Monday, 15 May 2017

يا ملم الروح

لقد كتمت الهوى حتى تهيمني
لا أستطيع لمثل هذا الحب كتمانا

حالي كحال جرير ، أكتب حبا لم أجد بدا من البوح به قبل أيام لدى صاحبة صدوقة هي الإعلامية المتميزة الأستاذة مشاعر عبدالكريم وقد عرفت أن بها ما بي. ومثلي تصرعها المحبة الفائقة عن البوح المنظم بالكتابة الرائقة المفهومة فترانا نولول كالزين
"ايه يا مشاعر ! أنا مكتولة في حوش منظمة الملم دارفور"
فأجابت في التو والحال "والعجيبة أنا"

فرحة الاهل بمحطة المياه وقد استقبلتهم نساء الحلة وقد تزين بما لديهن من حلى الذهب ورشوهم بالعطر. سآلهم ما الذي تحتاجونه آيضا ؟ فآجبن: بعد الماء؟ لا شيء!

ولكن لا بد مما ليس منه بد، سأعجم كنانة الحرفة والكتابة لأتحدث عن منظمة الملم دارفور. أول معرفتي بها كان عبر رابط في صفحة إعلامية متميزة أخرى عزاز شامي، فكان حبا من أول نقرة. وللصدفة العجيبة بعدها بوقت قصير راسلتني الأستاذة ميسون أتيم للمشورة حول حملة إعلامية من أجل منظمة الملم، هل تعرفينها؟ ومن فيض المحبة- لا الغفلة- لم استطع فعل شيء والقلم له رافع
علي أن ادخل في الموضوع ولا أسرف في العاطفة، أنا بالمناسبة لا أخجل من العاطفة التي أتحرك بها تجاه العمل العام، (كبرنا على الخجل من العاطفة). كنت قد حاولت الإشارة لمنظمة الملم في مقال سابق لي اسمه (يوم المرأة للرجل) وعلقت أملا كثيرا في المنظمة في نصرة المفهوم الأوسع للنسوية.
أحاول أن أجد تفسيرا لربطي الدائم بين مشكلة دارفور وجنوب كردفان ومنظمة الملم منذ يأس بعيد منذ مؤتمرات الصلح الفندقية والاتفاقيات العجولة والمناورات العسكرية الحزينة التي تحصدنا حصدا وتأفف المجتمع الدولي، وسط هذا البحر المظلم المتلاطم تبزغ منظمة الملم كمنارة ، كيابس النجاة.
لكن لماذا؟
هناك عدة ملامح من المنظمة التي يقف على أمرها الإعلامي السوداني المتميز بحق الأستاذ لقمان أحمد وابن منطقة الملم هي التي خطفت قلبي. أولها ذلك التجاهل العنيد لظروف الحرب وهي ترفع راية الإعمار التي قد تبدو مستحيلة في ظل الظروف الحالية، وتنويرها لعقلي الضيق ان هناك خيار اخر غير اللجوء أو الموت، وهو اقوى الخيارات على الإطلاق وابلغها في وجه البندقية الغاشمة، الا وهو خيار الحياة. خيار الحياة هي لطمة الضحية على وجه الجاني. ومنظمة الملم حسب ما هو منقول عن صفحتها تؤمن بمبدأ السلام عبر التنمية


منقولة من صفحة لقمان آحمد
.
لكن أي اعمار؟ أولى المشاريع التي وقعت عيني عليها في أعمارهم لإحدى نواحي المنطقة هي إعادة بناء سوق محلي ودكاكين، ثم بناء مخزن لمعدات زراعية والعمل ((مع)) لاحظ مع هذه، مع المجتمع المحلي في وضع خطة زراعية تجارية للمنطقة. هنا مدخل بارد غير ما عهدناه من عمل منظمات الغوث. هنا قبلة الحياة الكاملة.
اذا هذا المنحى "اللا غوثي" في العمل العام يعجبني كما تعجبني هذه الشراكة الأهلية التي هي ركيزة المستقبل والتي من الأجدى للأحزاب غير المشاركة والمعارضة الالتفات لها، اذا أردتم "المومنتم" كما يقول الخواجات، أي: اذا اردتم قبض الجو في الفترة القادمة فهذا سبيلكم، عبر بناءكم لأكثر من شراكة بينكم وبين المجتمعات السودانية المتعددة.

وذا قولي الذي افصحت به حول المبادرات الطوعية والأهلية لشبابنا، حول النفير القديم سيد الإسم وشارع الحوادث الأول الذي خبرناه نحن أهل الأقاليم، حكينا عن عمل أبناء المنطقة المغتربون في اعمار المستشفيات والمدارس وانارة الطرق وتوصيل المياه منذ السبعينيات والثمانينات وقلنا أن ما يميز عملهم عن عملنا الطوعي الحالي هي هذه الشراكة الأهلية وتشجيع أنماط الإدارة الأهلية للمشاريع التنموية والتي هي ضرورة لا بد منها. (قلنا اذا كنت ستؤهل عنبرا اربطها بلجنة مكونة من أولياء المرضى مثلا مثلا)



لا تضايقني محاضرة الملم في مركز الزبير طه ولا تواجدها في المناسبات الرسمية للحكومات المحلية في دارفور ولا العمل الذي يجدها في تقاطع مع الحكومة (وطبعا حكومتنا جاهزة لقص اي شريط افتتاح طاير، وتشريف خيمة اي مشروع لم ترمي فيه حجرا)، فكل من يشمر ساعده ويغرسها عميقا في تراب الوطن وملحه وطينه سيلقى شيئا من هذا، والذي لا يعرف يقول بعدس القطيعة والنأي والتذرع بعصمة وفضيلة اللافعل- واللاعمل والتي هي قاتلة ودموية تماما كأنتينوف وبندقية السلطة.



يا سوداني ويا سودانية أنعش روحك بصور المشاريع الحنينة لمنظمة الملم سواء كانت محطة إنارة عبر الطاقة الشمسية بالملم أو محطة مياه في القرى الشرقية لريفي الملم أو شراكة مع كلية الهندسة جامعة نيالا في سحن الرماد البركاني لتصبح موادا بناء حجرية نحو ابنية أكثر متانة (وأنا كنت أيضا أقول: سجم جامعاتنا الوطنية! لكن قليل من السياحة في اليوتيوب وفيديوهات الخبراء والعلماء في دول العالم الثالث تؤكد كلها شيء واحد، ان لا تهاون أبدا في الحكمة المحلية وحلول المجتمع المحلي) كل هذا عبر صفحة لقمان أحمد مؤسس المنظمة وابن المنطقة صور باهية مصحوبة بحكاوي من الطفولة أو سير من المنطقة في غاية الرقة تأسرك من فورها. تابعوا صفحة لقمان أحمد على الفيسبوك
Lukman Ahmed




الصور منقولة من صفحة لقمان آحمد على الفيسبوك

هل أرسم صورة وردية لواقع قاتم؟ هي وردية بلون لحمنا الحي مشدودة بالعصب الحي والشرايين الحية حتى لا نقع أسر الصورة القاتمة الباعثة لليأس. وقد قلتها من قبل إن الغضب والقتامة هي تكتيكات قصيرة النفس، لا بد من تدعيمها (لا الغائها) بصور الدارفوري والنوباوي النهم للحياة ، الفاعل، القائم ليس فقط الضحية، ليس فقط المغلوب على أمره. او دعنا نستخدم مصطلح الأكاديمي اليوغندي والذي كتب كثيرا في الشأن السوداني: صورة الناجي.
بالنسبة للحملة الإعلامية لدعم منظمة الملم، وأنا أتابع حملات تجميع التبرعات المختلفة في دول العالم السابق، هناك منحيين: 1- تسهيل وتبسيط عملية الدعم لأقصى حد (لأنه الحياة العصرية معقدة بما يكفي) 2- وضع هذا الدعم في إطار تمكيني تحفيزي للمتبرع- ليس المتبرع اليه وحده المستفيد بل إن المتبرع ذاته يتبرع لأجل تعزيز انسانيته ولظنه أنه يمهد عالما أفضل لخلفه وذريته. لذا هناك تخلص من جو القتامة في التبرع والتركيز على جو احتفائي فيها (النموذج الذي يأتي في بالي هي حملات السرطان هناك حفل شاي لجمع تبرعات لسرطان الثدي كل أكتوبر ، حيث يمكن لأي واحد ان ينظم حفل شاي في المدرسة في الحديقة وسط الجيران او في مكان العمل ويتبرع الناس وهم يحتسون الشاي ويلتهمون الكيك بما يجودون به في صندوق توفره لهم منظمة السرطان. وهناك أيضا حفل شواء رجالي في نوفمبر على ذات المنوال يمكن لأي أحد ان ينظم حفل شواء وبعضهم يحضر طبيبا يحاضرهم في العادات الصحية الواقية ويتبرعون في صندوق توفره أيضا المنظمة)
كنت افكر في تجمعاتنا السودانية الكثيرة (في الغربة وفي ارض الوطن) وصندوق عليه شعار الملم يشارك صغارنا وكبارنا في جمع المال فيه، في لمات رمضان في العيد في البرامج والأفراح والأتراح- شيء يقول بلادنا في البال والخاطر. ثم يحدد شهر احتفالي من كل عام قل يناير او فبراير او مارس او نوفمبر ، شهر بوسع أي أحد أن يختار أي يوم فيه وينظم جلسة جبنة  مثلا مفتوحة للكل خواجات ووطنيون بمعارض تراث واغاني صاخبة حية وجمع تبرعات للملم.
طبعا هذا يتطلب فريقا يصمم موادا إعلامية مطبوعة ومسموعة ومرئية مختلفة تستعرض عمل المنظمة السابق والحالي والقادم بلغات شتى. ويتطلب نوع من الهيكلة ونوع من التعاقد مع بعض افراد المجتمع ليتطوعوا أو ليعملوا بتعاقد جزئي للقيام على جمع التبرعات وهو امر صعب في الغربة حيث تضعف علاقات الثقة بين افراد الجالية للأسف. لكن ظني أن الإصرار والصبر على الأذى والمثابرة في النهاية يمكنها ان تخلق نوعا من صلابة الثقة في عملية جمع التبرعات هذه.
وقد ذَمَّمْت الأستاذة مشاعر عبدالكريم (أي جعلت الأمر في ذمتها) أن تقدم حوارا مع الأستاذ لقمان حول المنظمة. وحبذا لو تسافر هناك وهلت ابتسامتها في الملم لتزيد المكان على اشراقه اشراقا.




Wednesday, 12 April 2017

الفن أولا... الفن أخيرا


نشر بالممر الثقافية بصحيفة السوداني

الفن أخيرا ... الفن أولا

كثيرا ما يدور الجدل حول أولوية الفنون بين الإحتياجات الإنسانية الأخرى. وكثير ما يجد الفن نفسه معافرا للخروج من موقعه الأخير في قوائم الأولويات المختلفة كقائمة المناهج المدرسية أو قائمة منصرفات الدولة أو قائمة النضال . ولا يختلف جوهر هذا الجدل في البلدان المتطورة أو النامية أو المضعضعة ولكن قد تختلف حدته أو نبرته.
وفي خضم هذا الجدل تبرز صورا مختلفة للفن، تارة كمكافأة وصول لليوتوبيا ومجتمع الكفاية والعدل، أو هو منشط الإنسان الكامل الذي تجاوز الحاجة الحيوانية الملحة و يسعى لتحقيق انسانيته، هو وسيلة تربوية لترقية الفرد والمجتمع، أم هو تعبير وتجلي انساني مُلحّ و عنصر وجوده.
أم هو الدرب والوجهة ومركب الوصول على حد السواء؟
في عام 2014 ألقت الممثلة الآسترالية المعروفة "كيت بلانشيت" خطابا في تأبين رئيس وزراء أستراليا السابق (قوف ويتلام) والذي يعتبره الكثيرون – رغم قصر فترة حكمه-مؤسسا للدولة الأسترالية الحديثة ورائدا لنهضتها وواضع اللبنات اللآساسية لمؤسسات الرعاية والرفاه الإجتماعي. خطاب بلانشيت هز الأوساط الأسترالية و الإعلامية أكثر من الخطابات التي ألقاها السياسيون المخضرمون. بسبب توقيته الملتهب. فقد القي في خضم جدل واسع حول سياسات الحكومة الليبرالية التي لا تألوا جهدا في التملص من السياسات التي غرس ثمارها قوف ويتلام. وتجدون في فيديو الخطاب على اليوتيوب –والذي أنصح تماما بمشاهدته- تصفيقا حادا من الجمهور (وحتى العازفين على المسرح) في كل فقرة من الخطاب تشير فيها لهذا التملص وترون تجهما واضحا وحنقا غير خفي من وفد الحكومة والحزب الليبرالي المشارك في التأبين.
أجد نفسي أقارب بين قوف ويتلام و جمال عبدالناصر في الوسامة التي لا تخطئها العين والجسامة والسيرة الملحمية لكليهما وكذلك النهاية التراجيدية. فقوف ويتلام ترأس وزارة أستراليا في الفترة من 1972 حتى عام 1975 حين تم حل حكومته بواسطة الحاكم العام  (السير جون كير) بسبب تعنت المعارضة التي كانت تملك أغلبية في مقاعد مجلس الشيوخ. يومها كانت وقفته ملحمية أمام مقر الحاكم العام الذي انتهى لتوه من قراءة قرار التنحية واختتمها بالجملة المعتادة "فليحمي الرب الملكة" ، صمتت الجماهير المجتمعة في حديقة المبنى في انتظار تعقيب قوف الذي ابتدر الخطاب بقوله " نعم، فليحمي الرب الملكة جيدا لأنه ما من شيء سيحمي السيد كير (من محاكمة التاريخ)" وثارت الجماهير بتصفيق حاد وضحك سخرية ثم أضاف "إن القرار الذي تلاه عليكم السيد الحاكم العام كان بمباركة السيد فريزر (رئيس المعارضة والحزب الليبرالي) والذي سيذكره التاريخ في مثل هذا اليوم بـ"جرو" السيد كير" –مستخدما هنا ببراعة التشابه الصوتي بين اسم الحاكم "كير" وكلمة كلب هجين بالإنجليزية.
فإلى خطاب كيت بلانشيت   (الخطاب موجود على اليوتيوب انصح تماما بمشاهدته)
"عندما سمعت بوفاة قوف ويتلام اعتراني حزن طاغي، وأسى عظيم. لم أكن قد بلغت سن المدرسة حين انتهت فترة رئاسته، فلماذا أبكيه ؟ أن حضوره في مسيرة حياتي محوري وهام، ولم يكن أبدا مختالا فخورا، فما الذي افتقدته؟
الفقدان الذي أحسه منبعه عميق وبسيط في آن، فأنا ابنة التعليم العالي المجاني. (تصفيق حاد بمشاركة العازفين على المسرح) عندما دخلت الجامعة كان بوسعي استكشاف مختلف التخصصات و الاندماج في أنشطة وبرامج اتحاد الطلاب، وكان عبر هذه الأنشطة أن اكتشفت حبي للتمثيل.
أنا ابنة الرعاية الصحية المجانية الجيدة، (تصفيق حماسي والكاميرا تلتقط تجهم رئيس الوزراء الحالي وحاشيته) وهذا يعني أن القليل الذي كنت أكسبه من عملي بعد دفع الإيجار والضرائب أنفقه في حضور الفرق الموسيقية والمعارض والمسارح والحياة داخل تعبير جيلي.
أنا ابنة المجلس الأسترالي، وابنة سياسة خارجية وضعتنا على مسرح الأحداث العالمي. انا ابنة استراليا تتفاعل مع العالم وتتحاور بصدق مع تاريخها وسكانها الأصليين.
أنا جزء صغير من حكاية نضج استراليا، وكل هذه المبادرات التي ذكرتها تم وضعها وأنا بعد في الثالثة من عمري.
في عام 2004 وبعد أعوام من العمل خارج البلاد، رجعت إلى استراليا للمشاركة في مسرحية (هيدا قابلر) من انتاج فرقة مسرح سيدني, فرقة أحبها جدا. فرقة مسرحية ما كانت لتوجد دون مبادرات قوف ويتلام، ودون سيرته الخالدة.
ثم قمت بتصوير فيلم صغير في ذات العام اسمه (سمك صغير). رواية مدينية في حي متنوع ثقافيا في غرب سيدني. قصة تحكي عن شابة في علاقة مع شاب استرالي اسيوي، خلفيتها تتخللها حكايا عن المخدرات واشباح الماضي. أن مثل هذه القصة ما كانت لتروى لولا التغيرات الجذرية في الحوار الثقافي الأسترالي الذي شكلته سيرة قوف ويتلام.
ففي عام 1972 وقبل ويتلام ، كانت الدراما الأسترالية عبارة عن اهزوجة رعوية، لا علاقة لها بالحضر ولا التنوع الثقافي. الفيلم كان من بطولة هوقو ويفنج، نوني هيزلهيرست وسام نيل، ممثلون بارعون وكلهم ابناء الموجة السينمائية الأسترالية التي أطلق لها قوف ويتلام العنان ابان فترته في الحكومة.
القصة احتضنت اسيا والتنوع الثقافي، كانت قصة قاسية حادة وغير رومانسية  أخرجها مخرج استرالي بارع هو روان وودز وكاتبة استرالية جاكلين بيرسك، كلاهما تخرج من (أفترز- المعهد الآسترالي للفيلم والتلفريون والراديو، جسم حكومي تأسس في عهد ويتلام لتطوير وترقية الفنون) وغالبا درسوا فيه مجانا، والفلم انتجته شركة بورش لايت، برعاية مؤسسات فيلم حكومية برزت للوجود بفضل مبادرات خرجت من فترة حكم قوف ويتلام.
فيلم (سمك صغير) عبر بطريقته الخاصة عن نضج الحس الدرامي الأسترالي على أكثر من مستوى –بعد ثلاثين عاما من التغيرات الأساسية والدعم الذي غرسه قوف ويتلام.
أنا لا أحكي هذه القصة لأشوح فخورة بفيلم سمك صغير في وجوهكم، لكن لهذا السبب البسيط. فالفيلم تم تصويره في حي كبراماتا- سلامات يا أهالي كابرماتا !! – في قلب الدائرة الإنتخابية لقوف ويتلام. واليوم وجدت نفسي مكلفة للحديث عن الأثر الذي خلفه قوف ويتلام على النساء وعلى الفنون، فغرقت في الحيرة ولم اعرف من أين أبدأ.
لذا غرزت دبوسة بشكل عشوائي على الخريطة، ذلك أن أثره في الخريطة السياسية الثقافية هي من الاتساع بحيث انه اينما غرزت دبوسك انهمر فيض من سيرة قوف ويتلام. ممثلون استراليون بارعون- مخرجون وكتاب افلام- المعهد الأسترالي للفيلم والتلفريون والراديو، فرقة سيدني المسرحية-كابراماتا- التعدد الثقافي- حكايا المدينة- علاقة استراليا مع اسيا- ثقافة قومية معقدة تعيد فحص ذاتها عبر دراما معقدة ومكتوبة ببراعة- والقائمة تطول !! وكل هذا من غرزة دبوس واحدة في فرع من الفنون من منتفعة واحدة. وها أنا أشعر بالإرهاق لمجرد المحاولة في تصور الأمر.
على ذكر الإرهاق! انا ام عاملة لثلاثة ابناء، عندما قبلت الدور في فيلم (سمك صغير) كنت قد أنجبت لتوي ابني الثاني. لم يرتفع نحوي حاجبا. لم يصدر أحد حكما. لم يصمني أحد بالعجز. ذلك أن ثقافة الوعي بالمرأة وحقها في الأجر المساوي في العمل كان قد خاطبته حكومة قوف ويتلام بهمة عالية.
كحق الأمهات في الدعم المادي.قبل عام 1973 وقبل قوف ويتلام. كان ذلك المعاش محصورا للأرامل، لذا توسيع المعاش ليشمل الأخرين أتاح فرصة الخيار للأمهات العازبات في الطريقة التي يربين فيها ابناْءهن، وساهمات في محو الوصمة التي كانت تحيط بالأم العزباء.
هناك الكثير الذي أود أن أقوله. حتى من زاوية نظري الصغيرة الضئيلة الهامشية. لذا ما أود فعلا أن أفعله في هذا التأبين أن أتخيل أنني فوف ويتلام لدقيقة. لا تقلقوا لن أقوم بتقليده ، فما من أحد بوسعه ذلك.
قال قوف ويتلام عن حكومته:
" في أي مجتمع متحضر، لا بد للفنون  ووسائط الترفيه أن تشغل موقعا مركزيا فيها. لا يجب أن ينظر إلى التمتع بها بشكل منقطع عن الحياة اليومية العادية. ما من هدف من بين أهداف حكومتي يشغل أولوية قصوى كتشجيع وترقية الفنون وحفظ واثراء تراثنا الثقافي والفكري. بل أود أن أثبت أن كل أهداف حكومة العمال من الإصلاح الإجتماعي، والعدل والمساواة في توزيع خدمات الرعاية الإجتماعية والفرص التعليمية تحمل في قلبها غاية خلق مجتمع تزهر فيه الفنون والقيم الفكرية والروحية. لذا فإن أهدافنا ما هي إلا وسيلة لغاية. والتمتع بالفنون هي الغاية."
وأي غاية!

Saturday, 25 March 2017

هنري؟


هنري...
بصوت مشحون بالشجن والأنين المكتوم تفتح الصبية باب الأغنية، على وجهها حزن الدنيا كله. هنري... تناديه مرة أخرى، ويبدو وأن كل ضربة وتر على الجيتار تنادي اسمه، عتاب، لوم، أسى، يأس.
"هنري؟ هل بيجي الصباح يلقاك صاحي؟
هل بتنكسر مع أول خيط للضو؟ "
بالمصادفة وجدت نفسي أتابع برنامجا تلفريونيا يحكي قصة هذه الصبية الشقراء، اسمها له حظ من طالعها: اسمها "بحر النغم"  بالآنقليزية اسمها ميلودي بول.
مدللة والديها الصغيرة، ابدت موهبة موسيقية ملحوظة، من مدينة صغيرة في ريف استراليا (لا يسمون الريف ريفا بسبب الطبيعة الصحراوية للمنطقة بل يقولون الأحراش) ، تحترف الغناء الشعبي، فولك ميوزيك. وهو نوع من الغناء يتميز بالحميمية والقرب، لأنه يعتمد طابع الحكي والقص في الغالب.
في البرنامج كانت الأم تحكي عن فترة بالغة السعادة في حياة ميلودي وذلك حين التفت شابا وسيما موهوبا متمردا اسمه هاري. تقول والدتها لكاميرا التلفريون، لم أخبر ابنتي بمثل هذه السعادة منذ كانت طفلة، كانت ممتلئة بالفرح والضحك.فهاري كان ولدا  لطيفا مرحا.
التفتت الكاميرا لوالد ميلودي الذي قال باختصار وحزم: لم يعجبني هذا الفتى الذي كان ينوم مع ابنتي البتة!
ثم تلتفت الكاميرا نحو هاري الذي كان مشاركا برضو في البرنامج (والله الخواجات ديل عجيبين) فقال: يا الهي! أذكر يوم واعدتها في الحديقة، كنت أود أن أخبرها أني لم أعد أحبها بهذا الشكل، واني أود أن أنهي العلاقة، لكنها كانت سعيدة ومشرقة وغافلة عن احساسي لدرجة أن خانتني شجاعتي في مواجهتها فلم أقل شيئا !
هنا تتحدث ميلودي للكاميرا: أخبرتني صديقتي أنه كان يلتفي بفتاة أخرى، في البدء لم أصدق، لكننا نسكن في مدينة صغيرة وليست هناك الكثير من الأسرار و سرعان ما اكتشفت انه كان يقضي الليلة معي ثم ينسحب الى منزلها.. وانهرت
"جميلة هذه المرأة التي تخلص لنفسها
أين جمال المرأة التي تفقد احترامها لنفسها؟
على كل كان هذا خيارك
وأنا أخترت أن أعيش دونك"
السيد نغم والد ميلودي بذات الصرامة: لم يطل الأمر حتى ترك الفتاة الأخرى ليلتحق بفتاة ثالثة في الولايات المتحدة الأمريكية، حينها أرسلت له ايميلا قلت له فيه خير لك أن تقدم للهجرة في امريكا لأنك لن تعود الى هنا.
"هنري؟
الكل كان في صفك
لكنك بعته عشان ليلة
افتكرتك عاقل
لكن خداعك الأخير
شتت كل غفراني ليك"
تتنهد السيدة نغم والدة ميلودي وتقول: كان وقتا عصيبا، لم نواجه أمرا مثل هذا من قبل، كانت تبكي بلا توقف، في النهار وفي الليل، كنت اسمع صوت بكائها صباحا تحت الدش وهي تخبط رأسها في الحائط ، نعم كان وقتا عصيبا.
"بصراحة أنا صرخت وبكيت
هديت فوقي حيطان البيت
بلومك على كل الحاصل بي"
تقول ميلودي: وفي يوم توقفت عن البكاء وأمسكت الجيتار وشرعت أكتب وأكتب حتى ولدت أغنية هنري
هنا تنتقل الكاميرا نحو سيدة حسناء هي واحدة من المنظمين لمسابقة اكتشاف المواهب الجديدة في فن الغناء الشعبي: مجتمع الغناء هو مجتمع صغير أما مجتمع الغناء الشعبي فهو أصغر، الكل كان يعرف أن ميلودي كانت تعاني قلبا مكسورا والكل كان يعرف أن هنري المقصود هو هاري.
تنتقل الكاميرا الى ميلودي بفستان أبيض ملائكي ووجه يقطعه الحزن تحمل جيتارها نحو الميكرفون، تحني رأسها وتطلق أول تنهيدة من أغنية التنهدات: هنري؟ ويتساءل الجيتار معها متنهدا
هنري؟
الكاميرا تسائل هاري هل سمعت الأغنية: لم أكن موجودا في المسابقة لكني سمعتها تغنيها بعد ذلك بفترة وجيزة تغنيها في بار، شعرت بحزن غامر، خرجت إلى الشارع وجلست قرب مقلب قمامة.
(مؤثر! إن كنتم تصدقون مثل هذا الهراء!)
" انها الشجاعة الشجاعة الشجاعة التي تنقصك"
يقول أحد النقاد الموسيقيين: لقد لففت العالم مشاهدا عروضا ملحمية لنجوم الموسيقى، دائما ما أبحث عن تلك اللحظة السحرية التي تخطف الأنفاس على المسرح، لحظة يتجلى فيها النجم، أو لحظة تواصل فريدة بينه وبين جمهوره. أستطيع أن أعد ثلاث مرات شهدت فيها هذه اللحظة. الرابعة كانت حين غنت ميلودي هنري على مسرح المسابقة، كنا جميعنا نحبس أنفاسنا مأخوذين بهذه الصبية

يقول ناقد اخر: ميلودي حالة فريدة لموهبة ناشئة، عادة يحتاج المغني لدربة ودراية كي ينقي صوته من الزخرف والبهرج فيصقله صوتا أصيلا، لكن ميلودي ولدت بهذا الصوت الأصيل الحميم القريب للمرء




تقول ميلودي: لم يكن حزني على هاري حزنا طبيعيا، بسبب خيانته أحسست أني فقدت السيطرة على حياتي، لكن الأمر كان له بعدا اخر، كنت أغرق في بحر من الحزن. اقترحت امي ان اذهب الى طبيب مدينتنا، ولم يكن له خبرة في هذا الأمر فبعدما ما حكيت له حالي قال: انتي فقط مشكوكشة ، خللي الدلع وامرقي من حالة الحزن دي. هنا انهرت تماما، فقد وضعت كل ضعفي أمام هذا الطبيب فإذا به يلومني على حالي، سافرت إلى مدينة ميلبورن للعمل، وفي ليلة وجدتني جالسة على الأرض، أحمل فواتيرا أعجز عن دفع معظمها، فكرت حينها أن أقتل نفسي، عندها اتصلت بوالدتي.
"أنا ولدت في ضباب قمر ناحل
وخضت في صباي في الظلام و الأسى
وانسكب كل ذلك في أنوثتي
فالأن أنا حزينة على طول"
اكتشفت ميلودي أنها تعاني من الاكتئاب مما فسر غرقها في الحزن على فراق هاري والذي لم يكن سوى منفذا لهذا الحزن غريب المنبع والذي هو واحد من متلازمات الكآبة.
الأن ميلودي توقفت عن الموسيقى لفترة قصيرة وتعمل كمربية أطفال ، والدة الأطفال كانت سعيدة لوجود فتاة موهوبة ومعروفة مع أطفالها. ميلودي تقول أريد أن أتعرف على ذاتي بعيدا عن الموسيقى وكتابة الأغاني. لكني سأعود.

Friday, 24 February 2017

عازة فاروق..شكرا

"عااازة مش عزّة" هكذا كانت تلح على محدثها ، عازة فاروق، لست متأكدة من فاروق فالذاكرة ملخبطة شوية، لكني لازلت أذكر وجهها القصير السمح، وعينيها اللوزيتين ، فمها الرقيق، أسنانها الدقيقة٫ محياها الذي كان ينضح بنداوة الصبا. 
أذكر زيها السماوي الرائق ، وإيشارب أبيض سادة أنيق تلفه حول رأسها بعيدا عن نحرها النحيل وتلف طرفيه حول كعكة شعرها، ثم طرحة بيضاء خفيفة كبيرة (عمة) تضعها فوق الإيشارب.
مجدة في درسها دون مبالغات ناس كنبة قدام، أي أنها تهتم بكراسها وتتابع الواجب وتخاف العصا وتتسع عيناها رعبا من توبيخ المعلمة. كانت تجلس في كنبات الوسط لتتجنب عين المعلمة. هادئة، متابعة لرتابة الدرس. لكن، ما إن يضرب جرس الفسحة الثانية حتى تنقلب عازة على حالها ذا تماما.

لا بد أن أرسم خلفية لحكايتي هذه، كان ذلك عام ٩٥ أو ٩٦، بعد ٦ سنوات من خوض الإنقاذ في وحل السلطة، كانت المؤسسات الحكومية تمشي بعافية أزمان سابقة من بينها المدارس الحكومية، كنا في مدرسة البراري الثانوية، مدرسة فسيحة وسيعة، من طابقين (حتى بعد مرور أكثر من عشرين سنة لا يزال الطابق العلوي تحت التشطيب) ، كنا في الطابق العلوي، أولى الشيماء، ومعرفتي بالشيماء قليلة، لا أعرف عنها سوى صورة سميرة أحمد بضفيرتين هائمة في الصحراء. وكان ذلك ملائما لحالة التدين الشكلي التي دخلت فيها البلاد ولم تمرق. 

كانت تلك السنوات الأولى جرداء لم تتخم بزخارف الإستهلاك بعد، فقد كنا قوما تحت الحصار الدولي الصارم وكان الخليج ومصر وبقية العالم يجرون ثيابهم عنا ريبة وترصدا من "حركات" الشيخ الترابي، وكان تقشف البقالات في ذلك الوقت هو رمز الصمود تحت الحصار، هذا قبل أن تنفجر البلاد بالسوبرماركتات المتخمة المترعة ذات الأسماء المدهشة: الإحسان (أي إحسان؟)، التسامح (أي تسامح؟)

وبالنسبة لصبيان وفتيات على درج الحياة، فلم يكن هنالك مكان أبأس للعيش، لم يكن قد اخترعوا بعد الإنترنت وكان الطبق الفضائي محظورا ما لم تكن متنفذا أو صاحب مال، أغلقت المسارح وتوارت الأندية، لم يبقى سوى دور السينما والتي كان الوصول إليها متعثرا مع شح المواصلات.

لكن لسبب ما عازة كانت تواكب كل فيلم ينزل في السينما، وما إن يدق جرس الفسحة الثانية حتى تلتفت إلى جمهورها المتلفت في الأدراج الخلفية (نحن)، وتتدلل علينا قليلا لنستحلفها بكل غالي كي تقص علينا الفيلم.

بإيماءات وجهها، بأحوال عينيها، بتموجات يديها كانت يستحيل ذلك الدرج الضيق إلى شاشة سينما كبيرة، كانت عازة تصبح كاجول، وشاروخان، واصدقاء البطل المضحكين، ووالد البطلة الصارم، وأمها الحنون، والخائن. كانت لا تترك شيئا للخيال وتترك كل شيء للخيال. كيف كانت تفعل ذلك؟ حين تشيح البطلة عن حبيبها ، فيستدركها ويمسكها من يدها ويقربها إليه (الحركة المشهورة في السينما الهندية)، والأغنية، كانت تسرد الترجمة لكنك ترى بعين خيالك المروج الخضراء والجبال الثلجية والموسيقى العذبة والرقص العجيب.

أذكر هذا لأنهم سيعرضون اليوم على ام بي سي بوليوود فيلم ديلوالي دولهانيا لي جاينيجي، بطولة شاروخان وكاجول الفيلم المحبوب وسط متابعي أفلام هوليوود والذي لا يزال يعرض في دور السينما منذ أكثر من عشرين سنة ، هناك مشهد مقتطع من الفيلم تجدونه في اليوتيوب اسمه (مشهد الزريبة)، حيث ينتهي الحال بالبطل والبطلة المتناكفين ليقضيا ليلة سويسرية مثلجة داخل زريبة قش، ويدور بينهما حوارا لاذعا، حيث تتحصن البطلة بكبريائها بينما يطلق البطل عليها سهام سخريته وتهكمه٫ حين يعرض عليها أن تشرب من قنينة الخمر فتأبي لأنها فتاة هندية أصيلة، وحين يقرصها البرد تتسلل فتشرب الزجاجة بأكملها وتظهر شخصيتها المجنونة الطريفة في أغنية لطيفة. المهم! يستحيل أن أتسكع في تفاصيل هذا المشهد دون أن أذكر سرد عازة له ، ترقبنا لهذه اللحظة المشحونة بالفرصة والحب الذي يتبرعم والرومانسية المفعم، ضحكنا من الحوار الذي قد يكون مترجما ولكني لا أدري كيف يخرج هنديا فصيحا من فمها.



ثم المشهد التالي له حين تستيقظ "سمران" بعد ليلة سكرها في غرفة بفندق مع "راج"، فيصيبها الهلع من أنها ارتكبت خطيئة، (ونظل مهلوعين مع عازة التي تعرف كيف تخفي التفاصيل) ، وبعد مكاواة راج يهدىء من روعها قائلا "مهما كان الذي تظنينه بي، فأنا في آخر الأمر هندوستاني وأعرف قيمة الشرف" فنبتسم ببلاهة محمدلين السلامة لسمران، متدهولين في حب راج الهندوستاني الأصيل (يا الله ياخ!)

تنتهي عازة ونحن في حالنا ذا ساهمين أو معبورين متأملين، بالضبط كما هو حالنا في السينما.

ترى أين هي عازة الآن؟ هل لا زال لديها تلك الموهبة العجيبة؟ هل تسرد بها لصغارها؟ هل شغلتها عنها هموم الحياة؟

أيا كان، كانت واحة في زمان مقفر، شكرا عازة فاروق الجميلة

Monday, 16 January 2017

مبادرة محمد المنتصر للسلامة المدرسية

مبادرة محمد المنتصر
قبل عامين او ثلاث أفجعني خبر مقتل طفل في مدرسة ال(ب) الخاصة بالخرطوم ، وذلك بعد أن قام بلمس موصل كهرباءمولد المياه والذي قام يصعقه بالحال بحسب رواية أهل الطفل وأن المدرسة عجزت عن التصرف السليم حيث أخذته الى المشفى ولَم تبلغ ذويه حتى وفاته. اما بحسب رواية المدرسة فإن الطفل كان يعاني من حالة مرضية مجهولة لديهم وأنه أغشي عليه في فسحة الفطور بالاضافة إلى حديث عن كون المشرفة متعبة لأنها حامل أو شيء من هدا القبيل.
أفجعني هذا الخبر لأن أطفالي كانوا يدرسون من قبل في هذه المدرسة وكان في بالي تشكيل لجنة اباء لمراقبة أمن وسلامة المدرسة ، بعد أن ساءني منظر الغبار الكثيف الذي يثيره الأطفال في فسحتي الصباح والفطور والذي يدخل إلى رئتيهما ولو أن أخد الأطفال يعاني من ربو أو حساسية لكان عواقب هذا الأمر صعبة .
حزنت لأني تكاسلت وأهملت هذا الأمر ، والمبادرة التي كانت في ذهني والتي يخطر لي أن أسميها مبادرة محمد تتلخص في تطبيق تلفوني يعدد المخاطر التي قد تتواجد في أي مدرسة سواء داخل الفصل أو في ساحة المدرسة أو الحمامات أو امام المدرسة أو في الترحيل أو في الكانتين او سلم المدرسة ، وتعدد المخاطر بين توصيلات كهرباء يسهل الوصول إليها او آلات حادة مبذولة او أجسام ثقيلة قد تشكل خطر الدهس على الأطفال أو مخاطر بيئية كمراحيض او أتربة عالقة او مواد سامة او مياه راكدة  او مياه مهملة على بلاط قد تسبب في سقوط الطفل او زجاج منثور او مواد قابلة للاحتراق والاشتعال او أثاثات تشكل سلما وقد تسبب في سقوط الطفل من عَل .
اضافة الى ضمانات السلامة من تواجد مشرفات متحركات (لا جالسات متونسات مشغولات بالهاتف) او تدريب لكل موظف ومعلم ومشرف في المدرسة على الإسعاف الأولي (لا بد من قانون يتطلب ذلك من كل عامل مع الأطفال سواء في رياض الأطفال والحضانات أو المدارس الحكومية او الخاصة  ) بالاضافة الى حقيبة إسعافات أولية يتم تحديثها كل ستة أشهر تحتوي على ما تحتويه عادة اضافة الى بخاخ ازمة وحقنة الحساسية . (في استراليا اضافة الى تدريب الإسعاف الأولي والذي يجدد كل عامين فقد تم اضافة اليها التدريب لإسعاف حالات الحساسية ) . واسم وتفاصيل كل العمال والحرفيون والمقاولون والمهندسون وصورة من بطاقاتهم بالمدرسة ويفضل فصلهم عن الطلاب وعن ساعات الدوام المدرسي. وطفايات الحريق وخطة خروج من المدرسة عند حدوث الكوارث سواء كانت حريق او وضع أمني غير مستقر الخ .
اضافة الى ملف طبي لكل طالب يوضح حساسياته وفصيلة دمه وحالته الصحية الخاصة ان وجدت اضافة الى رقم طوارئ وشخص غير الأب والام للاتصال به لإخطارهم عند حدوث اي حادث جلل لا بعد ان تقع الفأس في الرأس
طبعا المرء يتمنى ان تقوم بهذا الجهد الدولة ، لكني ارشح فريق الأمن والسلامة بمجموعة دال الاستثمارية والذين تطوعوا أيام نفير الأولى في وضع قائمة سلامة للمتطوعين العاملين في مناطق الفيضانات . بحيث تعد قائمة محاظير وأمن وسلامة متاحة للتنزيل على الهاتف ، بحيث  تتشكل لجنة مكونة من الآباء والمعلمين والمشرفين تقوم بمتابعة ومراقبة سلامة المدرسة كل شهر وستة أشهر وسنة ويتم تحديثها حسب مستجدات المدرسة
كما ارشح التعاون مع جمعية الهلال الأحمر ان تخصص برنامجا تدريبيا للإسعاف الأولي المدرسي (مجاني للمدارس الحكومي وبسعر مقدر تشجيعي للمدارس الخاصة) وتجهيز حقيبة إسعافات للشراء .
بعض المدارس تخصص اموالها لكاميرات مراقبة داخل الفصول (!!!) البعض قال ان هذا لأمن الأطفال والبعض قال (هذا لمراقبة الاستاذ كي لا يتراخى) وهذا لعمري امر فادح فادح!! كعب عديل كدا ، حتى ان كان هذا يسعد الآباء (الآباء الحاجة دي ما كويسة المدرس الاستاذ دا يربي كيف لو هو واضح للطالب انه ما محل ثقة؟) وكاميرات الحوش لا تغني عن وجود المعلم البشري. فالمدارس الخاصة لا بد ان تخصص مبلغا ماليا لتدبير هذا الامر والذي هو ليس مكلف.
بالنسبة لما تناقل عن حادثة المدرسة الأجنبية العريقة الخاصة ، بغض النظر عن صحة او عدم صحة القضية الا أنها كشفت اضافة لكل شيء عن ضعف توعية الكثير من أولياء الأمور لأطفالهم حول الملامسة والتحرش وأهيب بهم مطالعة تطبيق (أوعى) ومطالعة الصفحة الخاصة به على الفيسبوك. اضافة الى أنه لا بد من تصميم نظام تبليغ يحمي المبلغ من الفصل او الكيد لمجرد تبليغه وتدابير لمعالجة الأمر ، ( برجاء مراجعة مقالي عن قانون حماية الطفل على المدونة). اما حكاية سمعة المدرسة والشوشرة فلا شيء مثل الشفافية والجدية والمسئولية والتواصل الجيد بين المدرسة واولياء الأمور والطلاب ترياقا من هذه الأمور . ولا يفوتني في الختام أن أمر ان أشير الى مسألة أخذ الإذن من أولياء الامور قبل نشر صور الأطفال على صفحة المدرسة على النت.