Wednesday, 23 December 2015

بزغة منو

برنامج نسخة طبق الأصل..او فولة وانقسمت نصين.. او التسمية الأدق: بزغة منه. برنامج دُمى سياسي اجتماعي ساخر ظهر في بدايات الثمانينات واستمر في التسعينات، يتمسخر على ابرز الشخصيات السياسية البريطانية والعائلة المالكة وبعض الأحداث العالمية والنجوم. وكانت حكومة مارجريت تاتشر قد نالت النصيب الأكبر من السخرية فيه. ومعروف ان تاتشر كان تبغض البرنامج بغضا شديدا والذي كان يظهرها في شكل المتنمرة المسيطرة على حزبها. اما بقية السياسيين فانقسمت اراؤهم ما بين مبغض لهذه السخرية اللاذعة، وما بين متحمس لها ، فكما ذكر وثائقي حول هذا الموضوع: اذا لم تُصنع لك دمية في البرنامج فهذا يعني انك لست ذو معنى في عالم السياسة. هذا المقتطف الذي ترجمته، الذي يرسم صورة للطريقة التي كانت تدير بها مارجريت تاتشر مجلس وزرائها وكأنها استاذة في فصل والوزراء مجرد تلاميذ. (اعتذر عن كمية التسميات الخاطئة للمناصب السياسية بالاضافة للتحولات الكثيرة التي كانت داخل المجلس فتتلخبط بعض المناصب. ارجو ناس انجلترا يناولوني كل ما يلاحظوا حاجة بالتصحيح، حاولت الاستعانة بويكبيديا وقوقل قدر الامكان)  الفيديو بالإنجليزية ادناه




مارجريت تاتشر (رئيسة الوزراء) : اذا نحن مجمعون على الحد من صرف المحليات؟ هل في زول غير مجمع؟

نورمان فاولر (وزير الصحة) يتحدث بصوت متردد خافت:  اممممم... نحن.. في ناس مننا...شنو نقيض كلمة مجمعون؟ (يونانيموس)

 تاتشر: وريه يا ليون

ليون بريتان (وزير الداخلية) : انيمس (= عدواني)

 تاتشر تخبطه بالمسطرة على رأسه: خطأ! نقيض كلمة مجمعون هو مطرود!

جيفري هاو (وزير الخارجية وشئون الكومنويلث): فضلك! (يناولها تفاحة)

تاتشر : شكرا  (تشمها) جيفري؟؟؟!! دي تفاحة فرنسية!! (تقذف بها من الشباك) 

(ريتشارد اتينبرو المخرج الشهير الذي اخرج فيلم غاندي الحائز على اوسكار يتلقف التفاحة ويهتف بالشكر على تسلم هذه الجائزة العظيمة)

تاتشر: اديروا وجوهكم وركزوا معاي.. قلت شنو يا نورمان؟

وزير الصحة : (بخوف) ولا حاجة

تاتشر: نورمان، انا شفت شفايفك بتتحرك ، اذا كان عندك شي تقوله قوله لمجلس الوزراء كله!

المجلس: اي اي قوله

تاتشر: اسكتوا!.. نورمان... علّي صوتك.. واتكلم بصدق إنت ما واقف في منبر عام هسي

وزير الصحة : نايجل سرق قلمي

مارجريت : (محدثة وزير الخزانة) نايجل؟ الكلام دا صحي؟

المجلس: سرقوا آي سرقوا

نايجل لوسون (وزير الخزانة): (يهز رأسه نافيا)

مارجريت: أنت عارف سياستي فيما يخص السرقة من الأصحاب... مجلس؟ بنسميه شنو لما الواحد يمشي ويسرق ممتلكات الناس التانيين؟ إنت! جاوب! (تضرب وزير الداخلية في رأسه)

(وزير الداخلية فمه محشو بالطعام) : نسميه اقتصاد السوق الحر؟

(وزير الخارجية يضحك عليه)

مارجريت تاتشر : زفت!! (متحدثة برقة لوزير الدولة بوزارة الداخلية وصاحب نفوذها داخل حزب المحافظين) ديفيد؟ ماذا نسميه؟
ديفيد وادينغتون : نسميها اشتراكية

مارجريت (بذات الرقة) احسنت يا ديفيد... والآن خلينا نناقش قضية احصاءات البطالة المزعجة. قبل خمس سنوات انا كان كلمتكم تذاكروها في البيت وتجيبو لي افكار بخصوصها ، جيفري؟ خلينا نسمع افكارك هه؟

(وزير الخارجية) انا والله حليتهم في البيت والله.. لكن نسيتهم في الباص

المجلس يضحك

تاتشر: يا الهي.. اكتب الف مرة : لن اركب مواصلات لندن العامة. (لوزير الخزانة) نايجل؟ بطل البتعمل فيه دا (تنتبه لورقة يمررها وزير الدفاع لوزير الداخلية) مايكل؟ دي شنو الورقة المررتها لليون؟ أقراها لينا بالله يا مايكل أنا متأكدة المجلس حابي يسمع ورقتك!! 

مايكل هيسلتاين (وزير الدفاع): ااا مكتوب ، مسودة حول استرداد اراضي الفولكلاند

المجلس يضحك

تاتشر: شنو؟ كم مرة كلمتك انه وقت المجلس ما لممارسة الهوايات! ارمي الورقة في الزبالة يا مايكل

الجرس يرن

تاتشر: يلا يلا! انصراف. وبعد فسحة الفطور كنوع من الترويح حنناقش الدفاع

المجلس : هيييييه



Thursday, 10 December 2015

أناقة القنفذ

من كتبي المفضلة ، رواية اناقة القنفذ للكاتبة الفرنسية موريل باربري. هذه الرواية تصدرت قائمة افضل الكتب مبيعا سنة ٢٠٠٦. الرواية تحكي عن بوابة-غفيرة تعمل في مبنى عريق يسكنه اثرياء، بعضهم ورثة عريقون لعهد اقطاعي ماضي، بعضهم ورثة لعهد صناعي تنويري ماضي، بعضهم محافظ وبعضهم يتبنى اراء "تقدمية" لكنك تلحظ من سخريتها أنها لا تفرق بينهم. البوابة رينيه تخفي سرا عظيما وهي أنها قارئة من الطراز الأول (الطراز الذي يقرأ جد جد ،لا للتربص ولا للفشخرة- قليلون هم) ومثقفة عاتية. تخفي هذه الحقيقة لكي تحافظ على وظيفتها، فلا أحد يحب أن يعمل لديه غفير يعرف أكثر منه أو حتى مثله. وفي يوم يحدث امر غريب. يموت أحد ساكني الشقق دون وريث  (كل الشقق سكانها يتوارثونها) مما يعني أن غريب سيسكن الشقة. هنا يأتي السيد كاكورو أوشو، ثري ياباني متقاعد. الذي سيكشف سر رينيه من أول وهلة . 
نادر ما تلقى خلطة في رواية تجمع بين الرومانسية (التي أحب) والأدب والفلسفة، والفن، والموسيقى والكوميديا والدراما. 
كما انه امنيتي في الحياة ان اتقاعد كرينيه. استلف الكتاب كلما مررت بالمكتبة. اظنني استلفته اكثر من سبع مرات، ان الأوان كي اشتريه عديل كدا. وكلما قرأت الكتاب اتقمص حالة رينيه فآكل الشوكولاتة الداكنة، والنودلز، واركن للشعر وتنقص هموم الحياة.
هذه الترجمة المتصربعة مني ارجو أن تكون محفزة كي يحاول بعضكم ان يجد الكتاب. الكتاب سمح عديل كدا، هناك ترجمة بالعربية له ولكنني لا أدري إن كانت جيدة أو هي بمثل صربعة ترجمتي هذه... لو سلكت بترجم مقاطع أخرى تحفيزية

النصوص بالترجمة الإنجليزية في هذا اللينك، في فقرة الريفيو 
جدير بالذكر أنه ايضا تم تحويل الكتاب إلى فيلم - يعني ما بطال، منه استلفت هذه الصور 



-----------------------------------------------------------------------
-----------------------------------


"ماركس غير نظرتي للعالم!!"
صاح ابن الباليرز هذا الصباح، رغم انه بالعادة لا يتفوه بكلمة  ناحيتي
انتوان باليرز، وريث عائلة صناعية عريقة، وابن احد مرؤوسيّ الثمانية.  ها هو ذا يقف امامي-آخر تجليات لطبقة النخبة المهيمنة، وهي طبقة تتكاثر بفعل شهقات أنيقة ولائقة- مُشعا بإكتشافه الجديد، مُتَصَدًّقا به علي دون أن يتخيل للحظة أنني قد أفهم أو أدرك ما يشير إليه. كيف يمكن للطبقة العاملة أن تفهم ماركس؟ إن قراءته مهمة شاقة ، فأسلوبه رفيع، لغته راقية، وأطروحته معقدة. 

وهنا- كدت بغبائي- أن أكشف عن سري...

"عليك إذا بقراءة الأيدلوجيا الألمانية" رددت عليه. ذلك الأبله في معطفه الصوفي الأخضر المحرشف.

لكي نفهم ماركس ونفهم أين أخطأ، علينا أن نقرأ كتابه (الأيدلوجيا الألمانية)، فهو اللبنة الأساسية التي سيبني عليها فرضيات عالمه الجديد، والتي ترتكز على مفهوم خرساني: أن البشرية المحكوم عليها بالخراب بسبب رغائبها، بوسعها أن تتعافى إذا الزمت نفسها بإحتياجاتها الأساسية. ففي عالم تُهزَم فيه غطرسة الرغبة ستبرز منظومة اجتماعية جديدة، مُنقّاة من الصراع والإضطهاد والطبقية المدمرة.
"من يزرع الرغبة يحصد الإضطهاد" برطمت بصوت خفيض وكأني أحادث قطتي.

ولكن انطوان باليرز، بسوالفه الطفولية القبيحة والتي لا تحمل أي ملامح قططية، يحدق في فاغرا فاهه لا يستوعب ما أقول. كالعادة لقد انقذني عجز البشرية عن استيعاب كل ما من شأنه أن يهيل حيطان افتراضاتهم الذهنية. فالبوابين لا يقرأون (الأيدلوجيا الألمانية) وبالتالي ليس بوسعهم اقتباس احدى مقولات الفصل الحادي عشر عن فيورباخ، فالبواب الذي يقرأ ماركس لا بد وأنه تحريضي، او باع روحه للشيطان المعروف بإسم نقابة العمال. أما فكرة أن البوابة تقرأ ماركس فقط لتعلي من قدراتها الذهنية هو خرافة من ضرب الخيال ليس بوسع فرد من البرجوازية استيعابه.
"سلّم لي على أمك" أوصدت الباب في وجهه وأنا أؤمل أن عقود من التحامل الطبقي ستخفي التناقض البادي بين الجملتين اللتين تفوهت بهما. 


-------
 إسمي رينيه، ٥٤ سنة، أعمل كبوابة لسبع وعشرين عاما في المبنى رقم ٣، شارع قرينيل، مبنى عريق تتوسطه ساحة وحدائق خاصة مقسمة بين ثماني شقق فخمة، كلها مسكونة وكلها فسيحة. أنا أرملة، قصيرة، قبيحة وممتلئة القامة. قدماي تشكوان من التورم، وفي بعض الصباحات التي أعزوها لإحتقاري لنفسي اصحو برائحة فم الماموث. أتممت فقط المرحلة الأولية في المدرسة، نشأت كفتاة فقيرة، متحفظة، غير ذات أهمية. أسكن وحدي مع قط ضخم لا يحمل أي مزايا سوى أن مخالبه تصدر رائحة منتنة حين يكون منزعجا. كلانا يعفي نفسه من الإلتزامات الإجتماعية تجاه فصائلنا. ولأنني لست ودودة ولكنني مهذبة، فالجميع يحتملني دون أن يحبني. فأنا اتجاوب بشكل جيد مع الصورة التي رسمها التحامل المجتمعي تجاه البواب الفرنسي التقليدي، لدرجة انه بوسعك ان تصفني كمسمار في دولاب الفكرة الوهمية الكونية. تلك الوهمة التي تفترض أنه بوسعنا اطلاق تعميمات على العالم وفهمه طبقا لذلك.
وبما أنه مكتوب في مكان ما أن كل البوابين قصار وقبيحين ومسيخين، فقد نسخ في ذلك اللوح أيضا أنهم يملكون قططا بدينة كسولة تقضي اليوم كله تتمغى على وسائد الكروشيه. 

-------------------

في كل يوم ثلاثاء وخميس تزورني مانويلا، صديقتي الوحيدة، لنتحتسي كاسات الشاي الأخضر. مانويلا امرأة بسيطة، السنوات العشرين التي قضتها في كنس الغبار عن منازل الأثرياء لم ينقصها شيئا من ألقها . طبعا الوصف "كنس الغبار" هو مجرد استعارة. فمع الأثرياء فإن الأشياء نادرا ما تسمى بأسمائها.
"أنا افرغ سلال من الفوط الصحية، أمسح قيء الكلب، انظف قفص العصافير من الفضلات.. لن تصدقي كمية الفضلات التي يخرجها كائن صغير كهذا، واكشط الحمامات، قال كنس الغبار قال!!" تقول بلكنتها البرتغالية الرقيقة. 
مانويلا تأتي لزيارتي في تمام الساعة الثانية بعد الظهر من يوم الثلاثاء بعد أن تفرغ من نظافة شقة الأرتينز، وشقة دو بغويز يوم الخميس، تكون قد لمعت الحمامات بالقطنة. قد تكون هذه حمامات صاحبة دمغة"السعفة ذهبية-اي خمسة نجوم" ولكنها بعفنة أي حمام على الكوكب، لأنه إن كان هناك شيء مشترك بين الأثرياء والفقراء هو انهم كغيرهم تفرغ احشاءهم فضلاتها في مكان لا بد أن تطق عفنته. 
لذا تستحق مانويلا تقديرنا، برغم انها من النساء اللاتي قدر لهن ان يقمن ببعض المهام في عالمنا هذا، بينما ترفع نساء اخريات انوفهن تقززا منها، الا أن مانويلا استطاعت أن تحتفظ لنفسها بألق ورقي يتجاوز كل دمغات السعفات الذهبيات.
"لا بد أن تستعملي منديلا حين تتناولين الجوز" وتخرج من سلتها السعفية الأنيقة بسكوت اللوز الهش ملفوف في مناديل قرمزية بعناية، بينما أُحَضِّر أنا قدر القهوة التي لن نشربها وإنما سنغرق في عبقها بينما نحتسي كاسات الشاي الأخضر ونقرقض بسكوت اللوز في صمت.

بنفس خيانتي للصورة التقليدية للبواب، فمانويلا خائنة للصورة التقليدية للخادمة البرتغالية، رغم غفلتها تماما عن خيانتها هذه. هذه الفتاة من مقاطعة فارو،  ولدت تحت شجرة تين بعد سبعة اخوة ليليها ستة اخوة اخرين، اجبرت منذ طفولتها للعمل في الحقول لتهرب بالكاد من حياتها هذه بزواجها من حرفي، وتلد منه اربعة اطفال، فرنسيون بالمولد والنشأة ولكن المجتمع ينظر إليهم كبرتغاليين مهاجرين. هذه السيدة من فارو كما كنت احكي لكم، التي تلبس الجوارب السوداء الإجبارية وتربط منديلا على رأسها.. ارستقراطية! نعم ارستقراطية، ارستقراطية اصيلة ، من النوع الذي لا يمكن تجادل عن عراقته. الارستقراطية محفورة في اصلها، وتسخر من كل الألقاب والتشريفات التي يزين بها الناس اسماءهم . إذا من هي الأرستقراطية؟ هي سيدة محاطة بالسوقية من كل جانب دون أن تتلطخ بها. 






Tuesday, 1 December 2015

هذا يغير كل شيء (٢، قصة البلونير المجنون)

معظمنا يتابع هذه الأيام مؤتمر المناخ في باريس، وأحد أبرز العناوين التي تجد طريقها في أوساط الإعلام لتسيطر على المشهد العام هو خبر: تحالف الطاقة النظيفة الذي شهد تعاون دول ثرية كأمريكا وكندا واستراليا وبليونيرات كمارك زوكربيرق وحبيب الملايين: بيل قيتس.

في فاصل مؤثر من الكتاب تحكي نعومي كلاين رحلتها القاسية لمدة سبع سنوات في محاولتها للإنجاب، ما تضمنته تلك الرحلة من أحزان على أجنة مجهضة، أدوية  وكيماويات وفحوصات اشعاعية مرهقة للجسد، رحلات خائبة إلى الأطباء، الترقب والإنتظار الذي ينتهي بانطفاء الأمل. تقارب نعومي كلاين ما حدث لها وجسدها الذي اصبح حقل تجارب للآراء الطبية الحديثة، وبين جهود البليونيرات والصفوة لإيجاد حلول للكوكب عبر عقاقير سحرية.
تنتهي رحلة نعومي بحملها وولادة ابنها "توما"، كان ذلك بعد أن جربت عيادة للعلاج الطبيعي. الطبيبة المعالجة سألت نعومي أسئلة كثيرة عن طبيعة حياتها التي تضمنت سفرا طويلا، وتنقلات، وركض وراء مواعيد تسليم، ومقابلات وضغوطات. الطبيبة اخبرتها ان جسدها يرسل إشارات واضحة تقول أنه يفتقر للطاقة والحيوية اللازمة لحضانة حياة جديدة بداخله. وهنا يكمن الفرق تقول نعومي. فعيادات التخصيب تعمل على محاربة هذه الإشارات وخداع الجسد ليحمل الجنين، بينما عيادة العلاج الطبيعي تنظر إلى جذر المشكلة.
 بعد جلسات يوقا، ورحيل نعومي إلى منزل ذويها على ساحل البحر، وتبنيها لنظام غذائي صحي وابتعادها عن المنغصات وتركيزها على نفسها. اعلن جسدها استعداده لحمل حياة جديدة فكان ابنها توما.



 في اثناء ذلك كان نعومي زارت معهد الأرض الذي يديره ويس جاكسون بكانساس، والذي بإختصار يعمل على حل مشكلة الزراعة التي عمرها ١٠ الاف سنة كما يقول، منذ أن بدأ الإنسان بتقسيم الأرض وحرثها وتطويعها لزراعة المحاصيل. معهد الأرض يعمل على دعم الأرض في مسيرة اخصابها، اذا ارادت ان تنبت مترا من القمح وبعده مترا من الفول ثم مترا من الأعشاب..دعها! للأرض حكمة في ذلك. وهذه هي المقاربة التي تضربها نعومي لسبب أساسي لتحكي عن علاقة الإنسان بالأرض وترى أنها مشكلة ثقافة في الأساس (ثقافة غربية)، ثقافة سيادة، وليست ثقافة كون الإنسان جزء من منظومة كاملة. ثم تربط ذلك بفصل كامل عن : العقار السحري لمشكلة المناخ والتي يروج لها بيل قيتس وريتشارد برانسون ومجموعة البليونيرات ومن تبعهم من المخترعين. والعقار هو في صيغة تكنلوجيا تعمل على حل مشكلة المناخ مع ضمان.. وهذا هو المهم..مع ضمان أن نستمر في طريقة حياتنا السوبر استهلاكية كما هي. نسافر بطياراتنا في كل مكان، ونأكل فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، ونستهلك ونستهلك.
بيل قيتس يرعى العديد من هذه الإختراعات التي هي من شاكلة : الات لإمتصاص الكربون من المناخ، الات لحجب حرارة الشمس. ودون أن يشعر بأي نوع من التناقض يستثمر قيتس في كل من شركة بي بي النفطية وشركة اكسون بحوالي البليون دولار. وعند مواجهته بهذا السؤال المحرج : كيف تدعي حرصك على المناخ وأنت تستثمر في احدى اكبر الملوثين لها. يرد قائلا: نحن لازلنا نعتمد على النفط، والى حين ايجاد تكنلوجيا بديلة (غير الواح الطاقة الشمسية التي يرى انها مضيعة للوقت وغير اقتصادية) يحتاج الناس ان يقودوا عربياتهم وان يتنقلوا بالطائرات ويشعلوا اللمبات. 


قبل فترة - قبل مؤتمر المناخ في باريس- تهكم بعض الصحفيين على الإنترنت من بيل قيتس كونه يؤمن بتدخل حميد وحيد للدولة في الإقتصاد، ألا وهو رعاية البحث العلمي. حيث صرح أن البحث العلمي يستحيل أن يمول عبر جهود السوق والقطاع الخاص ، ولا بد من ميزانية الدولة لتصرف عليه دون هوادة.

ثم يأتي مؤتمر المناخ، لتكون واحدة من أهم مخرجاته : صندوق تحالف الطاقة النظيفة ، والذي كما ذكرت يشمل حكومات ٢٠ دولة ومجموعة بليونيرات (ما عليكم الا تنظروا الى قائمة البليونيرات المريبة) ويعمل بشكل أساسي بدعم البحث في الطاقة النظيفة (جانب الإختراع فيه، وليس جانب السياسات) والفرق هنا مهم.
تمويل البحث العلمي كتر على البليونيرات، وكعادتهم المعتادة سيحملونه للدولة ويجنون من بعده الكاش

فبرغم موجة الفرح التي عمت بعض الشركات الصغيرة والمجموعات العلمية التي تحتاج لمثل هذا الدعم المالي والمستمر بشدة، الا أن المراقبون نوهوا لأمر هام : مثل هذه الإختراعات لا جدوى منها في ظل دولة ضعيفة الإلتزام تجاه سياسات شاملة تدعم من استخدام الطاقة النظيفة ، وتسحب دعمها من الإستثمار في الطاقة العضوية.

اوباما -الرجل الذي يتحدث كقائد مناخي كما تقول نعومي- والذي القى خطبة مؤثرة في مؤتمر المناخ، أكد على دعمه لهذه المجهودات. اوباما يقول نعم ..نعم انا معكم.. نعم للطاقة الخضراء..لكنه يحتاج أكثر أن يقول لا.. لا لأجل عقودات تنقيب نفطية جديدة، لا للإستثمار في النفط، لا للأنابيب التي تضخ النفط المستخرج من البيتومين، لا لحاجات كثيرة. 

وهنا يكمن الخوف، أنه لا يزال قادة العالم يماطلون في قضية المناخ الملحة والتي نحس بآثارها كل يوم،- كما سخرت نعومي في تويتر قبل يومين من خطاب الرئيس الصيني الذي أعلن ان المؤتمر هو البداية لمعالجة مسألة المناخ، فردت : فقط في الأمم المتحدة نسمي مرور ٢١ عاما :بداية!! (جدير بالذكر أن هذه هي دورة المؤتمر الحادية والعشرين) -قضية المناخ التي  تفاقم حدة الفقر والكوارث الطبيعية والهاربين من ديارهم إلى اطراف الأرض. والمماطلة ستتلخص في التطبيل العالي ..العالي جدا لهذا التحالف- تحالف الطاقة النظيفة، ليمنح الحكومات فرصة عدم مواجهة شركات النفط الثرية وعدم معالجة المشكلة من جذورها

والآن مع فاصل طريف...

قصة الانجليزي المجنون صاحب المنطاد

هناك فاصل مخصص لرجل الأعمال الانجليزي المشهور بتقليعاته المجنونة ريتشارد برانسون صاحب شركات فيرجن العالمية. في عام 2006 اعلن برانسون تأثره الشديد بعد لقاء جمعه بنائب الرئيس الامريكي الأسبق :ال قور، صاحب فيلم وكتاب "حقيقة غير مريحة" حول التغير المناخي . فدق برانسون صدره قائلا انه في العشرة سنوات القادمة يتعهد بصرف ٣ بليون دولار من عوائد شركاته التي تلوث البيئة (تحديدا الخطوط الجوية فيرجن- وخطوط قطارات فيرجن) لصالح التحول نحو طاقة نظيفة وظريفة والبحث عن وقود نظيف لهذه الشركات- وان واجهت هذه الشركات اي خسارات لم تمكني من تحصيل ال٣ بليون سأصرف عليها من شركاتي التانية. 


شهق العالم من هذه الهاشمية
والان ، ماذا حدث ونحن نقارب على انتهاء مهلة العشرة اعوام؟ تقول ناومي كلاين انه: العهد الذي تحول الى مجرد "نية" او "بادرة"
تم صرف ٢٠٠ مليون دولار في شبه استثمارات لمشاريع تطمح الى استخراج الطاقة من مصادر طبيعية كالأشجار او نفايات الغاز - شبه استثمار إذ انه لم يدخل كشريك مالي، انما كمروّج وكمعلن وكشريك علاقات عامة- سرعان ما صرف النظر عنها - وتهربا من "الزنقة" الإعلامية التي تابعت عرضه الكريم الاولاني، فإن برانسون تحول من البحث عن وقود نظيف الى البحث عن عن اي طاقة نظيفة، الى دعم اي حاجة عندها علاقة بالبيئة والسلام (لذا هو يقوم بتجميع اي مبادرة بيئية قام بها ليضيفها عساها تحصل ال3 بليون- بما في ذلك جزيرته الخاصة في الكاريبي والتي تعمل بالطاقة النظيفة والتي بها فندق تبلغ كلفة الليلة الواحدة فيه 60 الف دولار)

لكن دعونا مما صرفه، فلنركز فيما فعله. في اليوم الذي دق فيه صدره كان برانسون على وشك اعلان خط طيران جديد الى دبي، وقال بصراحة انه على غير استعداد ان يتراجع عنه، ولا بأس في ذلك ،فرغم انه صرح انه سيخفض من انبعاث الكربون الناتج من اعماله الاستثمارية، الا انه قام بعدها بافتتاح فيرجن اميركا للطيران، واستطاع في 2013 ان يزيد من رحلات طائراته من 40 رحلة في اليوم الى 177 رحلة في اليوم في وقت تتراجع فيه الرحلات الداخلية في امريكا، وتعود هذه الزيادة لسعر رحلاته المخفض لتصل إلى ٦٠ دولار فقط للرحلة ( الا ان هذه عادت عليه بخسائر فادحة)، رحلاته الى استراليا زادت بنسبة ٢٧ ٪، بالاضافة لإعلانه عن خط طيران داخلي في انجلترا : ليتل ريد والتي اعلن عنها بغرابته المعهودة فقط اكتب على قوقل
 Little red branson- 
باختصار نسبة انبعاث غار الكربون من خطوط طيران برانسون زادت بنسبة ٤٠٪ منذ اعلان تعهده امام كاميرات الاعلام. وزيادة نسبة الانبعاثات لا تعود فقط لزيادة الرحلات فقط، بل لأن طائراته لم تقم بالتعديلات التقنية اللازمة لتوفر في الوقود وجاء في المرتبة التاسعة بين منافسيه في امريكا ( من ناحية توفير الوقود (رغم ان طائراته احدث من طائراتهم وكان بوسعه اتخاذ تدابير للتقليل من حدة الانبعاثات) .لكن برانسون لا يزال يخبىء شيئا في جعبته، جائزة الاختراع السحري للطاقة (او تحدي الأرض) والذي رصد لها ٢٥٠ مليون دولار لمن يتوصل لاختراع يمتص غاز الكربون من الفضاء (لا يزال البحث جاريا) والبليونير القلق في هذه الأثناء أعلن عن اطلاق فرع جديد اسمه "فيرجن قلاكتيا" والذي يطمح في تنظيم رحلات فضائية إلى المريخ ،كما أعلن عن ما يمكن أن تسميه خطة اسكانية في المريخ (لا عزاء لقصي همرور والهاربين من جحيم الأرض) وذكر في خطته أن خطته السكانية ستشمل علماء فيزياء، كوميديانات، اناس ممتعون، اناس جميلون، اناس قبيحون، عينة معتبرة من كوكب الأرض للحفاظ على النسل الإنساني، لأن خطة انقاذ الأرض قد لا تنجح.









Thursday, 26 November 2015

هل ينبسط الخروف بعيد الضحية؟

في الحقيقة دي مقاربة للعنوان الحقيقي للخطاب الطريف جدا القدمته ارونداتي روي واسمه:
"هل يبنسط الديك الرومي بعيد الشكر؟" 

وقد رأيت ان محاولة ترجمتي له هنا مناسبة مع صور اوباما "الكيوت" وهو-حسب التقاليد الرئاسية- يعفي ديك رومي من الذبح في يوم عيد الشكر




ارونداتي روي في بورتو اليقرا- البرازيل في منتدى الإجتماعي العالمي مع نعوم تشومسكي ٢٠٠٣

ارونداتي روي


روحي يا شيخة وانتي حلوة كدا -اضافة من المترجم 

(للناطقين بالإنجليزية تجدون مقتطف الخطاب في هذا اللينك)






هل ينبسط الديك الرومي بعيد الشكر؟

تماما كالامبريالية القديمة تعتمد الامبريالية الجديدة في انتصارها على شبكة من العملاء، نخبة وطنية فاسدة لخدمتها. لكن بعكس الامبريالية القديمة، لا تحتاج النسخة الجديدة منها للمجازفة في احراش المناطق الحارة وتعريض نفسها للملاريا أو الاسهال او موت الفجاءة. بوسع الامبريالية الجديدة ان تنجز أعمالها عبر الايميل.

عنصرية الامبريالية القديمة الفجة والمباشرة اصبحت موضة قديمة، اليوم حجر الأساس للامبريالية الجديدة هي العنصرية الجديدة. 

إن التقليد الرئاسي لإعفاء الديك الرومي من الذبح في عيد الشكر هو استعارة مناسبة لما اقصده بالعنصرية الجديدة. ففي كل عام منذ عام 1947 ، يقدم اتحاد الديك الرومي الفيدرالي ديكا لرئيس الولايات المتحدة الامريكية بمناسبة عيد الشكر، وفي كل عام يقام حفل مراسيمي فخيم، يقوم فيه الرئيس بالعفو عن الديك الرومي، ثم يتوجه لحفل العشاء ليأكل ديك روميا آخر. 

بعد انتهاء المراسيم، يُرسَل الديك المختار إلى حديقة (طاسة القلي) في فيرجينا ليعيش حياته في سلام. بقية الخمسين مليون ديك الذين يتم تسمينهم كل عام لاحتفالات عيد الشكر تذبح وتؤكل في يوم عيد الشكر. 

شركة (كورن-اقرا) وهي الشركة التي فازت بتعاقد الديك الرئاسي صرحت أنها تقوم بتدريب الديك ليكون اجتماعيا، وودودا مع المسئولين ومع اطفال المدارس الزائرين والإعلام (ولعلهم قريبا يتحدثون الإنجليزية!)

هكذا تعمل العنصرية الجديدة في عصر المؤسسات الذي نعيشه. مجموعة من الديكة الرومية المُسَمَّنة والمُختارة برعاية، نخبة وطنية من عدة دول ، صفوة من المهاجرين الأثرياء، اصحاب بنوك الإستثمارية، نسخة هنا من كولن باول، او هناك من كوندوليزا رايس، بعض المطربين والكتاب (مثلي)، هؤلاء يتم العفو عنهم والسماح لهم بدخول حديقة (طاسة القلي) . اما الملايين الباقية تفقد وظائفها، يتم طردهم من منازلهم، يتم قطع خدمة الكهرباء والمياه عنهم ويموتون بالإيدز، بإختصار : هؤلاء للسلخانة.

ولكن الاف الديكة المحظوظين في حديقة طاسة القلي بخير، بعضهم حتى يعمل في صندوق النقد الدولي أو منظمة التجارة العالمية ، فكيف بوسعنا أن نتهم هذه المنظمات أنها متعنصرة ضد الديكة؟ بعضهم يعملون في مجلس إدارة اختيار الديكة. كيف بوسعنا أن نقول أن الديكة ضد احتفال عيد الشكر؟ وهم يشاركون فيه. كيف بوسعنا ان نقول أن الفقراء ضد سياسات العولمة الإستثمارية؟ هناك تدافع مهول للدخول إلى حديقة طاسة القلي. فماذا إن مات بعضهم دهسا في طريقهم إليها؟ 

وضمن باقة العنصرية الجديدة، نحصل أيضا على الإبادة الجماعية الجديدة. 

الإبادة الجماعية الجديدة في عصر الترابط الإقتصادي العالمي الجديد يمكن انجازه عبر سياسة الحظر الإقتصادي. الإبادة الجماعية الجديدة تعني : خلق أوضاع  معينة تؤدي إلى الموت الجماعي دون الحاجة لأن تقتل الناس بيدك. 

دينيس هاليداي، منسق الأمم المتحدة للشئون الإنسانية للعراق في عامي ١٩٩٧ و١٩٩٨(أو برنامج النفط مقابل الغذاء) والتي استقال فيها من منصبه متقززا، استخدم كلمة "الإبادة الجماعية" لوصف الحظر الإقتصادي على العراق . ففي العراق، تفوقت هذه الحظورات الإقتصادية على جرائم صدام حسين بعد أن تسببت في مقتل نصف مليون طفل .

في عصر الإمبريالة الجديد، الأبارتايد (أو سياسة الفصل العنصري) اصبحت تعتبر سياسة قديمة وغير ضرورية، الوكالات والقنوات العالمية للتجارة والمال تُشرِف على نظام معقد من اتفاقيات التجارة الدولية والعقودات المالية التي تحرص على ابقاء الفقراء في عشوائياتهم . غرض هذه القنوات الأساسي هو: موسسية الظلم وتقنين عدم المساواة. 

وإلا فلماذا تقوم أمريكا بفرض ضريبة على قطعة ملابس مصنعة في البنغلاديش هي ٢٠ ضعف لتلك المصنعة في انجلترا؟

 ولماذا الدول التي تنتج ٩٠٪ من محصول حبوب الكاكاو في العالم تصنع ٥٪ فقط من شوكلاتتها؟

ولماذا عندما تحاول دول منتجة لحبوب الكاكاو كغانا وكساحل العاج ان تصنع شوكلاتتها يتم ضربها بالضرائب حتى تخرج من سوق المنافسة؟ 

ولماذا الدول الثرية التي تصرف أكثر من بليون دولار يوميا على دعومات لمزارعيها تطالب دول فقيرة كالهند أن تسحب كل الدعومات على الزراعة بما فيها دعم الكهرباء ؟

لماذا إذا الدول المُستَعمَرة التي ظلت عرضة للنهب لأكثر من نصف عقد من مُستعمِرِيها هي غارقة في ديونها لنفس هؤلاء الناهبين وتدفع لهم ٣٨٠ بليون دولارا سنويا؟ 

****************************************

المحاضرة كاملة:

Saturday, 14 November 2015

هذا يغير كل شيء! (الحلقة الأولى)

-الرأسمالية في مواجهة التغير المناخي- هذا هو العنوان الجانبي للعنوان الرئيسي لكتاب ناومي كلاين الجديد، والذي لا أجدني أبالغ إن قلت، أنه ربما يكون "مانفيستو" عصرنا هذا، فكما كان المانفيستو الشيوعي زهرة توحش الرأسمالية الأول في عصر الثورة الصناعية. فإن هذا الكتاب هو زهرة توحش الرأسمالية الثاني في عصر الثورة "الاستخراجية" *
* ما اصبح يسمى بالإقتصاد الاستخراجي الا وهو النشاط الاقتصادي المعتمد على استخراج مصادر الطاقة من باطن الارض والبحر(الفحم-نفط- الغاز الطبيعي- بيتومين (او الزفت) ..الخ)

 المعركة الأولى بين الرأسمالية ومناهضيها كانت ضارية وحامية لكن ناومي ترى ان هذه المرة فإن المعركة وصلت الى حلبتها الاخيرة والحاسمة. هنا الرأسمالية ترتدي قفازات المواجهة في قبالة التغير المناخي. لا بد لواحد ان يطيح بالاخر. لا مكان للاثنين بعد اليوم. اما ان تنتصر الرأسمالية وتهزم قضية المناخ وهذا يعني تغير كل شيء (في افضل السيناريوهات لو لم تعني انقراض البشرية، فإنها تعني وجودها بشكل مجهجه خلاص، في انفاق تحت الارض ولا حاجة كدا)
او ان تنتصر قضية المناخ وتهزم الرأسمالية (وهزيمتها ايضا تعني تغير حياتنا عن كل ما الفناه وتعودنا عليه بشكل مباشر في الثلاثين سنة الاخيرة 

هذا الكتاب لم يثر سخط انصار الرأسمالية والنيوليبرالية -بالعكس!  الكتاب ازعج مناصري قضية البيئة ذات نفسهم! اذ انهم رأووا ان الكتابة اقحمتهم في "عركة" جديدة هم في غنى عنها خالص!!. وانهم غير ناقصين معركة جديدة اضافة الى معاركهم مع شركات النفط ومناجم الفحم ومع القوانين والحكومات. لا يحتاجون فوق كل ذلك العنت، عنت الصراع الايديولوجي.

ناومي كلاين ترى ان اكثر الناس وعيا بقضية المناخ في وقتنا الحالي هم اليمينيون. صرح احد المشاركين في المؤتمر السنوي المنكر للتغير المناخي "ان قضية البيئة ما هي الا حصان طروادة اخضر يتخفى من خلفه الراديكاليون الحمر"

تقول ناومي : يا ريت لو فعلا الراديكاليون كانوا واعين وتخفوا وراء قضية البيئة، الا انهم في وادي تاني خالص*
*طبعا هي لم تقل كدا بالحرف انا بلخص في الكتاب


كما كل كتابات ناومي كلاين، لازم تشيل نفسك وانت بتقرا، لانك تحس انها تجك بك عاطفيا وفكريا، ولا تفرق بينهما - وهذا في رأيي- اجمل واجود انواع الكتابات- لا تلك التي تدعي برودة الموضوعية، فالموضوعية جياشة يخوانا. 



اعتقالها من امام البيت الابيض احتجاجا على خط انابيب كي ستون الذي يمر من كندا الى امريكا وعبره يضخ النفط المستخرج من الرمال النفطية اخطر انواع الوقود واكثرها اضرارا بالبيئة- مشروع الانابيب الذي ظل اوباما ملكلكا امامه -تقول ناومي: اوباما يقول "نعم" للبيئة دوما ما نحتاجه ان يقوله هو "لا" للوبي الشركات النفطية


(جدير بالذكر للناس البحبو الحاجات دي، انه عندها كتابين : لا للوقو، وعقيدة الصدمة تصدرا قائمة الكتب الأحسن مبيعا في العالم، كتابها الذي اصدرته عام ١٩٩٩ وكانت في ال ٢٩ من عمرها :نو لوقو  صنفها ضمن اهم الكتاب في العالم دون سن الأربعين)

عندما قمت بنشر خبر انني استلفت كتاب ناومي كلاين من المكتبة عن البيئة، كان هناك تعليق ملفت حول ما اذا كانت قضية البيئة هذه مجرد حملة "بيضاء" اخرى لانقاذ الأرض- ولعلها منذ الثمانينات لم تكن الا كذلك. قضية تخص "اهل شمال الكرة الارضية" يريدون ان يجعجوا بها ويصدعوا بها رأس اهل جنوب الكرة الأرضية الذين هم ما ناقصين وجع راس.

الكلام دا صحيح، لكن منذ تفاقم ازمة المناخ بشكل واضح انقلبت الموازين تماما. بوسعي ان اقول انها اصبحت قضية ملح الأرض. بل- ملح ملح الأرض- اذا كان في حاجة بالشكل دا. ولعلي لا أبالغ إن قلت أن الانتصار فيها هو انتصار المستضعفون الذين يرثون الأرض حقا. 

في الفلم* الوثائقي الشاعري الجميل المعنون بلغة حريفة تجمع بالانجليزية بين كلمة "السد" و"الخراب" . فيه ارونداتي روي تتابع نضال السكان الاصليين في الهند ضد سد النارمادا الضخم، والذي تقف خلفه شركات استثمار ضخمة والدولة بكامل عتادها.  تقول ارونداتي :ها هنا افقر من في الأرض وأبأس من في الأرض يعيدون تعريف معنى "السعادة" لنا جميعا. ما هي السعادة؟ ما هو الرخاء؟ ما هي الطمأنينة؟ ما هو الأمان؟
هنا بشكل واضح اكثر من اي وقت مضى في تاريخ البشرية. يجلس المثقفون والمفكرون على الدكة، بينما يمسك البسطاء بالطبشورة. 

*الفلم أهوه انصح به تماما

في حوار توجه المذيعة سؤالا لناومي كلاين: من اين تأتيك نبرة التفاؤل هذه؟ التي تبشرين فيها ب"حركة الحركات" -كما اسمتهاـ وهي حركة توحد جميع حركات العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية حول العالم، تحت راية البيئة. فترد ناومي انه تفاؤل الواقع، وهي ترصد التحول الكبير الذي جعل النساء والسود والفقراء والعمال والمزارعين المأجورين والسكان الأصليون وسكان القرى هم اكثر الناس وعيا بقضية البيئة وفي الصفوف الامامية في معركتها لأنها اصبحت تمس حيواتهم بشكل فاضح. 

سأحكي بعض الحكاوي المفصلية في الكتاب، كأفضل وسيلة للتلخيص، حكيت من قبل قصة جداد الوادي ،والتي ترصد المراحل التي مرت بها حركة مناصرة البيئة من حركة شعبية حقيقية ثم تطوعنت وتأسست وفقدت بوصلتها، لكنها الان تعيد جذوتها من جديد مع حركات التغيير الاجتماعي الشعبية حول العالم.


قصة الرجل الإيطالي الأنيق:
في مقاطعة اونتاريو الكندية، تحاور ناومي كلاين ايطاليا انيقا، افتتح مصنعا للألواح الزجاجية المولدة للطاقة الشمسية- الألواح الشمسية. ينظر بحسرة الى مصنعه كما قبطان نبيل يشهد غرق باخرته.
مقاطعة اونتاريو كان قد اعلنت عن مشروع تحويل المدينة للعمل كلية بالطاقة الخضراء. احتفى العالم بهذا المشروع الطموح. يقول الايطالي: " كانت شركتنا الام تشرع في التوسع بتجارتها في امريكا. كنا قد رسينا على نقل المصنع الى كاليفورنيا أو تكساس أو هاواي حيث الشمس المشرقة والمناخ المناسب للإستثمار، لكن اعلان حكومة اونتاريو قلب موازيننا تماما، رغم برودة المدينة، وشمسها الضنينة، الا ان مشروعها الطموح شجعنا على نقل استثمارنا هناك. فهذا يعني ليس مجرد توزيع الواح زجاجية، لكن الحصول على بيئة عمل مستقرة وزبائن دائمون."
وما جعل المدينة تحتفي بمثل هذا الإيطالي وغيره هو شراءه لمصنع سيارات كان قد انهار بعد الأزمة المالية الأخيرة وتشرد عماله، فقام بفتح المصنع من جديد وتوظيف عمال تركيب السيارات والذين كانت لديهم الحرفة والخبرة في التعامل مع التركيب الآلي. ما يقدمه المصنع ليس فقط طاقة خضراء، بل ووظائف خضراء ايضا. تحمست المدينة للمشروع وقامت بفرض حوافز من شاكلة : اشتراط ان تكون هناك نسبة ثابتة من اجهزة وقطع الطاقة النظيفة مُصنّعة في المدينة ذاتها (لكن تشجع العمالة المحلية) وايضا تعريفة التغذية (دي عشان افهمها قعدت ساعة، والفهم قسم يا عينيا) - وهي تعرفة تدفعها الدولة للشركات التي تولد الطاقة النظيفة بجعل اسعار الشراء منافسة لشركات تولد الطاقة بالطرق التقليدية، مما يضمن استمرارية هذه الشركات. و كذلك عبر توقيع عقود طويلة الأمد. كما قامت بوضع بند يمنع الاحتكار ويفتح الباب لشركات التوليد المحلية (وليست فقط الكبيرة) ببيع الطاقة للشبكة (سواء كانت شركات تابعة للمحليات، او التعاونيات او للسكان الاصليين)- شرط ان تكون نسبة من عمالتهم وادواتهم المحلية تصل الى ٤٠٪ و٦٠٪- الذي حدث ان مقاطعة اونتاريو اصبحت اعلى مدينة مولدة للطاقة الشمسية في كندا ، وبحلول ٢٠١٣ كانت هناك شركة واحدة فقط تولد الكهرباء بالفحم، كما انها قدمت حلولا للعطالة التي شهدتها المقاطعة بسبب اغلاق مصانع السيارات والتي كانت تعتمد عليها، حيث قامت بتوفير ٣١ الف وظيفة محلية بحلول عام ٢٠١٤

لكن.. وآخ من لكن.. ما قامت به هذه المدينة هو مخالف لقوانين منظمة التجارة العالمية، فإن فرض نسبة من الصناعة المحلية للمعدات والالواح الشمسية يعد اخلالا بروح وقوانين المنافسة للشركات العالمية التي تورد هذه المعدات من الخارج، فإن قانون التجارة الحرة يمنع ما يسمى ب"المحاباة الوطنية" اي ان تحابي الدولة النشاط الاقتصادي الوطني ضد الاستثمار الأجنبي (سواء كان بتشجيع العمالة الأجنبية، او العقود المحابية للشركات المحلية، او تشجيع الصناعة الوطنية الخ).
ومنذها انسحبت اونتاريو من حوافزها، مما جعل كثير من الشركات تغلق اعمالها في المدينة. اخرهم الايطالي الأنيق الذي قلص من عمل فرع شركته، إلى حين انتهاء عقودات الضمان على الالواح التي اشتراها عملاؤه

ترد كلاين على المدافعين عن "روح التجارة الحرة" ان من جانب فإن قوانين التجارة هذه لا تنطبق على الحوافز المدفوعة لشركات الطاقة النفطية والتي تصل الى ما يقارب ٧٧٥ بليون دولار و الترليون دولار سنويا (نفس هذه الشركات لا تدفع نكلة مقابل الضرر البيئي المهيب الذي تسببه) 
من جانب اخر فما يجعل شركات الطاقة النظيفة هذه ناجحة ومُشَجَّعة من قبل المواطنين والحكومات هي قدرتها على خلق الوظائف عبر تشجيع الصناعات المحلية والشركات المحلية والحوافز الحكومية. صحيح! استيراد الالواح الشمسية من الصين قد يكون ارخص وفي متناول المستهلك، لكنه لن يساهم في خلق الوظائف ولن يشجع من خلق بيئة اقتصادية تسهم في مقايضة الطاقة التقليدية بالطاقة النظيفة (كما انه لو حسبنا الضرر البيئي من الباخرات الناقلة للالواح النظيفة فالموضوع بايظ اصلا)

-- هنا تتحدث ناومي كلاين عن احد اعداء قضية البيئة، وهي اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية (ك نافتا) او الجماعية (كمنظمة التجارة العالمية)، التجارة الحرة هي احد ركائز الرأسمالية العتيدة.. ان هبشتها فإنك في الحقيقة تهبش الرأسمالية. 
>>>>> في الحلقة القادمة قصة الانجليزي المجنون صاحب المنطاد




Tuesday, 3 November 2015

دراما جداد الوادي-قصة مؤثرة خلاص

أنا ضحكت غايتو -لكن من حال البشر أفتكر. 

القصة دي من كتاب ناومي كلاين الأخير، حعمل عنو ملخص في اليومين الجايات -لكن هي هنا جايبة مثل عن كيف حركة الحفاظ على البيئة لما بدت في الستينات بدت كحركة حية وعارمة تضم قطاعات مختلفة من المجتمع (محامين وعلماء وسياسيين ومواطنين مهتمين وناشطين) وكانت بتواجه الشركات البتلوث البئية بشراسة ونجحت في إقتلاع تشريعات بقت شبه ثابتة في معظم دول العالم. أها في التمانينات الحصل إنه الحركات دي تطوعنت وبقت منظمات طوعية ومع صعود نجم الريغانيزم، والنيوليبرالية. قامت المنظمات دي اتبنت وجهة نظر تانية ، إنه بدل ما نواجه الشركات دي ونقاضيها ونمرمطها ما نجي نتعاون معاها، ونعمل أجندة مشتركة ها؟ ونحقق اهداف سوى ونتبع القاعدة الفقهية لا ضرر ولا ضرار.و جابت القصة دي:


يحكى أن فصيل نادر من دجاج الوادي أو دجاج البراري والذي كان يجد في سواحل تكساس ولويزيانا مرتعا أصبح مهددا بالإنقراض بسبب أعمال التوسع الصناعي والسكني. ذلك الفصيل البهي الطلعة والذي كانت تشكل طقوس تزاوجه مزارا للمهتمين. حيث يقوم بدبكة تحفزية على الأرض و ينتفخ الكيسين على جانبي عنقه ويبدو وكأنه ابتلع بيضتين ذهبيتين. 
وحدث إنه أخر موطن باقي لهذا الطير هو في مكان في تكساس يبلغ سعته الفين فدان. وقد عزمت منظمة الحفاظ على البيئة أن تحتفظ بهذا المكان للطير دا. لكن في مشكلة!


أنظر رقصة التزواج في الفيديو أدناه:


الأرض دي مملوكة لشركة موبيل النفطية. صحيح هي لسة ما نزلت المعدات لإستخراج الغاز والنفط إلا كان في كذا بئر "نشطة" على اطراف الأرض وقريب من مراتع توالد جداد الوادي. لكن في العام ١٩٩٥ حصلت مفاجأة. شركة موبيل تبرعت بالأرض كلها لصالح منظمة الحفاظ على البيئة على أمل في إنقاذ واحدة من أندر فصائل الطير في العالم كما وضحت الشركة سبب تبرعها. وسعد الجميع بالخبر دا، وأعلنت المنظمة إنه الآن هي عازمة على الحفاظ على نسل الطير دا، واحتفلوا بالنموذج الناصع والساطع لما يحدث لما نتنبنى سياسة شراكة لصالح البيئة بدل سياسة المواجهة.

لكن وبعد ٤ سنوات حصل شيء غريب. منظمة الحفاظ البيئة شرعت في القيام بنفس الشيء الذي ظن الجميع أنها بتسعى ضده: ألا وهو منع إسختراج النفط والغاز من المحمية. أي نعم بحلول العام ١٩٩٩ كانت المنظمة قد أوكلت شركة تقوم بحفر آبار لإستخراج النفط والغاز - بحيث تعود الملايين من دولارات الأرباح إلى خزانة المنظمة. وبعكس الآبار القديمة الكانت على حدود المحمية ، الآبار الجديدة كانت أقرب وأقرب من مكان توالد وتجوال الدجاج. واستمر الحال في صمت مريب لحين ظهور مقال في لوس أنجليس تايمز عام ٢٠٠٢ كاشفا عن ما يحدث في المحمية البعيدة. وكان الأمر بمثابة الصدمة لأنصار منظمة الحفاظ على البيئة، اتخيل مثلا لو إنه إكتشفت إنه منظمة العفو بتدير زنازين خاصة في سجن قوانتانامو- أها هكذا كان وقع الصدمة على الأنصار.

ثم ظهر مقال صحفي تعمق أكثر في ما يحدث في المحمية والذي أوضح أن واحدة من أبرز منظمات الحفاظ على البيئة أصبحت تتباهى بكونها شركة تعدين للنفط.

المسئولون في منظمة الحفاظ البيئة وكأنهم استعاروا أصوات ونبرة سلفهم من شركات النفط قالوا:" بوسعنا أن ننقب عن النفط دون أن نضر بجداد الوادي. " ولكن كان ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة.

فإلى جانب أعمال الحفر والخبط والرزع والحفر والضوضاء والكشافات المشرعة ليلا والتي أقلقت مرقد الدجاج. كانت هناك عدة حوادث أضرت مباشرة بحياة الجداد.

مثلا، بسبب حالة الدجاج الحرجة والآيلة للإنقراض كان هناك مشروع شراكة حكومي أهلي يعمل على حضانة فرخ دجاج الوادي لمدة قبل إطلاقه في البرية. ولكن في إحدى المرات بسبب عطل في إحدى الأنابيب النفطية تأخرت عملية إطلاق الفرخ في البراري لمدة ثلاثة أشهر، وعندما تم إطلاق الدجاج، كانت لقمة سائغة لموسم الطيور الجارحة المهاجرة في هذه المدة بالذات في الأنحاء. 
إطلاق الطير كان كارثة في تلك السنة، السبعتاشر فرخة التي أطلق سراحهم قتلوا جميعا في فترة قصيرة. 

بحلول عام ٢٠٠٣ منظمة الحفاظ على البيئة أعلنت أنها تحتضن الآن ١٦ دجاجة فقط وهي أقل من ال٣٦ دجاجة الكانت موجودة قبل عمليات التنقيب والحفر. 

بعد هذه الفضيحة أعلنت المنظمة أنها لن تقوم بأي أعمال حفر أو تنقيب جديدة في المحمية. لكن عند الكشف عن تواصل عمليات الحفر، عللت المنظمة أنها ملزمة قانونيا بمواصلة أعمال الحفر القديمة بحسب العقد الملزم بينها وبين شركة التنقيب، أي نعم في آبار جديدة اتحفرت، لكن دي مجرد آبار تعويضية للآبار القديمة التي حصل ليها تلف أو غمرتها المياه بما أضرت بمصالح شركة التنقيب.

ورغم إنه المنظمة تملك صلاحية إيقاف أي أعمال تضر مباشرة بحياة الدجاج ، فقد واصلت المنظمة أعمال الحفر معللة أنها قاعدة تستشير في خبراء يؤكدون أن لا خوف ولا ضرر على حياة الطيور النادرة. 

وبرغم الضجة التي أثارتها القضية في كون ليه واحدة من منظمات الحفاظ على البيئة متورطة في عملية إستخراج طاقة مضرة بالبيئة من أساسه، إلا أنه الضجة كلها خفتت وذلك لأنه بحلول نوفمبر ٢٠١٢ كانت منظمة الحفاظ على البيئة قد أعلنت عن إختفاء آخر الطيور من فصيلة دجاج أتووتر البري وأن ليس لديها أي علم بوجود أي من هذه الطيور على المحمية التي تديرها.


"جدير بالذكر أن الموقع الإلكتروني للمنظمة لا يزال يباهي بمقدراتها الإدارية في مجال المحميات الطبيعية والتي هي على استعداد لمدها وإعارتها للمحميات الأخرى كي تستفيد منها"

مقتبس من كتاب ناومي كلاين ( هذا يغير كل شيء: الرأسمالية في مواجهة التغير المناخي) 





Wednesday, 30 September 2015

انقلاب ضد الأمومة

مستهل: هذه الكتابة لعصمت الدسيس في والدته، أمنا، العينة الأمين- بتصرف مني
منذ معرفتي الأولى بعصمت كنت أستغرب انصرافه عن حكي تفاصيل حوادث اعتقاله ، أو حتى مجرد الإشارة إليها، في وقت كان الكثيرون يستعرضون نياشين اعتقالاتهم بفخر (فخر يستحقونه والله) . حتى التقيت والدته رحمها الله لاحقا واخوته، وعلمت أن كل حادثة إعتقال كانت تحمل ذكرى تؤذيه- "اعتقال صباح العيد وكنا قد فرشنا لتونا الملاءات الجديدة" "مطاردة في حفل قران أختك الصغرى منى" "اعتقال تبعته اغماءة الوالدة في المشفى" .
ومع ذلك يلزمك وقت لتكشف عن فخر هذه الأسرة الشريفة بإبنهم. وهي حكاوي كنت تلتقطها من بين ونساتهم التقاطا. كلهم يرونه الواجب ..الواجب.. لو أنك من الريف فإنك نادرا ما تسمع عن أب يباهي بحفر ابنه مجرى امام باب جيرانه ابان فيضان ما. يرونه الواجب. بذات النبرة التي يحكون فيها عن بذل ابنهم للوطن ، يحكون عن أول مولود له، يحكون عن عرضة في عرس احدى البنات، يحكون عن غرفة شيدوها في المنزل.- اسرة عزيزة وحميمة بحق.



أربعين يوما من الشوق ... الفقد

أذكرك و انت تَبسُطين طرف ثوبك لأخي طارق -ثاني ابنائك- ليدخر فيه حلمك - حلمك به عريسا. عاندتِ به يد صرَاف الحكومة المغلولة و رقة الحال ببسطك يد التفاؤل و الخير "اللازم ينتم " فإذا بك تصبحين و الشر يضحك في وجهك وقد أحيل طارق للصالح العام فاحتميتِ بعودة عباس-بكريك- من زالنجي " هكذا انت لا يعرف القنوط لك باباً" ثم صادرت كدح عباس ليتوزع على حلمين له ولأخيه  بقولك " كلو خير"،  و لكن أمي أين الخير و الشر في ارضك و سماءك؟  فهاهو عباس يأتيك 
ذات ظهيرة و صفعة الصالح العام تشوه وجه عودته إليك  ليتناثر ما في صُرة ثوبك على كِسرة اليوم و الهم .


أذكر لوعتك عند إعتقالي الاول و دموعك التي َحَجرتها الحيرة و السؤال حتى جاءتك الإجابة و إنجلت الحيرة بسلسلة الاعتقالات و المداهمات الليلية ، عرفتِ حينها أن الانقلاب كان و مازال ضد الأُم ، وتفجر دمعا فوق طاقة قلبك فزاحم نبضك وضَيَّق شرايينك ،و السُكّر الذي غاب عن شاي الصباح سمم دمك . 


 و بينما ثوبك مبسوط ليستر ضيق أسرة أُحيلت للصالح العام جئتك بقرار فصلي من الجامعة فشددتِ ثوبك ليمسح دمعك . الآن تمزق قلبك و إنكشف الستر عن الخوف فرضيتِ أن أبتعد عنك ليكون طرف الأمان عندي و طرف اللوعة و البكاء عندك . 


أُمي إختلط عليّ بٍرّك ببر الوطن و ما عناك فض اشتباكهما عندك،  فأنتِ الكل في مقام العطاء و البعض في مقام 
الشُكر تطعمينا لحمك  شبعا ، يميل هواك حيث نميل و تستقيم يدك حين نطلب يا سيدة العطاء يا أُم.


حين جلسنا حولك بخيبة الوطن رضيتِ أن تدفعي عمّن خانوا فقطعتِ جزءا مما تبقى من قلبك و حزمتِه بتأشيرات خروجنا ثلاثتنا -انا وطارق وعباس -من البلد ،من فؤادك، فأصبحت كأم موسى تنتظرين على جحيم الشوق أن نهاتفك لتعرفي أين رست سلتك و أنتِ أعلم الناس أن لا مرسى لنا الا حضنك.




و إستفرد بك الشر بعد أن نجيتنِا منه وقد رميتنا  في اليم ، فسلط عليك شياطين المرض و شياطين الطب حتى غرق مرضك الى أذنيه في يم الاخطاء الطبية، فدرنا بك الدنيا و قرأ أطباء الدنيا عليك كل تعاويذ الطب و لكن يد الشر غاصت عميقا في قلبك


الآن انا مثلك أدركت متأخرا أن هذا الانقلاب كان و مازال ضد الشرعية ، الشرعية الإلهية لحق الام في الحياة و الحلم .

Friday, 4 September 2015

نضالٌ نبيلٌ -نحن عنه معرضون


هناك سلسلة من المقالات في غاية الأهمية تنشر تباعا على صحف: الميدان- الجريدة- الأيام - التيار وعلى الصفحة الشخصية للدكتور نبيل أديب. لا بد من متابعتها

علي أن أقول أن بي قليل خجل يمنعني من المبادرة للتعرف على أناس بعينهم، سوى أشخاص بعينهم لم أجد بدا من تجاوز هذا الخجل للقائهم وذلك لإعجابي الفائق بهم. أحدهم الدكتور نبيل أديب والذي أخذت عنوانه وقصدت مكتبه العامر بالعمارات دون سابق معرفة، سوى مقالاته والحوارات واللقاءات الإعلامية التي كنت أتابعها له بحرص بالغ والتي كنت أحس أنها تعبر عني تماما.

ظل في رأيي منذ بداية إهتمامي بالعمل العام، أن هناك فجوة عميقة في الخطاب والعمل النضالي لم يخاطبها بشكل بارز وعلى ارض صلبة من المعرفة والخبرة كما خاطبها الدكتور نبيل. وهي مجادلة النظام في الزمن الفعلي. معظم إن لم يكن كل خطابنا السياسي والنضالي يركز على مخاطبة النظام في زمن مؤجل "حين سقوط/زوال/ذهاب النظام" و "بعد سقوط النظام" أو في حالة الحوار "حين تفكك النظام" . وهذه نقطة المماحكة فلنقل- لأنها ليست نقطة الخلاف- بيني وبين زملائي في العمل العام. هناك خوف كما ذكرت أكثر من مرة من قبل لدى المناضل من مخاطبة النظام في الزمن الفعلي، خوف من أن يسقط النظام فجأة ويجد المناضل نفسه مورطا في خطاب تسوية ومساومة ومرحلية. لكن هذا الأمر ضروري حتى مع هذه الإحتمالية (التي تتأخر يوما بعد يوم) ، فما بعد النظام يلزمه هذه الخبرة في مجادلة السلطة ومحاورتها والتنازع معها. لن يأتي نظاما جديدا ونخلف ساقا على ساق للننتظره كي يصلح من نفسه .
هناك معلومة تغيب كثيرا وسط زخم الإحتفاء التاريخي بسيرة المبجل مارتن لوثر كنق وروزا باركس وحادثة دمج الباصات في مدينة مونتغومري، والتي سمحت للأسود أن يجلس في مقعد على الحافلة دون أن يضطر أن يتنازل عنه لصالح الأبيض. ما يغيب عن الكثيرين هو التسوية التي قدمها مارتن لوثر كنق مع المدينة لصالح ذلك، ففي تفاصيل الإتفاق، فإنه أكد على السود أن يشغروا المقاعد الخلفية أولا ثم ملئها نحو الأمام!! كل ما أقصده بالتسوية هو مجادلة النظام تتطلب منا أن نضع في الإعتبار أنه (دي فاكتو). نظام فرضه الواقع المعاش. ما أقصده هو النضال "أيضا" من أجل انتزاع ارض للنضال. فمثلا انتخاب نقابات بديلة فاعلة شبه معترف بها لم يكن ابدا نهاية نضال، بل بدايته، انتزاع أرض صالحة للنضال.
 ما يعيق هذا هو عشقنا للبرافادو- الهتافية. فنحن نفضل أن نهتف: تهيئة المناخ من أجل الحوار!!! أو اطلاق الحريات!!! أو ضد النظام العام!!! ضد قانون الأمن ٢٠١٠!!!! ضد تعسف الشرطة!!! أطلقوا سراح!! لا للإعتقال السياسي!!!  بدلا من تفكيك هذه الشعارات. وعمليه التفكيك هذه مهمة جدا. لأن ما من أحد أكثر سعادة بالهتافية هذه من النظام نفسه. لأنه في كل مرة يرد على هذه الهتافات المعممة بتصريحات مبهمة ك: هامش الحريات أو ٢٠١٦ نهاية أزمة دارفور أو لا يوجد معتقلين سياسيين أو لقد أخطأنا في حق الشعب السوداني أو الأسوأ من ذلك اقامة تحقيقات مبهمة وانشاء مفوضيات عاطلة واجراءات قانونية ومحاكمات فاسدة.

قبل يومين كنت اقلب في تطبيق "حدث في مثل هذا اليوم" على الفيسبوك، وفاجأني أنني قمت قبل عام بنقل بوسترات : المجد لشهداء سبتمبر!! القصاص لشهداء سبتمبر!! لن ننسى شهداءنا!!! تفاجأت لأنني كنت متأكدة أن هذه هي الذكرى الأولى لهبة سبتمبر وليست الذكرى الثانية!!! وها قد عدنا من جديد بنفس البوسترات لترد السلطة بذات الشكل المبهم والمكرر والذي كان من قبل ب: فتح التحقيق في شهداء سبتمبر ثم ها هي الآن تتحدث عبر لسان وزير العدل بشكل مبهم أيضا عن : "تعويض شهداء سبتمبر" لنهتف من جديد "ما دايرين تعويض دم شهداءنا لن يذهب هدر!!"
واحدة من معيقات التنمية والديمقراطية في افريقيا هي أن المسئولين لا يحملون المسئولية. ولا أجد ابلغ من الهتافية واختصار النضال في شعارات مجملة كأحد ادوات اخلاء المسئولية التي نركن إليها كمناضلين وكعاملين في الحقل العام.
أنا لا أتحدث اطلاقا عن التخلي عن هذه الشعارات المجملة، فلتكن السماء التي نرمق إليها ولنرمي الأساسات واللبنات اللازمة لبلوغها. فإذا اردنا حقا أن نسترجع حق الشهداء يكون ذلك عبر عدة مطالب ، واحدة منها السعي أن لا يهدر دم كريم بعد اليوم ولا يحبس حر ولا يجلد عزيز. فالقصاص لشهداء سبتمبر لا يكون عبر كباش فداء، فالقاتل الحقيقي هو مؤسسات السلطة متمثلة في جهاز الأمن الوطني وقانونه، وجهاز الشرطة وقانونه. ومن هنا أنتقل بكم إلى سلسلة مقالات د. نبيل والتي أود أن ننظر إليها جميعا نحن العاملين في العمل العام وجمهور الناشطين والمناضلين وأن نصيغ منها خطابنا سواء في "المخاطبات العامة" أو "الندوات" أو "التصريحات الإعلامية" أو"البيانات الإلكترونية" أو "البوسترات" أو "الهاشتاقات".

في الآونة الأخيرة على من جديد صوت : نشر الوعي ، نشر الوعي هو أحد وسائل النضال. ولكن للأسف يتم اختصار هذا الهدف النبيل في "لكشرة" للمواطن بما يعرف ولا ما لا يعرف. تم اختصارها في تسميع حقوقه عليه. بينما نشر الوعي يعني تذليل سبل العمل والتضامن من أجل هذا الوعي. الوعي قول وعمل.



هذه مقتطفات من المقالات الثالثة وما زلت أتابع صدور مقالات د.نبيل التاليات. لكن التحدي يكمن هنا في أن نعمل سويا نحن الناشطين في العمل العام في صياغة كل هذا في حملة تشغل الرأي العام وتحرك المواطنين نحو هذه البنود المفككة والمفصلة. سيقول البعض : الشارع لا يتحرك.. نعم الشارع لا يتحرك بما هو مبهم وبالشعارات. ويحضر هنا في البال حملة غاندي لتأميم الملح ابان الإستعمار البريطاني للهند، إذ كان يرى انه يمكن تحريك الناس وحشدهم حول أمور محددة تلامس حياتهم الشخصية بشكل مباشر، بدلا من شعار عام كالتحرر من الإستعمار أو الحرية، كما يحضر في البال كيف أن حركة الحقوق المدنية ظلت تفصفص هذه الحقوق فصا فصا بدل أخذ الشارع الأمريكي خلف شعار مبهم كالمساواة والدمج. بدءا من فرص العمل المتساوية، لحق الدمج في المطاعم في المدارس في الباصات المحلية والباصات السفرية،مرورا بالمسيرة الشهيرة التي كانت إلى واشنطن والتي خطب فيها بخطابه : لدي حلم. هل سيفاجئكم أن هذه المسيرة لم تكن تحت شعار : المساواة والحرية، بل كانت تحت شعار الوظائف والحريات. وتلخصت تحت ٥ مطالب مفصلة ومحددة. وهناك مقولة شهيرة لمارتن لوثر كنق يقول فيها أنا على استعداد لأن افاوض مؤجر مؤجر في أمريكا من أجل تحقيق حق السكن للسود! 
 إلى سلسلة مقالات دكتور نبيل أديب

المقالات تتحدث عن دعوة وزير العدل لإصلاح قانون الإجراءات الجنائية وعن عزمه لتشكيل لجان لإصلاح قانون الإجراءات الجنائية  وهو ذلك الشق من القانون الذي نعاني منه القسط الأكبر من البطش كمواطنين عاديين -اكرر كمواطنين عاديين ماشين في الشارع.
لأنه هو ذلك الشق القانوني الذي يعطي صلاحيات موسعة للشرطة لتعمل بموجبها. ويأتي في البال تلك الصيحة التي اطلقها ياسر عرمان في أيامه الأولى اثر عودته للخرطوم حين قال :" إن الشرطة السودانية مسلحة حتى أسنانها". وهو هنا لا يتحدث عن الكلاشينكوفات ولا الغاز المسيل للدموع ولا الرصاص المطاطي ولا الكومرات . بل يتحدث عن السلطة التي بموجبها تعمل الشرطة السودانية. وهو ما يركز عليه مقال الدكتور نبيل أديب "الهام جدا" 

حتى الآن صدرت ثلاثة مقالات من السلسلة تحدثت الأولى عن : سلطة القبض. وهي التي نعاني منها الأمرين. تحدث شق من المقال عن المادة ٦٨-٣ التي منحت لأي شخص سلطة القبض والتحفظ إلى حين حضور الشرطة دون وضع ضوابط لسلطة القبض هذه. أي يمكن لأي شخص حرمانك من حريتك لأي سبب يراه. ويرى المقال أن في هذا استهانة من القانون بحريات المواطنين. بل يذهب المقال إلى امر من شدة ما اعتدناه حتى اننا نراه طبيعيا. وهي سلطة القبض بواسطة الشرطة، حيث يذهب المقال إلى أنه لا بد من وضع ضوابط لأمر القبض بواسطة الشرطة والتي حتى الآن تكتفي بمجرد فتح دعوى جنائية ضدك. والدعوى الجنائية في أكثر من خمسين في المائة من حالاتها لا تحتاج لرجوع إلى وكيل النيابة بل تكتفي بالشرطي المناوب في القسم (دون تحديد رتبة هذا الشرطي!!) ويفصل المقال لكي يصدر أمر القبض لا بد من وجود بينة "معقولة" للإشتباه في المقبوض عليه وعلى الدولة المدعية حينها أن تقدم أمام المحكمة الأدلة والملابسات التي أدت للإشتباه. ونوه أنه لا تكفي "حسن النية" في عملية الإعتقال وفي الدولة لكن نسلم بها، "حسن النية" هذه الكلمة التي تخفي بها الدولة كل ما يريب.
فكل هذا ليمنع ما نراه الآن مما يمكن وصفه بالقبض "التعسفي" أو "النزقي" الذي تمارسه السلطات. والذي يعمل على عقاب المتهم قبل محاكمته وحرمانه من الدفاع عن نفسه في فترة القبض عليه.



الإحتجاز رهن التحري. فالقانون الحالي يبيح للشرطة حجز المتهم لمدة ٢٤ ساعة. يمكن لوكيل النيابة أن يجدد الحبس لمدة ثلاثة ايام بغرض التحري. ثم اذا اراد ان يحتجز المتهم لأكثر من ذلك ان يرفع الأمر للقاضي المختص والذي يتيح له احتجاز المتهم لمدة اسبوع قابلة للتجديد حتى مدة ستة اشهر (على ان لا تتعداها) - يمكن بعد ذلك ان يتم حبس المتهم لمدة تفوق الستة أشهر بموافقة رئيس الجهاز القضائي.
ويرى د. نبيل أن المشكلة في هذه المادة أنها لم تضع محددات لكلمة فضفاضة مثل "أغراض التحري" كما أن تجديد الحبس فوق الستة أشهر لم يحدد بسقف زمني إنما اكتفى بموافقة رئيس الجهاز القضائي. مثل هذه المواد تؤكد ما أراه أن الدولة تستخدم "التحفظ" و"التحري" كوسائل لمعاقبة المواطنين لا لتحري العدالة . وقد شهدنا حالات مشابهة لذلك ولعل ابرز ما يجيء للبال هو احتجاز السيدة جليلة خميس كوكو لمدة ٩ أشهر على ذمة التحقيق قضتها بسجن كوبر بعيدة عن بناتها وأسرتها عانت فيها من التعذيب المعنوي والنفسي.

ويذكر مقال الدكتور نبيل أديب ان المبرر الوحيد لإحتجاز المتهم لمدة طويلة كما تقرر هو أن اطلاق سراحه قد يؤثر على مجرى سير العدالة. لكن في المقابل يذكر الدكتور نبيل أن احتجاز المتهم لمدة طويلة من العناء النفسي والمعنوي هو ايضا تأثير على مجرى سير العدالة بواسطة السلطات!
وعوضا عن ذلك يرى الدكتور نبيل أن الأفضل وضع المتهم تحت الرقابة أو منعه من مزاولة نشاط ما أو مغادرة مدينة أو منطقة بعينها لحين استنفاذ أغراض التحري. وأيضا لا بد من ربط "مدة الإحتجاز" ب"خطورة الجريمة" التي يتم الإحتجاز بموجبها ، إذ لا يعقل أن يتم احتجاز متهم لمدة ستة أشهر مثلا في جريمة لا تتجاوز عقوبتها شهرين مثلا. وقد أوضح مقال الدكتور نبيل أديب أن ذلك مخالف لأعراف القوانين والمواثيق الدولية التي تكفل حقوق وكرامة الإنسان
حقيقة المقال جميل وتحفة في البيان ،حرام انقله كله هنا لكنه من الأهمية بمكان.
برضو في القانون الحالي يشير الدكتور إلى مسألة رفض الإفراج مسبقا عن المتهم بضمان. وذكر شواهد من القانون تجعل من هذا الأمر مخالفا للأعراف القانونية التي تضع في بالها براءة المتهم. فما يحدث حاليا أنه يتم رفض الضمانة دون حضور المتهم أو من يمثله قانونيا ودون سماع وبينة.
ويقترح المقال أن تمديد مدة الحجز بغرض التحري لا بد أن تحدث بعد حضور المممثل القانوني عن المتهم أمام القاضي لسماع البينات والدفوعات والحجج التي تبيح اطالة الحجز أو الغاؤه.
واخيرا يعرج المقال الى النقطة الأهم وهو انه مقابل تمديد الحجز لا بد أن يكون هناك اسراع في اجراءات المحاكمة - وليس مماطلة كما نشهد الآن فعلا- دون ذلك يظل قولنا مؤكدا أن السلطة تستخدم الحجز والإعتقال كوسيلة للعقاب والتأديب بدلا عن المحاكمة والمحاسبة.


المقال الثالث يركز على : حق المتهم في أن يتم تنبيهه لحقوقه. ويعمل المقال في تأكيده على تنبيه المتهم لحقوقه هو أن لا يجبر على تقديم بينة ضد نفسه. وهي ممارسة مكررة عندنا كثيييييير في ردهات اقسام الشرطة وقاعات المحاكم. حيث كثيرا ما يتم انتزاع اعتراف من المتهم دون أن تتاح له فرصة الإستعانة بجهة قانونية أو الأخطر كما يشير المقال أنه "حق الصمت" يفسر عندنا بالإقرار . قبل فترة اذكر حادثة السيدة التي فتحت فيها جارتها بلاغا بالزنا ، وكانت متزوجة وزوجها غائب، فتم نزع اعتراف منها ابان تحقيق الشرطة معها أنها مارست الزنا وحكم القاضي عليها بالرجم . وهو ما يخالف كل شيء، يخالف التشريع الإسلامي الذي يضع ضوابط صارمة في البدء لإثبات الزنا (ليس واحد منها على الإقرار والجبر على الإعتراف- انما يأتي الإعتراف عن تطوع) فكما ذكرت كان أولى على الشرطة ان بمجرد ان فتحت الجارة البلاغ ان تلزم ببينة الأربع شهود أو تجلد من فورها وتستاهل زاتو. ويخالف ذلك المبدأ القانوني في أن لا يجبر المتهم بتقديم بينة ضد نفسه، ويرى الدكتور نبيل أن حضور المحامي لإجراءات ما قبل المحاكمة لضروري لكفالة هذا المبدأ، إضافة لتنبيه المتهم لحقوقه. ويشير أيضا إلى مسألة هامة جدا وهي "تقديم اليمين في غير المسائل الحدية" التي في المادة (٤) من قانون الإجراءات الجنائية حيث يرى د.نبيل أن هذا يقع في مخالفة صريحة لنص المادة ذات نفسها المسبوقة ب "لا يجبر المتهم على تقديم دليل ضد نفسه". فالمادة تخالف نفسها بنفسها !! 
ويشير المقال أيضا إلى المادة ١٠ من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة والذي يقول : " لا ترد البينة لمجرد أنه تم الحصول عليها بإجراء غير صحيح متى أطمأنت المحكمة إلى كونها مستقلة ومقبولة" وهو أمر يقع في مخالفة من المادة السابقة للقانون نفسه، المادة ٦ والتي تلزم المحكمة القانونية من تجاهل الأحكام والمواد القانونية المخالفة للدستور والتي تقع المادة ١٠ من ضمنها بلا شك. خاصة وأن دستور السودان يقر بالإعتراف بالمواثيق والأعراف الدولية التي يوقع عليها ومن ضمنها المادة ١٤ من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والتي تمنح المتهم حصانة من أن يكره على أن يجبر على تقديم شهادة ضد نفسه أو الإجبار على الإعتراف.  ويرى د. نبيل أن ما من سبيل إلى ذلك سوى ان يتبنى قانون الإجراءات الجنائية حق تنبيه المتهم لحقوقه والغاء المواد التي تجبر المتهم على إدانة نفسه. وحتى ذلك الحين يرى ان يتبنى المجلس التشريعي الغاء المواد المخالفة للدستور وأن تتجاهل المحاكم هذه المواد حتى ذلك الحين.

Thursday, 13 August 2015

خيارات المجتمع المخصي

تنبيه لا بد منه :العنوان صادم، أعرف، وأرجو أن لا يأخذه أحد بشكل شخصي كما هو الحال عند الحديث عن الفحولة. أنا لا أصف أحدا . خالص! إنما هو وصف للمجتمع كوحدة تم تجنيحها بواسطة السلطة، وتم منعها من أن تتطور وتعجيزها من أن تجاري متغيرات العصر من حولها وأن تنتقي من عناصرها ما يدفعها إلى الأمام، وأن تترك ما يكبلها. مجتمع تم منعه من أن يجري حوارا مع التيارات المختلفة في داخله والمكونات المتنازعة فيه وأن يخلق منها نوعا من التوافق والإنسجام.

تنبيه اخر: لا بد أن السياق الذكوري مزعج شوية خاصة في اختيار المصطلحات والوجهة التي سيذهب إليها المقال، ولكن أعزي ذلك لأننا هنا نتحدث في النهاية عن "واقع الحال" ثانيا : من جوة فيني جانب رومانسي يائس كثيرا ما يصطرع مع افكار الفيمنيزم

انتهى التنبيه. إلى المقال



خيارات المجتمع المخصي


"قام محمد بشّر
هز فوق تيجانن
سلّ سيفه وكشّر
زي بدر التمام
نحن ما بنتفشّر
نحن سياج عروضهن
نحن يوم المحشر
زي بدر التمام"


دي من المقاطع المحببة لدي في الأغنية (والحقيقة كل المقاطع محببة لدي) ، لكن لعل سبب محبتي لها أنها تحيلني "طوالي" لنشأتي في سنجة، وأنا أشب عن الطوق وأدرك ذلك الجانب المشرق في أن تكون ابنة القبيلة وابنة المدينة وابنة الرجال ، أن تكون معزوزا بها، أن تمشي مطمئنا في الطرقات لا تخشى سوى الله أو أن يلاقيك كلب يسكك. كان ذلك ما قبل تشريع "الطرحة" و"اللباس الشرعي" و "الأخلاق العامة" و "النظام العام" . هذا الكلام ليس بعيدا ، انحسر في نهاية الثمانينات بداية التسعينات.
كان المجتمع السوداني هو الراعي الرسمي للأخلاق ومفهوم الفضيلة وينظم علاقاته وفقها، وكانت تقوم ركائزها على  مبادئ أساسية أهمها : فقه السترة، التغافل، تلافي الضرر ، احسان الظن، و"المرونة". اذ أن هذه المجتمعات مع قليل من النزاع والتنازع (وحبّة ضحايا) تفسح مجالا للجديد والمتغير، فالناظر إلى التحول من الشلوخ إلى الخديد السادة، ودخول البنات إلى المدارس، ثم ترقيهم في الحياة العامة، يرى شيئا من الحيوية وحراك المجتمع الحر.


١-السترة ٢-التغافل،٣- تلافي الضرر،٤- احسان الظن و٥- المرونة. لأنه لا يخلو مجتمع من ما يظنه المرء "سقطات" و"تناقض ظاهري وغير ظاهري" -لكنها تُعالج ابدا ودائما بهذه المكنيزمات الخمسة. ولعل هذه المبادئ المتجلية في المجتمع السوداني ما جعلت فطرته أقرب إلى مقاصد الشريعة . وهذا أمر غفل عنه الإسلاميون في نظام الإنقاذ حيث كانت نظرتهم أكثر سطحية من المجتمع . (ولعل هذا سؤال مهم جدا أحب أن اتوجه به للإصلاحيين والتوابين واليائسين من ابناء الجبهة الإسلامية عن رؤيتهم لقانون النظام العام) - وسنأتي إلى ذلك، خلونا شوية مع الغنية.


هذا السياج والذي كان شيد من اللبنات الخمسة ديل، كان مجالا وبراحا لتنمو فيه المرأة السودانية وينمو معها مجتمعها المحيط، تشيله ويشيلها، وفيه الحقوق محفوظة ومستدامة وليست مجرد مدا سرعان ما ينحسر. اذ كان الحراك وجهته إلى الأمام
هذا القول مهم في حديثنا عن النسوية والتي  لا تتحقق بمعزل عن المجتمع الذكوري: أي انها لا تتحقق بالقطيعة معه، انما بتحديه، بدفعه أن ينظر ويتبنى وجهة النظر الأخرى. 

لكن ما حدث مع نظام الإنقاذ، هو مصادرة هذه القدرة عن المجتمع. ذلك بشلّه واختطاف هذا الدور منه. فأصبحت الدولة هي القَيّم على الأخلاق وهي الوصي عليها . وتلقائيا عندما تقوم الدولة بذلك فإنها تنزع عن المجتمع صفة الرشد (والتي فيها حق الخطأ والتجريب والرجوع والتطور) وتضعه في صفة المجتمع "القاصر" بأن تفرض وصاية عليه. لذا ليس غريبا ما يصفه البعض بالسقوط الأخلاقي  في عهد الإنقاذ: دا الطبيعي والمتوقع من المجتمع القاصر. 
ولعل مثال قانون النظام العام هذا تحديدا يوضح لنا واقعة تاريخية سابقة، وهو موقف الأستاذ محمود محمد طه من قانون منع ختان الإناث، وقد أوضح مرارا وفي لحظتها أنه غير مؤيد لختان الإناث لكنه يعترض على تبني الدولة الإستعمارية في ذلك الوقت لمنظومة الأخلاق واتهامها للمجتمع السوداني بالقصور (القصور مش معناه انك بتعمل الغلط -وهو حقيقة فعل كان غلط، لكن اتهامك بالقصور يعني إنك ما عندك  منظومة أخلاق اساسا تخلي عندك القدرة أن تمرق من الخطأ للصح وانه ده لازم يتعمل بدلا عنك) . ولعله بقليل من الخيال لذلك الزمن غير البعيد يستطيع المرء أن يتصور حبوبته  مكبلة في الأغلال وتنقل من عز منزلها إلى ذل السجن ثم اجعل تفكيرك يرمح: أي نوع من التغيير الذي كنا نأمله لمنظومتنا الأخلاقية كمجتمع؟  أهو ذلك التغيير القائم على الذل؟ القائم على تصنيفك في مقام الدواب لا تقود وإنما تقاد؟ 


ذات الأمر مع قانون النظام العام، وهو قانون عصيب، إذ أنه لا يستقيم إلا على عناصر هي بعيدة عن الدين، تقوم على الشبهة والإشتباه وإشاعة الفاحشة بين المسلمين، والتسور والقذف وتتبع العورات وفضحها وكل ما ذمه الدين الحنيف. وبطبيعة الحال لا يستقيم أن يكون القائمين على قانون النظام العام من شرطته أو من قضاته- أن يكونوا على أي درجة من الأخلاق وهذه هي أدوات عملهم! 

وقد ذكرت سابقا إن اللبنات الخمسة التي عالج بها مجتمعنا الأخلاق هي الأقرب لمقاصد الشريعة، فهذه الصربعة من مشرعي الجبهة الإسلامية ومفكريها أغفلتهم عن أن في الإسلام صياغة التشريع هي جزء لا يتجزأ من عملية الإصلاح الأخلاقي(ولا يستقيم الظل والعود أعوج- والعود هنا هو القانون)  لأن الناظر إلى أدوات عمل التشريع الإسلامي  يجد فيها مثلا : الملاعنة، الشهود الأربع العدول، حد قذف المحصنة (والمحصنة هي المحمية من الظن وفضح العورة وتتبع السقطات)- يجد تشريعات تقدم السترة على اشاعة الفاحشة، تقدم احسان الظن على سوءه، تقدم التغافل على التربص ، تقدم التوبة على العقوبة.   لا تجد مثل هذا في قانون النظام العام. بل تجد الترصد والملاحقة والتشفي والسوء والشر المبطن والظاهر في ممارسات شرطة النظام العام وقضاته. ليس غريبا أن القاضي الذي هذه أدواته وهذا عمله وهذا قانونه هو الذي يتطاول بالقذف على امرأة محصنة في حرم المحكمة (كما روت الأستاذة ولاء صلاح). ولا حول ولا قوة إلا بالله. ليس غريبا لأنه دا الطبيعي. لو كان فيها ملائكة منزلون يعملون في النظام العام لفسدوا.

قانون النظام العام  يشير متهما لكل امرأة زي ما بتقول كل المنشورات الضد القانون. ده صحيح ! ولكنه في المقام الأول هو بيشير متهما لكل أب وكل أخ وزوج وعم وابن وابن عم وعم وكل ذي مروءة بقصوره عن المروءة وعن الشرف وعن الشهامة وعن الإحصان. هذا هو الإخصاء الذي اردت. لذا كم وددت لو أن الوقفات والمسيرات المنددة بالقانون عجت بالعمم الملوية والجلابيب والبناطلين وكل من أراد أن ينتفض لمروءته ضد من يتهمه فيها. 


ثم ماذا بعد هذا؟ ما الخيار المتروك أمام المجتمع المخصي بقانون النظام العام؟ إما أن ينحسر عن الطرقات وان يزحف على الرصيف و يلتصق بالحائط و يتماهى مع الظل أو... وهو ما يحدث حاليا..
أن يتبنى خطاب الدولة تجاه الأخلاق لكي ينفي عن نفسه عار أنه في الحقيقة مطعون المروءة . لذا تجد جعجعة وصوت يعلو على صوت الدولة في إتهام ضحايا قانون النظام العام. ضوضاء نخفي بها حقيقة أنه لا حس لنا. إن جلدت الدولة فتاة لثوبها، جعجعنا في الأسافير بفساد الفتاة وقلة أدبها وسوء تربيتها، وخرجنا عن "الإتهام" إلى "الفحش في الإتهام" وإلى القذف. 
إذا سمعنا أن شبابا تم جلدهم في رحلة أو حفل، قفزنا إلى الظن واتهمناهم بالمجون والفحش والخنا
إذا قالت الدولة أنه تم ضبط فتاة في عربة، كِلناها بالسباب واتهمناها بالزنا وعفصنا كل ضوابط الشريعة بإسم الشريعة.
ليتها تقف عند هذا الحد. بل بعضنا يتطوع ليجعل نفسه نظاما عاما. فنتربص بحسابات البشر على النت ونخرج صورهم وفيديوهاتهم للملأ ونتصيّد تفاصيلها:  هذه كتفها بائن، وهذا ولد مائع، وهذه ترقص في تخريجها ، ونرسم الأسهم والدوائر والوسائل التوضيحية و نكتب بالبنطات الفاحشة كلاما نتنا. ثم يتناقله مُدّعوا الفضيلة منا في واتسباتهم مع علامات استفهام يرون أنها بريئة وما هي بريئة! ما هذا ؟ تالله هذا في عرفنا شين! تا الله كان عندنا الرجل المتتبع للسقطات ساقط الرجولة. فهو الرجل المائع. والمرأة الفاحشة هي من تشيع الفاحشة.
الصورة التي يُقبًّل فيها عريس عروسه. كان الرجل فينا يشيح نظره ويجر ثوبه عن ما لا يعجبه. لكن ان يتفالح بعضنا ويضعون تعليقا : هكذا ماتت الرجولة! 
لا والله! ما هكذا ماتت الرجولة، ماتت الرجولة يوم أن جعلت شغلتك الحوامة والجعجعة وسط الأسافير بالعاطل والباطل. تعرفون أن مثل هؤلاء كانوا في مجتمعاتنا متهمون في رجولتهم وفي أخلاقهم. 

ثم ما المحصلة من قوانين التربص العام؟  المحصلة هي إشاعة الفاحشة. كيف لا والفضاء مزحوم بالسباب والظنة والإتهام بالفحش. ثم علينا أن نسأل أنفسنا: من الآمن حقيقة في طرقات المدينة من تربص النظام العام؟ تعرفون من؟ لا يأمن إلا من لا يخشى الإتهام بالفاحشة! ذو الثوب الملطخ الذي لا يخشى أن تعلق به تهمة صحت أو كذبت، لا يأمن إلا من ابيضت عينه، إلا من جعل الفحش طبيعة فيه. اليائس من التوبة، النافض للفضيلة. 


لكن المجتمع المخصي هو ما أراده هذا النظام. هو ما أراده مشرعوه. وقد غرزت الإنقاذ خنجرين في خاصرة المواطن، واحد هو قانون الأمن الوطني ٢٠١٠ والثاني هو قانون النظام العام ١٩٩١
هذان قانونان -كما لا أمل من التكرار- لم يُشرّعا من أجل المُهدِّد للأمن الوطني ولا للخارج عن النظام العام فهؤلاء لا تجد الحكومة حرجا في البطش بهما دون قانون. هذان قانونان جُعِلا بهذا الشكل المبهم والفضفاض، ومَنَحا القائمين عليه سلطات لا تحد ولا تراقب لكي يشيعا الرعب في المواطن العادي، يظلان يتربصان به كما يتربص الصقر بالجرذ، ويخيمان على قلبه بالرعب. 
هسي يا مواطن تكون واقف في شارع المطار، شايل فكتك في جيبك منتظر مواصلات بحري، في وقفتك دي ممكن تقع تحت طائل قانون الأمن أو النظام العام لأي سبب ما! لأي سبب ممكن يجي بوكس مظلل يشيلك أو بوكس نظام عام يرفعك. قول لي البيمنع شنو؟ سوى "حسن نية" ضابط الأمن كما نصت المادة ٥١ من قانون الأمن الوطني. قانون النظام العام ممكن يتهمك بأي شي والضابط الرفعك يشهد عليك في ما يعرف بالمحكمة الإيجازية (دي ما فيها محامين) وسريع سريع يمرقوك في الحوش تنجلد زي الترتيب. أو
قانون الأمن الوطني يحبسك ٤٠ يوم، ثم يمدهم شهر ورا شهر، تلاتة شهور ويفكك دون ما يتهمك بأي شي، ويدقك دق العيش بحسن نيته العارفنها. ويفكك في الاستوب محل ما رفعك 
المانع شنو؟
ما تقول دولة القانون! انا بكلمك في شنو؟بكلمك في القانون.

الخلاصة أنهما قانونان شُرِّعا من أجل السيطرة على الجماهير. إذ أن السلطة لا تستطيع أن تكون في حالة استنفار دائم، لذا تسن قوانين الرعب التي تتكفل نيابة عنها بذلك. فقوانين الرعب تجعل المواطن يراقب نفسه يتآمر ضد نفسه كي يلجمها. 

لعل الناشطات في الشأن العام، لا يتمنين شيئا سوى أن يساوين بإخوتهن الناشطين في الشأن العام حين تتربص بهم الدولة. لكننا نعرف أن الواحدة تخرج فينا من اجتماع تنظيمي ، فيذهب أخوها إلى جهاز الأمن، بينما تذهب هي إلى النظام العام. وهذا هو الرعب الذي يكبل الفتيات. أن القذف بالفحش اصبح سهلا يسيرا على لسان الدولة وأجهزتها وقضاتها وضباطها. ليس ببعيد عن ذاكرتنا ونحن تهل علينا ذكرى شهداء سبتمبر أن التهمة الأولى التي ووجهت بها الفتاة التي صورت مشاهد البطش بالمتظاهرين لم تكن "تهديد الأمن الوطني" أو "تقويض نظام السلطة" ولكن "وجود صور فاحشة في هاتفها الخاص"
وفي ظل المجتمع المخصي تكفي جملة كهذه كي نرمح بخيالنا. 

وكانت الصحفية لبنى حسين تذكرنا مرارا وتكرار من قبل حادثة "البنطلون" بخطورة المواد المضمنة بقانون النظام العام الفضفاضة لأنها ستستخدم "وهي الآن تستخدم" كمهدد للعاملين في الشأن العام، وقد سمعنا قبل فترة عن تهمة القبض على اثنين في احدى الدور السياسية وهو كرت كانت الدولة تحذر من استخدامه في وقت ماضي بشكل موسع، لكن أغلب الظن أنها ستستخدمه دون حرج في الفترة القادمة للضغط على الناشطات، ولن أكذبكم القول لو لم نتحرك كمجتمع ضد قانون النظام العام وضد الأخصاء المتكرر للمجتمع، فإني أنصح الناشطات أن يرضخن للضغط تماما. فالأمر لا يحتاج سوى التهمة السهلة هذه تفُكها السلطة في الهواء، لنجري بها فرحين في واتساباتنا وفيسبوكاتنا ونشبّح عيوننا ونفتح خشومنا ونشهق شهقة الفضيلة الكاذبة. 

بالله عليكم فضيلة شنو لمجتمع مجنح بقانون النظام العام؟ كما قالت المرأة البليغة للنبي: هل تزني الحرة؟
طيب لو ما حرة؟ 
و ليس المقصود من المقولة أن العبيد انذال. المقصود: أي فضيلة يساءل بها المرء لو لم يكن حرا؟
فبالله اخي المواطن السوداني ، اختي المواطنة السودانية. لا تجقلبوا في الأسافير بإنحطاط الأخلاق و عادات-نا وتقاليد-نا واصول-نا السودانية. والحكومة تطأكم بقانون النظام العام
اقعدوا ساكتين ساي. ليس عليكم من حرج. ---إلا أن تنتفضوا ضد القانون