Sunday, 27 August 2017

خطورة الفن ١

(نشر بملف الممر الثقافي بجريدة السوداني الجمعة  ٢٥/٨/٢٠١٧

خطورة الفن١



"الفن هو أقصى ممارسة للحرية، الفنون السردية مثل الشعر و الأدب تتجاوز اللغة كأداة وضعية، وكأداة للتواصل، تحول اللغة الى غاية في ذاتها تعيد تشكيل اللغة لاعادة تشكيل الواقع" هذا د. نصر حامد أبوزيد في محاضرة جميلة له مسجلة على اليوتيوب (ومنقولة ببعض التصرف مني) بعنوان الفن وخطاب التحريم، فيها يتحدث عن المعارك التي كان يثيرها الفن منذ الأزل مع حراس العرف وحراس السائد وحراس القوانين.
وذكرني هذا بحوار لي مع أحد الكتاب كنت قد نوهت الى اهماله للغة ، فكانت حجته أن اللغة ليست سوى مطية للفكرة، ولعلى نوهت في مقال لي أن ما يميز الثلة الغرائبية الغامضة -بحسب وصف الكثيرون لمجموعة من الشعراء السودانيين الحاليين- هو أن اللغة هي-غاية في ذاتها- كما وصفها د. أبوزيد، وكثيرا ما تطوع الفكرة من أجل اللغة في كتاباتهم . لكن اضافة نصر حامد حول ان السبب في ذلك هو : (اعادة تشكيل اللغة من أجل اعادة تشكيل الواقع) هو ما جعلني أنظر للأمر بعين جديدة، ولفتت انتباهي أيضا لحوار جميل مع الكاتب الهندي  "أرافيند أديقا" الحاصل على جائزة المان بوكر لروايته الخطيرة " النمر الأبيض" ، وأصفها بالخطيرة لأن الفن خطورة، ولا بد أن يستشعر الفنان ذلك في عمله، أنه يقوم بأمر خطير. وهذا ما أود أن ألفت الانتباه له بالنسبة لنا الكتاب الذين لازلنا نسبر أغوار هذا المجال، فالتدثر بعبارات مثل " انه مجرد نص ليس شعر" أو "انه سرد وليس رواية" لا يجعل الكتابة بمعصم عن النقد، أيا كان القالب فلا بد أن يكون مرجلا للخطورة ولا بد أن يكون للكاتب علة في اختياره قالب دونا عن غيره، ولا بد أن تكون تلك العلة هو احداث تغيير ما- اذا لم يكن ذلك، فإن الكاتب لا الناقد هو من يزري بكتابته بنفسه.
تم استضافة الكاتب ارافيند أديقا في مدينته القديمة منبت أصله مدراس والتي أصبحت الآن تعرف بإسم  تشيناي، ورغم انه يصف نفسه بالخجل لكن واضح أن سعادته بالعودة للمدينة طلقت لسانه فتحدث كثيرا. أنقل الحوار لأنه يضيء جوانب مهمة في حوارات تدور الآن في الساحة الثقافية السودانية، واحدة حول "الحنين للمدن القديمة" والثانية "الرواية كمجرد حدوتة"
(نبذة سريعة عن "النمر الأبيض" هي مروية على لسان "بطلها" في شكل خطاب موجه للرئيس الصيني بعدما علم من الأخبار انه سيحضر في زيارة للهند، والرسالة عبارة عن مجموعة نصائح كي ما تسهل للرئيس فهم الهند ومن ثم معرفة كيفية الاستثمار فيها، يتحدث من موقعه كرائد أعمال استطاع جمع رأس مال عمله بعد قتله لمرؤوسه الذي كان يعمل عنده سائقا، قصة عجيبة فيها تبصرات جميلة وبلغة  حية ونابضة و طاعمة جدا)



"تركت الهند فجأة عام 1990 بعد وفاة والدتي بالسرطان، وقد سبب رحيلها فتقا كبيرا في حياتي لذلك تركت الهند وعدت إليها بعد عشر سنوات كصحفي لمجلة التايمز في نيودلهي، وفي الحقيقة كطفل نشأ في  مدينة (مدراس)- عفوا أقصد (تشيناي)- كانت نيودلهي مدينة مدهشة وكبيرة بالمقارنة مع مدينة طفولتي، وعندها عرفت أنني أود الكتابة عن هذه المدينة، بدأت بمجموعة قصص قصيرة ثم الرواية، في الحقيقة أذكر تماما اليوم الذي فكرت فيها بكتابة رواية النمر الأبيض، كنت في نادي للمراسلين والصحافيين الأجانب أتجاذب أطراف الحديث مع هندي من جنوب افريقيا، كنت أحاوره لأعرف عن طبيعة حياة الجاليات الهندية الجنوب افريقية، وحوالي الساعة السابعة مساءا قررنا الرجوع الى منازلنا فسألني (كيف سنرجع الى البيت؟) فأجبت (كما كل يوم- سنركب الركشة) فذعر الرجل وقال لا، سيقتلوننا ويسلبون مالنا! فأجبته باستغراب: لا لن يحدث ذلك، فأخبرني أنه في ديربان في جنوب افريقيا لا يمكن للمرء أن يفكر في التمشي وحيدا في الطرقات ليلا.  وكان الأمر مدهشا له أن الهند آمنة -آمنة للرجال بالطبع وليس للنساء- خاصة وأن الهند تشبه جنوب افريقيا في العديد من المناحي، فكلاهم بهما فجوة طبقية متسعة، وكلاهما لهما بنية اجتماعية تلعب فيها العمالة المنزلية دورا كبيرا، كما تعلمون أن في الهند العمالة المنزلية تلعب دورا كبيرا يصل حد أن يكون لهم مدخل لأموال مرؤوسيهم وحيواتهم الخاصة. بوسعك أن تأتمن العامل المنزلي على مبالغ كبيرة من الأموال ليودعها لك في البنك أو أن تأتمنه على توصيل أبنائك للمدرسة. ومع ذلك ليس لدينا تلك المشاكل الإجرامية التي نسمع عنها في جنوب افريقيا أو في أمريكا اللاتينية. أعلم أن الكثيرون منا يشعرون أن الهند بلد غير آمنة لكنها احصائيا بلد الى حد كبير آمن برغم الظروف التي يجب أن تؤدي لمعدلات أعلى في الجريمة، وهي كما ذكرت فوارق طبقية كبيرة، والمدخل الذي يجده الفقراء والعمال المنزليين لثروات مرؤوسيهم. وقد ضايقني هذا السؤال لفترة طويلة، لماذا الهند آمنة؟ وتحت أي ظرف يمكن لنظام الأمان هذا أن يتغير؟ وحاولت الإجابة على هذا السؤال عبر مجموعة قصصية في البداية فيها قصة معنونة باسم "بين الإغتيالات" ثم توسعت فيها في روايتي النمر الأبيض"
ولعل في اجابة أرافيند هنا علة الرواية السودانية بعد الطيب صالح، حيث نجد في معظمها غياب السؤال، كثير من الروايات هي إقرار أو إجابة أو عرض فكرة لذا برغم براعة التصوير ورسم الأحداث سرعان ما يداخلك الملل حيث لا يغيب عنك إما خفة الرواية أو نبرة الوعظ فيها. وقد فصّل الطيب صالح فكرة السؤال الذي يتم اكتشافه عبر الرواية في أكثر من حوار صحافي معه.
الناشر الإنجليزي لرواية النمر الأبيض يسأل أرافيند "لكن نيودلهي في روايتك ليست مدينة آمنة"
"دعني أعود بك لقصة طريفة، كنت أعمل في صحيفة التايمز في نيودلهي وكان رئيس التحرير إنجليزي يدعى لوك بيري وهو رجل طيب و صحفي بارع، وكان للوك سائق اسمه راكيش، وكان على الدوام حين ينتظر مديره يقرأ سلسلة مجلات بعينها، وكلما مررت به أجده يقرأ هذه المجلة باللغة الهندية، وكما تعلم الهندية ليس لغتي الأولى فقد عشت في بانقلور طوال حياتي، لذا ظننت أن هنديتي التبست علي أثناء قراءتي لعنوان المجلة، لأن المجلة كان عنوانها (الجريمة)، فسألت راكيش عن المجلة التي اتضح أنها مجلة قصصية شعبية مشهورة ومحبوبة لدى مجتمع السائقين في نيودلهي، وهي عبارة عن مجموعة من القصص، فيها يقتل السائقين مرؤوسيهم!! وراكيش بالمناسبة هو سائق طيب وشخص مؤتمن ولكن ها هو يقرأ الرواية أمام مرؤوسه الغافل عن كل هذا، والمجلة كما قلت لك مشهورة جدا ويتم طبع أعداد ضخمة منها.
وقتها كنت أسكن في حي اسمه نظام الدين، وكان فيها مزار يحضر اليه العديد من الفقراء من الولايات القريبة وجلهم يبيتون في العراء قرب المزار لأنهم لا يجدون مكانا يبيتون فيه، وهو منظر مدهش للهند الليلية التي لا يراها الناس، تجدهم يجلسون في ثلل حول  أعمدة النور يقرأون الصحف اليومية بلغاتهم المتعددة ، ثم  فجأة تراءت لي صورة في خيالي ، رأيت كل هؤلاء الرجال عاكفون يقرأون مجلة الجريمة ، وبدأت أفكر في الهند، والتي هي الى حد ما مجتمع حر بالنسبة لرجل من الطبقة المتوسطة مثلي، ففكرت: هل توجد أنظمة للسيطرة الإجتماعية على هذه الجموع؟ وما هي تلك الأنظمة؟  لأن صورة كل هؤلاء القراء لمجلة الجريمة والتي فيها قصص يقتل السائقون مرؤوسيهم- بالطبع في كل القصص يتم القبض على المجرم وأظن أن القصص تعمل كمنفذ لمشاعر مكبوتة- تطرح السؤال:ما الذي يجعل الهند آمنة؟، وعندها كتبت النمر الأبيض وفكرت في الظروف التي يمكن فيها للهند أن تتغير. تعرف؟ لقد كنت دوما مفتونا بفكرة التاريخ المغاير للهند، فمعروف أن القصص المروية عن استقلال الهند ليست صحيحة بأكملها، وأعتقد أن دور الكاتب هو نبش هذا التاريخ المغاير. واحدة من ذكريات الطفولة هو قراءتي لحوار مع الفنان أوتبال دات، وكلنا نعرفه كفنان كوميدي هزلي ولكنه في شبابه كان نكسلي (الماويين الهنود) وكان قد أخرج مسرحية عن تمرد بومباي، والتي تحكي عن تمرد ضباط البحرية وأن هذا التمرد المسلح كان السبب الرئيسي في خروج الإنجليز من الهند، رغم أن الكثير من الهنود سيقولون أن الإنجليز خرجوا بسبب المقاومة السلمية تحت قيادة غاندي وأن أحداثا مثل تمرد البحرية في بومبي أو انتفاضة تيليقانا وانتفاضة الجيش الهندي كانت محاولات مسدودة، واوتبال دات كان يشكك في كل ذلك ويرى أن العنف هو كان السبب في حصولنا على الإستقلال، واذكر انبهاري حين قرأت هذا الحوار وأنا في العاشرة أو الحادية عشرة من عمري وهرعت نحو المكتبة لأبحث عن كتب التاريخ الموازي للهند وركزت على كتابات اليسار المتطرف واليمين المتطرف وقد ألهمني هذا بكتابة احدى قصصي القصيرة. لكن النمر الأبيض ليست تاريخا مغايرا بل يمكنك القول أنها مستقبل مغاير للهند، النمر الأبيض رواية عن الحرية وعن كيف يصبح الرجل حرا وعن أنه كيف يمكن أن يكون العنف شيئا محررا."
الناشر: الكثيرون في الهند ممن قرأوا الرواية اعترضوا عليها بشدة وقالوا أنها تنقل صورة مشوهة عن الهند، رغم أن الرواية هو لوي للحقائق بشكل ما لخدمة السرد ما رأيك؟
"اوه يا الهي! نعم أذكر أنك قلت لي أن أحد القراء كان غاضبا وأنه نادى سائقه الخاص وخدم البيت أمامك ليشهدوا بحسن المعاملة و ما إلى ذلك. بحق الله يا هنود ما هذا. المدهش أن ما أثار حنق الناس لا يتعدى قل 15% من ثيمة الرواية، لكن قلب الرواية حين شرعت في تكوينها في خيالي كانت حول الحرية وكيف يصبح الرجل حرا وحول معنى الحرية لمهاجر للمدينة حين يصل إلى نيودلهي.
في صغري كنت منبهرا بكتابات سودير كاكر في الثمانينات ومن المثقفين القلائل الذين قدموا تحليلا للنقد الأجنبي لأدب الهند، وهو محلل نفسي، وكان قد كتب عن التحولات التي تحدث في قصص المهاجرين للمدن، القرويين الذي يحضرون لمدن الهند الكبيرة وكان يكتب عن التحولات من ناحية اقتصادية، وكتب أيضا مجموعة مقالات حلل فيها الرسائل التي يكتبها المهاجرون للمدن لذويهم في القرية، ومحاولة فهم التغير الذي يحدث لهم في المدينة، وأهم التغيرات التي لاحظها كاكر هي أن المهاجر يستعيد السيطرة على جنسانيته ، فيحدد من أمر زواجه وأمر حياته الجنسية، وهو أمرر محرر للغاية وفي ذات الوقت مهدد للغاية، لأنه برفضك للزواج التقليدي المدبر فأنت تقطع صلاتك بمجتمعك بطائفتك بقريتك،  وكان من الملاحطات التي دونها كاكر والتي وخلقت أثرا عميقا عندي هو أن في خطابات المهاجرين لذويهم في القرية كثيرا ما يتكرر موتيف أو ثيمة حيوان التي لا تكاد تخلو منها الخطابات، فقد يركز المهاجر على ببغاء مثلا ويتكرر حكيه عنه في الخطاب، وقد فسر كاكر ذلك أن ثيمة الحيوان هذه قد تكون الطريقة التي يتعامل بها المهاجر مع جنسانيته وهذه الحرية الجديدة المكتسبة، وقد علق ذلك في ذهني وبالتالي كانت فكرة النمر الأبيض."
الناشر: ولماذا اخترت نمرا أبيضا
"كان ذلك في تجوالي في الهند، وفي مرة زرت حديقة الحيوان وقد لفت انتباهي هذا الحيوان، كان النمر الأبيض بالخطوط السوداء على جلده الأبيض حين يتجول في القفص يتماهي مع القضبان السوداء والفراغات البيضاء فيبدوا أثناء مروره وكأنه يتحلل وكأنه يذوب، فكان أمرا مثيرا في وسط هذه الحيوانات المسجونة والتي تبدو وكأنها على حافة الجنون والهذيان.
لكن تعرف المثير في الأمر أن طوال السنوات التي تلت نشر الكتاب لم يسألني أحد عن رمزية النمر الأبيض ما عدا شخص واحد أعتقد فهم ثيمة الكتاب، وهو مخرج سينمائي في بومباي وذهبت للقائه لأمر ما في مكتبه، وكعادة أهل بوليوود فقد تم لطعى لمدة ساعة كاملة قبل أن يحضر، وعندما حضر وقف بعيدا وظل يحملق في لمدة طويلة شوشتني قليلا (حتى أخبرني صديق لاحقا أن هذا المخرج يفعل ذلك مع كل شخص غريب يأتي للمكتب حيث يحاول أن يتذكر إن كان مدينا له بالمال وإن كان عليه الفرار)، المهم بعد أن اطمأن لجانبي جلسنا في المكتب وسألني: يا سيد اديقا أنا أعرف أنك شخص مشهور ولكني نسيت فيم شهرتك؟
فأجبته أنني كنت نشرت كتابا وكذا، فأجاب: اه نعم كتاب عظيم، أنا لست رجل كتب ولا أحب القراءة أخبرني في سطر أو سطرين عن حبكة الرواية. فأخبرته أنها رواية تدعى النمر الأبيض و تحكي عن سائق يقتل مرؤوسه في هندي. فصاح: عظيم ممتاز قصة رائعة لكنك اخترتك عنوانا رديئا، فسألته: ولكن لماذا؟ فأجاب لأن النمر الأبيض حيوان بديع وهو حيوان مسالم لا يؤذي أحدا هذا عنوان يصلح لرواية حب لا لرواية جريمة، فجلست أفكر أن من بين كل الذين قرأووا كتابي وحده هذا الرجل الذي لم يقرأ كتابي قد التقط فكرته."
ثم رد أرافيند على سؤال عن مدينة طفولته ومنبت أصله مدراس والتي أصبح اسمها تشيناي، وقد لفتت إجابته انتباهي للحكاوي الحنين التي يجترها الخرطوميون والأمدرمانيون وأهالي المدن السودانية. قال
"تشيناي التي كبرت فيها لم يعد لها أثر، كنت قد حاولت من قبل التجول فيها باحثا عن ملامح طفولتي ولكني اكتشفت أن هذا خطأ ما عدت أزور المدينة كمسافر عبر الزمن ، بل أصبحت أتطلع لحاضر ومستقبل المدينة واذكر اني كنت ابحث عن كتاب عن تشيناي في مكتبة في بومباي فوجدت كتابا اسمه: تشيناي لا مدراس، وقد غير الكتاب نظرتي لمدينة طفولتي تماما فقد ناقش الكتاب كون مدراس مدينة انجليزية في الأصل وأن تشيناي هي مدينة هندية وأن هذا التحول الذي حدث في المدن قد أطلق في طاقات مهولة."
الناشر: لكن ألا ترى أن مهمة الكاتب هو استعادة الماضي عبر كتابته أم أن الأمر عاطفي زيادة عن اللزوم؟
"ممكن أن يكون ذلك ، لكن الأكثر تشويقا هو فهم ديناميكية المدينة الحاضرة،  تعرف الكثيرون يعتقدون أن مدراس هي مدينة محافظة لكن الأمر عكس ذلك تماما كانت مدينة راديكالية، أذكر أنني قرأت في ارشيف المدينة عن توصيات كبارها بأن يتم فرض تعليم الرقص لبنات المدينة في وقت كانت الهند تنظر إلى الرقص وكأنه أمر ساقط ،وقد علقت في ذهني عبارة من رواية ايطالية تدعى "الفهد" والتي كان تتحدث عن تحول مدينة صقلية من ماضيها الأستقراطي لحاضرها المديني، فيقول أحد شخصيات الرواية الأستقراطية (لا بد أن يتغير كل شيء ليبقى كل شيء ) وتشيناي مدينة راديكالية للغاية، تتطلع للحاضر أكثر من الماضي.
أليس هذا المقطع عجيبا؟ والاقتباس؟ (لا بد أن يتغير كل شيء ليبقى كل شيء على حاله) صحيح أن السلطة لم تألوا جهدا في طمس روح المدينة وخذلان روادها وتكبيلهم بالغلاء وبالقوانين  وزحف الرأسمالية الطفيلية المسمسرة الا انه حالة النوستالجيا الآن في الخرطوم وأمدرمان تتطلع نحو الماضي وتجتر القديمة وتود تجميده في الحاضر، وهو المنافي لروح المدينة التي يحنون إليها، حيث كان روادها متحركون أحياء نهمون للحاضر ساخطون على الماضي، رافضون للسكون. -فهذه الديناميكية القديمة للمدينة هي ذاتها ديناميكية المدينة الحاضرة، ربما علينا أن نتطلع بفضول لديناميكية سوق ليبا بدلا من صب اللعنات عليها، والثورات والجرافة والفتح والفردوس والمعمورة والحاج يوسف وغيرها- لا أعني تمجيدها! هذه كمان نظرة رومانسية مريضة، لكن تضمينها في خطاب يوتوبيا المدينة.
"قبل فترة وجدت اسم صديق طفولة في الصحف وقد أصبح من اصحاب الأعمال وأحد المتنفذين في المدينة، وأذكر أنه كثير ما كان يصطحبني للسينما ليقوم بترجمة الفيلم للغة التاملية التي أنا ضعيف فيها، كنا نقضي أوقات جميلة وفكرت أن أزوره وأبحث عن طفولتي فيه لكني سرعان ما عدلت عن الفكرة، لأني تذكرت وقتها أنني حينها سأتقهقر نحو مدراس بينما علي التقدم نحو تشيناي."
الناشر: لكن ألم يكن هناك شيء من الغواية لمقابلة صديقك؟
"في رأيي أن الغواية في تشيناي هي التطلع قدما"

Saturday, 8 July 2017

معثور عليه في الترجمة- عن قلزار صاحب

كنت قد ترجمت من قبل مقطعا من محاضرة قدمها مجموعة من الدارسين المنتمين لجمعية ابن عربي وضمنتها في مقالة نشرت في مجلة البعيد الالكترونية بعنوان " بستان المحبوب" وكان المحاضرون قد ووجهوا بسؤال حول قدرة اللغة الأجنبية على تحمل ثقل المعاني المضمنة في كتابات ابن عربي. فتفتقت اجابات محبة عاشقة للسؤال بوسعكم الاطلاع عليها في المقال، لكني استهل هذه الكتابة باجابة احدى المشاركين التي نصحت طلابها في تخصص الترجمة بأن لا يبحثوا عن ما هو مفقود في الترجمة بل عن المعثور عليه.
ثم افاضت بالحديث عن اهمية الترجمة جيدة كانت ام رديئة، حيث انها ان كانت رديئة فهي  أشبه بالفسيل الذي يشق دربا في ارض اللغة الجديدة ولا بد يوما ان تبزغ وتزهر ثمرا.
وأنا بدوري اشبه الأمر بالفراش والعتة حول اللهب. حيث ان النص في لغته متوهج حار منير، ومهما كان الفراش قاتما او العتة بغيضة او سمينة او كسولة فإن شيئا من تبر النار لا بد أن ينعكس عليها.
كمعظم أبناء شعبي ، تهبش أغاني الأفلام الهندية وترا عندي، استطعم حروفها في حلقي، وأحلق مع معانيها، أتابع الترجمة المقتضبة العجولة المستهبلة احيانا أو هكذا أظنها مستهبلة، وبطول الزمن تشكلت عندي ملامح شاعر وملامح شعره، اتلمسها بثلاث عناصر. فإن كان في الأغنية  أولا مزاج صوفي بمفردات الحضرة والكشف والسكر وتجلي المقدس في المعبود والمعبود في المقدس ثم ثانيا عبرت عن نوع خاص من الحب حيث يتشكل فيه المحبوب أبا وابنا للمحبوبة في آن، معبرا عن رعاية فائقة وعن احتياج عارم ، واخيرا ان حوت الأغنية وصفا بديعا و ساحرا للطبيعة كما لم توصف من قبل، أدرك عندها أنني في حضرة الشاعر الهندي قُلزار. وبدأت أتنسم سيرة هذا الشاعر البديع والأعمال التي شارك فيها ووجدت تقاطعا بينه وبين سيرة شاعر اوردي متصوف في قرن سابق هو ميرزا غالب- واه! رباه!   من شعره كما يقول الهنود استحسانا واستطعاما للشعر- وعلمت أن هنالك عملا دراميا تلفزيونيا في الثمانينيات تم انتاجه حول سيرة أسد الله ميرزا غالب وليس في الأمر عجب فإن كاتب سيناريو العمل هو الشاعر المعاصر قُلزار. ولقلزار أيضا ترجمات من البنغالية للهندية للشاعر العظيم طاغور.

للبوليوديون الأصليون، تجدون تلك الخلطة الثلاثية لشعره في أشهر الأغنيات التي كتبها قلزار، وهي تشيا-تشيا أو (امشي امشي) من فيلم ديل سيه ، وفيها يقول :
مفضوح عطرها التي تختبئ في خيلاء الوردة
سأدرعها تعويذة حين اجدها ايتي المقدسة
محبوبتي وايماني
هي النغمة وهي الكلمة

ثم في أغنية "أجنبي" التي هي عندي من أجمل أغاني بوليوود يقول مقطع منها وقد صرح قُلزار أنها من مفضلاته، يقول:
" أيا طائرا جاي من بعيد
أيا غريب، أينما كنت، نادني، أجري اسمي على لسانك
ها أنا أحيا مبعثرا
وانت هناك مثلي مبعثرة
في غدوها ورواحها توشوشني ريح حريرية
الزهرة الحليبية المعصومة أين هي
نورك ،حياتك أين هي؟
ها أنا أحيا مبعثرا
أنت هناك مثلي مبعثرة"

ثم أغنية أخرى هي "كجراري" أو "طرفك المكحول" والتي قوبلت بشيء من الاستهجان لإيغالها في الدارجية واللغة اليومية، فيرد مدافعا : وفي اللغة اليومية شعر! الأغنية كما فسرها تدور أحداثها في استراحة طريق سفري فلا بد أن تكتب بلغة حكمة اللواري المسطورة في حديدها. يقول فيها:
"لا زلت أذكر لقاءنا في دلهي القديمة
منقوشة حكايتنا في دلهي القديمة
من "باليماران" وحتى "درب تالاك"
(وقد اختلف محبوا قلزار في تفسير هذا المقطع وذكر هاتين المنطقتين تحديدا باليماران ودرب تالاك الأولى مربوع قديم في حي شعبي هو تشاندي تشوك والثانية درب مشهور للجواهرجية في دلهي تباع فيها الأحجار الكريمة -كما خان الخليلي في القاهرة، لكن حوار من حواريي قلزار قال أن باليرمان هو المربوع الذي يضم منزل ومزار الشاعر الأوردي ميرزا غالب الذي افتتن به قلزار اما درب الجواهرجية فليس مجرد درب شعبي بل هو المربوع الذي ضم بيت شاعر عظيم اقدم هو مير تقي مير والذي كان غالب نفسه مفتون به. سلسلة افتتان هي اذا) – نواصل الأغنية فيقول:  
أعيذك باسم المتشح سوادا
اقسم يعينيك السوداويين
نفسي ترقي عينيك السوداوين
نفسي تصلي لعينيك السوداوين
قلبي مثقل وفمي مشرع فتعالي
(وكان هناك ملاحظة لطيفة من أحد حواريي قلزار اعتمدتها في الترجمة حيث أن المقدس المتشح سوادا قد تكون الإلهة الهندية كالي وقد يكون المتشح سوادا هو اشارة للنبي عليه السلام الذي كان يتلفح شالا اسود)

أما في وصفه الطبيعة فيقول في احدى أغنياتي المفضلة "بول نا هالكي " هامسني، او كلمني همسا" يبتدر الأغية ب
"استل لك خيطا من شعاع القمر
انسج خمارا من هالته المضيئة
أن كنت خجلا فتدثر بحضني
ودع أنفاسنا تشتبك"


قلزار شاعر له مكانة لدى العامة في الهند وتلمست من احدى قراءاته لشعره أن له طريقة في الإلقاء والحضور يشبه حضرة شعرائنا الدارجيين الفصيحين كحميد أو محجوب شريف، وله معزة يفصح عنها احتجاج جمهوره عن سبب عدم ترشحه بعد لجائزة نوبل للأدب. (بالمناسبة نال قلزار جائزة اوسكار مناصفة مع الموسيقار الشاب العظيم ا ر رحمان عن اغنية جي هو من فيلم سلم دوق مليونير)
وجدت أمسية شعرية على اليوتيوب جمع بين الشاعر قلزار وصديقه ومترجم أعماله بافان بارما وهو ايضا شاعر وسفير دولة الهند في جمهورية بوتان، ودارت بينهم محادثة لطيفة حول الترجمة، يقول المترجم أنه حين أرسل احدى الترجمات لقلزار رد عليها بكلمة واحدة "خائنة!" فأصابه القلق لعل الترجمة لم تكن بالمستوى المطلوب فعندما استفهمه عن رده قال  "خائنة لأنها جميلة، كما في  المقولة أن العشيقة إن كانت دميمة فهي وفية وإن كانت جميلة فهي خائنة"
وهذه مقاطع ترجمتها عن ترجمة المترجم عسى أن يجد القارئ في رمادها شرر من هذا الشاعر العبقري
القصيدة الأولى عن عملية الخلق الشعري
" حينما دفنت فكرة في ورقة
فَتَحَت القصيدة عينيها ورأت
كم  التلال التي أهيلت عليها
صوت كالبخار خافت تهادى قرب أذني
لم تكتبني بكلمات كثيرة؟
نظمك يخنقني بقبضته
وفي عويل استعاراتك طويت كل حركة لي
هل تحتاج كل هذه الحجارة لتدفن فكرة؟
*****************
القصيدة الثانية يقول قلزار أنه استوحاها من سيرة شاعر دالتي (اي منبوذ) قديم:
وسط ضمخ التبغ والثوم
في تلك الخمارة ذات السقف الخفيض
حيث تجول الموسيقى عارية ترقص بخطل وتدب بقدميها
في خضم عبق التوابل النيئة والعرق والبصل وسخونة الدخان المعلق
يجلس شاعر على طاولة الرخام الباردة
يقطع حبلا سريا
مضرجا بالدماء
لعله الآن قد ولدت قصيدة
القصيدة الثالثة أيضا عن كتابة الشعر
قصيدة رَكَّت على لحظة  مسجونة في شبكة للفراش
قطعوا جناحيها
ثم دبسوها في كتاب
إذا لم يكن هذا هو عين الظلم فما هو؟
في شربكة الورق تصبح اللحظة محنطة
وحدها أصباغ القصيدة تقطر من أصابعي
مأساة السدود ليست وحدها عندنا وكثيرا ما وددت لو أننا تحركنا نحوها لا كمسأالة سودانية أو نوبية خاصة بل شأن يخص الكوكب كله كما فعل الناشطون في الهند. يحكي قلزار عن سد قائلا:
في هذا الوادي المضطجع بين جبال ثلاث، سيشيد سد
سيشيد سد
تعال وأحمل على رأسك فتات هذه القرية
كوّم قراباتك وأنسابك على عربة وأدفرها
أرفع على كتفك سلة واحشر فيها سلالاتك
 وأحشو جيوبك بقبور أحبابك
الطقوس والعادات والتقاليد وما يعرف بالثقافة اعقدها حول عنقك قبل الرحيل
وحول خصرك اربط اولادك العرايا
الأضرحة وحلو الذكريات وعذب المياه والأبار اقتلعها جميعا
اقتلعها وارحل
النهر الذي منذ دهور كان ينساب متهدلا  بين الجبال الثلاث
سيترقفص كأفعى في الوادي
*************
:وقصيدة عن شجرتين :مشمشة و جوزة
شجرة مشمش وشجرة جوز جلستا قرب بعض لزمن
وحين يسقط ظليهما على النهر الجاري
يخلعان ملابسهما ويعومان طوال اليوم عراة
مرات يبعدان حتى الضفة الثانية
المشمشة كانت مكتنزة
والجوزة فارعة
وحين تطارد المشمشة  دوامة تحتضن صخرة قريبة وتنجو
ممسكة بيد الجوزة
عبثا تحاول الجوزة أن تفهمها
اسمعيني يا مشمشة لا تشتبكي مع الدوامة فهي ستسحب الأرض من تحت قدميك
وفي يوم هاج النهر
و سحبت دوامة المشمشة من قدميها فقفزت في المياه الهائجة
لا تزال الجوزة محدقة باتجاه سريان النهر
قامتها انحسرت شيئا ما
*******************
عرديبة:
في مدينة كسبا عند الناصية تقف شجرة عرديب عاتية
ساخطة ابدا
مفاصلها المريضة معقودة كجذور الجنزيل
تهرش جلدها طوال اليوم- مصابة هي بالأكزيما
وفي المنعطف حيث تقف الحافلة
يسارع الناس ويطفئون برنجياتهم على جسدها قبل أن يركبوا
يبصقون تبغهم عليها
قطعوا أغصانها بالسكاكين
رموا الحجارة عليها- هكذا- في انتظارهم العاطل
ولهذا هي ساخطة أبدا
ولهذا هي تبتلع الذباب والعناكب الحمراء والسمراء
تنفض عن يدها سنجابا لاهيا
وتستأنس النمل حتى اذا ما اتكأ عليها أحد ونظف حذاءه بجذعها
أطلقت عليه نملها
ساخطة أبدا
عند ناصية مدينة كسبا تقف شجرة عرديب
************
قصيدة عن شجرة أم:
يا للمهملات التي يخلفها الناس في حوشها، فتضطر الأم أن تجر مكنستها مرتين في اليوم
لكل الضيوف الزائرين تمنحهم بذورها، للبغاوات والحمام الجالس على أغصانها طوال اليوم
ياكلون القليل ويخلفون الكثير، ملقون بالأنوية على الحوش قبل الرحيل
حتى العصافير بنت أعشاشها على فروعها فتتطاير شظاياها على حوشها طوال اليوم
ومن دغش الفجر حتى عفر المغيب يجري سنجاب متوتر أعلى واسفل فروعها الرب وحده يعلم فيما عجلته
وعلى أعلى فرع فيها يجلس صقر كمجنون يظل محادثا نفسه
والغربان الملعونة تأكل العظام واللحم الذي نهبته على أغصانها ، الغربان التي تدعي الوقار
تهشهم الأم :هش!! هش!! فيحلقون ساخرين رامين بقايا وحشيتهم عليها
ومع ذلك- من يدري لماذا- تصيح الأم خلفهم: يا غراب، حين يُحمل نعشي، تعال! بالله عليك، تعال!
**************************
وأخيرا قصيدة تستلهم أسطورة الخلق من  لتحكي عن ما يعرف بأثر الفراشة- كيف يمكن لشيء صغير ان يغير مجرى الكون:
يحكى أن شجرة تين تنزلت من قمة جليدية (شجرة التين يتكرر ذكرها في البوذية والهندوسية كشجرة للمعرفة أو شجرة الخلق)  
النهر المضطجع تحت الشمس كان نائما
خطت عليه التينة وتوقفت
رأت الشمس صورة التينة في عين النهر
طوال النهار يدندن النهر مغنيا وفي الليل يضع رأسه في حجر التينة مفكرا
ليته بوسعي الوقوف على قدمي فأعانق التينة
الغروب تتبختر بوركيها كل يوم عند المقابر
حيث تمر الدهور ويشيب شعر السماء عند المفرق
وفي يوم أمسكت التينة يد الغروب الماجنة
لماذا تهرولين عبر السموات الى أحضان الشمس لتسودي اسمك؟
علت حمرة في وجنتي الغروب
اقتلعت التينة ورقة من بين أفرعها
"سلمي هذه الورقة لرب السموات"
وقبل أن يمتقع وجهها شاحبا جرت الغروب
ولكن في الطريق لاقاها القمر لوى رسغها وانتزع الورقة
راهو كيتو جرى نحوها ليحرر يدها (راهو و كيتو في الهندوسية المرموز لهما بجسد أفعى ورأسه منفصلان، لهما دور في اسطورة الخلق وهما أيضا في علم الفلك الهندوسي يرمزان لعقدتي مدار القمر- عقدة تصاعدية وعقدة تنازلية لعل أهل الفلك اقدر على التفسير)
فانخلع سوار يدها وامسك به زحل
نجمة هيليس النمامة جرت من مدار لمدار تنشر الخبر
ولعقود ذاعت هذه الحادثة في الكون
مرت دهور او ربما في نفس اللحظة التي خطا فيها الزمن بنعله الخشبي على الكواكب عابرا الكون
ورقة تينة متهادية التصقت بظهر الزمن فغير الزمن مجراه
وحينما نزلت من الجبل ماذا رأت؟
كان الغروب مستلقيا في حجر الليل
والنهر على قدميه مجدولا مع التينة
وعلى صدر الجبل نبت أول العشب