Wednesday, 12 April 2017

الفن أولا... الفن أخيرا


نشر بالممر الثقافية بصحيفة السوداني

الفن أخيرا ... الفن أولا

كثيرا ما يدور الجدل حول أولوية الفنون بين الإحتياجات الإنسانية الأخرى. وكثير ما يجد الفن نفسه معافرا للخروج من موقعه الأخير في قوائم الأولويات المختلفة كقائمة المناهج المدرسية أو قائمة منصرفات الدولة أو قائمة النضال . ولا يختلف جوهر هذا الجدل في البلدان المتطورة أو النامية أو المضعضعة ولكن قد تختلف حدته أو نبرته.
وفي خضم هذا الجدل تبرز صورا مختلفة للفن، تارة كمكافأة وصول لليوتوبيا ومجتمع الكفاية والعدل، أو هو منشط الإنسان الكامل الذي تجاوز الحاجة الحيوانية الملحة و يسعى لتحقيق انسانيته، هو وسيلة تربوية لترقية الفرد والمجتمع، أم هو تعبير وتجلي انساني مُلحّ و عنصر وجوده.
أم هو الدرب والوجهة ومركب الوصول على حد السواء؟
في عام 2014 ألقت الممثلة الآسترالية المعروفة "كيت بلانشيت" خطابا في تأبين رئيس وزراء أستراليا السابق (قوف ويتلام) والذي يعتبره الكثيرون – رغم قصر فترة حكمه-مؤسسا للدولة الأسترالية الحديثة ورائدا لنهضتها وواضع اللبنات اللآساسية لمؤسسات الرعاية والرفاه الإجتماعي. خطاب بلانشيت هز الأوساط الأسترالية و الإعلامية أكثر من الخطابات التي ألقاها السياسيون المخضرمون. بسبب توقيته الملتهب. فقد القي في خضم جدل واسع حول سياسات الحكومة الليبرالية التي لا تألوا جهدا في التملص من السياسات التي غرس ثمارها قوف ويتلام. وتجدون في فيديو الخطاب على اليوتيوب –والذي أنصح تماما بمشاهدته- تصفيقا حادا من الجمهور (وحتى العازفين على المسرح) في كل فقرة من الخطاب تشير فيها لهذا التملص وترون تجهما واضحا وحنقا غير خفي من وفد الحكومة والحزب الليبرالي المشارك في التأبين.
أجد نفسي أقارب بين قوف ويتلام و جمال عبدالناصر في الوسامة التي لا تخطئها العين والجسامة والسيرة الملحمية لكليهما وكذلك النهاية التراجيدية. فقوف ويتلام ترأس وزارة أستراليا في الفترة من 1972 حتى عام 1975 حين تم حل حكومته بواسطة الحاكم العام  (السير جون كير) بسبب تعنت المعارضة التي كانت تملك أغلبية في مقاعد مجلس الشيوخ. يومها كانت وقفته ملحمية أمام مقر الحاكم العام الذي انتهى لتوه من قراءة قرار التنحية واختتمها بالجملة المعتادة "فليحمي الرب الملكة" ، صمتت الجماهير المجتمعة في حديقة المبنى في انتظار تعقيب قوف الذي ابتدر الخطاب بقوله " نعم، فليحمي الرب الملكة جيدا لأنه ما من شيء سيحمي السيد كير (من محاكمة التاريخ)" وثارت الجماهير بتصفيق حاد وضحك سخرية ثم أضاف "إن القرار الذي تلاه عليكم السيد الحاكم العام كان بمباركة السيد فريزر (رئيس المعارضة والحزب الليبرالي) والذي سيذكره التاريخ في مثل هذا اليوم بـ"جرو" السيد كير" –مستخدما هنا ببراعة التشابه الصوتي بين اسم الحاكم "كير" وكلمة كلب هجين بالإنجليزية.
فإلى خطاب كيت بلانشيت   (الخطاب موجود على اليوتيوب انصح تماما بمشاهدته)
"عندما سمعت بوفاة قوف ويتلام اعتراني حزن طاغي، وأسى عظيم. لم أكن قد بلغت سن المدرسة حين انتهت فترة رئاسته، فلماذا أبكيه ؟ أن حضوره في مسيرة حياتي محوري وهام، ولم يكن أبدا مختالا فخورا، فما الذي افتقدته؟
الفقدان الذي أحسه منبعه عميق وبسيط في آن، فأنا ابنة التعليم العالي المجاني. (تصفيق حاد بمشاركة العازفين على المسرح) عندما دخلت الجامعة كان بوسعي استكشاف مختلف التخصصات و الاندماج في أنشطة وبرامج اتحاد الطلاب، وكان عبر هذه الأنشطة أن اكتشفت حبي للتمثيل.
أنا ابنة الرعاية الصحية المجانية الجيدة، (تصفيق حماسي والكاميرا تلتقط تجهم رئيس الوزراء الحالي وحاشيته) وهذا يعني أن القليل الذي كنت أكسبه من عملي بعد دفع الإيجار والضرائب أنفقه في حضور الفرق الموسيقية والمعارض والمسارح والحياة داخل تعبير جيلي.
أنا ابنة المجلس الأسترالي، وابنة سياسة خارجية وضعتنا على مسرح الأحداث العالمي. انا ابنة استراليا تتفاعل مع العالم وتتحاور بصدق مع تاريخها وسكانها الأصليين.
أنا جزء صغير من حكاية نضج استراليا، وكل هذه المبادرات التي ذكرتها تم وضعها وأنا بعد في الثالثة من عمري.
في عام 2004 وبعد أعوام من العمل خارج البلاد، رجعت إلى استراليا للمشاركة في مسرحية (هيدا قابلر) من انتاج فرقة مسرح سيدني, فرقة أحبها جدا. فرقة مسرحية ما كانت لتوجد دون مبادرات قوف ويتلام، ودون سيرته الخالدة.
ثم قمت بتصوير فيلم صغير في ذات العام اسمه (سمك صغير). رواية مدينية في حي متنوع ثقافيا في غرب سيدني. قصة تحكي عن شابة في علاقة مع شاب استرالي اسيوي، خلفيتها تتخللها حكايا عن المخدرات واشباح الماضي. أن مثل هذه القصة ما كانت لتروى لولا التغيرات الجذرية في الحوار الثقافي الأسترالي الذي شكلته سيرة قوف ويتلام.
ففي عام 1972 وقبل ويتلام ، كانت الدراما الأسترالية عبارة عن اهزوجة رعوية، لا علاقة لها بالحضر ولا التنوع الثقافي. الفيلم كان من بطولة هوقو ويفنج، نوني هيزلهيرست وسام نيل، ممثلون بارعون وكلهم ابناء الموجة السينمائية الأسترالية التي أطلق لها قوف ويتلام العنان ابان فترته في الحكومة.
القصة احتضنت اسيا والتنوع الثقافي، كانت قصة قاسية حادة وغير رومانسية  أخرجها مخرج استرالي بارع هو روان وودز وكاتبة استرالية جاكلين بيرسك، كلاهما تخرج من (أفترز- المعهد الآسترالي للفيلم والتلفريون والراديو، جسم حكومي تأسس في عهد ويتلام لتطوير وترقية الفنون) وغالبا درسوا فيه مجانا، والفلم انتجته شركة بورش لايت، برعاية مؤسسات فيلم حكومية برزت للوجود بفضل مبادرات خرجت من فترة حكم قوف ويتلام.
فيلم (سمك صغير) عبر بطريقته الخاصة عن نضج الحس الدرامي الأسترالي على أكثر من مستوى –بعد ثلاثين عاما من التغيرات الأساسية والدعم الذي غرسه قوف ويتلام.
أنا لا أحكي هذه القصة لأشوح فخورة بفيلم سمك صغير في وجوهكم، لكن لهذا السبب البسيط. فالفيلم تم تصويره في حي كبراماتا- سلامات يا أهالي كابرماتا !! – في قلب الدائرة الإنتخابية لقوف ويتلام. واليوم وجدت نفسي مكلفة للحديث عن الأثر الذي خلفه قوف ويتلام على النساء وعلى الفنون، فغرقت في الحيرة ولم اعرف من أين أبدأ.
لذا غرزت دبوسة بشكل عشوائي على الخريطة، ذلك أن أثره في الخريطة السياسية الثقافية هي من الاتساع بحيث انه اينما غرزت دبوسك انهمر فيض من سيرة قوف ويتلام. ممثلون استراليون بارعون- مخرجون وكتاب افلام- المعهد الأسترالي للفيلم والتلفريون والراديو، فرقة سيدني المسرحية-كابراماتا- التعدد الثقافي- حكايا المدينة- علاقة استراليا مع اسيا- ثقافة قومية معقدة تعيد فحص ذاتها عبر دراما معقدة ومكتوبة ببراعة- والقائمة تطول !! وكل هذا من غرزة دبوس واحدة في فرع من الفنون من منتفعة واحدة. وها أنا أشعر بالإرهاق لمجرد المحاولة في تصور الأمر.
على ذكر الإرهاق! انا ام عاملة لثلاثة ابناء، عندما قبلت الدور في فيلم (سمك صغير) كنت قد أنجبت لتوي ابني الثاني. لم يرتفع نحوي حاجبا. لم يصدر أحد حكما. لم يصمني أحد بالعجز. ذلك أن ثقافة الوعي بالمرأة وحقها في الأجر المساوي في العمل كان قد خاطبته حكومة قوف ويتلام بهمة عالية.
كحق الأمهات في الدعم المادي.قبل عام 1973 وقبل قوف ويتلام. كان ذلك المعاش محصورا للأرامل، لذا توسيع المعاش ليشمل الأخرين أتاح فرصة الخيار للأمهات العازبات في الطريقة التي يربين فيها ابناْءهن، وساهمات في محو الوصمة التي كانت تحيط بالأم العزباء.
هناك الكثير الذي أود أن أقوله. حتى من زاوية نظري الصغيرة الضئيلة الهامشية. لذا ما أود فعلا أن أفعله في هذا التأبين أن أتخيل أنني فوف ويتلام لدقيقة. لا تقلقوا لن أقوم بتقليده ، فما من أحد بوسعه ذلك.
قال قوف ويتلام عن حكومته:
" في أي مجتمع متحضر، لا بد للفنون  ووسائط الترفيه أن تشغل موقعا مركزيا فيها. لا يجب أن ينظر إلى التمتع بها بشكل منقطع عن الحياة اليومية العادية. ما من هدف من بين أهداف حكومتي يشغل أولوية قصوى كتشجيع وترقية الفنون وحفظ واثراء تراثنا الثقافي والفكري. بل أود أن أثبت أن كل أهداف حكومة العمال من الإصلاح الإجتماعي، والعدل والمساواة في توزيع خدمات الرعاية الإجتماعية والفرص التعليمية تحمل في قلبها غاية خلق مجتمع تزهر فيه الفنون والقيم الفكرية والروحية. لذا فإن أهدافنا ما هي إلا وسيلة لغاية. والتمتع بالفنون هي الغاية."
وأي غاية!

Saturday, 25 March 2017

هنري؟


هنري...
بصوت مشحون بالشجن والأنين المكتوم تفتح الصبية باب الأغنية، على وجهها حزن الدنيا كله. هنري... تناديه مرة أخرى، ويبدو وأن كل ضربة وتر على الجيتار تنادي اسمه، عتاب، لوم، أسى، يأس.
"هنري؟ هل بيجي الصباح يلقاك صاحي؟
هل بتنكسر مع أول خيط للضو؟ "
بالمصادفة وجدت نفسي أتابع برنامجا تلفريونيا يحكي قصة هذه الصبية الشقراء، اسمها له حظ من طالعها: اسمها "بحر النغم"  بالآنقليزية اسمها ميلودي بول.
مدللة والديها الصغيرة، ابدت موهبة موسيقية ملحوظة، من مدينة صغيرة في ريف استراليا (لا يسمون الريف ريفا بسبب الطبيعة الصحراوية للمنطقة بل يقولون الأحراش) ، تحترف الغناء الشعبي، فولك ميوزيك. وهو نوع من الغناء يتميز بالحميمية والقرب، لأنه يعتمد طابع الحكي والقص في الغالب.
في البرنامج كانت الأم تحكي عن فترة بالغة السعادة في حياة ميلودي وذلك حين التفت شابا وسيما موهوبا متمردا اسمه هاري. تقول والدتها لكاميرا التلفريون، لم أخبر ابنتي بمثل هذه السعادة منذ كانت طفلة، كانت ممتلئة بالفرح والضحك.فهاري كان ولدا  لطيفا مرحا.
التفتت الكاميرا لوالد ميلودي الذي قال باختصار وحزم: لم يعجبني هذا الفتى الذي كان ينوم مع ابنتي البتة!
ثم تلتفت الكاميرا نحو هاري الذي كان مشاركا برضو في البرنامج (والله الخواجات ديل عجيبين) فقال: يا الهي! أذكر يوم واعدتها في الحديقة، كنت أود أن أخبرها أني لم أعد أحبها بهذا الشكل، واني أود أن أنهي العلاقة، لكنها كانت سعيدة ومشرقة وغافلة عن احساسي لدرجة أن خانتني شجاعتي في مواجهتها فلم أقل شيئا !
هنا تتحدث ميلودي للكاميرا: أخبرتني صديقتي أنه كان يلتفي بفتاة أخرى، في البدء لم أصدق، لكننا نسكن في مدينة صغيرة وليست هناك الكثير من الأسرار و سرعان ما اكتشفت انه كان يقضي الليلة معي ثم ينسحب الى منزلها.. وانهرت
"جميلة هذه المرأة التي تخلص لنفسها
أين جمال المرأة التي تفقد احترامها لنفسها؟
على كل كان هذا خيارك
وأنا أخترت أن أعيش دونك"
السيد نغم والد ميلودي بذات الصرامة: لم يطل الأمر حتى ترك الفتاة الأخرى ليلتحق بفتاة ثالثة في الولايات المتحدة الأمريكية، حينها أرسلت له ايميلا قلت له فيه خير لك أن تقدم للهجرة في امريكا لأنك لن تعود الى هنا.
"هنري؟
الكل كان في صفك
لكنك بعته عشان ليلة
افتكرتك عاقل
لكن خداعك الأخير
شتت كل غفراني ليك"
تتنهد السيدة نغم والدة ميلودي وتقول: كان وقتا عصيبا، لم نواجه أمرا مثل هذا من قبل، كانت تبكي بلا توقف، في النهار وفي الليل، كنت اسمع صوت بكائها صباحا تحت الدش وهي تخبط رأسها في الحائط ، نعم كان وقتا عصيبا.
"بصراحة أنا صرخت وبكيت
هديت فوقي حيطان البيت
بلومك على كل الحاصل بي"
تقول ميلودي: وفي يوم توقفت عن البكاء وأمسكت الجيتار وشرعت أكتب وأكتب حتى ولدت أغنية هنري
هنا تنتقل الكاميرا نحو سيدة حسناء هي واحدة من المنظمين لمسابقة اكتشاف المواهب الجديدة في فن الغناء الشعبي: مجتمع الغناء هو مجتمع صغير أما مجتمع الغناء الشعبي فهو أصغر، الكل كان يعرف أن ميلودي كانت تعاني قلبا مكسورا والكل كان يعرف أن هنري المقصود هو هاري.
تنتقل الكاميرا الى ميلودي بفستان أبيض ملائكي ووجه يقطعه الحزن تحمل جيتارها نحو الميكرفون، تحني رأسها وتطلق أول تنهيدة من أغنية التنهدات: هنري؟ ويتساءل الجيتار معها متنهدا
هنري؟
الكاميرا تسائل هاري هل سمعت الأغنية: لم أكن موجودا في المسابقة لكني سمعتها تغنيها بعد ذلك بفترة وجيزة تغنيها في بار، شعرت بحزن غامر، خرجت إلى الشارع وجلست قرب مقلب قمامة.
(مؤثر! إن كنتم تصدقون مثل هذا الهراء!)
" انها الشجاعة الشجاعة الشجاعة التي تنقصك"
يقول أحد النقاد الموسيقيين: لقد لففت العالم مشاهدا عروضا ملحمية لنجوم الموسيقى، دائما ما أبحث عن تلك اللحظة السحرية التي تخطف الأنفاس على المسرح، لحظة يتجلى فيها النجم، أو لحظة تواصل فريدة بينه وبين جمهوره. أستطيع أن أعد ثلاث مرات شهدت فيها هذه اللحظة. الرابعة كانت حين غنت ميلودي هنري على مسرح المسابقة، كنا جميعنا نحبس أنفاسنا مأخوذين بهذه الصبية

يقول ناقد اخر: ميلودي حالة فريدة لموهبة ناشئة، عادة يحتاج المغني لدربة ودراية كي ينقي صوته من الزخرف والبهرج فيصقله صوتا أصيلا، لكن ميلودي ولدت بهذا الصوت الأصيل الحميم القريب للمرء




تقول ميلودي: لم يكن حزني على هاري حزنا طبيعيا، بسبب خيانته أحسست أني فقدت السيطرة على حياتي، لكن الأمر كان له بعدا اخر، كنت أغرق في بحر من الحزن. اقترحت امي ان اذهب الى طبيب مدينتنا، ولم يكن له خبرة في هذا الأمر فبعدما ما حكيت له حالي قال: انتي فقط مشكوكشة ، خللي الدلع وامرقي من حالة الحزن دي. هنا انهرت تماما، فقد وضعت كل ضعفي أمام هذا الطبيب فإذا به يلومني على حالي، سافرت إلى مدينة ميلبورن للعمل، وفي ليلة وجدتني جالسة على الأرض، أحمل فواتيرا أعجز عن دفع معظمها، فكرت حينها أن أقتل نفسي، عندها اتصلت بوالدتي.
"أنا ولدت في ضباب قمر ناحل
وخضت في صباي في الظلام و الأسى
وانسكب كل ذلك في أنوثتي
فالأن أنا حزينة على طول"
اكتشفت ميلودي أنها تعاني من الاكتئاب مما فسر غرقها في الحزن على فراق هاري والذي لم يكن سوى منفذا لهذا الحزن غريب المنبع والذي هو واحد من متلازمات الكآبة.
الأن ميلودي توقفت عن الموسيقى لفترة قصيرة وتعمل كمربية أطفال ، والدة الأطفال كانت سعيدة لوجود فتاة موهوبة ومعروفة مع أطفالها. ميلودي تقول أريد أن أتعرف على ذاتي بعيدا عن الموسيقى وكتابة الأغاني. لكني سأعود.

Friday, 24 February 2017

عازة فاروق..شكرا

"عااازة مش عزّة" هكذا كانت تلح على محدثها ، عازة فاروق، لست متأكدة من فاروق فالذاكرة ملخبطة شوية، لكني لازلت أذكر وجهها القصير السمح، وعينيها اللوزيتين ، فمها الرقيق، أسنانها الدقيقة٫ محياها الذي كان ينضح بنداوة الصبا. 
أذكر زيها السماوي الرائق ، وإيشارب أبيض سادة أنيق تلفه حول رأسها بعيدا عن نحرها النحيل وتلف طرفيه حول كعكة شعرها، ثم طرحة بيضاء خفيفة كبيرة (عمة) تضعها فوق الإيشارب.
مجدة في درسها دون مبالغات ناس كنبة قدام، أي أنها تهتم بكراسها وتتابع الواجب وتخاف العصا وتتسع عيناها رعبا من توبيخ المعلمة. كانت تجلس في كنبات الوسط لتتجنب عين المعلمة. هادئة، متابعة لرتابة الدرس. لكن، ما إن يضرب جرس الفسحة الثانية حتى تنقلب عازة على حالها ذا تماما.

لا بد أن أرسم خلفية لحكايتي هذه، كان ذلك عام ٩٥ أو ٩٦، بعد ٦ سنوات من خوض الإنقاذ في وحل السلطة، كانت المؤسسات الحكومية تمشي بعافية أزمان سابقة من بينها المدارس الحكومية، كنا في مدرسة البراري الثانوية، مدرسة فسيحة وسيعة، من طابقين (حتى بعد مرور أكثر من عشرين سنة لا يزال الطابق العلوي تحت التشطيب) ، كنا في الطابق العلوي، أولى الشيماء، ومعرفتي بالشيماء قليلة، لا أعرف عنها سوى صورة سميرة أحمد بضفيرتين هائمة في الصحراء. وكان ذلك ملائما لحالة التدين الشكلي التي دخلت فيها البلاد ولم تمرق. 

كانت تلك السنوات الأولى جرداء لم تتخم بزخارف الإستهلاك بعد، فقد كنا قوما تحت الحصار الدولي الصارم وكان الخليج ومصر وبقية العالم يجرون ثيابهم عنا ريبة وترصدا من "حركات" الشيخ الترابي، وكان تقشف البقالات في ذلك الوقت هو رمز الصمود تحت الحصار، هذا قبل أن تنفجر البلاد بالسوبرماركتات المتخمة المترعة ذات الأسماء المدهشة: الإحسان (أي إحسان؟)، التسامح (أي تسامح؟)

وبالنسبة لصبيان وفتيات على درج الحياة، فلم يكن هنالك مكان أبأس للعيش، لم يكن قد اخترعوا بعد الإنترنت وكان الطبق الفضائي محظورا ما لم تكن متنفذا أو صاحب مال، أغلقت المسارح وتوارت الأندية، لم يبقى سوى دور السينما والتي كان الوصول إليها متعثرا مع شح المواصلات.

لكن لسبب ما عازة كانت تواكب كل فيلم ينزل في السينما، وما إن يدق جرس الفسحة الثانية حتى تلتفت إلى جمهورها المتلفت في الأدراج الخلفية (نحن)، وتتدلل علينا قليلا لنستحلفها بكل غالي كي تقص علينا الفيلم.

بإيماءات وجهها، بأحوال عينيها، بتموجات يديها كانت يستحيل ذلك الدرج الضيق إلى شاشة سينما كبيرة، كانت عازة تصبح كاجول، وشاروخان، واصدقاء البطل المضحكين، ووالد البطلة الصارم، وأمها الحنون، والخائن. كانت لا تترك شيئا للخيال وتترك كل شيء للخيال. كيف كانت تفعل ذلك؟ حين تشيح البطلة عن حبيبها ، فيستدركها ويمسكها من يدها ويقربها إليه (الحركة المشهورة في السينما الهندية)، والأغنية، كانت تسرد الترجمة لكنك ترى بعين خيالك المروج الخضراء والجبال الثلجية والموسيقى العذبة والرقص العجيب.

أذكر هذا لأنهم سيعرضون اليوم على ام بي سي بوليوود فيلم ديلوالي دولهانيا لي جاينيجي، بطولة شاروخان وكاجول الفيلم المحبوب وسط متابعي أفلام هوليوود والذي لا يزال يعرض في دور السينما منذ أكثر من عشرين سنة ، هناك مشهد مقتطع من الفيلم تجدونه في اليوتيوب اسمه (مشهد الزريبة)، حيث ينتهي الحال بالبطل والبطلة المتناكفين ليقضيا ليلة سويسرية مثلجة داخل زريبة قش، ويدور بينهما حوارا لاذعا، حيث تتحصن البطلة بكبريائها بينما يطلق البطل عليها سهام سخريته وتهكمه٫ حين يعرض عليها أن تشرب من قنينة الخمر فتأبي لأنها فتاة هندية أصيلة، وحين يقرصها البرد تتسلل فتشرب الزجاجة بأكملها وتظهر شخصيتها المجنونة الطريفة في أغنية لطيفة. المهم! يستحيل أن أتسكع في تفاصيل هذا المشهد دون أن أذكر سرد عازة له ، ترقبنا لهذه اللحظة المشحونة بالفرصة والحب الذي يتبرعم والرومانسية المفعم، ضحكنا من الحوار الذي قد يكون مترجما ولكني لا أدري كيف يخرج هنديا فصيحا من فمها.



ثم المشهد التالي له حين تستيقظ "سمران" بعد ليلة سكرها في غرفة بفندق مع "راج"، فيصيبها الهلع من أنها ارتكبت خطيئة، (ونظل مهلوعين مع عازة التي تعرف كيف تخفي التفاصيل) ، وبعد مكاواة راج يهدىء من روعها قائلا "مهما كان الذي تظنينه بي، فأنا في آخر الأمر هندوستاني وأعرف قيمة الشرف" فنبتسم ببلاهة محمدلين السلامة لسمران، متدهولين في حب راج الهندوستاني الأصيل (يا الله ياخ!)

تنتهي عازة ونحن في حالنا ذا ساهمين أو معبورين متأملين، بالضبط كما هو حالنا في السينما.

ترى أين هي عازة الآن؟ هل لا زال لديها تلك الموهبة العجيبة؟ هل تسرد بها لصغارها؟ هل شغلتها عنها هموم الحياة؟

أيا كان، كانت واحة في زمان مقفر، شكرا عازة فاروق الجميلة

Monday, 16 January 2017

مبادرة محمد المنتصر للسلامة المدرسية

مبادرة محمد المنتصر
قبل عامين او ثلاث أفجعني خبر مقتل طفل في مدرسة ال(ب) الخاصة بالخرطوم ، وذلك بعد أن قام بلمس موصل كهرباءمولد المياه والذي قام يصعقه بالحال بحسب رواية أهل الطفل وأن المدرسة عجزت عن التصرف السليم حيث أخذته الى المشفى ولَم تبلغ ذويه حتى وفاته. اما بحسب رواية المدرسة فإن الطفل كان يعاني من حالة مرضية مجهولة لديهم وأنه أغشي عليه في فسحة الفطور بالاضافة إلى حديث عن كون المشرفة متعبة لأنها حامل أو شيء من هدا القبيل.
أفجعني هذا الخبر لأن أطفالي كانوا يدرسون من قبل في هذه المدرسة وكان في بالي تشكيل لجنة اباء لمراقبة أمن وسلامة المدرسة ، بعد أن ساءني منظر الغبار الكثيف الذي يثيره الأطفال في فسحتي الصباح والفطور والذي يدخل إلى رئتيهما ولو أن أخد الأطفال يعاني من ربو أو حساسية لكان عواقب هذا الأمر صعبة .
حزنت لأني تكاسلت وأهملت هذا الأمر ، والمبادرة التي كانت في ذهني والتي يخطر لي أن أسميها مبادرة محمد تتلخص في تطبيق تلفوني يعدد المخاطر التي قد تتواجد في أي مدرسة سواء داخل الفصل أو في ساحة المدرسة أو الحمامات أو امام المدرسة أو في الترحيل أو في الكانتين او سلم المدرسة ، وتعدد المخاطر بين توصيلات كهرباء يسهل الوصول إليها او آلات حادة مبذولة او أجسام ثقيلة قد تشكل خطر الدهس على الأطفال أو مخاطر بيئية كمراحيض او أتربة عالقة او مواد سامة او مياه راكدة  او مياه مهملة على بلاط قد تسبب في سقوط الطفل او زجاج منثور او مواد قابلة للاحتراق والاشتعال او أثاثات تشكل سلما وقد تسبب في سقوط الطفل من عَل .
اضافة الى ضمانات السلامة من تواجد مشرفات متحركات (لا جالسات متونسات مشغولات بالهاتف) او تدريب لكل موظف ومعلم ومشرف في المدرسة على الإسعاف الأولي (لا بد من قانون يتطلب ذلك من كل عامل مع الأطفال سواء في رياض الأطفال والحضانات أو المدارس الحكومية او الخاصة  ) بالاضافة الى حقيبة إسعافات أولية يتم تحديثها كل ستة أشهر تحتوي على ما تحتويه عادة اضافة الى بخاخ ازمة وحقنة الحساسية . (في استراليا اضافة الى تدريب الإسعاف الأولي والذي يجدد كل عامين فقد تم اضافة اليها التدريب لإسعاف حالات الحساسية ) . واسم وتفاصيل كل العمال والحرفيون والمقاولون والمهندسون وصورة من بطاقاتهم بالمدرسة ويفضل فصلهم عن الطلاب وعن ساعات الدوام المدرسي. وطفايات الحريق وخطة خروج من المدرسة عند حدوث الكوارث سواء كانت حريق او وضع أمني غير مستقر الخ .
اضافة الى ملف طبي لكل طالب يوضح حساسياته وفصيلة دمه وحالته الصحية الخاصة ان وجدت اضافة الى رقم طوارئ وشخص غير الأب والام للاتصال به لإخطارهم عند حدوث اي حادث جلل لا بعد ان تقع الفأس في الرأس
طبعا المرء يتمنى ان تقوم بهذا الجهد الدولة ، لكني ارشح فريق الأمن والسلامة بمجموعة دال الاستثمارية والذين تطوعوا أيام نفير الأولى في وضع قائمة سلامة للمتطوعين العاملين في مناطق الفيضانات . بحيث تعد قائمة محاظير وأمن وسلامة متاحة للتنزيل على الهاتف ، بحيث  تتشكل لجنة مكونة من الآباء والمعلمين والمشرفين تقوم بمتابعة ومراقبة سلامة المدرسة كل شهر وستة أشهر وسنة ويتم تحديثها حسب مستجدات المدرسة
كما ارشح التعاون مع جمعية الهلال الأحمر ان تخصص برنامجا تدريبيا للإسعاف الأولي المدرسي (مجاني للمدارس الحكومي وبسعر مقدر تشجيعي للمدارس الخاصة) وتجهيز حقيبة إسعافات للشراء .
بعض المدارس تخصص اموالها لكاميرات مراقبة داخل الفصول (!!!) البعض قال ان هذا لأمن الأطفال والبعض قال (هذا لمراقبة الاستاذ كي لا يتراخى) وهذا لعمري امر فادح فادح!! كعب عديل كدا ، حتى ان كان هذا يسعد الآباء (الآباء الحاجة دي ما كويسة المدرس الاستاذ دا يربي كيف لو هو واضح للطالب انه ما محل ثقة؟) وكاميرات الحوش لا تغني عن وجود المعلم البشري. فالمدارس الخاصة لا بد ان تخصص مبلغا ماليا لتدبير هذا الامر والذي هو ليس مكلف.
بالنسبة لما تناقل عن حادثة المدرسة الأجنبية العريقة الخاصة ، بغض النظر عن صحة او عدم صحة القضية الا أنها كشفت اضافة لكل شيء عن ضعف توعية الكثير من أولياء الأمور لأطفالهم حول الملامسة والتحرش وأهيب بهم مطالعة تطبيق (أوعى) ومطالعة الصفحة الخاصة به على الفيسبوك. اضافة الى أنه لا بد من تصميم نظام تبليغ يحمي المبلغ من الفصل او الكيد لمجرد تبليغه وتدابير لمعالجة الأمر ، ( برجاء مراجعة مقالي عن قانون حماية الطفل على المدونة). اما حكاية سمعة المدرسة والشوشرة فلا شيء مثل الشفافية والجدية والمسئولية والتواصل الجيد بين المدرسة واولياء الأمور والطلاب ترياقا من هذه الأمور . ولا يفوتني في الختام أن أمر ان أشير الى مسألة أخذ الإذن من أولياء الامور قبل نشر صور الأطفال على صفحة المدرسة على النت. 

Tuesday, 13 December 2016

المانجلك اا المانجلك

كان المانجلك قد فقد شهيته لكل شيء ، يستلقي على البينش يقرأ مجلات قديمة او كتبا بعناوين مريبة مثل تاريخ المبيدات في مشروع الجزيرة وأثرها  ، يقضي نهاره كله هكذا زاهدا في الأحاديث والنقاشات و الندوات والأركان والتجمعات السياسية والثقافية.  كان خموله هذا يفسد شهيتي التي كانت تبرعمت لكل ما يخص الشأن العام. كان حاجزا بيننا يقوم .
وفِي صباح باكر وأنا في طريقي إلى الكلية فاجأني المانجلك بتأهب وتأنق (قدر المستطاع) وحماسته القديمة تشع من عينيه. 
"وين انتي؟ اتأخرتي! منتظرك من قبيل عندنا مشوار" ، أجلت سؤالي عن المشوار لخاطر تلك الحيوية التي افتقدتها فيه ، وفِي موقف المواصلات سألت عن المشوار.
"خالد ديمقراطية جابوا ليه بنية" 
خالد هذا زامل المانجلك قبل أعوام بعيدة ، ايام صباه ،في احد التنظيمات الطليعية  ، ورغم اختلافهم السياسي فيما بعد ظلت بينهم مودة وعشرة. خالد منذ عام قرر أن يقامر ويجرب حظه في الهجرة بعد أن يئس من فرصة عيش كريم في بلاده ، تاركا خلفه حنان حب حياته ، سليللة أسرة طليعية تحرجت من رفض خالد ابن حزبهم الطليعي رغم رقة حاله. 
مر المانجلك على دكان واشترى نصف دستة مشروبات غازية وعلبة حلوى  سلمني إياها ، اشتراها بأموال اعرف انها تحويشة عمله الشاق في مصنع الأكياس البلاستيكية ، قبالة باب المنزل اعاد تلميع حذائه وشد ياقة القميص ، وطرق الباب، أشار علي ان أقف قبالة باب صغير هو باب النساء المفضي الى النفساء لا ريب ، ثم وكأنما تذكر شيئا  " معاك قروش ولا أديك؟"  دهشت من السؤال " معاي يا المانجلك" ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه " ما تكون المدينة والسياسة نستك عوائد البلد، تعرفي تعصري حق اللبن؟ " ضحكت " بعرف يا المانجلك " .فتح الباب رجل سبعيني ضئيل الحجم ، هو والد حنان ، عرف المانجلك ورحب به وأشار علي ان ادخل على البيت . 
بعد فترة من جلوسي اشارت علي والدة حنان ان اذهب على حوش الرجال  كانت قد أعدت صينية افطار مدنكلة هي بقايا كرامة الولادة ، جلست بعيدا فأشار المانجلك ان اجلس الى الصينية بنظرة ملحة " معليش يخوانا بت الريف دي دايرنها تتمدن ، اقعدي افطري معانا " ونادى والد حنان ابنته الصغرى لتؤازرني في الصينية (سيخبرني فيما بعد بأن اقبل ضيافة الناس كما يختارون فلا ندري لعل ما لديهم لا يكفي للقسمة على صينيتين )طرق الباب رجل وصاح "الظاهر حصاني جواي " "اتفضل بأخينا" ، التقت عينا الرجل الداخل والمانجلك واشتبكتا لوهلة، رأيت فيها بريق معرفة قديمة، شعرت بتغير شيء في المانجلك ، تغير في طاقته او الأورا كما يسميها الخواجات .
بعد تبادل سلام وبعض اللقيمات ، قال الرجل : أظنك ما إتذكرتني يا المانجلك؟
أبطأ المانجلك في تناول لقمته ونظر اليه جوة إنسان عينه
"بعرفك. كويس، ما بنساك"
ابتسم الرجل لعله بشيء من الحرج الذي أراد ان يداريه ببعض الجرأة" اتلاقينا في المعتقل زمان، ديك ايام صعبة محتكما صعبين وانتو كنتو صعبين" ، تمددت ابتسامة جانبية على وجه المانجلك ورفع حاجبا ساخرا اغاظ الرجل  " ايام كانت ، وين أصحابك  ديل ، كانوا صعبين لكن نحن زاتنا كنا صعبين ، كسرناهم ليك كسرة" ، والد حنان امتقع وجهه وقد تبدت اخيراً له حقيقة جاره . اظلم وجه المانجلك " ودا عمل تفاخر بيه؟ انك كسرت رجال؟ لا في عركة لا في نزال ، رجال عزاز في القيد. وانت مدسوس ورا السلطة؟"  رجع الرجل الى الوراء دهشا وتلفت حوله ليرانا نمضغ في صمت واعيننا معلقة عليه".

كان التوتر باديا على وجهه، سكت بينما تبادل المانجلك حديثا وديا مع والد حنان ، ثم بعد تدبر وجد الرجل سانحة يدخل منها بين ثنايا الحديث المدار".. لكن هسي البلد اتغيرت والحاجات ماشة في تحسن ما زي اول"  بادره على الفور المانجلك " اتزوجت يا سعيد؟". ابتسم بحماسة وأجاب " وعندي أربعة اولاد صغار"
بسرعة ناوله المانجلك سؤالا اخر " هسي ناس الأمن بيدوك كم؟" اجاب بشيء من الزهو " مليون"  وبالسرعة ذاتها بادره المانجلك " قول يعني عشان تكفي الوليدات انك بتشتري وطلبن لين، الرطل هسي ٢ونص ومحصل تلاتة يعني انت بتصرف في الشهر ستمية الف دا للبن بس، ، لا قفة الملاح لا مصاريف المدرسة  لا غيره "    سكت الرجل وكأنه يتأمل حاله لأول مرة ، لأول مرة  " وانا لسة ما اتكلمت في حق العلاج البقا مافي، زمان لما تعيد كنت بتمشي وين ؟ المركز الصحي ولا المستشفى ، هسي الا الخاص ؟ دايرك تتذكر لي اسم مستشفى خاص واحد على ايامنا" صمت الرجل محاولا تذكر شيئا " ما حتبقى لأنه ماف، ربونا أبواتنا بالقليل لكن قرينا واتعلمنا واتعالجنا لانه كان في دولة " خرجت تنهيدة عفوية من الرجل وقال "والل" والله ياخ الحالة صعبة"" ولم يعقب وظل مطرقا بينما عادت الحيوية المانجلك وداعب والد حنان بونسته المحببة. جاء وقت الرحيل وتأذن في الخروج، خرج والد حنان مقدما لنا في الطريق   ، أغلق باب داره على الضيف السمج ، ثم التفت الى المانجلك وحضنه وسلم عليه في رأسه متمتما 
"يا المانجلك ااا المانجلك"

Monday, 21 November 2016

تعاضدية الكارثة

تعاضدية الكارثة


أذكر قبل فترة طالت أني كتبت مقالا اسمه "طوعنة النضال" هو عبارة عن ترجمة حرفية لمقتطف من مقال للكاتبة أرونداتي روي، كتبه على إثر افتتاح مجموعة شارع الحوادث لعنبر غسيل للكلى لو لم تخني الذاكرة.
كتبه مبتورا لما ظننته ماضي قريب حاضر في ذهني لذا بدا وكأني أبخس من قيمة هكذا مبادرات، وكأني أضعها قبالة النضال في مواجهة وتنازع. وكنت قد كتبت المقال لسببين الأول هو ما يعرف بـ "رهق المتبرع" و الثاني خوفا على ضياع جهود هذه المبادرات المهمة.

رهق المتبرع: أول تجربة لي مع هذه المبادرات الخرطومية (من النشأة)، كانت عبر التماس من صديق أن أجمع تبرع لمريض يحتاج مساعدة مستعجلة. ولخاطري عند الصحاب تم تجميع المبلغ بسرعة مذهلة، أرسلتها للصديق في التو والحال، لم تمضي ثوان حتى أتصل بي لجمع تبرع لحالة مستعجلة أخرى. هذا هو رهق المتبرع والذي يحمل في طياته الكثير الذي يجب مخاطبته كتنويع مصادر التبرع، منح المتبرع احساس جدوى عمله ، لا أنه يردم بقبضة تراب حفرة أبدية، أو أنه يرتق فتق أبدي. وهذا ينقلني للسبب الثاني.

عندما ترجمت طوعنة النضال لم يكن ذلك على خلفية بعض النداءات التي ترى في المبادرات الخيرية تعطيلا للثورة أو النضال بهذا الشكل المباشر، انما كان كما قلت بسبب ذاكرة حاضرة. فمعظمنا نحن الذين نشأنا بالمدن الجنوبية (جنوب الخرطوم و مدني) ، المدن غير الوسطية والقرى والحلّال، نحن نعرف الدولة المنحسرة لا المتمددة منذ الإستقلال. فعندنا تبني الدولة هيكل المستشفى الأساسي، ويكمله أبناء وبنات المدينة البررة  من تجارها ورأسمالها أو المغتربين في أواخر السبعينيات والثمانينيات، فكان أول ما يحرص عليه المغترب/الرأسمالي هو إكمال هيكل الدولة، سواء كان ذلك تهيئة عنابر كاملة مجهزة، أو تسوير المدرسة، أو تعمير مكتبة، أو إضاءة المقابر أو ضيافة ودفع ماهية مهندسي الكهرباء لتوصيلها للحلة الخ الخ. لكن الفارق كان ما يعرف ب"اللجنة الشعبية ل"، كان قصاد كل عنبر و فصل أو عمود كهرباء ، قصاد كل تبرع لجنة للقيام والإشراف والمتابعة والإشراف ونعم- الإدارة للمجهود المقدّم. 
أذكر النقاشات التي كانت تجمع حبوباتنا وخالاتنا وأعمامنا حول تفصيل ما ، مراجعة نظافة العنابر، صيانة ماكينة، متابعة تقصير في المنشأة. 
هذا ما قصدته. وهذا الذي تعكف عليه الكثير من القرى والحلّال بفاعلية منذ الإنحسار المستفحل للدولة. لجان شعبية لإدارة المجهود الخيري.

وما فائدة هذا؟ هذا العكوف من المجتمع المحلّي حول المجهود الخيري جعلهم أكثر ارتباطا به، (والله قال بقولهم) إن حاولت الدولة أو غيرها المساس بهذا المجهود بأن تفرض عليه رسوما أو تخصخصه أو تصادره. 

المصطلح الذي هو في صعود على عدة أصعدة في العالم اليوم هو "التعاضدية" و "تعاضدية الكارثة"، التي لا تُغيّب مفهوم المقاومة والمطالبة بالحقوق والنضال. لكنها في ذات الوقت تستدرك التوحش الذي أصاب المجتمعات (تحديدا في الغرب) الذي بدأ منذ الثورة الصناعية ثم استفحل جراء توحش الرأسمالية وانحسار الدولة . وأصبحت تستلهم قيم الصمود من تعاضد وتكاتف المجتمعات المحلية القروية أو البدائية، كالتشاركية والتعاونية وتوزيع المهام واقتسام الخيرات. 

هذه التعاضدية أصبحت جزءا حيويا من حركات الصمود ضد التغير المناخي. مجتمعات السكان الأصليين في أمريكا الشمالية و في الهند في دلتا النيجر أصبحت الملهم والمبلور لرؤية "الصمود في وجه كارثة المناخ" وقد حرصت الكاتبة ناومي كلاين على تخليل صفحات كتابها (هذا يغير كل شيء) بهذه الرؤية كالأمل في خلاص البشرية من كارثة المناخ وكارثة استفحال الرأسمالية وآفة الإستهلاك

"الأرض يرثها المستضعفون" هذه البشارة التي ربما لا تعني أنه سينقرض الجميع ولن يبقى سوى المستضعفين، بل لعلها تستبصر أمرا في المهمشين في الأرض (السكان الأصليون- المجتمعات المحلية- النساء) الذين استطاعوا مواجهة ضراوة التاريخ وضراوة الحاضر بمكنيزمات البقاء عبر التعاضد 

اليوم أصبحت مجتمعات ملح ملح الأرض تمسك بالطبشورة ويجلس العالم مستمعا. هذه فرصتنا نحن أيضا أن ننظر إلى أنفسنا ونستلهم سبل البقاء.

الكثير منا يتطلع للحركات النضالية والتحررية التي برزت في القرن الماضي والتي تشهد معظمها انحسارا اليوم، في أحراش أمريكا اللاتينية أو في جبال شرق أوروبا مع العالم الرقمي السريع الذي أصبح لا يطيق "السرديات العظمي" لكن يبدو أن له طاقة للتجمعات الصغيرة وكيف السبيل إلى ذلك؟  المشعل اليوم في يدنا نحن الذين لطالما شنأتنا حركة التاريخ. فماذا ترانا نقول؟

مبادرة توزيع الأدوية في ظل أزمة العلاج الحالية واجهت موقفان كلاهما صحيح، لكن ليس صحيح أنهما خياران منفصلان لا يستقيم أحدهم بوجود الآخر، . فلا بد من إحياء سنة لجان الأحياء واللجان الشعبية (الحقيقية مش الحكومية) في إدارة هذا المجهود. أما المبادرات المدينية المركزية فمصيرها الرهق.


أي لجان مرتجلة تفي، أي مجموعة بيوت في حي تفي لتكوين لجنة، المسجد (كما كان يدرك يساريونا زمان) فرصة كبيرة لرسم خريطة وحدود لجنة شعبية. 

لماذا فقط الوقفات؟ والمقاطعات؟ والإضرابات. سود أمريكا في ستينيات الحركة المدنية ابتدعوا "اعتصام الجلوس" و "رحلات الحرية" ، طلاب الجامعة ومثقفي امريكا في سبعينيات مناهضة الحروب الأمريكية ابتدعوا "اعتصام المحاضرات" . طلاب الجامعات السودانية في تسعينيات الإنقاذ ابتدعوا مهرجانات الإعتصام التي لم تستطع السلطة ولا الطلاب الإسلاميين محاربتها، مهرجانات من الغناء والشعر والمعارض تجعل الذي لا يهم بالإعتصام ينشده بهذا الثراء المعرفي.

الأيام والخيم الصحية (العيادات المرتجلة)، وموائد وتجمعات الإطعام وأسواق الرزق المرتجلة والفعاليات الترفيهية البسيطة، الأيام التعليمية (المدارس المرتجلة) التي لا بد أن تصاحب الخطاب النضالي في الأحياء والحلّال هذه مجهودات تنادي بالتعاضد فلا هي تغيّب النضال ولا هي تغيّب المجهود الخيري الذي يخاطب حاجة ماسة، لعل المثال المجسّد لذلك في الماضي هي برامج حركة الفهود السود في امريكا السبعينات او المركز الصحي الذي كان يعمل فيه ستيف بيكو مع اخرين في جنوب افريقيا ابان فترة الأبارتيد. 

لعل هذا أيضا ما كان ينقص (المجهود المركزي) لنفير

عيادة (الشعب الحر) ،عيادات شعبية في الأحياء أسستها حركة الفهود السود في امريكا 

مدير مدرسة يسقي (مزرعة شوالات)، هناك أمثلة لمزارع الطعام المشتركة في الأحياء

برنامج الفطور المدرسي


كفاية نشاف المخاطبات الجماهيرية والندوات السياسية، حبة طراوة نبل ريقنا وأوردتنا الناشفة .

(على ذكر المخاطبات الجماهيرية، جزا الله الشباب كل خير في كسر حاجز الخوف، وفي اصرارهم على حق أصيل في التعبير الحر عن الرأي- هذه حاجة ساهلة أبدا، لكني بمتابعة الفيديوهات والحاضرين أرى تأييدا صامتا ولا أرى تفاعلا حيّا. حاضرني وسأسكت وسأهز رأسي وسأقول (والله كلامك صاح) . هل هذا الصمت ما نريد، أم نريد أن نجر المستمع في حوار حي. الأجدى أن تنقسم هذه المخاطبات الجماهيرية إلى نوعين: نوع يبتدر النقاش حول أمر مختلف عليه (كالنظام العام- اضراب الأطباء) ، ونوع مرتبط بحلول عملية: ناقش أزمة الدواء ثم وزع منشورات لمنافذ توزيع دواء (التي تشترط مثلا أن لا يتقدم إليها أفراد، بل مجموعة ممثلة لحي سكني)

والله أعلم

Wednesday, 16 November 2016

تعطيل الجمال


تعطيل الجمال

استوقفتني نصيحة في احدى قروبات انقاص الوزن التي أتردد عليها كثيرا، في البدء كان من أجل إيجاد وصفة سحرية تسعفني، أو أخوية تآزر، ثم من بعد للفضول الذي أصبحت تثيره في هذه المجموعات. النصيحة كانت كالآتي، أن تشتري المعنيّة قطعة ملابس أصغر هي بالمقاس الذي تصبو إليه وتعلقه في مكان، نصب عينيها في رواحها وايابها . للتحفيز على ما أظن.

طبعي المتأمل أخذني في دروب لعلها تبعد كثيرا عن مرام هذه النصيحة، لكن هذه احدى مساوئ فرط التفكير. فالنصيحة تقول بالتركيز على جمال آتٍ وجسد منشود مقابل تغييب جمال حاضر وجسد معاش. وهل من الممكن تحقيق أي شيء عند تغييب الذات الحاضرة؟

وهذا ليس أمرا سهلا في ظل ثقافة عامة تشهر صورة الجسد المنشود في كل مساحة في مساحات الحياة، تحاصرك هذه الصور وتغرقك عميقا فتقصيك عن جسدك الحاضر. وهذا ما أسميته بالجمال المعطّل.

الكاتبة روكسان قيي. كاتبة سوداء أمريكية/هايتية، حاصلة على جوائز أدبية عديدة، من بينها جائزة ارثر ميلر الرفيعة، تحدثت عن هذا المفهوم في عدة لقاءات بشكل مؤثر وفي غاية الرقة وأضافت إليه أبعادا مهمة.

تحدثت روكسان قيي عن هذا القمع المتكرر لجسد الأقلية، سواء كانت هذه الأقلية عرقية أو المرأة بشكل عام (ومتكرر). فصورة الجسد المنشود التي يتم تداولها في الحياة العامة هي نوع من أنواع السيطرة القمعية على جسد الأقلية بفرض شرط الجسد كما "يجب أن يكون" ورفض الجسد الكائن. روكسان قيي أصدرت كتابها الأخير، سيرة ذاتية عنوانها "الجوع". وفي محاضرة لها عن الكتاب قالت أنه كان من الصعب عليها الكتابة عن مثل هذا الأمر الخاص، لكنها اضطرت إلى ذلك. فجسدها الكبير يجعل الناس يعتقدون بأن لهم الحق في إبداء رأيهم غير المرغوب فيه حول ما يجب عليها أن تفعله بجسدها، حول ما يجب أن تدخله أو ما لا يجب أن تدخله في جوف جسدها.
جسدها أصبح نصا عاما.
"جسدي أصبح نصا عاما يتداوله الجميع. وجسدي أيضا قفصي. نعم، كنسوية أؤمن بضرورة توسيع منظور الجمال، أؤمن بعدم الإنحناء لمعايير الجمال المفروضة، لكني ما إن أخرج من باب الشقة حتى يتم انتزاع كل ايمان من صدري، أنا لست مرتاحة في جسدي. ما الذي نعنيه بمحبة الذات سوى أن تحب جسدك الذي تحمله ويحملك يوما بعد يوم؟ أنا لست مرتاحة في جسدي وفشلت في الخروج منه لثلاثين سنة"

"جسدي متمرد، أعاقبه بالحرمان ، أحرم نفسي من الفضاء المكاني، أحاول أن أطوي جسدي على نفسه ليختفي، رغم حضوره الذي لا يخفى على عين، أحرم نفسي من يد كرسي مشترك إذ كيف يجرؤ جسدي على التمدد في مساحات الغير، أحرم نفسي من التواجد في أماكن أراها محظورة على جسدي، وهي في الغالب أماكن مأهولة بالسكان، أحرم نفسي من الألوان الزاهية والزخارف فألتحف القمصان الداكنة الساكنة، أحرم نفسي من التعبير الأنثوي وكأنه ليس لي الحق في الأنوثة، فجسدي لا يتبع قواعد المجتمع لما يجب أن تكونه المرأة"

"الدهشة التي تعلو منظمي الملتقيات والمحاضرات التي أشارك فيها تجرحني، حين لا يتوقعون أن يكون كاتبا ناجحا في مثل حجمي. تجرحني هذه الدهشة لأنها تلخص الإعتبار القليل للإنسان الكبير. فكيف بوسعي أن أكون ذكية بمثل جسدي؟"

"يتضايق الكثيرون حين يسمعونني أتحدث عن جسدي، يتهمونني بأنني أعاني من رهاب السمنة أو أنني كارهة لذاتي، لست هذا ولا ذاك، ولكنني أعيش في عالم يتم فيه تشجيع فيه كراهية واستهجان الإنسان البدين. أنا لست كارهة ذاتي رغم أن العالم يرى أن علي أن أكره نفسي، لا أرى نفسي قبيحة أو غير محبوبة وحين أكون وسط أحبابي أشعر أني قوية وجميلة وأحيانا مثيرة، لكن هذا ما أكرهه، أكره كيف يراني الناس، وأكره كيف لا يروني، أكره حرماني من الأماكن التي أرغب في التواجد فيها، أكره كيف كلما كبر حجمي كلما صغر عالمي"
*********************************************


هناك تزييف في ادعاء "القلق الصحي". فالحديث عن الصحة نادرا ما يكون حاضرا عند الحديث عن انقاص الوزن ما عدا في المجلات الطبية (الجادة)، سواء من المعارف والأصدقاء، أو منشورات "الجمال" أو في وسائط الإعلام، فجل التركيز هو الوصول لجسد الجمال المنشود، حد تبني بعض العادات غير الصحية، سواء بنظام غذائي ممحوقة البركة أو تمارين رياضية مهووسة ،للوصول للجسد المنشود بأسرع طريقة ممكنة. نادرا ما تسمع عن تبني عادات صحية تلزم أحجامنا جميعا. نادرا ما نتحدث عن الرياضة اليومية الخلاقة اللازمة للإنسان الصحي، أو الغذاء الذي يرطب وينعش الأوردة والأعضاء.



سألت روكسان قيي على حسابها في تويتر، كيف يمكن للمرء أن ينشد التغيير ويصطحب الرضا؟ لم ترد. لكنني أعتقد أنه لم يكن سؤالا. اعتقد أنها مكاشفة. لكن هل قلت تغيير؟ أليس هنا تغييب؟ لا تغييب إن شاء الله، أنا أكره محاصرة الجمال في موقف : أنا فخور بجسدي/ تبا له. أنا فخورة بسوادي/تبا له، أنا فخورة بشعري طبيعي/ أنا أريد أن أعمل له محسنات بديعية. في مواقف المدافع أو موقف المنسحب. لا أريد أسن حرابي دفاعا عن حق في الجمال، ولا أن أنكس راياتي مستسلمة لجمال مفترض. فأجسادنا تشكلها تفاعلاتنا اليومية مع الحياة أفكارنا وخياراتنا ورؤانا وظروفنا وجيناتنا وأحماضنا النووية. هي الوعاء الوحيد الذي نملك في مواجهة فيزياء الحياة وكيميائها. والتغيير جزء من تركيبة الحياة. والرحلة نحو التغيير أجدى حين تكمل حالة الرضا في مربعك الكائن. لا تنتقل دون رضا.
نخطئ حين نظن أن التغيير لا ينشأ إلا من السخط من الحال الماثل. أحسب أن التغيير لا يصدر إلا عن رضا. تحضرني مقولة الأستاذ العزيزة التي تبرد حديدة سخط التغيير، كان في محاضرة يتحدث عن الأخلاقية في الفعل السياسي، فرد أحد الحضور أن هذه مثالية تتنافى مع الواقع الذي يلزمه بعض التنازلات من أجل الغاية النبيلة. من أجل الحق، فكان رد الأستاذ ما يعني أن الحق منتصر بنا أو بسوانا، كل ما يلزمنا هو أن نشذب ونهذب أنفسنا عسانا نحظى بإختيار الحق لنا.
(الشارع حاليا مشحون بالسخط والتحفز. لا بد من جمال الرحلة وجمال الوصول وجمال التحقيق)
بالضبط، هنا لا تعطيل لجمال منشود. هنا جمال معاش حاضر، اقبال وسيرورة ونهم للحياة وحضور لا غياب عن الحياة العامة.  أخيرا أجدني أحدث نفسي بحديث أفهمه، أعطي جسدي حقه في الحركة من أجل حقه في الحركة، وينعم قلبي بضخات الأكسجين الحي. أسلك أوردتي بعصير الحياة لحقها في الحياة.  أنا هنا لا أعطل بئر الجمال الحاضر في صحراء الجمال الغائب. لا أغيب، فالحياة أقصر من أن أغيب، وأسخر كل أداة تعلن عن وجودي. و بذا، لا أحرمكم من بهجة طلتي.

(هذا المقال هو من وحي آنسات وسيدات -صديقات وشخصيات عامة- هم في غاية الرقة والجمال والأنوثة والذكاء المثير والتذوق الرفيع بحيث يصبح الحديث عن اي شيء سوى ذلك عبث!)


آن هاقيرتي، من برنامج المسابقات الشهير "الملاحقة" متخصصة في التاريخ الإنجليزي
والأدب اللاتيني، يلقبونها "بالمربية" لملابسها المتزمتة الأنيقة ولأنها تربي كل متسابق أمامها. لذيذة

"داخل عقلي أنا الهة أمازونية"
رينيه بطلة رواية أناقة القنفذ تصف نفسها بالبدينة العادية الرتيبة
لكنها أبعد ما تكون عن ذلك في عالمها داخلي، ثم يظهر السيد أوزو الياباني المتقاعد الثري المثقف
فيظهر بهاؤها الخارجي كذلك
"تقول : لا أصدق، لم يتعرفوا عليّ
يرد: لأنهم ما أبصروك


كارين مارتيني (على اسم الشراب) شيف وتشارك في برامج الطبخ
تعرفت عليها من خلال دعاية أجبان كان تبق بق من التلفزيون
جمال وأناقة لا تخطئهما العين

السيدة إيلا فيتزجيرالد. كل العاطفة مشحونة في صوتها، سيدة...سيدة
 بيرنيس جونسون، التي نقلت الغناء الشعبي الأمريكي نقلة كبيرة في ستينات القرن الماضي
من يظن أن تحت هذا الجمال الهادىء ثورة عارمة



بتعجبني جدا في الصورة دي حرص فاني لو هامر على تسريحتها الجمباوية الطالعة موضة
والشنطة الأنثوية التي حملتها معها، لن تصدق أن هذه المرأة الأنيقة  هي في موقف عصيب ومهيب. تجلس في مؤتمر الحزب الديمقراطي الأمريكي
في الجنوب العنصري. تواجه نفاقه لعدم وجود مرشحين سود بين عضويته. توجه خطابها الشهير والذي تقول فيه "لقد تعبت من التعب"
وايضا "ما من أحد فيكم حر حتى نكون كلنا أحرار". هذا الخطاب الذي نقل على الهواء سبقه فيها مارتن لوثر كينق المبجل الشهير ، لكن ما ان ظهرت على الشاشة حتى ارتبك جونسون وافتعل خطابا للأمة ليس فيه راس ولا قعر حتى يتم قطع بث هذه السيدة الجميلة