Saturday, 8 July 2017

معثور عليه في الترجمة- عن قلزار صاحب

كنت قد ترجمت من قبل مقطعا من محاضرة قدمها مجموعة من الدارسين المنتمين لجمعية ابن عربي وضمنتها في مقالة نشرت في مجلة البعيد الالكترونية بعنوان " بستان المحبوب" وكان المحاضرون قد ووجهوا بسؤال حول قدرة اللغة الأجنبية على تحمل ثقل المعاني المضمنة في كتابات ابن عربي. فتفتقت اجابات محبة عاشقة للسؤال بوسعكم الاطلاع عليها في المقال، لكني استهل هذه الكتابة باجابة احدى المشاركين التي نصحت طلابها في تخصص الترجمة بأن لا يبحثوا عن ما هو مفقود في الترجمة بل عن المعثور عليه.
ثم افاضت بالحديث عن اهمية الترجمة جيدة كانت ام رديئة، حيث انها ان كانت رديئة فهي  أشبه بالفسيل الذي يشق دربا في ارض اللغة الجديدة ولا بد يوما ان تبزغ وتزهر ثمرا.
وأنا بدوري اشبه الأمر بالفراش والعتة حول اللهب. حيث ان النص في لغته متوهج حار منير، ومهما كان الفراش قاتما او العتة بغيضة او سمينة او كسولة فإن شيئا من تبر النار لا بد أن ينعكس عليها.
كمعظم أبناء شعبي ، تهبش أغاني الأفلام الهندية وترا عندي، استطعم حروفها في حلقي، وأحلق مع معانيها، أتابع الترجمة المقتضبة العجولة المستهبلة احيانا أو هكذا أظنها مستهبلة، وبطول الزمن تشكلت عندي ملامح شاعر وملامح شعره، اتلمسها بثلاث عناصر. فإن كان في الأغنية  أولا مزاج صوفي بمفردات الحضرة والكشف والسكر وتجلي المقدس في المعبود والمعبود في المقدس ثم ثانيا عبرت عن نوع خاص من الحب حيث يتشكل فيه المحبوب أبا وابنا للمحبوبة في آن، معبرا عن رعاية فائقة وعن احتياج عارم ، واخيرا ان حوت الأغنية وصفا بديعا و ساحرا للطبيعة كما لم توصف من قبل، أدرك عندها أنني في حضرة الشاعر الهندي قُلزار. وبدأت أتنسم سيرة هذا الشاعر البديع والأعمال التي شارك فيها ووجدت تقاطعا بينه وبين سيرة شاعر اوردي متصوف في قرن سابق هو ميرزا غالب- واه! رباه!   من شعره كما يقول الهنود استحسانا واستطعاما للشعر- وعلمت أن هنالك عملا دراميا تلفزيونيا في الثمانينيات تم انتاجه حول سيرة أسد الله ميرزا غالب وليس في الأمر عجب فإن كاتب سيناريو العمل هو الشاعر المعاصر قُلزار. ولقلزار أيضا ترجمات من البنغالية للهندية للشاعر العظيم طاغور.

للبوليوديون الأصليون، تجدون تلك الخلطة الثلاثية لشعره في أشهر الأغنيات التي كتبها قلزار، وهي تشيا-تشيا أو (امشي امشي) من فيلم ديل سيه ، وفيها يقول :
مفضوح عطرها التي تختبئ في خيلاء الوردة
سأدرعها تعويذة حين اجدها ايتي المقدسة
محبوبتي وايماني
هي النغمة وهي الكلمة

ثم في أغنية "أجنبي" التي هي عندي من أجمل أغاني بوليوود يقول مقطع منها وقد صرح قُلزار أنها من مفضلاته، يقول:
" أيا طائرا جاي من بعيد
أيا غريب، أينما كنت، نادني، أجري اسمي على لسانك
ها أنا أحيا مبعثرا
وانت هناك مثلي مبعثرة
في غدوها ورواحها توشوشني ريح حريرية
الزهرة الحليبية المعصومة أين هي
نورك ،حياتك أين هي؟
ها أنا أحيا مبعثرا
أنت هناك مثلي مبعثرة"

ثم أغنية أخرى هي "كجراري" أو "طرفك المكحول" والتي قوبلت بشيء من الاستهجان لإيغالها في الدارجية واللغة اليومية، فيرد مدافعا : وفي اللغة اليومية شعر! الأغنية كما فسرها تدور أحداثها في استراحة طريق سفري فلا بد أن تكتب بلغة حكمة اللواري المسطورة في حديدها. يقول فيها:
"لا زلت أذكر لقاءنا في دلهي القديمة
منقوشة حكايتنا في دلهي القديمة
من "باليماران" وحتى "درب تالاك"
(وقد اختلف محبوا قلزار في تفسير هذا المقطع وذكر هاتين المنطقتين تحديدا باليماران ودرب تالاك الأولى مربوع قديم في حي شعبي هو تشاندي تشوك والثانية درب مشهور للجواهرجية في دلهي تباع فيها الأحجار الكريمة -كما خان الخليلي في القاهرة، لكن حوار من حواريي قلزار قال أن باليرمان هو المربوع الذي يضم منزل ومزار الشاعر الأوردي ميرزا غالب الذي افتتن به قلزار اما درب الجواهرجية فليس مجرد درب شعبي بل هو المربوع الذي ضم بيت شاعر عظيم اقدم هو مير تقي مير والذي كان غالب نفسه مفتون به. سلسلة افتتان هي اذا) – نواصل الأغنية فيقول:  
أعيذك باسم المتشح سوادا
اقسم يعينيك السوداويين
نفسي ترقي عينيك السوداوين
نفسي تصلي لعينيك السوداوين
قلبي مثقل وفمي مشرع فتعالي
(وكان هناك ملاحظة لطيفة من أحد حواريي قلزار اعتمدتها في الترجمة حيث أن المقدس المتشح سوادا قد تكون الإلهة الهندية كالي وقد يكون المتشح سوادا هو اشارة للنبي عليه السلام الذي كان يتلفح شالا اسود)

أما في وصفه الطبيعة فيقول في احدى أغنياتي المفضلة "بول نا هالكي " هامسني، او كلمني همسا" يبتدر الأغية ب
"استل لك خيطا من شعاع القمر
انسج خمارا من هالته المضيئة
أن كنت خجلا فتدثر بحضني
ودع أنفاسنا تشتبك"


قلزار شاعر له مكانة لدى العامة في الهند وتلمست من احدى قراءاته لشعره أن له طريقة في الإلقاء والحضور يشبه حضرة شعرائنا الدارجيين الفصيحين كحميد أو محجوب شريف، وله معزة يفصح عنها احتجاج جمهوره عن سبب عدم ترشحه بعد لجائزة نوبل للأدب. (بالمناسبة نال قلزار جائزة اوسكار مناصفة مع الموسيقار الشاب العظيم ا ر رحمان عن اغنية جي هو من فيلم سلم دوق مليونير)
وجدت أمسية شعرية على اليوتيوب جمع بين الشاعر قلزار وصديقه ومترجم أعماله بافان بارما وهو ايضا شاعر وسفير دولة الهند في جمهورية بوتان، ودارت بينهم محادثة لطيفة حول الترجمة، يقول المترجم أنه حين أرسل احدى الترجمات لقلزار رد عليها بكلمة واحدة "خائنة!" فأصابه القلق لعل الترجمة لم تكن بالمستوى المطلوب فعندما استفهمه عن رده قال  "خائنة لأنها جميلة، كما في  المقولة أن العشيقة إن كانت دميمة فهي وفية وإن كانت جميلة فهي خائنة"
وهذه مقاطع ترجمتها عن ترجمة المترجم عسى أن يجد القارئ في رمادها شرر من هذا الشاعر العبقري
القصيدة الأولى عن عملية الخلق الشعري
" حينما دفنت فكرة في ورقة
فَتَحَت القصيدة عينيها ورأت
كم  التلال التي أهيلت عليها
صوت كالبخار خافت تهادى قرب أذني
لم تكتبني بكلمات كثيرة؟
نظمك يخنقني بقبضته
وفي عويل استعاراتك طويت كل حركة لي
هل تحتاج كل هذه الحجارة لتدفن فكرة؟
*****************
القصيدة الثانية يقول قلزار أنه استوحاها من سيرة شاعر دالتي (اي منبوذ) قديم:
وسط ضمخ التبغ والثوم
في تلك الخمارة ذات السقف الخفيض
حيث تجول الموسيقى عارية ترقص بخطل وتدب بقدميها
في خضم عبق التوابل النيئة والعرق والبصل وسخونة الدخان المعلق
يجلس شاعر على طاولة الرخام الباردة
يقطع حبلا سريا
مضرجا بالدماء
لعله الآن قد ولدت قصيدة
القصيدة الثالثة أيضا عن كتابة الشعر
قصيدة رَكَّت على لحظة  مسجونة في شبكة للفراش
قطعوا جناحيها
ثم دبسوها في كتاب
إذا لم يكن هذا هو عين الظلم فما هو؟
في شربكة الورق تصبح اللحظة محنطة
وحدها أصباغ القصيدة تقطر من أصابعي
مأساة السدود ليست وحدها عندنا وكثيرا ما وددت لو أننا تحركنا نحوها لا كمسأالة سودانية أو نوبية خاصة بل شأن يخص الكوكب كله كما فعل الناشطون في الهند. يحكي قلزار عن سد قائلا:
في هذا الوادي المضطجع بين جبال ثلاث، سيشيد سد
سيشيد سد
تعال وأحمل على رأسك فتات هذه القرية
كوّم قراباتك وأنسابك على عربة وأدفرها
أرفع على كتفك سلة واحشر فيها سلالاتك
 وأحشو جيوبك بقبور أحبابك
الطقوس والعادات والتقاليد وما يعرف بالثقافة اعقدها حول عنقك قبل الرحيل
وحول خصرك اربط اولادك العرايا
الأضرحة وحلو الذكريات وعذب المياه والأبار اقتلعها جميعا
اقتلعها وارحل
النهر الذي منذ دهور كان ينساب متهدلا  بين الجبال الثلاث
سيترقفص كأفعى في الوادي
*************
:وقصيدة عن شجرتين :مشمشة و جوزة
شجرة مشمش وشجرة جوز جلستا قرب بعض لزمن
وحين يسقط ظليهما على النهر الجاري
يخلعان ملابسهما ويعومان طوال اليوم عراة
مرات يبعدان حتى الضفة الثانية
المشمشة كانت مكتنزة
والجوزة فارعة
وحين تطارد المشمشة  دوامة تحتضن صخرة قريبة وتنجو
ممسكة بيد الجوزة
عبثا تحاول الجوزة أن تفهمها
اسمعيني يا مشمشة لا تشتبكي مع الدوامة فهي ستسحب الأرض من تحت قدميك
وفي يوم هاج النهر
و سحبت دوامة المشمشة من قدميها فقفزت في المياه الهائجة
لا تزال الجوزة محدقة باتجاه سريان النهر
قامتها انحسرت شيئا ما
*******************
عرديبة:
في مدينة كسبا عند الناصية تقف شجرة عرديب عاتية
ساخطة ابدا
مفاصلها المريضة معقودة كجذور الجنزيل
تهرش جلدها طوال اليوم- مصابة هي بالأكزيما
وفي المنعطف حيث تقف الحافلة
يسارع الناس ويطفئون برنجياتهم على جسدها قبل أن يركبوا
يبصقون تبغهم عليها
قطعوا أغصانها بالسكاكين
رموا الحجارة عليها- هكذا- في انتظارهم العاطل
ولهذا هي ساخطة أبدا
ولهذا هي تبتلع الذباب والعناكب الحمراء والسمراء
تنفض عن يدها سنجابا لاهيا
وتستأنس النمل حتى اذا ما اتكأ عليها أحد ونظف حذاءه بجذعها
أطلقت عليه نملها
ساخطة أبدا
عند ناصية مدينة كسبا تقف شجرة عرديب
************
قصيدة عن شجرة أم:
يا للمهملات التي يخلفها الناس في حوشها، فتضطر الأم أن تجر مكنستها مرتين في اليوم
لكل الضيوف الزائرين تمنحهم بذورها، للبغاوات والحمام الجالس على أغصانها طوال اليوم
ياكلون القليل ويخلفون الكثير، ملقون بالأنوية على الحوش قبل الرحيل
حتى العصافير بنت أعشاشها على فروعها فتتطاير شظاياها على حوشها طوال اليوم
ومن دغش الفجر حتى عفر المغيب يجري سنجاب متوتر أعلى واسفل فروعها الرب وحده يعلم فيما عجلته
وعلى أعلى فرع فيها يجلس صقر كمجنون يظل محادثا نفسه
والغربان الملعونة تأكل العظام واللحم الذي نهبته على أغصانها ، الغربان التي تدعي الوقار
تهشهم الأم :هش!! هش!! فيحلقون ساخرين رامين بقايا وحشيتهم عليها
ومع ذلك- من يدري لماذا- تصيح الأم خلفهم: يا غراب، حين يُحمل نعشي، تعال! بالله عليك، تعال!
**************************
وأخيرا قصيدة تستلهم أسطورة الخلق من  لتحكي عن ما يعرف بأثر الفراشة- كيف يمكن لشيء صغير ان يغير مجرى الكون:
يحكى أن شجرة تين تنزلت من قمة جليدية (شجرة التين يتكرر ذكرها في البوذية والهندوسية كشجرة للمعرفة أو شجرة الخلق)  
النهر المضطجع تحت الشمس كان نائما
خطت عليه التينة وتوقفت
رأت الشمس صورة التينة في عين النهر
طوال النهار يدندن النهر مغنيا وفي الليل يضع رأسه في حجر التينة مفكرا
ليته بوسعي الوقوف على قدمي فأعانق التينة
الغروب تتبختر بوركيها كل يوم عند المقابر
حيث تمر الدهور ويشيب شعر السماء عند المفرق
وفي يوم أمسكت التينة يد الغروب الماجنة
لماذا تهرولين عبر السموات الى أحضان الشمس لتسودي اسمك؟
علت حمرة في وجنتي الغروب
اقتلعت التينة ورقة من بين أفرعها
"سلمي هذه الورقة لرب السموات"
وقبل أن يمتقع وجهها شاحبا جرت الغروب
ولكن في الطريق لاقاها القمر لوى رسغها وانتزع الورقة
راهو كيتو جرى نحوها ليحرر يدها (راهو و كيتو في الهندوسية المرموز لهما بجسد أفعى ورأسه منفصلان، لهما دور في اسطورة الخلق وهما أيضا في علم الفلك الهندوسي يرمزان لعقدتي مدار القمر- عقدة تصاعدية وعقدة تنازلية لعل أهل الفلك اقدر على التفسير)
فانخلع سوار يدها وامسك به زحل
نجمة هيليس النمامة جرت من مدار لمدار تنشر الخبر
ولعقود ذاعت هذه الحادثة في الكون
مرت دهور او ربما في نفس اللحظة التي خطا فيها الزمن بنعله الخشبي على الكواكب عابرا الكون
ورقة تينة متهادية التصقت بظهر الزمن فغير الزمن مجراه
وحينما نزلت من الجبل ماذا رأت؟
كان الغروب مستلقيا في حجر الليل
والنهر على قدميه مجدولا مع التينة
وعلى صدر الجبل نبت أول العشب

Monday, 15 May 2017

يا ملم الروح

لقد كتمت الهوى حتى تهيمني
لا أستطيع لمثل هذا الحب كتمانا

حالي كحال جرير ، أكتب حبا لم أجد بدا من البوح به قبل أيام لدى صاحبة صدوقة هي الإعلامية المتميزة الأستاذة مشاعر عبدالكريم وقد عرفت أن بها ما بي. ومثلي تصرعها المحبة الفائقة عن البوح المنظم بالكتابة الرائقة المفهومة فترانا نولول كالزين
"ايه يا مشاعر ! أنا مكتولة في حوش منظمة الملم دارفور"
فأجابت في التو والحال "والعجيبة أنا"

فرحة الاهل بمحطة المياه وقد استقبلتهم نساء الحلة وقد تزين بما لديهن من حلى الذهب ورشوهم بالعطر. سآلهم ما الذي تحتاجونه آيضا ؟ فآجبن: بعد الماء؟ لا شيء!

ولكن لا بد مما ليس منه بد، سأعجم كنانة الحرفة والكتابة لأتحدث عن منظمة الملم دارفور. أول معرفتي بها كان عبر رابط في صفحة إعلامية متميزة أخرى عزاز شامي، فكان حبا من أول نقرة. وللصدفة العجيبة بعدها بوقت قصير راسلتني الأستاذة ميسون أتيم للمشورة حول حملة إعلامية من أجل منظمة الملم، هل تعرفينها؟ ومن فيض المحبة- لا الغفلة- لم استطع فعل شيء والقلم له رافع
علي أن ادخل في الموضوع ولا أسرف في العاطفة، أنا بالمناسبة لا أخجل من العاطفة التي أتحرك بها تجاه العمل العام، (كبرنا على الخجل من العاطفة). كنت قد حاولت الإشارة لمنظمة الملم في مقال سابق لي اسمه (يوم المرأة للرجل) وعلقت أملا كثيرا في المنظمة في نصرة المفهوم الأوسع للنسوية.
أحاول أن أجد تفسيرا لربطي الدائم بين مشكلة دارفور وجنوب كردفان ومنظمة الملم منذ يأس بعيد منذ مؤتمرات الصلح الفندقية والاتفاقيات العجولة والمناورات العسكرية الحزينة التي تحصدنا حصدا وتأفف المجتمع الدولي، وسط هذا البحر المظلم المتلاطم تبزغ منظمة الملم كمنارة ، كيابس النجاة.
لكن لماذا؟
هناك عدة ملامح من المنظمة التي يقف على أمرها الإعلامي السوداني المتميز بحق الأستاذ لقمان أحمد وابن منطقة الملم هي التي خطفت قلبي. أولها ذلك التجاهل العنيد لظروف الحرب وهي ترفع راية الإعمار التي قد تبدو مستحيلة في ظل الظروف الحالية، وتنويرها لعقلي الضيق ان هناك خيار اخر غير اللجوء أو الموت، وهو اقوى الخيارات على الإطلاق وابلغها في وجه البندقية الغاشمة، الا وهو خيار الحياة. خيار الحياة هي لطمة الضحية على وجه الجاني. ومنظمة الملم حسب ما هو منقول عن صفحتها تؤمن بمبدأ السلام عبر التنمية


منقولة من صفحة لقمان آحمد
.
لكن أي اعمار؟ أولى المشاريع التي وقعت عيني عليها في أعمارهم لإحدى نواحي المنطقة هي إعادة بناء سوق محلي ودكاكين، ثم بناء مخزن لمعدات زراعية والعمل ((مع)) لاحظ مع هذه، مع المجتمع المحلي في وضع خطة زراعية تجارية للمنطقة. هنا مدخل بارد غير ما عهدناه من عمل منظمات الغوث. هنا قبلة الحياة الكاملة.
اذا هذا المنحى "اللا غوثي" في العمل العام يعجبني كما تعجبني هذه الشراكة الأهلية التي هي ركيزة المستقبل والتي من الأجدى للأحزاب غير المشاركة والمعارضة الالتفات لها، اذا أردتم "المومنتم" كما يقول الخواجات، أي: اذا اردتم قبض الجو في الفترة القادمة فهذا سبيلكم، عبر بناءكم لأكثر من شراكة بينكم وبين المجتمعات السودانية المتعددة.

وذا قولي الذي افصحت به حول المبادرات الطوعية والأهلية لشبابنا، حول النفير القديم سيد الإسم وشارع الحوادث الأول الذي خبرناه نحن أهل الأقاليم، حكينا عن عمل أبناء المنطقة المغتربون في اعمار المستشفيات والمدارس وانارة الطرق وتوصيل المياه منذ السبعينيات والثمانينات وقلنا أن ما يميز عملهم عن عملنا الطوعي الحالي هي هذه الشراكة الأهلية وتشجيع أنماط الإدارة الأهلية للمشاريع التنموية والتي هي ضرورة لا بد منها. (قلنا اذا كنت ستؤهل عنبرا اربطها بلجنة مكونة من أولياء المرضى مثلا مثلا)



لا تضايقني محاضرة الملم في مركز الزبير طه ولا تواجدها في المناسبات الرسمية للحكومات المحلية في دارفور ولا العمل الذي يجدها في تقاطع مع الحكومة (وطبعا حكومتنا جاهزة لقص اي شريط افتتاح طاير، وتشريف خيمة اي مشروع لم ترمي فيه حجرا)، فكل من يشمر ساعده ويغرسها عميقا في تراب الوطن وملحه وطينه سيلقى شيئا من هذا، والذي لا يعرف يقول بعدس القطيعة والنأي والتذرع بعصمة وفضيلة اللافعل- واللاعمل والتي هي قاتلة ودموية تماما كأنتينوف وبندقية السلطة.



يا سوداني ويا سودانية أنعش روحك بصور المشاريع الحنينة لمنظمة الملم سواء كانت محطة إنارة عبر الطاقة الشمسية بالملم أو محطة مياه في القرى الشرقية لريفي الملم أو شراكة مع كلية الهندسة جامعة نيالا في سحن الرماد البركاني لتصبح موادا بناء حجرية نحو ابنية أكثر متانة (وأنا كنت أيضا أقول: سجم جامعاتنا الوطنية! لكن قليل من السياحة في اليوتيوب وفيديوهات الخبراء والعلماء في دول العالم الثالث تؤكد كلها شيء واحد، ان لا تهاون أبدا في الحكمة المحلية وحلول المجتمع المحلي) كل هذا عبر صفحة لقمان أحمد مؤسس المنظمة وابن المنطقة صور باهية مصحوبة بحكاوي من الطفولة أو سير من المنطقة في غاية الرقة تأسرك من فورها. تابعوا صفحة لقمان أحمد على الفيسبوك
Lukman Ahmed




الصور منقولة من صفحة لقمان آحمد على الفيسبوك

هل أرسم صورة وردية لواقع قاتم؟ هي وردية بلون لحمنا الحي مشدودة بالعصب الحي والشرايين الحية حتى لا نقع أسر الصورة القاتمة الباعثة لليأس. وقد قلتها من قبل إن الغضب والقتامة هي تكتيكات قصيرة النفس، لا بد من تدعيمها (لا الغائها) بصور الدارفوري والنوباوي النهم للحياة ، الفاعل، القائم ليس فقط الضحية، ليس فقط المغلوب على أمره. او دعنا نستخدم مصطلح الأكاديمي اليوغندي والذي كتب كثيرا في الشأن السوداني: صورة الناجي.
بالنسبة للحملة الإعلامية لدعم منظمة الملم، وأنا أتابع حملات تجميع التبرعات المختلفة في دول العالم السابق، هناك منحيين: 1- تسهيل وتبسيط عملية الدعم لأقصى حد (لأنه الحياة العصرية معقدة بما يكفي) 2- وضع هذا الدعم في إطار تمكيني تحفيزي للمتبرع- ليس المتبرع اليه وحده المستفيد بل إن المتبرع ذاته يتبرع لأجل تعزيز انسانيته ولظنه أنه يمهد عالما أفضل لخلفه وذريته. لذا هناك تخلص من جو القتامة في التبرع والتركيز على جو احتفائي فيها (النموذج الذي يأتي في بالي هي حملات السرطان هناك حفل شاي لجمع تبرعات لسرطان الثدي كل أكتوبر ، حيث يمكن لأي واحد ان ينظم حفل شاي في المدرسة في الحديقة وسط الجيران او في مكان العمل ويتبرع الناس وهم يحتسون الشاي ويلتهمون الكيك بما يجودون به في صندوق توفره لهم منظمة السرطان. وهناك أيضا حفل شواء رجالي في نوفمبر على ذات المنوال يمكن لأي أحد ان ينظم حفل شواء وبعضهم يحضر طبيبا يحاضرهم في العادات الصحية الواقية ويتبرعون في صندوق توفره أيضا المنظمة)
كنت افكر في تجمعاتنا السودانية الكثيرة (في الغربة وفي ارض الوطن) وصندوق عليه شعار الملم يشارك صغارنا وكبارنا في جمع المال فيه، في لمات رمضان في العيد في البرامج والأفراح والأتراح- شيء يقول بلادنا في البال والخاطر. ثم يحدد شهر احتفالي من كل عام قل يناير او فبراير او مارس او نوفمبر ، شهر بوسع أي أحد أن يختار أي يوم فيه وينظم جلسة جبنة  مثلا مفتوحة للكل خواجات ووطنيون بمعارض تراث واغاني صاخبة حية وجمع تبرعات للملم.
طبعا هذا يتطلب فريقا يصمم موادا إعلامية مطبوعة ومسموعة ومرئية مختلفة تستعرض عمل المنظمة السابق والحالي والقادم بلغات شتى. ويتطلب نوع من الهيكلة ونوع من التعاقد مع بعض افراد المجتمع ليتطوعوا أو ليعملوا بتعاقد جزئي للقيام على جمع التبرعات وهو امر صعب في الغربة حيث تضعف علاقات الثقة بين افراد الجالية للأسف. لكن ظني أن الإصرار والصبر على الأذى والمثابرة في النهاية يمكنها ان تخلق نوعا من صلابة الثقة في عملية جمع التبرعات هذه.
وقد ذَمَّمْت الأستاذة مشاعر عبدالكريم (أي جعلت الأمر في ذمتها) أن تقدم حوارا مع الأستاذ لقمان حول المنظمة. وحبذا لو تسافر هناك وهلت ابتسامتها في الملم لتزيد المكان على اشراقه اشراقا.




Wednesday, 12 April 2017

الفن أولا... الفن أخيرا


نشر بالممر الثقافية بصحيفة السوداني

الفن أخيرا ... الفن أولا

كثيرا ما يدور الجدل حول أولوية الفنون بين الإحتياجات الإنسانية الأخرى. وكثير ما يجد الفن نفسه معافرا للخروج من موقعه الأخير في قوائم الأولويات المختلفة كقائمة المناهج المدرسية أو قائمة منصرفات الدولة أو قائمة النضال . ولا يختلف جوهر هذا الجدل في البلدان المتطورة أو النامية أو المضعضعة ولكن قد تختلف حدته أو نبرته.
وفي خضم هذا الجدل تبرز صورا مختلفة للفن، تارة كمكافأة وصول لليوتوبيا ومجتمع الكفاية والعدل، أو هو منشط الإنسان الكامل الذي تجاوز الحاجة الحيوانية الملحة و يسعى لتحقيق انسانيته، هو وسيلة تربوية لترقية الفرد والمجتمع، أم هو تعبير وتجلي انساني مُلحّ و عنصر وجوده.
أم هو الدرب والوجهة ومركب الوصول على حد السواء؟
في عام 2014 ألقت الممثلة الآسترالية المعروفة "كيت بلانشيت" خطابا في تأبين رئيس وزراء أستراليا السابق (قوف ويتلام) والذي يعتبره الكثيرون – رغم قصر فترة حكمه-مؤسسا للدولة الأسترالية الحديثة ورائدا لنهضتها وواضع اللبنات اللآساسية لمؤسسات الرعاية والرفاه الإجتماعي. خطاب بلانشيت هز الأوساط الأسترالية و الإعلامية أكثر من الخطابات التي ألقاها السياسيون المخضرمون. بسبب توقيته الملتهب. فقد القي في خضم جدل واسع حول سياسات الحكومة الليبرالية التي لا تألوا جهدا في التملص من السياسات التي غرس ثمارها قوف ويتلام. وتجدون في فيديو الخطاب على اليوتيوب –والذي أنصح تماما بمشاهدته- تصفيقا حادا من الجمهور (وحتى العازفين على المسرح) في كل فقرة من الخطاب تشير فيها لهذا التملص وترون تجهما واضحا وحنقا غير خفي من وفد الحكومة والحزب الليبرالي المشارك في التأبين.
أجد نفسي أقارب بين قوف ويتلام و جمال عبدالناصر في الوسامة التي لا تخطئها العين والجسامة والسيرة الملحمية لكليهما وكذلك النهاية التراجيدية. فقوف ويتلام ترأس وزارة أستراليا في الفترة من 1972 حتى عام 1975 حين تم حل حكومته بواسطة الحاكم العام  (السير جون كير) بسبب تعنت المعارضة التي كانت تملك أغلبية في مقاعد مجلس الشيوخ. يومها كانت وقفته ملحمية أمام مقر الحاكم العام الذي انتهى لتوه من قراءة قرار التنحية واختتمها بالجملة المعتادة "فليحمي الرب الملكة" ، صمتت الجماهير المجتمعة في حديقة المبنى في انتظار تعقيب قوف الذي ابتدر الخطاب بقوله " نعم، فليحمي الرب الملكة جيدا لأنه ما من شيء سيحمي السيد كير (من محاكمة التاريخ)" وثارت الجماهير بتصفيق حاد وضحك سخرية ثم أضاف "إن القرار الذي تلاه عليكم السيد الحاكم العام كان بمباركة السيد فريزر (رئيس المعارضة والحزب الليبرالي) والذي سيذكره التاريخ في مثل هذا اليوم بـ"جرو" السيد كير" –مستخدما هنا ببراعة التشابه الصوتي بين اسم الحاكم "كير" وكلمة كلب هجين بالإنجليزية.
فإلى خطاب كيت بلانشيت   (الخطاب موجود على اليوتيوب انصح تماما بمشاهدته)
"عندما سمعت بوفاة قوف ويتلام اعتراني حزن طاغي، وأسى عظيم. لم أكن قد بلغت سن المدرسة حين انتهت فترة رئاسته، فلماذا أبكيه ؟ أن حضوره في مسيرة حياتي محوري وهام، ولم يكن أبدا مختالا فخورا، فما الذي افتقدته؟
الفقدان الذي أحسه منبعه عميق وبسيط في آن، فأنا ابنة التعليم العالي المجاني. (تصفيق حاد بمشاركة العازفين على المسرح) عندما دخلت الجامعة كان بوسعي استكشاف مختلف التخصصات و الاندماج في أنشطة وبرامج اتحاد الطلاب، وكان عبر هذه الأنشطة أن اكتشفت حبي للتمثيل.
أنا ابنة الرعاية الصحية المجانية الجيدة، (تصفيق حماسي والكاميرا تلتقط تجهم رئيس الوزراء الحالي وحاشيته) وهذا يعني أن القليل الذي كنت أكسبه من عملي بعد دفع الإيجار والضرائب أنفقه في حضور الفرق الموسيقية والمعارض والمسارح والحياة داخل تعبير جيلي.
أنا ابنة المجلس الأسترالي، وابنة سياسة خارجية وضعتنا على مسرح الأحداث العالمي. انا ابنة استراليا تتفاعل مع العالم وتتحاور بصدق مع تاريخها وسكانها الأصليين.
أنا جزء صغير من حكاية نضج استراليا، وكل هذه المبادرات التي ذكرتها تم وضعها وأنا بعد في الثالثة من عمري.
في عام 2004 وبعد أعوام من العمل خارج البلاد، رجعت إلى استراليا للمشاركة في مسرحية (هيدا قابلر) من انتاج فرقة مسرح سيدني, فرقة أحبها جدا. فرقة مسرحية ما كانت لتوجد دون مبادرات قوف ويتلام، ودون سيرته الخالدة.
ثم قمت بتصوير فيلم صغير في ذات العام اسمه (سمك صغير). رواية مدينية في حي متنوع ثقافيا في غرب سيدني. قصة تحكي عن شابة في علاقة مع شاب استرالي اسيوي، خلفيتها تتخللها حكايا عن المخدرات واشباح الماضي. أن مثل هذه القصة ما كانت لتروى لولا التغيرات الجذرية في الحوار الثقافي الأسترالي الذي شكلته سيرة قوف ويتلام.
ففي عام 1972 وقبل ويتلام ، كانت الدراما الأسترالية عبارة عن اهزوجة رعوية، لا علاقة لها بالحضر ولا التنوع الثقافي. الفيلم كان من بطولة هوقو ويفنج، نوني هيزلهيرست وسام نيل، ممثلون بارعون وكلهم ابناء الموجة السينمائية الأسترالية التي أطلق لها قوف ويتلام العنان ابان فترته في الحكومة.
القصة احتضنت اسيا والتنوع الثقافي، كانت قصة قاسية حادة وغير رومانسية  أخرجها مخرج استرالي بارع هو روان وودز وكاتبة استرالية جاكلين بيرسك، كلاهما تخرج من (أفترز- المعهد الآسترالي للفيلم والتلفريون والراديو، جسم حكومي تأسس في عهد ويتلام لتطوير وترقية الفنون) وغالبا درسوا فيه مجانا، والفلم انتجته شركة بورش لايت، برعاية مؤسسات فيلم حكومية برزت للوجود بفضل مبادرات خرجت من فترة حكم قوف ويتلام.
فيلم (سمك صغير) عبر بطريقته الخاصة عن نضج الحس الدرامي الأسترالي على أكثر من مستوى –بعد ثلاثين عاما من التغيرات الأساسية والدعم الذي غرسه قوف ويتلام.
أنا لا أحكي هذه القصة لأشوح فخورة بفيلم سمك صغير في وجوهكم، لكن لهذا السبب البسيط. فالفيلم تم تصويره في حي كبراماتا- سلامات يا أهالي كابرماتا !! – في قلب الدائرة الإنتخابية لقوف ويتلام. واليوم وجدت نفسي مكلفة للحديث عن الأثر الذي خلفه قوف ويتلام على النساء وعلى الفنون، فغرقت في الحيرة ولم اعرف من أين أبدأ.
لذا غرزت دبوسة بشكل عشوائي على الخريطة، ذلك أن أثره في الخريطة السياسية الثقافية هي من الاتساع بحيث انه اينما غرزت دبوسك انهمر فيض من سيرة قوف ويتلام. ممثلون استراليون بارعون- مخرجون وكتاب افلام- المعهد الأسترالي للفيلم والتلفريون والراديو، فرقة سيدني المسرحية-كابراماتا- التعدد الثقافي- حكايا المدينة- علاقة استراليا مع اسيا- ثقافة قومية معقدة تعيد فحص ذاتها عبر دراما معقدة ومكتوبة ببراعة- والقائمة تطول !! وكل هذا من غرزة دبوس واحدة في فرع من الفنون من منتفعة واحدة. وها أنا أشعر بالإرهاق لمجرد المحاولة في تصور الأمر.
على ذكر الإرهاق! انا ام عاملة لثلاثة ابناء، عندما قبلت الدور في فيلم (سمك صغير) كنت قد أنجبت لتوي ابني الثاني. لم يرتفع نحوي حاجبا. لم يصدر أحد حكما. لم يصمني أحد بالعجز. ذلك أن ثقافة الوعي بالمرأة وحقها في الأجر المساوي في العمل كان قد خاطبته حكومة قوف ويتلام بهمة عالية.
كحق الأمهات في الدعم المادي.قبل عام 1973 وقبل قوف ويتلام. كان ذلك المعاش محصورا للأرامل، لذا توسيع المعاش ليشمل الأخرين أتاح فرصة الخيار للأمهات العازبات في الطريقة التي يربين فيها ابناْءهن، وساهمات في محو الوصمة التي كانت تحيط بالأم العزباء.
هناك الكثير الذي أود أن أقوله. حتى من زاوية نظري الصغيرة الضئيلة الهامشية. لذا ما أود فعلا أن أفعله في هذا التأبين أن أتخيل أنني فوف ويتلام لدقيقة. لا تقلقوا لن أقوم بتقليده ، فما من أحد بوسعه ذلك.
قال قوف ويتلام عن حكومته:
" في أي مجتمع متحضر، لا بد للفنون  ووسائط الترفيه أن تشغل موقعا مركزيا فيها. لا يجب أن ينظر إلى التمتع بها بشكل منقطع عن الحياة اليومية العادية. ما من هدف من بين أهداف حكومتي يشغل أولوية قصوى كتشجيع وترقية الفنون وحفظ واثراء تراثنا الثقافي والفكري. بل أود أن أثبت أن كل أهداف حكومة العمال من الإصلاح الإجتماعي، والعدل والمساواة في توزيع خدمات الرعاية الإجتماعية والفرص التعليمية تحمل في قلبها غاية خلق مجتمع تزهر فيه الفنون والقيم الفكرية والروحية. لذا فإن أهدافنا ما هي إلا وسيلة لغاية. والتمتع بالفنون هي الغاية."
وأي غاية!