشة التي تعلو منظمي الملتقيات والمحاضرات التي أشارك فيها تجرحني، حين لا يتوقعون أن يكون كاتبا ناجحا في مثل حجمي. تجرحني هذه الدهشة لأنها تلخص الإعتبار القليل للإنسان الكبير. فكيف بوسعي أن أكون ذكية بمثل جسدي؟"

"يتضايق الكثيرون حين يسمعونني أتحدث عن جسدي، يتهمونني بأنني أعاني من رهاب السمنة أو أنني كارهة لذاتي، لست هذا ولا ذاك، ولكنني أعيش في عالم يتم فيه تشجيع فيه كراهية واستهجان الإنسان البدين. أنا لست كارهة ذاتي رغم أن العالم يرى أن علي أن أكره نفسي، لا أرى نفسي قبيحة أو غير محبوبة وحين أكون وسط أحبابي أشعر أني قوية وجميلة وأحيانا مثيرة، لكن هذا ما أكرهه، أكره كيف يراني الناس، وأكره كيف لا يروني، أكره حرماني من الأماكن التي أرغب في التواجد فيها، أكره كيف كلما كبر حجمي كلما صغر عالمي"
*********************************************


هناك تزييف في ادعاء "القلق الصحي". فالحديث عن الصحة نادرا ما يكون حاضرا عند الحديث عن انقاص الوزن ما عدا في المجلات الطبية (الجادة)، سواء من المعارف والأصدقاء، أو منشورات "الجمال" أو في وسائط الإعلام، فجل التركيز هو الوصول لجسد الجمال المنشود، حد تبني بعض العادات غير الصحية، سواء بنظام غذائي ممحوقة البركة أو تمارين رياضية مهووسة ،للوصول للجسد المنشود بأسرع طريقة ممكنة. نادرا ما تسمع عن تبني عادات صحية تلزم أحجامنا جميعا. نادرا ما نتحدث عن الرياضة اليومية الخلاقة اللازمة للإنسان الصحي، أو الغذاء الذي يرطب وينعش الأوردة والأعضاء.



سألت روكسان قيي على حسابها في تويتر، كيف يمكن للمرء أن ينشد التغيير ويصطحب الرضا؟ لم ترد. لكنني أعتقد أنه لم يكن سؤالا. اعتقد أنها مكاشفة. لكن هل قلت تغيير؟ أليس هنا تغييب؟ لا تغييب إن شاء الله، أنا أكره محاصرة الجمال في موقف : أنا فخور بجسدي/ تبا له. أنا فخورة بسوادي/تبا له، أنا فخورة بشعري طبيعي/ أنا أريد أن أعمل له محسنات بديعية. في مواقف المدافع أو موقف المنسحب. لا أريد أسن حرابي دفاعا عن حق في الجمال، ولا أن أنكس راياتي مستسلمة لجمال مفترض. فأجسادنا تشكلها تفاعلاتنا اليومية مع الحياة أفكارنا وخياراتنا ورؤانا وظروفنا وجيناتنا وأحماضنا النووية. هي الوعاء الوحيد الذي نملك في مواجهة فيزياء الحياة وكيميائها. والتغيير جزء من تركيبة الحياة. والرحلة نحو التغيير أجدى حين تكمل حالة الرضا في مربعك الكائن. لا تنتقل دون رضا.
نخطئ حين نظن أن التغيير لا ينشأ إلا من السخط من الحال الماثل. أحسب أن التغيير لا يصدر إلا عن رضا. تحضرني مقولة الأستاذ العزيزة التي تبرد حديدة سخط التغيير، كان في محاضرة يتحدث عن الأخلاقية في الفعل السياسي، فرد أحد الحضور أن هذه مثالية تتنافى مع الواقع الذي يلزمه بعض التنازلات من أجل الغاية النبيلة. من أجل الحق، فكان رد الأستاذ ما يعني أن الحق منتصر بنا أو بسوانا، كل ما يلزمنا هو أن نشذب ونهذب أنفسنا عسانا نحظى بإختيار الحق لنا.
(الشارع حاليا مشحون بالسخط والتحفز. لا بد من جمال الرحلة وجمال الوصول وجمال التحقيق)
بالضبط، هنا لا تعطيل لجمال منشود. هنا جمال معاش حاضر، اقبال وسيرورة ونهم للحياة وحضور لا غياب عن الحياة العامة.  أخيرا أجدني أحدث نفسي بحديث أفهمه، أعطي جسدي حقه في الحركة من أجل حقه في الحركة، وينعم قلبي بضخات الأكسجين الحي. أسلك أوردتي بعصير الحياة لحقها في الحياة.  أنا هنا لا أعطل بئر الجمال الحاضر في صحراء الجمال الغائب. لا أغيب، فالحياة أقصر من أن أغيب، وأسخر كل أداة تعلن عن وجودي. و بذا، لا أحرمكم من بهجة طلتي.

(هذا المقال هو من وحي آنسات وسيدات -صديقات وشخصيات عامة- هم في غاية الرقة والجمال والأنوثة والذكاء المثير والتذوق الرفيع بحيث يصبح الحديث عن اي شيء سوى ذلك عبث!)


آن هاقيرتي، من برنامج المسابقات الشهير "الملاحقة" متخصصة في التاريخ الإنجليزي
والأدب اللاتيني، يلقبونها "بالمربية" لملابسها المتزمتة الأنيقة ولأنها تربي كل متسابق أمامها. لذيذة

"داخل عقلي أنا الهة أمازونية"
رينيه بطلة رواية أناقة القنفذ تصف نفسها بالبدينة العادية الرتيبة
لكنها أبعد ما تكون عن ذلك في عالمها داخلي، ثم يظهر السيد أوزو الياباني المتقاعد الثري المثقف
فيظهر بهاؤها الخارجي كذلك
"تقول : لا أصدق، لم يتعرفوا عليّ
يرد: لأنهم ما أبصروك


كارين مارتيني (على اسم الشراب) شيف وتشارك في برامج الطبخ
تعرفت عليها من خلال دعاية أجبان كان تبق بق من التلفزيون
جمال وأناقة لا تخطئهما العين

السيدة إيلا فيتزجيرالد. كل العاطفة مشحونة في صوتها، سيدة...سيدة
 بيرنيس جونسون، التي نقلت الغناء الشعبي الأمريكي نقلة كبيرة في ستينات القرن الماضي
من يظن أن تحت هذا الجمال الهادىء ثورة عارمة



بتعجبني جدا في الصورة دي حرص فاني لو هامر على تسريحتها الجمباوية الطالعة موضة
والشنطة الأنثوية التي حملتها معها، لن تصدق أن هذه المرأة الأنيقة  هي في موقف عصيب ومهيب. تجلس في مؤتمر الحزب الديمقراطي الأمريكي
في الجنوب العنصري. تواجه نفاقه لعدم وجود مرشحين سود بين عضويته. توجه خطابها الشهير والذي تقول فيه "لقد تعبت من التعب"
وايضا "ما من أحد فيكم حر حتى نكون كلنا أحرار". هذا الخطاب الذي نقل على الهواء سبقه فيها مارتن لوثر كينق المبجل الشهير ، لكن ما ان ظهرت على الشاشة حتى ارتبك جونسون وافتعل خطابا للأمة ليس فيه راس ولا قعر حتى يتم قطع بث هذه السيدة الجميلة

Wednesday, 21 September 2016

نجمة ونجمة

في تمام الساعة الثامنة من كل يوم، تحمل والدتي الكرسي البلاستيكي من البلكونة، وتعتدل في جلستها أمام التلفاز قربها صينية شاي المغرب، تخرج نظارتها ذات الإطار الذهبي وتعقف يديها أمامها لتشاهد المسلسل.
أنا أجلس سَلَطَة على أحد كراسي الصالة المريحة ، نصف متابعة نصف سرحانة
يقترب المسلسل من محطته الأخيرة، دعايات ما قبل الختام. تنظر والدتي إلى الساعة قلقة ، أعرف تماما ما ستقوله. 
"مازن دا اتأخر أضربي ليه قولي ليه تعال قوام"
(وفي بيتنا أي حاجة بعد المسلسل هي متأخرة فطبع الريف فينا غلاب)

أتصل بمازن، أعرف تماما ما سيقوله يقاطعني قبل أن أنطق "جاي جاي ..أنا هنا في اللفة"
أي لفة؟ الله أعلم. قد تكون اللفة قرب الدكان المفضي إلى بيتنا، وقد تكون لفة في طريق مدني الخرطوم. المهم مازن سيأتي في الوقت الذي سيناسبه . رغم نقنقاتنا.
طيب!
 وسأغلق الهاتف وأقول لأمي "قال هو في اللفة، جاي"

أتصل، مازن يرد قبل أن أنطق: "أنا مع جاسم" يغلق السماعة
ماما تسأل: قال شنو؟
أرد دون انتباه "قال مع جاسم"
صمت.. نتابع المحطة الأخيرة في المسلسل الذي ينتهي في لقطة مشوقة للحلقة القادمة، ينزل التتر. 
تلتفت أمي بعد مضي ربع ساعة من المكالمة
"جاسم منو؟"
أهز كتفي "ما عارفة"  والحقيقة أن الطريقة الواثقة التي رد بها مازن جعلت إجابته المقتضبة تمر عليّ دون سؤال. كأن قولته "مع جاسم" لا تحتمل السؤال. (مع جاسم) هذه العبارة من شأنها أن تسكت كل شك وسؤال واعتراض.

علاقة ماما مع أصحاب مازن، علاقة عجيبة، زي البحر، مد وجزر. ثورة عارمة وحفاوة غامرة. سواء استلطفتك ماما أو لم، فستكون أنت جزء من البيت، لك ما له، وعليك ما عليه. انظر هذا الحوار الذي كان في أوائل التسعينات. أول سكنانا في الخرطوم

"صاحبك دا أنا قلت ليك ما برتاح ليه! خلاص اتلاقيتوا؟ وخليت قرايتك وبقيت في الجري والتئخر والدواحة؟"
"مافي دواحة ولاحاجة وصحبي دا ود ناس وما تعملوا لينا شكوك ودرامات"
"بعمل! بعمل! اخليك ساي يعني!"
مازن يلوذ بالصمت كعادته
"أسمعني، كلم صاحبك دا يحول لينا دولارات مستعجلة"
أو
ستفتح الباب غاضبة على الصحاب الذين امتدت بهم السهرة حتى الصباح خارج البيت. ولأن مازن ذهب لمشوار. سمتد لهم جنيهات تخبرهم أن يحضروا لها خبزا وصلصة من الدكان.


والحقيقة أننا اسرة نحب الدراما شويتين تلاتة ، ادركت ذلك لاحقا، كل  حدث فيها نعمل له قومة وقعدة، ونؤمن بنظرية المؤامرة في كل شيء. لكن الحق الحق أقول. فهي تجعل حياتنا أكثر متعة.

منذ عودته من أمريكا ومازن يلف حياته بصمت متين يصعب اختراقه. يصعب عليك أن تفهم ما يفكر فيه  أو بما يحسه. معنا وليس معنا. والخرطوم في بداية الألفينيات كانت صعبة عديل. بئر اليأس والإحباط. ماذا تقول؟ بماذا تفكر؟ ماذا تفعل ؟ أين تذهب؟ مافي حاجة. متاهة! الكل يخبط في حائط صلد.

لكن أحيانا تلمح في عينيه خيط من مازن قديم، مازن الطفولة والضحك والحنين. يفاجئني يوما في العربة بأغنية قديمة كنا نترنم بها. فكأنه محبوس في قبو داخله بعيد، يحتاج من ينتشله منه.

"جاسم!"

سنسمع هذا الإسم يتردد أكثر وأكثر. و معها مازن سيخرج من الظلال رويدا رويدا. اليوم سيشرب الشاي معنا . سيقيّل في المنزل دون سبب. سيتكئ في المطبخ مونسا والدتي. سيستلف جريدة والدي ويعلق على حدث ما. سيجلس لمباراة كرة القدم (وليس شغوفا بها كوالدي) ويضحك لتهليلات والدي ولمكاواة أخي الصغير له.

ثم كانت مناسبة في منزلنا، فهلّت علينا جلابيب بيض، يحملون ويعملون ويساعدون ويشاورون. وهو ليس غريب على أصحاب مازن، لكنهم كانوا يساعدون ويشتتون. هسي يجلسون ويشاركون.


وفي كل جمعة، سيستيقظ باكرا، ويذهب للصلاة ويعود مستعجلا، "أمي، داير لي حلة وكانون، سكين وحاجة اغرف بيها.. دايرين برميل البلاستيك" (برميل البلاستيك المقدس بتاع ماما خخخ)  وتشتعل فينا الحماسة أنا ووالدتي (فمازن يشركنا في أمر يخصه) الحلة دي ولا دي؟ شيل الكانون دا أحسن



أصبحنا نتحمس لهذه الكركبة كل جمعة (ما قلت ليكم أننا نحب الدرامات) وفضولنا يتزايد، ما هذه الرحلة؟ أين ستذهبون؟ ماذا تفعلون؟ (في مرة خبزت والدتي فطائر ليحملها معه) "ده شنو ؟ مافي داعي ياخ؟ رحلة شباب عادية فطاير وبتاع!" محرجا بعض الشيء من حماستنا.
"ماشي مع ناس منو؟"
ثم تلك الإجابة الواثقة المقتضبة والتي يقولها مازن وكأنها لا تقبل السؤال
"مع جاسم!"

"جاسم منو؟"

كنت أسمع اسمه في ثنايا حديث الصحاب أبناء شهادة لندن، يتحدثون عن عودة جاسم إلى البلاد، وقبل موجة الطاقة الإيجابية الكانت حايمة قريب دا كانت تجربة جاسم.
"جاسم يقول ممكن"
 "جاسم يقول بوسعنا"
 "جاسم بالفعل بدأ يحقق شيئا".
جاسم كان قد حوّل هذه الونسات وأدارها مية وثمانين درجة بعد أن كان بعض أفرادها قد وضع خطة محكمة للخروج من البلاد بعد التخرج أو البقاء نادبا حظه ممنيا نفسه بوظيفة في منظمة أجنبية ودائرة اجتماعية رتيبة واضعا طموحه وأحلامه في درج موصد.



أنشأ جاسم شركة (ستار اينيرجي) أو (طاقة النجم) أعتقد اقتبسها من اسم والده (نجم الدين) ، لكنها أظنها مثلت تلك الروح الوقادة بداخله التي لا يخبو فيها الأمل. وأذكر تصميم لملصق إن لم تخني الذاكرة كتب فيه شيء مفعم بالعزيمة والتحدي. ويا للخرطوم التي تحتاج الكثير من التحدي والعزيمة والأمل! أعتقد أن فكرتها البارعة هي التعاقد مع وكلاء إل جي على تركيب منتجاتهم بواسطة مهندسين وفنيين خبراء، لا أي كلام والسلام. 

لا أذكر أننا تبادلنا أي كلمة! أذكر حادثة طفيفة لمازن بالعربية، استدعت أن يجلب أوراقه إلى القسم ليسوي الأمور مع الشاكي. فأرسل جاسم. كنت وحدي بالمنزل وعند غياب أمي فإنني أحب أن أغز كوعي بدالها، فتحت الباب وغزيت كوعي وتصنعت الإستياء (ما عارفة ليه مع انه الموضوع ما هاميني ، غايتو علي حركات) : تااااني مازن طقش العربية؟
اذكر انه ابتسم ابتسامة اعياء ولم يرد، استلم الأوراق وذهب.

لاحقا ، فكرت كثيرا في ذلك التعبير، أظنه كان عتاب رقيق لطريقتنا في التعامل مع بعضنا البعض، وهي أننا نضع تصورا جامدا وضيق جدا جدا لما  نريده من أحبتنا نود أن نحصرهم فيه، فإذا لم يسعهم ضيق تصورنا عبرنا عن خيبة أملنا.
لقد كان جاسم مدرسة في المحبة، أتعلم منها الكثير، وأحاول أن أحقق منها الكثير . افتح لحبيبك ألف ألف باب، وسع أملك فيه حتى يسعه. أحاول هذا مع أولادي (أحاول وأنسى) ، لا أسأل إن كانوا الأفضل والأذكى في الفصل، أسأل إن كانوا سعداء، إن كانوا يحبون أصدقائهم، آخذ أحلامهم بجدية : (أريد أن أصبح حارسا في حديقة الحيوان)، (أريد أن أصبح يوتيوبر!!) . 
يلفني عرفان كبير لهذا الفتى الذي احتضن أخي كما لم يحتضنه دمه ولحمه ووطنه. اظنني لا أبالغ بالقول في أنه كان لرفاقه حضنا وسيعا ووطن.
وكما أنبته في قلبه، أنبته في قلب أسرته، فصار لمازن أخوات ثانيات يدللنه كثيرا وعمٌّ (كما سمعت) يحب أن يتصنع التذمر بينما هو مليء بالمحبة ووالدة تبتهج بقدومه كما تبتهج بقدوم ابنها. 
وانتقلت طاقة النجم إلينا جميعا، سرت في بيتنا ، ووسعت من ضيق أحلامنا وآمالنا

 مارس ٢٠٠٧ . تزوجت أخت النجمين الصغيرة (النجومي ونجم الدين) (ما أنا- سارة) ، امتلأ هاتف مازن ببهجة صور التحضيرات والتجهيزات والإحتفالات. 

٧ ابريل ٢٠٠٧. انطلقت قذيفة كاتيوشا من شاحنة حربية تقل أسلحة بوسط الخرطوم، لتشق طريقها وسط المنازل الآمنة فتخترق جدار غرفة وادعة وتجد مستقرها في رأس شاب سوداني اسمه جاسم.

ما اذكره من تلك الأيام العصيبة، هو وجه مازن واصدقاؤه مطمئنين آمنين، فكرة الموت لا يلوح منها خاطر في وجههم. مازن كان يتحرك بكل حيوية ونشاط بين منزلنا ومنزل جاسم والمستشفى. يثرثرون امام العنبر. الحياة نفسها كانت تصطخب في جسده، أيموت هو؟ وهذه الجنازات التي تجرجر أقدامها في الطرقات تحيا؟ أو هذه الجيف التي تدثرت بالسلطة وانتفخت بالنتن ستحيا؟ ويموت جاسم؟ لا يمكن

الثامن من ابريل

صباح التاسع من ابريل. رحل

على الصفحة التي خصصت لذكراه، بين دموع مودعيه ومفارقيه، يكتب مازن: (غريب، عندما أذكره لا أشعر بالحزن، أشعر بشيء طيب، بسعادة تغمرني)
بالطبع! فتلك صداقة المعدن للمعدن. أنا أتشكك كثيرا عندما أمر على وصف (الصديق الذي غيّر حياتي) أصلا أنا أتهيب جدا من الصديق الذي يرغب في تغييرك. فالصداقة في الحقيقة تنقيب. ذلك الذي ينقب في داخلك ويجلو نفيس معدنك أمام عينيك. لترى نفسك التي كانت غائبة حتى عنك. 
لذا لا يمكن أن ترتبط هذه الذكرى إلا بكل ما هو جميل وحفي وطيب وسعيد. نعم سعيد.

نحن نقترب من الذكرى العاشرة لرحيله. كنت أود كتابة شيء من هذا قبل عشر سنوات، مرت مياه كثيرة تحت الجسر يا جاسم. كلما تطلعت إلى صاحبك وهو يضاحكنا، يحمل صغاري وصغار اختي، يسند جدتي التي رحلت هي الأخرى، يتحدث بحماسة عن البلد، يبدي إعجابه بمشروع واعد، واخيرا وهو يحمل مايا بنته ويرنو إليها بمحبة بائنة. تذكرتك يا جاسم. وهمست في سري شكرا.






Thursday, 8 September 2016

حجة شيكسبير في أربعميته



السنة دي "أربعمية" شيكسبير، مرت على وفاته ٤٠٠ سنة.
 قبل كم يوم اتعرض برنامج عن شيكسبير وانطرح سؤال عن جدواه، وعن جدوى عرض مسرحياته ليوم الليلة. هل دا مجرد تعنت أكاديميين ناشفين معتتين؟ وين موقع شيكسبير من كل ما يحدث حولنا في العالم. هل هي كنكشة الرجل الأبيض على الأدب، يحن إلى ماضيه الكولونيالي القديم؟

البرنامج كان مستضيف مجموعة من الممثلين، أجابوا انه شيكسبير، فنان، كان نقيض "الأبيض" "الكولونيالي" ، ومسرحياته كثير ما استعرضت الأسود وعرضته على الجماهير البيضاء الغافلة، والأسود في انجلترا الإليزبيثية هي المرأة، أو العبد، أو اليهودي، أو الغريب وغيرهم.

شيكسبير يثير جدل الكثير من دارسيه والمتخصصين فيه، بين المنكرين أصلا لوجوده، أو المنكرين نسبة بعض مسرحياته إليه، أو الظانين بأنه أكثر من شخص. المهم

المسودة الوحيدة التي يرجح أنها بخط يده فعلا، هي مسودة مسرحية : توماس مور، التي تناوب عليها كتاب عدة بعد وفاته، لكن المقطع الذي يخاطب فيه السير توماس مور جمع الشغب يعتقد أنه لشيكسبير. 
وكأن هذا المقطع لمن تعتبره انجلترا أعظم أدبائها وأحد أهم رموزها، وحده اختار البقاء في المتحف البريطاني ليكون حجة على هذه الأمة.
صورة المسودة بخط يد شيكسبير


ففي المقطع يخاطب توماس مور جموع من الغاضبين في ما عرف بيوم مايو الشرير، وفيه حدثت أعمال شغب لطرد "الأجانب" و" المهاجرين" الذين يسرقون ثرواتنا ووظائفنا ويمحون ثقافتنا من أرض انجلترا.
لوحة لأحداث مايو الشرير


يصيح أحدهم: "أزيلوهم جميعا"

يرد توماس مور من فوره:

"فلنقل أنكم أزلتموهم، فلنقل أن ضجيجكم هذا
أخمد كل جلال إنجلترا
تخيلوا أنكم تنظرون إلى هؤلاء الغرباء الأشقياء
يحملون أطفالهم على ظهورهم، تخيلوا بؤس متاعهم
يتخبطون نحو الشواطىء والموانئ ليجدوا مركبا،
بينما أنتم تجلسون كملوك على عرش رغائبكم
والسلطة ألجمها صخب ضوضائكم
تتمنطقون برباط رأيكم
ما الذي جنيتموه؟ دعوني أخبركم
إنكم تنادون على الغطرسة و قوة الضراع لتسود
تضربون مثلا لقمع النظام، وقس على ذلك
لن يعمّر أحد منكم
لأن ربّاطة غيركم سيحققون رغائبهم
بذات الضراع، بذات منطقكم، بذات صوابكم
وسيقترشونكم ورجال غيركم كأسماك مفترسة
سيتغذون عليكم
فلنقل أن الملك
أُجبر على أن لا يتغاضى عن تجاوزاتكم
واضطر إلى نفيكم، أين تذهبون؟
أية بلاد- وانتم تحملون خطاياكم-ستمنحكم مأوى؟
 فرنسا؟ فلاندير؟
مقاطعة ألمانية؟ أو أسبانيا أو البرتغال؟
أينما حللتم ستكونون هؤلاء الغرباء. هل سيعجبكم
أن تجدوا أمة بمزاج همجي
فائرون في عنف مريع
يرفضون منحكم مأوى على هذه الأرض
يشحذون خناجرهم على حناجركم،
يُحقّرونكم كما الكلاب، وكأنكم لستم
من صنيع الرب، وكأنكم أدنى من أن تتمتعوا
بالنعم التي كأنما احتكرت لهم وحدهم
ما قولكم إن صُنع بكم هذا؟
 هذه هي قضية الغريب
وهذا هو جبل لا إنسانيتكم"

مأساة غرق اللاجئين الإفريقيين على شواطىء ايطاليا قبل سنة(؟) والتي هزت مناظرها ايطاليا
هذه توابيت الأطفال الذين غرقوا


هنا السير إيان مكميلان . الممثل الذي لا يبز في شيكسبيرياته، يقرأ المقطع. (يذكر إيان أن المسرحية منعت من العرض لأن تمجد من شهيد كاثوليكي وانجلترا كانت قد انشقت عن البابوية واعلنت عن كنيستها المستقلة، كنيسة انجلترا. وعرضت لأول مرة من جديد في عام ١٩٦٤)




Saturday, 27 August 2016

عمكم دكتور قدال

"شايفين الكهربا التعبانة دي، أدوها لأي واحد من السفراء القدام ديل يشغلها بكفاءتها القصوى وبأحسن ما يكون"
كان هذا والدي ضمن سلسلة محاضرات بادر بها المعاشيون من السفراء والدبلوماسيين من أجل تثقيف الناشئة في السلك الدبلوماسي (والذي كان حضورهم ضعيفا). وأعزى والدي هذه القدرة للتمرس في مجال الخدمة المدنية. وقال أن هذا كان أحد شروط العمل في السلك الدبلوماسي. أن تكون لديك خلفية في الخدمة المدنية. حيث يكون فيها المرء "خادما عاما" وهي الترجمة الحرفية ل Public servant

ويتلخص حديث والدي عن خبرة قدامى الخُدّام المدنيين في قدرتهم على تقديم (الكثير الممكن) من (القليل المتاح). أن تستخلص كل قدرات المنشأة التي تشرف عليها.


نعم مشاكل الخدمة المدنية عندنا عويصة. من انهيار البنى التحتية الموروثة منذ عهد الإستعمار ومن الحكومات السابقة، قلة الموارد، ضعف تأهيل الكادر البشري وكل الذي نعرف. ثم نأتي بمن هم قليلو الخبرة عديمو المعرفة في مجال الخدمة المدنية ليلحسوا باقي بركة المنشأة. (بدون ما نتكلم عن أكولة اليد)

لدينا معايير عجيبة شوية في من نوكل لهم مثل هذه المهام. عندما أتابع المقالات المدافعة عن الوزير الفلاني أو المسئول العلاني تجد الآتي: كان أول الدفعة. كان أشطر زول في الماث. بدأ حياته بدفار وانتهى بشركة استثمارات زراعية أو دكتور شاطر وعنده مستشفى خاص وجامعة طبية.

اوكيه، مبروك عليهم. ما دخل هذا بمجال الخدمة العامة؟ 
لدينا مشكلة في فهم مسألة الشطارة هذه. نجدها حتى في مجال التعليم. ترانا نجلس مزبهلين أمام مدرس الفيزياء أو الرياضيات الذي لا نفهم منه كلمة (وغالبا يزدرينا جميعا) لكن نخرج من الحصة يملأنا الزهو نقول: مجنون سلوكه فاكة، كلمة ما تقدر تفهما منو ، تعرف دا كان أول الشهادة السودانية .

شاطر في الرياضيات ليس بالضرورة معناها شاطر في تدريس الرياضيات. نضام في الانجليزي لا تعني يعرف كيف يدرس لغة.

حزنت جدا عندما قرأت مقتطف من خطاب وداع لدكتور أحمد أيوب القدال لطلبته في كلية الطب جامعة سنار. وليس هذا الوداع الأول لدكتور قدال من أحد مرافق الخدمة المدنية وأرجو- أرجو هي سبب هذا المقال أن لا يكون الأخير، فقبل وداعه  كرئيس لقسم طب المجتمع ل بجامعة سنار، عمل مستشارا صحيا ببلدية العين، قبلها كان مديرا ومؤسسا لمشروع النيل الأزرق الصحي المهيب. ١٩٧٩-١٩٨٩ (شفتوا انتهى متين؟)



 هذا المشروع الذي نبت عن وحدة مكافحة الملاريا بمشروع الجزيرة ثم مع التخطيط لتوسعة المشروع في امتداد المناقل والرهد سعى القائمين على الوحدة استباق هذا الإمتداد الزراعي بتوسعة عمل الوحدة فكان مشروع النيل الأزرق الصحي الذي أشرف على مكافحة الملاريا والأوبئة المائية في واحد من أكبر المشاريع الزراعية المروية في افريقيا.

في السنوات الأولى من عمل المشروع انخفضت نسبة الملاريا من ٣٠٪ إلى إقل من واحد في المية (٠،٥٪) والأهم من ذلك تم الحفاظ على هذه النسبة طوال فترة عشرة سنوات حتى حدوث الإنقلاب الأليم والذي تم فيه تصفية المشروع وبيع ملحقاته وعربياته وتسريح العاملين فيه .

قرأت قليلا (قليلا شحيحا) في تقارير مشروع النيل الأزرق وتحدثت فيه قليلا أيضا من دكتور قدال. لكنه ذكر أسبابا عدة لنجاح المشروع ، مثلا استمرار المجال البحثي طوال فترة المشروع، اعطاء الأولوية لعمليات الوقاية ، التركيز على الظروف المحلية أثناء عملية المكافحة والتعاون مع الأهالي، ثم تقصي التجارب الإقليمية والدولية في مكافحة الأوبئة.

حدثني د. قدال مثلا عن تغيير نوبة عمل المزارعين حيث تنخفض دورة نشاط البعوض. حدثني عن اقتطاع راتب لأصحاب الكارو في الحلال لنقل القمامة والأوساخ، حدثني عن المراحيض البلدية الصحية التي كانت يشجعون عليها الأهالي بمكافأة هي فلاتر مياه محلية (بتاعت طبقات الحصحاص والتراب ديك) إذا ما قام البيت بحفر مرحاض صحي. حدثني عن الكثير ولا زلت أنتظر من يستنطقه من الصحفيين الذين لديهم معرفة شوية في هذا المجال (مش صحفيي العلاقات الإجتماعية) أرشح معاذ النجومي مثلا.

المهم، خلاصة القول، ها هو دكتور قدال بين ظهرانينا. أمده الله بالصحة والعافية وطولة العمر. فوق أنه "شاطر"، وله خبرة دولية حيث عمل مع منظمة الصحة العالمية، وفوق أنه صاحب أوراق علمية قيمة منذ السبعينات) . فهو متمرس في مجال الخدمة المدنية، يعرف كيف يخدم ابناء بلده. يعرف كيف يدير حملة صحية قدر الإمكان على قلة الموارد وضعف تأهيل الكادر البشري. يستطيع أن يستخلص أقصى ما يمكن استخلاصه.

والأهم من هذا وذاك. هذه النظرة الشاملة لمفهوم الصحة، والتي تتضمن النظافة والتثقيف والعمل الوقائي والبحث العلمي والشراكة الأهلية. هل تسمعني؟ ياهوو!! يا وزير الصحة ولاية الخرطوم والذي كان يرد بكل عنجهة على كل مشكلة صحية بالقول: هذه مشكلة البلدية! والبلدية ليست ضمن اشرافي . أو هذه مشكلة التأمين الصحي وهو تابع للولاية وليس تابع لي. (مشيب)!


كلمتين على جنب يا حكومة. يعني منو وزراء الصحة؟ ما حاجة كدا. الجبتوهم عشان يعملوا الأيلولة عملوها وقضوا ليك الغرض، وفي واحدين بقا عندهم برنامج في التلفزيون هايل بجيبوا فيه أولادهم ونسابتهم وجيرانهم، ها؟ ما قصرتي. هديل هم مبسوطين. خلاص مشيهم.
ايلا مثلا. الناس مبسوطة بالكرانيش وكدا. ما تخش التجربة دي؟ بتاعت الرجل الصحيح في المكان الصحيح

والي سنار. يعني دي حاجة بديهية مش كدا؟

دا تحديدا المحتاجنه هسي في ظروفنا الهسي (بالإضافة طبعا للإنتفاضة الشعبية طبعا طبعا أكيد أكيد) 

رجل مشهود له بالنزاهة. ثم خبرة لا تضاهي في الصحة المجتمعية والخدمة العامة حيث كان مديرا لمشروع ضخم بإمكانيات أقل مما يوفر عادة لمثل هذه المشاريع. فيه كل ما تتمناه النفس من تطوير البحث العلمي، وتأهيل الكادر البشري، وإشراك المجتمع المحلي.

عزوا ال... ال.... إنتوا بتعزوا منو؟




Sunday, 17 July 2016

الحرس الأبيض-رواية تساعية الأبعاد

ترى ما هو سر إعجاب ستالين بهذه الرواية الممسرحة ؟ (الرواية تم مسرحتها في ذلك الوقت) . فنبرة التعاطف مع البرجوازية الصغيرة والكبيرة واضحة! والإزدراء لجيش الفلاحين الذي قام بتحرير مدينة (كييف) واضحة أيضا. وفيها إشارات لسرقة البلاشفة لثورة الفلاحين والالتفاف عليها.
فبرغم الانتقادات اللاذعة التي انهالت عليه من نقاد وكتبة الاتحاد السوفييتي الا أن ستالين نفسه شاهد المسرحية ١٥ مرة مع التصفيق الحاد في نهاية كل عرض.




حاولت البحث عن رابط الترجمة إلى اللغة العربية لرواية الحرس الأبيض لكاتبها ميخائيل بولغاكوف.  فوجدت أن الترجمة العربية ستكون متوفرة (قريبا) في القاهرة. ولا أدري متى هذه القريبا. لكنها بشرى سارة.




لم أتخيل يوما أن أقرأ هذا النوع من الروايات المسمى (روايات الحرب) . ظللت حتى منتصف الرواية أنتظر اعلان نهاية المعركة والإنتقال لدراما الروايات العادية حب فراق وصال هجر حوارات صالونات. لكن شيئا من ذلك لم يحدث حتى أوصلني الكاتب لنهاية الرواية. لكنها بديعة. بديعة حقا.

الرواية تحكي عن المدينة (لا يسمي كييف بإسمها) إذ أن كل ما يمور في البلاد منتهاه ومربطه المدينة (هل هذه هي خطيئة العاصمة التي تحدث عنها الكاتب قصي همرور- أنظر هامش المقال)
المدينة في مفترق تاريخي عصيّ. أحداث متراكبة.  لكن السرد لا يوقعك في أي نوع من البلبلة بل يدير هذه التقاطعات  ببساطة مدهشة. فأوكرانيا كانت تقود حركة استقلال عن (الامبراطورية الروسية) في خضم الحرب العالمية الأولى بما فيها من صراع القوى  ،وفي خضم الثورة الروسية التي نهت الحكم الملكي!!! المدينة بها وحولها عدة جيوش. جيوش تبدل مواقع ولائها بإستمرار في ظل حساب موازنات القوة(إلى من ستئول السلطة حين السقوط). هناك الجيش الألماني الملكي. جيش روسيا الملكي والذي فجأة يتحول إلى الجيش الأحمر اثر انتصار الثورة الروسية. هناك جيش أوكرانيا المكون من ضباط أوكرانيين كانوا جنودا في الجيش الروسي الملكي. هناك جيش الفلاحين الأوكراني المسنود بالدولة الروسية الجديدة.




تبدأ الأحداث بإلتفاف أسرة توربين حول جنازة والدتهم والتي يرتبط رحيلها برحيل زمن لعله يمثل أمان الأمومة. يعودون إلى المنزل الذي أصبح كئيبا وتتسرب إليهم من الخارج أصوات الرصاص. رصاص من؟ أي جيش؟ معركة؟ ام مجرد مناوشات؟ المدينة تظل حتى لحظة سقوطها الأخير (بل وبعد ذلك) مسكونة بالشائعات ولا يعرف أحد ما الذي يحدث؟ من المسيطر؟ لا ولا حتى الجنود على أرض المعركة ذات نفسهم.  لا أحد يعرف.

بطل الرواية -ولا أدري إن كانت تصح تسميته بذلك فهو ليس محور الأحداث، لعل البطل الحقيقي هو ذلك الصراع بين القديم (الّلا- بد) زائل والجديد (اللاّ -بد) قادم- أليكس توربين طبيب وضابط في جيش الحرس الأبيض، ملحد، أعزب، لكنه متعصب لقوميته الأوكرانية . أخته إيلينا الرقيقة، مسحة من روح أمها الحنون ومن ذلك الزمن السمح الزائل، وهي الغراء الذي يماسك الأسرة، متزوجة من ضابط نشيط انتهازي يلعب لعبة القفز من مركب غارق إلى آخر ضمن الأحداث المتقلبة. الأخ الأصغر نيكولكا طالب بالمدرسة الحربية (والآن هو جندي) الأكثر حماسة وتفاؤلا بسراب النصر. ثم هناك وصف مفصّل لشخصيات الأخرى كالجار الذي يتحوط لمآلات الحرب  فيخزن في مخبأ سري عملات مالية مختلفة وسندات واوراق رسمية لحكومات مختلفة وكل ما من شأنه أن يسند ظهره من رميات نرد القدر العشوائية.

يجتمع في منزل آل توربين كل يوم مجموعة من ضبّاط الجيش الأبيض وبرغم تنوع شخصياتهم فإن الكاتب يؤكد على شيء واحد يجمعهم. النبل أو الشرف. كلهم نبلاء بطريقتهم الخاصة. هذه الصفة تحديدا التي أظهرها بولغاكوف في روايته ما جلب عليه سخط الآلة الإبداعية الرسمية السوفيتية.

في الرواية شيء غريب.  هذه التقنية التي أظنها الأثقل على الكُتّاب. إلا أنها أكثر ما يعلق في لاوعي القارئ. أعني (اللاندسكيب) أو وصف مسرح الحدث، كتفاصيل المنزل، أو منحنيات الشارع، أو وصف الطبيعة. في رأيي أنه الأمر الأصعب والأثقل على الكاتب. قد برع فيه الكتاب الروس في القرن التاسع عشر والعشرين. هل يا ترى الطبيعة في الأراضي الأورو-اسيوية تلح على عقل كتابهم وشعرائهم وتملأ وجدانهم فتتسرب في كتاباتهم بهذا الشكل البديع؟ يلزم المرء الحج إلى هناك ليتحقق بنفسه. وصف الطبيعة في الرواية بديع بديع !
ووصف الطبيعة ليس وصفا سلبيا. أي أنها ليست مجرد خلفية تتفاعل فيها أحداث الرواية. بل يتأكد لك منذ البداية أنها شخصية رئيسية في أحداث الحبكة. تتبدل وتتأثر وتؤثر. في رواية الحرس الأبيض ربوة القديس فلاديمير يُتَوِّجُها (أو ينغرز فيها- حسب وقائع الرواية) صليب أبيض كبير، تطل على المدينة وتلقي بظلالها عليها. أنظر هذا الإقتباس (الترجمة مني)

(واصل الليل سريانه. وفي نصفه الثاني،  حُفت قبة السماء، هذا الستار الذي أسدله الرب على العالم، بالنجوم. وكأن قُدّاسا ليليا أُقيم في العُلُوّ اللاّنهائي خلف ستار المذبح الأزرق القاتم. أُوقِدَت الشموع على المذبح فرمت بصلبانٍ وتربيعات وعناقيد ضوئية  على الستار. وعلى ضفة الدنايبر فإن صليب القديس فلاديمير الليلي إنطلق من جليد الأرض الآثمة المضرجة بالدماء نحو السماء المكفهرة . من على البعد بدا وكأن تقاطع الصليب تلاشى فتماهى خطا مستقيما، محيلا الصليب إلى سيف صارم متوعد.
لكن السيف ليس مرعبا. فكل شيء سيمضي، المعاناة والألم، الدم، الجوع والوباء. والسيف سيمضي كذلك. وحدها النجوم ستبقى بعد أن ينحسر ظل وجودنا وعملنا عن الأرض. ما من امرء إلا و يدرك ذلك. فلماذا اذا لا نُحوّل أعيننا نحو النجوم؟ لم لا؟)

ومع الوصف الحريف للطبيعة تجد أيضا وصفا حريفاللحركة والمرض والروائح.وكأنها رواية تُساعية الأبعاد.  فتلهث أنفاسك وأنت تتفادى مع نيكولكا طلقات الرصاص. وستمسح العرق عن جبينك وأنت تكابد الحمى مع أليكسي توربين. وستصك العفونة أنفك وأنت تتجول في المشرحة تبحث عن القائد ناي تور . يا الهي! هل  أشار الكاتب إلى نفسه ب"المعلم" في روايته المعلم ومارغريتا؟ هو فعلا كذلك.


لكني  لا أجد بعد سببا لإعجاب ستالين بالمسرحية. ظننت أنه ربما هو تلك الروح الرفاقية العسكرية المتبدية في الكتاب. لكن ستالين لم يكن يوما جنديا نظاميا (كان قائدا عسكريا في بعض الحروب بقرار سياسي ولكنه لم يكن ضمن المنظومة العسكرية). فلن يعرف تلك الإحاسيس التي يصفها بولغاكوف. خيانة القيادات، تعاضد الجنود عند الإشتباك، مرارة انتظار الموت، فتل خيوط الشجاعة من أقاصي الروح، أدرينالين البقاء وغريزة المقاومة الحيوانية ثم لحظات التأمل الطويل عند السكون والإدراك التام لعبثية القتال عند القتال. في الرواية يحلم أليكسي بعد ليلة سُكْر ثقيلة، بأنه ذهب إلى الجنة. وفي الجنة يجد كل الجنود، الأعداء والرفاق. كلهم داخل رحمة الرب في تشكيلاتهم العسكرية.كلهم متساوون في عينه. نعم حتى البلاشفة الملحدون. البلاشفة يا رب؟
 " وماذا إذا لم يؤمنوا بي؟ هذا شأنهم . فالأمر لا يعنيني، ويجب ألا يعنيك كذلك. فليس في الأمر خسرانا أو ربحا لي سواء أن آمنت بي أو كفرت"
مساكين القساوسة
"القساوسة؟خير لك أن لا تذكرني بهؤلاء القساوسة. لقد احترت في أمرهم. إذ أنه ما من بلهاء على أرضكم هذه أكبر من هؤلاء القساوسة . سأطلعك على سر يا جيلين، انهم ليسوا بقساوسة ، انهم خزي وعار"

لعله التشفي هو الذي دفع بستالين أكثر من ١٥ مرة إلى المسرح. نعم فإذا كنت على الجانب الآخر، يمكنك قراءة الرواية بتشفي، حتى التعاطف مع هؤلاء النبلاء المنقرضون فيه نوع من التشفي. النبلاء الذين كانوا يسقطون مغشيا عليهم عند مشاهدتهم المسرحية واسترجاعهم للأيام الماضية.


عرض المسرحية على مسرح موسكو عام ١٩٢٦



أو، لعل مسألة التذوق الأدبي تجد مدخلا في جلد أثخن و أجلف وأقسى الطغاة. (هتلر كان يرسم بالألوان المائية) . فربما كان متذوقا لهذه الكتابة الساطعة بحق. فهو القائل ردا على الوشاة الذين حاولوا ايغار صدره على الكاتب بالنفي أو السجن (كما حدث لكتاب غيره): إن كاتبا في قامة بولغاكوف هو فوق "اليمين" و "اليسار"

مع ذلك فقد كان الحظر لأعماله يأتي أحيانا من ستالين نفسه.

بولغاكوف الخارج عن تشكيلة الكتاب السوفيتيين ذاق الأمرين منهم ، برغم نبوغه الساطع بينهم. فقد غمطوا ذلك السطوع وألهبوا ظهر أعماله بالنقد اللاذع في الصحف كونه رجعيا يحن لأيام ما قبل الثورة. حتى اضطر بولغاكوف اثر هذا القمع والغمط أن يكتب رسالة إلى ستالين (الذي كان ينال قسطا وافرا من النقد والسخرية في أعمال بولغاكوف بشكل غير مباشر) ، قرأت مقالة تفسر مثل هذه الرسالة وهذا الموقف من بولغاكوف والعديد من الكتاب المارقين، أنهم كانوا يرون خروجهم كخروج الإبن على الأب المتسلط والرحيم في آن. الذي وإن أزعجه هذا النقد فإنه يظل يحتضن أبناؤه. في رسالة بولغاكوف يشتكي من الفاقة وضيق الحال بسبب القمع الذي يلاقيه ويطلب أن يسمح له ستالين بالخروج من روسيا لكي يتكسب قوت عيشه. عندها يتصل ستالين على بولغاكوف مستفسرا (هل حقا تريد ترك روسيا؟) (لا ..فلا عيش لي ككاتب خارجها) فيتعطف ستالين عليه ويمنحه وظيفة هامشية في المسرح ظل فيها حتى وفاته، وقد سجل سنينه المأساوية هذه في رواية اسمها (الثلج الأسود)

آخر أعمال بولغاكوف هي (المعلم ومارغريتا) . هذه الرواية التي مَسّخَت علي سلمان رشدي وللأبد. فقد كان لرشدي عندي خاطر الأسلوب البديع. لكنه يبدو أنه لم يكن سوى مقلد لبولغاكوف في روايته. في الرواية يلخص بولغاكوف المشهد الثقافي في الإتحاد السوفيتي و ضغينة الكتاب الرسميون عليه. نشر الرواية وسط أصدقائه ، حيث أقام حلقات قراءة كانت كوة النور الوحيدة التي رآها هذا العمل في حياته. ولم تنشر الرواية إلا بعد سنين من وفاته بواسطة زوجته.


نعته آنا أخماتوفا والتي كانت هي أيضا منفية بقصيدة رقيقة:

في ذكرى م.ب

أهديك هذا. لا زهورا على قبرك
لا عيدان بخور مشعلة
 اعتصمت بعزلتك
مبقيا على احتقارك العظيم حتى النهاية

احتسيت الخمر، ورويت لاذع النكات
واختنقت داخل الجدران الكاتمة
وحدك سمحت للغريبة الفظيعة أن تدخل
وبقيت معها وحدك

ثم رحلت، لم ينطق أحد منهم بكلمة
عن حياتك المضطربة الشاهقة
وحده صوتي- كناي- سينعيك
في مأدبة عزائك الأخرس


من كان يظن أنني- نصف المجنونة أنا
المصروعة بالبكاء على الأمس المقبور أنا
الذاوية على نار هادئة
أنا التي فقدت الكل ونسيت الكل

أنني أنا المقسوم لي أن أنعي رجلا
مترع بالقوة والعزيمة والإبتكارات اللامعة
والذي كأنه بالأمس القريب كان يثرثر معي
مخفيا ارتعاشات ألمه الفاني



ميخائيل بولغاكوف


------------------------------------------------------------
مراجع من النت:
١- قصي همرور:خطيئة العاصمة" مشكلة المدينة الضخمة في العصر الحديث، والوهم الذي تغذيه في سكانها - سواء في البلدان الفقيرة أم الغنية أم المتوسطة - بحيث يتكيّفون داخلها على مظنة أنهم يمثلون البلاد كاملة ويعرفونها ويمكنهم الحديث عنها، الأمر الذي بدوره يجلب مظنة أن الحراك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في البلاد مُمَثَّل كله أيضا في تلك المدينة وبنفس النسبة الموجودة في باقي البلاد. حين يتمكّن هذا الوهم من سكان العاصمة تتساوى عندهم البلاد والمدينة، فمثلا يقولون "السودان كيت وكيت" ويقصدون فقط الخرطوم، وأحيانا كثيرة بدون وعي منهم. يصبحون غرباء عن بقية بلدهم، تماما كما الغرباء خارج الحدود، لكنهم لا يعون ذلك. وهذا الوهم الكبير له انعكاسات كثيرة وكارثية على المآلات الاجتماعية والسياسية، والطموحات الاقتصادية، لأهل البلاد جميعها


٢-قصيدة آنا أخماتوفا https://matthewsalomon.wordpress.com/2008/03/20/anna-akhmatova-in-memory-of-mb/

٣- مقال حول حكاية بولغاكوف ومسرحية (أيام توربين) الممسرح عن الروايةhttps://www.theguardian.com/culture/2010/mar/20/will-self-white-guard-bulgakov

٤- الصور متفرقة من الإنترنت