Monday, 1 January 2018

حبة بازلاء في مخدة الحكي

حبة بازلاء في مخدة الحكيحبة بازلاء في مخدة الحكي



كنت عاوزة اكتب مقال نقدي رصين حول روايات حجي جابر لكن ما قدرت. في عجز حاصل. المهم. احسن الواحد يكتب بالبلدي. بالمشرمحي زي ما بقولوا الشوام.
انا شاكرة لأخوي مراد زيادة حمور الأوصاني بقراءة الروايات بإصرار منه وتشجيع من سيما الجاك. ومن حسن حظي لقيت الروايات التلاتة عندي في البيت. والله! حظ من السما.



خلصتهن مرة واحدة وبمتعة حاضرة. بعد داك قبلت على فيديوهات لقاءات وحوارات معاه على اليوتيوب. وعجبني ذكاؤه، ونباهته تطالعك في الحوار. وكمان بتلاحظ عنده ثقة واحاطة المجوّد. يعني الزول البكون كارب مشروعه تمام بيكون عنده القدرة على الإحاطة بيه والإجابة على كل الأسئلة الفيه. يعني مثلا في الحلقة السجلها مع برنامج المشاء وضح الفرق بين سمراويت ومرسى فاطمة٫ انه في الأولى كان في نظرة سايح عشان كدا يمكن الجو أكثر رومانسية (رومانسية بمعنى ايمان بالسرديات الكبرى) بينما في مرسى فاطمة الكاتب كان استقر وخفت النظرة الرومانسية وبقا في تعاطي للهموم وخيبات الأمل والألف ألف طريقة البيقدر الوطن يخذلك فيها. برضو اتكلم عن السبب البيه تعمد اعادة ترتيب جغرافيا المكان في مرسى فاطمة في الرواية عشان تلائم الرمزية. يعني الحاجات الزي والتكنيكات تخليك تقول: معقولة دي تجارب أولى للكاتب؟


 لقاء مع الكاتب حجي جابر على برنامج المشاء


بالنسبة لينا نحن السودانيين بشكل خاص٫ افتكر الرواية أحكمت الرابط العملت على مد حباله أجيال قبلنا من الشباب والشابات السودانيين والإرتريين خاصة إبان فترة الثورة. لكن الرواية عندها القدرة زي ما قلت على الإحكام. قربت لينا اريتريا شديد من خلال شخوص الرواية واحلامها وامالها وطريقة تعاطيها للحياة. بعدين في وصف جميل بحيث تحس بكراعك بتدب في شوارع أسمرا وتستنشق وتتذوق لسوعة ملح بحر مصوع. وطبعا يفرح قلبك بالقرب العجيب بين الشعبين في العادات اليومية.

كل رواية كان عندها بروز او ميزة خاصة تبقيها أحسن من التانية. يعني في سمراويت بتلاحظ الفرق حتى في اللغة لما يتكلم عن إنتماء الكاتب لجدة القديمة وحنينه ليها وضياعه في التحول الحاصل للمدينة. او حالة السولستالجيا- المصطلح الذي يعني الحنين للوطن الذي يتغير حولك وانت فيه حتى تختفي ملامحه السابقة. بتلاحظ الفرق في لغة السرد وهو بينتقل بين الحيرة والحنين والحب الجارف للمدينة المتلاشية. حاجة جميلة خلاص. وبتلاحظ خفوت "المحسنات البديعية" في اللغة. وهنا تتنفس الرواية في الحتت دي بلغتها الخاصة.

مرسى فاطمة، أنا لو علي، كان فرضتها في منهج المدارس الثانوية (ليه؟ لأنه المرحلة الثانوية هي المرحلة الأخيرة الممكن تعمم فيها ذائقة أدبية بشكل واسع خخخخ) . هنا بتظهر حرفنة الصحفي لما يتحول للعمل الروائي . أنا بفتكر في ميزة خاصة للروائيين البيحترفوا الصحافة في فترة من حياتهم. في حرفنة كدا لا يسعني المقام هنا الإسهاب فيها. هل الرواية اترجمت للغة تانية؟ أنا بفتكر دا وقت مناسب المنظمات الانسانية تستثمر في ترجمة والترويج للرواية دي. رواية مهمة في زمنا دا مع الأحداث الحاصلة. مع التهجير الكوني الجماعي الحاصل في كل أركان العالم. مآسي التهجير واللجوء وقلة حيلة اللاجىء في قبضة المنتفعين من هذه المصائب.
بعدين الرواية فيها فضح لإنسانيتنا بشكل عجيب- نحن السودانيين يعني. معسكر الشجراب الغايب عن خطابنا السياسي والثقافي شي مخجل لينا كناشطين ومثقفين. قضايا مهم نتكلم عنها.  (هو طبعا الغايب كتير والخجل قاعد بالكوم)

ثم لعبة المغزل رواية فيها دراما لطيفة كدا. وتنفع فيلم. والله! لو فكر فيها شبابنا صناع الأفلام بتعمل فيلم سمح عديل. وأفتكر ما بحتاج ميزانية إنتاج كبيرة.

لكن زي ما إنه الرواية فيها حتات بتتكلم بلغتها الخاصة بيها. في كثير من المرات بتلقى في لغة جمالية مقحمة إقحاما في السرد. يمكن دي الحتة البتظهر لي زي المطب في سهل درب القراية . بتوقف تسلسل القارئ. زي انفلات وتر ناشزا عن موسيقى السرد. الحاجة دي بتطالعك بشكل طفيف في سمراويت و أيضا في بعض المواضع في مرسى فاطمة لكنها بتتكثف في لعبة المغزل. زي الكاتب بقا واعي لخاصية الإقتباس من الرواية. يعني افتكر الكتابة في زمن الفيسبوك بتخلي الكاتب أكثر حرصا على خلق لغة جمالية تخلب لب القارئ ويستطيع بسهولة أن يجتزئها من الرواية ويختها كإقتباس في الفيسبوك. أنا بقول بسهولة لأنها هي أصلا ما راكبة في السرد. تقدر تمرقها بسهولة. لغة الرواية لغة عضوية- إذا جاز هذا المصطلح. موجودة عشان الرواية. وفي نفس الوقت: الرواية كأنها اتخلقت كي تنطق بهذه اللغة. كيف الكلام دا؟ دي ما حركات مثقفين مني في عكس العبارات خخخخ زي لما يقولوا ليك أزمة الثقافة وثقافة الأزمة . أنا بتكلم جد! زي ما في لغة للرواية. في رواية من أجل اللغة. والاتنين أفتكر بيحصلوا مع بعض. المثالين البيطالعني هم الطيب صالح وأرونداتي روي.

في مشروع الطيب صالح في ثيمات متكررة في رواياته وفي مقالاته وفي حواراته. مسألة الإنتماء والهوية والتنقل والاقتلاع من الجذور والعودة. في هذا المشروع بوسعك أن تصنع دالة لغوية تخص الطيب صالح. بتفهم لماذا يستخدم تكنيك التفصيح للغة بالدارجية . لأنه اللغة ذاتها هي ضمن مشروع  استقصاء السؤال حول الجمع بين حالين. اللغة مش مجرد وسيلة أو مركب لأحداث الرواية. اللغة هي زاتها "الأكشن" ودراما الرواية.

لغة أرونداتي روي أيضا هو جزء من مشروعها في إعادة فحص مفاهيم العالم الحديث الذي نعيش فيه ٫ إعادة فحص كلمات زي "عدالة" "ديمقراطية" "نمو وتنمية" "وطن". اللغة جزء حيوي من الرواية التي تسخر من التناقض المريع الذي أصبحت تحمله هذه الكلمات. حاجة بديعة وأنا طولت.

بالنسبة لحجي جابر القدرة على منح مساحة أكبر للغة الرواية العضوية والسماح لها التكلم بلغتها موجودة عنده ما محتاج يطورها. إنما بفتكر في رأيي المتواضع جدا. إنه محتاج يكبح الجماح شوية وأن يقاوم غواية اللغة. واللغة غوايتها غواية صعبة. التخلص من العبارات الألمعية الفائضة. لأنه كمان المشكلة في تقصي تراكيب الجمل الألمعية ذات الطبيعة الاقتباسية إنها بتاخذ مجهود من الكاتب وبتخليه يهمل السرد في حتت تانية وممكن يقع في التكرار بسبب الإجهاد اللغوي. مثلا تلقى في لعبة المغزل أنه الفتاة "كشفت عن بهاء ساقيها" مرتين تلاتة كدا.

ودا بيجيبني للكرضمة الثانية في مديدة المشروع الروائي الدسم للكاتب حجي جابر. ألا وهو المرأة في الرواية. تحديدا المرأة الحبيبة. تلقى المرأة سهلة التكهن بها في سرده، تغار في موضع الغيرة، وتغضب في موضع الغضب، وتفرح في موضع الفرح وتخاف في موضع الخوف. لا تجد تعقيدا واحدا في الحبيبة فهي نقية صافية وعكارتها عكارة سطح لا قاع (كدر خفيف كدا) بالمقارنة مع تعقيد شخصية البطل. في براءة طفولة في تصور المرأة عند الكاتب. يمكن بشوية تحليل أنثوي مني أقول أتاري البطلات طوالي لابسات فساتين. طوالي نحن في حالة لبست فستانها الأصفر او لبست فستانها الأحمر والبسي لي فستانك الأبيض. (والله يا ربي بنات اريتريا موضتهم فستانية؟)
طبعا مع تفهمي الكامل لرمزية المرأة/الوطن٫ التي ربما تتطلب شيئا من هذا التجريد والنقاء٫ لكنه والله صعب البلع. إذا الواحد فكر في ثنائيات درويش أو صلاح جاهين للوطن الحبيبة ، تجد المحبوبة تحمل تعقيدها الناضج دون أن يؤثر ذلك على سلامة الرمز.
يمكن أستثني أم وجدة الراوي في سمراويت حيث أخيرا أنت أمام أنثى ناضجة بتعقيداتها وتناقضاتها وحيرتها وأسئلتها.
يمكن الأستاذة أماني عبدالجليل التي ألفت كتابا نقديا جميلا بعنوان "تمرات من نخلة مريم" قدمت فيه قراءة نقدية جندرية لكتابات الطيب صالح. لعلها تجد هنا في مشروع حجي جابر مادة أكثر وضوحا لإعمال النقد الجندري فيه.


أنا كان قلت قبل فترة في حاجة خفيفة بتضايقني في كتابات حجي جابر وقد أثار ذلك حفيظة بعض الأصدقاء في الفيسبوك. وحفيظتهم في محلها. لأنه أنا ضيقي هنا استثناء من جملة استحسان لمشروع حجي جابر الروائي. الواحد بيقدم الحال العام قبل الإستثناء. مش يخت الإستثناء كقاعدة براها كدا. مش كدا يا ميسون؟ كدا والله
وأنا انبسطت بتحفظ الأصدقاء، خاصة مع موات القراءة وسط أجيالنا فالواحد بيسعد لما تنشط حالة القراءة بينا، والواحد يحس بنوع من الخوة. خوة القراية. وتذكرني بحكاية بديعة حكاها لي عمار جمال لما قال إنه كان في جمبه واحد في الحافلة منهمكا في قراءة المصحف. وقد أحس بشيء يربطه مع هذا الشخص في حالة القراءة.

في انتظار الرواية القادمة للكاتب الواعد . لا أكذبكم أني قلقة شيئا من تكاثف وتيرة اللغة الزائدة فيها. لكنها إذا تجاوزت هذه "الإفاضة اللغوية" ستجد قارئة متحمسة مخلصة.

Saturday, 30 September 2017

خطورة الفن-( شق الجيب عن الكمال) _ 3 والأخيرة



خطورة الفن-( شق الجيب عن الكمال) _ 3 والأخيرة


قلت إن الطيب صالح يدس جذوة عقله المتقد في رماد البساطة خاصة عندما
 يتحدث عن مفهومه للنقد عن المحبة، والذي فصّله في أكثر من موضع وبينها تفنيده لنقد طه حسين للمتنبئ، يبدو في الأمر شيء من السهولة، لكن بالتجربة سرعان ما يتبدى للمرء عمق المفهوم.


ربما علا صوتي مرات في التراشق الذي كان من الشاعر (والناقد الحصيف) مأمون التلب نحو الكاتب حمور زيادة وتربص الآخر في موقف دفاعي، لكن ذلك لم يكن انصافا لجانب نحو جانب اخر، فبملازمتي للإثنين أدرك مرماهما، وحين يصفو عكر "المواجهة" يتجلى منطق وحوار مهم لا بد أن يقوم، أنا كانت شفقتي مربطها أمر واحد، أني تخيلت هذا التراشق هذا من قبل في شكل حوار ومناظرة، يستفهم 
الأول الثاني، ويستوضح الثاني الأول، حوار مهم جدا جدا.

البعض اتهم مأمون التلب بالعجلة وإلباس الأمر في غير لبوسه، وليس ذاك، فمقالات المراجعة التي يعود بها بعد حملة تراشق هي قطعة أدبية فريدة ومرافعة عن المشهد الثقافي مستحقة وتتسع أكبر بكثير من حلبة صراع (مأمون-حمور) وأيضا الردود التي بادر بها حمور للدفع عن نفسه لم تنصف حوارات بيني وبينه حول أزمة المشهد الثقافي الحالية. يا للفرصة المضيعة التي كانت لتجمع بين الإثنين! وليس لطرف في حجته غلبة على الآخر، وبالمناسبة هذه ليست "دبلوماسية مني" لكنه أمرين: أولا أني جزء من أزمة المشهد الثقافي في السودان فالجرح قريب، ثانيهما الحوارات الرائقة التي كانت بيننا والتي كشفت لي أن الرأيين يتداخلان فالمنطقة ليست ناصعة البياض ولا هي صلدة السواد بل منطقة عكرة خصبة تتوالد فيها الاحتمالات.

فمن جانب خضنا أنا وحمور في مقارنة بين المشهد الثقافي المصري بمحاسنه السيئة ومساوئه الحسنة (التي تحمل الوجهين في آن) كالرعاية المؤسسية للفن، وتقاليد وأعراف تراكم التجربة الثقافية حيث تبرز ظاهرة: رعاية فنانين كبار لأجيال من فنانين صغار، او الوجه السلب لهذه الرعاية: أن يحمل بعض الفنانين دمغ المصادقة على تجارب الآخرين (مثلا الشاعر فلان يقول إن تجربة فلان الشعرية فعلا جديرة وبذا تفتح له الأبواب)، مركزية المشهد الثقافي ومركزية الموارد والدعم المادي. فحمور كلصيق للمشهد الثقافي في مصر وفي ذات الوقت هو دخيل عليها يرى ويقايس المزايا ومساوئ التجربة مقارنا بتجربته التي خاضها في السودان. (بالمناسبة هذه المقايسة لا تخص الثقافة وحدها بل حتى السياسة والتجارة والتدين). فحديثه عن فقر المشهد الثقافي السوداني ليس انكارا للمبادرات المضيئة فيه، انما مقارنة بين الفرص والموارد المرصودة للمشهد في مصر وذلك الذي في 
السودان، فالمقارنة (من ناحية الموارد والفرص) شاسعة جدا.


من ناحية أخرى، حين يصفو عكر مأمون تجد هناك فهما كاملا لأبعاد المسألة، فلا مؤسسية ولا مركزية المشهد الثقافي السوداني هو نكهته الخاصة التي جعلته ينجو من مآسي كثيرة، فقد أتاحت له حيوية وتجدد لم تتح للمشهد الثقافي العربي في عمومه، ولا تزال ترن في أذني إجابة الشاعر عاطف خيري حين ذكر أن هناك مسائل كثيرة في جدل الحداثة في الأدب العربي تجاوزته التجربة السودانية بخفة ورشاقة تحسد عليهما. كما أن الفقر فتح بابا واسعا غير متاح في المشاهد الثقافية المتخمة بالموارد، فظاهرة التعاون بين المبادرات المختلفة حتى في نوعها حيث تشايل مبادرة أدبية أخرى تشكيلية، أو مبادرة سينمائية أخرى أدبية، ثم هناك تحلل من مسألة المركزية (هو بسيط لكنه ملحوظ) حيث تتعدد المبادرات الثقافية الإقليمية، لكن لفقر المشهد تصبح لتلك المبادرات اللا-مدينية أهمية بالغة وبروزا واضحا يسهم في تطورها (ما أظن أن فرصة مثل هذه كانت لتتاح لو كان المشهد الثقافي ثريا، إذا لاستفرد المركز بكل الغنيمة) ثم هناك حيوية التجريب فليس المشهد الثقافي حكرا على أحد وليس هناك شريط أحمر (كما يقول الخواجات كناية عن البيروقراطية القاتلة كما هي في مصر مثلا)، وقد برز عن ذلك تجارب فريدة من نوعها في السودان لن تجد نظيرا لها في المشهد الثقافي العربي المكبل بثقل 
المؤسسية.


لكن من ناحية أخرى يدرك مأمون أكثر من غيره وهو رأس الرمح في كثير من المبادرات الثقافية وكان قائما عليها، أن هناك كثير من الوقت الثمين المضاع في المعافرة من أجل إقامة فعالية، سواء تأمين الموارد أو تخطي السلطات أو حتى تشجيع المشاركين، فالعمل الفني الطوعي- مع الزمن يأكل الإبداع كما يأكل الصدأ الحديد، ثم هناك الفرصة المتاحة لضعيفي الموهبة أصحاب الرأسمال في البرطعة في العمل الثقافي بكل ثقة، فالغث الذي نشهد سببه قدرة القادرين على الغثاء. (أحينا) ، ثم حتى مبادرات المراكز الثقافية الأجنبية واللطيفة جدا والتي أصبحت لها يد السبق، فإنها تلوي بيد السبق يد المشهد الثقافي السوداني بمواردها المعتبرة حيث تقفز بالزانة في الوسط الثقافي دون اعتبار لتراكم التجارب السابقة والبناء عليها، ودون رصد حاجات المشهد الثقافي حقيقة، ووفق أجندتها الخاصة والتي هي أيضا أجندة مسكينة ومحاصرة بأولويات العمل التنموي وقوانين وأعراف البلد التي تعمل فيها، فالثقافة ليست فرح ومرح، بل العمل الثقافي أيضا ماء حراق وأسئلة لاسعة في الواقع السوداني، العمل الثقافي أحيانا مصادمة ومعافرة وأنفاس حارة تنفث في عنق السلطة- ليست مفروش شارع الجمهورية بأي حال من الأحوال هي مفروش معهد جوتة. وأيضا العمل الثقافي في السودان يحتاج كثيرا من رمي الماء على الرهاب، بالضبط كدا، أن تنفق فيما ليس له أثر ظاهري الآن بل ربما يظهر أثره بعد عشر سنوات، ومن أين للمراكز الأجنبية التي تريد رفع تقاريرها نهاية العام بصبر لهذا؟ وأين لإدارات المسئولية الاجتماعية القدرة على دعم مبادرات ليست لها فائدة تسويقية حالية أو مستقبلية، ومع ذلك صعب وربما مستحيل أن تبنى أساسات العمل الثقافي دون هذا النوع من الدعم.
وقد عرفنا أمثلة لمثل هذا الدعم الرهابي في أوائل عهد مايو (وأعرف كثيرون من أصحابي اليساريين يهيجون حين أذكر هذا الأمر) كالمرتبات الشهرية الثابتة للفنانين التي كانت تمنحها وزارة الشباب والرياضة؟ أو الثقافة لا أذكر، لتعين المبدعين على "الصنة" اللازمة للإبداع والتجريب حتى لا يجري الفنانون في سوق العدادات، أو المناسبات الثقافية الفاشية السنوية الضخمة التي كانت مورد رزق ثابت للفنانين والتي لم يبقى منها سوى الدورة المدرسية والتي أصبحت مأكله لضعاف الموهبة أصحاب النفوذ. هذا الدعم الرهابي الذي منه قامت معاهد موسيقية وفنية وسينمائية هامة.

كما أن الغياب الكامل للمبادرات المستمرة هو أمر ملحمي في تراجيديته، لأن الاستمرار يعني تراكم الخبرات والمعرفة، ويعني بدوره اختصار عناء البداية من أول وجديد. لذا تجد المرء يتنفس الصعداء مع كل اعلان لاستمرار مهرجان السينما المستقلة وهو ينطلق نحو نسخته السابعة، هذا أمر نادر الحدوث في مشهدنا الثقافي في سنواته الماضية.

وجهتي النظر هاتين لن يتاح لهما التواجه واستخلاص الزبدة منهما في طاقة العراك الشرسة، وطاقة العراك الشرسة تصنع جمهورا متعطشا للدم المتناثر والجلد المنزوع وهو جمهور لا يفيد حين يؤذن للجهاد الأكبر. وإلى جانب جدال المشهد الأدبي، بينهما أيضا جدل اللغة والسرد (أيهم له الأولوية) وجدل (الكاتب الناشر قبالة الكاتب غير الناشر) و(الأدب المشهور أم الأدب المصطفى) وكلها كانت لتضفي حيوية على نقاشات الأدب الراكدة والتي اخر عهدي بها كانت تلك الحوارات الحية في منبر سودان فور أول قبل عشرة أعوام ونيف.
ليس مقالي هذا سوى محاولة استخلاص جمادة من اللبن المسكوب. واستخلاص ما يعنيني أنا شخصيا من "المواجهة" القائمة بينهما.

ذكرت أمر المحبة في البداية ولا أعني بها أن يحب المرء أخيه، انما أن يكون ولاء الناقد لما يحب حتى في ما يكره، يتجلى ذلك جليا وبديعا في مقالات مأمون المفصلة. وذكرت أمر المحبة لأوجز مناظرة بديعة! جد بديعة على اليوتيوب بين معسكر محبي الكاتبة البريطانية جين أوستن صاحبة روايات : كبرياء وتحامل، إيما، الحس والإحساس (أو العقل والعاطفة) وغيرها، وبين معسكر محبي ايميلي برونتي صاحبة الرواية الوحيدة : مرتفعات ويذرنق، وهي أيضا أخت الروائية الشهيرة شارلوت برونتي صاحبة : جين اير.
وفي النقد السهل السريع تم تصنيف جين أوستن أنها صاحبة الروايات الشعبية المحببة، لذا تجد نسخا مكررة لها في الأفلام والمسلسلات بأشكال مختلفة، وتصنف ايميلي برونتي كصاحبة الرواية العميقة.

في البداية تسأل المحكمة الطرفين عن سر انجذابهما لكاتبة دونا عن الأخرى، يقول بروفيسر اللغة الإنجليزية جون مولن محامي جين أوستن: "تعلمت حبها في وقت متأخر بعد أن تعلمت أن مسائل الزواج هي مسائل محورية في حياة الناس" تقول الروائية كيت موس: في امتحان الثانوية العامة كان هناك سؤال اختياري الأول كان عن دلالة البيانو في رواية لجين اوستن والثاني كان حول عمق رواية مرتفعات ويذرنق وما إذا كانت رواية أخلاقية ام غير أخلاقية، وعلمت منذها أني أنشد العمق في الرواية"

وتبدأ المناظرة بمرافعة محامي أوستن، فيقفز إلى قدميه متحمسا:
((رأيتكم تضحكون عندما ذكرت دلالة البيانو في رواية أوستن، لعلكم ترون في الأمر شيء من الخفة؟ لكن هناك عبقرية في البيانو! يا إلهي! يا ليتني خصصت فصلا في كتابي السابق عن البيانو في أدب أوستن، يا لعظمته! أنتم تستخفون بالأمر، لستم وحدكم في هذا، فكتاب عظماء كثار استخفوا بها، لكن من بين الكبار الذين عرفوا قدرها كانت فيرجينيا وولف التي قالت:" من بين كل الكتاب العظماء فإن جين أوستن هي اصعب من تستطيع ضبطها في مشهد العظمة" وذلك أن كل شيء ينبض تحت السطح. نعم البيانو! فما من شيء في رواياتها هو للصدفة، بل كل شيء موضوع بخبث عبقري وكل شيء يعمل في دقة وتناغم ساعة سويسرية، ففي رواية (اقناع ) تلتقي البطلة بحبيبها الذي لفظته قبل ثماني سنوات ، يطلب منها الحضور أن تعزف لحنا على البيانو للترفيه عنهم، فتجلس مثقلة على البيانو ترقب حبيبها السابق يلاطف شابتين جميلتين أصغر منها وحوار داخلي يعصف بداخلها، بينما سيدة في الحضور تلتفت إليها وتقول: يا لخفة أصابعك على البيانو!
 ولكن أريد أن ألفت نظركم إلى شيء آخر في أوستن وهي حرفة الصنعة وتقنية الكتابة ،" ويمضي البروفيسر ليحكي تفصيلة كان من الممكن بسهولة أن تغيب في ساحة الأحكام المطلقة التي تقول بأن (جين اوستن كاتبة مسلية، اوستن كاتبة ظريفة، كاتبة منزلية) ، يتحدث عن تقنية ابتدعتها أوستن ثم قلدها من بعد كبار الكتاب (بعضهم من المستخفين بها)، فروايات أوستن مسرودة دوما على لسان راوي عليم، لكن أوستن تترك لعواطف الشخصيات أن تتدخل وبملاواة حريفة تحرف السرد رغما عن يد الراوي العليم. ضرب مثلا بمشهد في رواية (اقناع) حين تصل للبطلة وشاية تخبرها أن حبيبها السابق قال أن شكلها تغير كثيرا لدرجة أنه بالكاد تعرف عليها" فيحكي لك الراوي العليم عن المشاعر التي تناوشت البطلة، ، ثم سرعان ما يخبرك الراوي أن البطلة تعقلن الأمر وتواسي نفسها، فتقنع نفسها أن الوشاية ضرورية لتوقظها من أوهامها الرومانسية ، بل إن الوشاية (لا بد) أن تجعلها سعيدة- هنا يقول البروفيسر لاحظوا لبعقرية لا بد، الراوي هو الشاهد ، لكنه ليس شاهد من موقع بعيد، بل موقع قريب جدا ، حتى أصبح ناطقا عن الشخصية، ويضرب مثلا اخر في ذات الرواية حيث يحكي لك الراوي عن مشهد يتأمل فيه الكابتن اللقاء الذي جمعه بحبيبته السابقة، ويخبرك- الراوي- أنه لم تعد للمحبوبة سطوة على الكابتن كما في السابق، ثم بعد ذلك تنساق الرواية نحو مسار آخر، فالراوي ليس عليم ولا حاجة، بل الراوي- يخربه- غافل بغفلة شخصيات الرواية، وها هنا يقول البروفيسر عبقرية اوستن التي استلهمتها من على طاولة مطبخها، فهي لم تكن من رواد الصالونات الثقافية ولا المجالس الأدبية ولا الدوائر الراديكالية ولم يكن لها اخوات كاتبات مرموقات كما كان لإيميلي برونتي."

جاء دور محامية برونتي، فتفتتح بحديث عن خلفية ايميلي وحياتها الشخصية، تقول: رغم أني لست من الميالين للربط بين الحياة الشخصية للكاتب وبين ابداعه الأدبي، لكني أسرد لكم لأبين لكم طموح الكاتبة العظيم في الرواية، فأجمل ما الرواية أنها كانت طموحة، متجاوزة لكل ما كانت عليه الرواية في ذلك الزمن، ايميلي التي تربت في الأحراش النائية من الريف الإنجليزي ، حيث المشهد الاجتماعي-دع عنك الثقافي- فقير ويتلخص في سوق محلي وكنيسة ملحق بها مدرسة أولية وبعض المنازل المتفرقة، كتبت رواية عن العالم، عن مغزى الوجود، عن أصل الصراع  والتناغم في الروح الواحد بين تناقضات الضوء والظلام ، والخير والشر.  أنا لا أنكر عبقرية الصنعة عند أوستين، لكني حين أقرأ لها أشعر أن العالم ألطف بكثير مما هو عليه، فالزواج على محوريته وأهميته هو كسر بسيط من أحوال الدنيا.
في المشهد الذي تبرر فيه كاثرين لخادمتها قرار زواجها من لينتون و السبب الذي من أجله ستترك هيثكليف صنو روحها، لم تكتفي ايميلي بحوار محبوبة مكلومة بخيار الزواج من شخص لا تحبه، لا، بل الطموح يمضي بها لتتحدث البطلة عن أصل الإنسان، عن صراع الضوء والظلام بداخله، عن الخطيئة والنقاء عن عناصر الكون والطبيعة.
كانت طموحة وصادقة، فروايات العهد الفيكتوري كانت روايات لطيفة مهذبة محتشمة، كل شي مضبوط، وكل شيء يتجاهل بإصرار الواقع، فرواية مرتفعات ويذرينق مليئة بالأطفال اللقطاء وآباء عنيفون، وعن عشاق لا يعرفون كيف يحبون بعضهم في أجواء البغضاء والتحامل والعنف. في روايتها الأبطال الفيكتوريون لا يدسون مشاعرهم خلف منديل حريري، بل يبكون بحرقة مشرعي الأيدي ودموعهم تنساب حرى على خدودهم، ويدقون صدورهم جزعا. وذلك قبل أن تطبق روايات ديكينز الآفاق كتبت ذلك في عزلة منزلها الريفي.
المناظرة بديعة أنصحكم بمشاهدتها على اليوتيوب

  لكن ما الذي خرجنا به من هذا الحب الذي جعل كل مترافع يتحزب لمحبوبه؟ مكاسب لنا جميعا، تقدير متجدد لجين اوستن وتقدير متجدد لإيميلي برونتي، والأهم من ذلك تقدير أعظم لحرفة الأدب والفن.
وهذا ملخص مقالتي، ليس فقط في الأدب بل حتى في السياسة والاقتصاد، فنحن أبناء جيل محروم، محروم من المدنية من عافية الحياة الثقافية والفنية العامرة، من تقاليد الديمقراطية وصناديقها، عافية مؤسسات الدولة محرومون من أمان القانون والمحاسبة، من حيوية الصحافة وريادتها، من كل ذلك، ما الذي نعرفه حقا عن حياة المجتمع الحديث؟ لا شيء سوى مخلفات الحضارة: عربة وموبايل وكافيه والصرافة الآلية. واخر ما نحتاج إليه هو أن يحدثنا أحد عن السوء، السوء الذي نعايش ونقتات عليه، بل نحتاج لأن يعرفنا أحد بفقدنا أن يبرز لنا طرفا من مشهد الكمال.



خطورة الفن ٢



خطورة الفن ٢


"يا موسى، موسى! أنا محمد المرزوق ممكن أتكلم معاك؟"
كانت الكاميرا تتابع رجلا نحيلا معفرا في خور ،منهمك في لملمة وتصفيف أوراق مهملة ، يختلس نظرات طفولية نحو الكاميرا ثم يخاتلها مديرا ظهره لها.
هناك شيء مؤثر في نداء المخرج محمد مرزوق لموسى، دعوني أضيف، هناك خطورة في ندائه، تلك الخطورة التي وصفتها في مقالي السابق حول الفن الذي يرج السائد، يروي المغاير، يفتح باب الإحتمالات.

التجربة السينمائية المعاد بعثها في السنوات الأخيرة جاءت حبلى بالكلام الذي لطالما تم كبته وحبسه بسبب هواجس السلطة التي كانت تحاول دون جدوى فرض سيناريو موحد لما يحدث، ثم عندما فشلت حاولت التحكم في مساراته، وعندما فشلت في ذلك أيضا لم يبقى لها سوى وضع العوائق المادية والمعنوية أم هذا البوح والفضفضة البصرية. تناولت التجارب الفلمية مواضيع شتى اجتماعية وسياسية وثقافية كانفصال الجنوب، قمع المرأة، القمع السياسي، اجترار ماضٍ كان مبشر بالكثير وحاضر عاقر، أطفال الشوارع، النزوح، يأس الفنان وموت الابداع. هذا الفتح السينمائي يسقي الآن أوردة الشارع السوداني التي تيبست بالصمت المفروض من الدولة. وكلها تحمل عنصر خطورة ربما في التصوير، في القالب الفني، حتى في مجرد كسر النمط المفروض: أننا عاجزون عن الإبداع.
لكن من ناحية الموضوع، أعتقد أن فيلم موسى يفارق الأفلام الناشئة في أنه لا يحدثنا بما يدور أصلا في دواخلنا ونعجز عن الإفصاح عنه، ولا يسرد وجهة نظر مقررة من قبل صانع 
الفيلم، حتى إن بدت في شكل تساؤل: من المسئول؟ أو من المذنب؟

لا، فيلم موسى هو رجة للمفاهيم المجردة في دواخلنا للصواب والخطأ، المذنب والبريء، السلم والعنف ، وهي مفاهيم في الحياة يتم التنقل بينهما في سرعة مدوخة أو الجمع بينهما بشكل يبدو في عالم التنظير النقي مستحيلا، لكنه ممكنا ومعايشا كل يوم. قبل أن أستمر أنا أيضا في التنظير المجرد، اليكم هذه القصة القصيرة من القاص الحكاء عماد عبدالله

"دباب جهادي مليشي أيام الهوس بتاع ساحات الفداء داك.. وهو في الجنوب وسط كورجة المجاهدين، بينهم وبين ناس الحركة الشعبية زي مية متر بس، يرفع راسو وسط القش ويكورك للعساكر بتاعين الحركة:
 (الله مولانا ولا مولى لكم) - كرررررررططططط يفتح نار في عساكر الحركة –( قتلاكم في النار وشهداؤنا في الجنة) وكرررررررطططط يفتح نار.
: كل ما يقول كده، يقوم يرد عليهو من بهناك واحد من عساكر الحركة
 (مندوكورو قونجيبنق كونانقي)، كرررررررططططط - ويفتح فيهو نار (جنى أرب اواليقين فطيس) وكرررررررطططط يفتح نار
 بالطريقة دي زي شهر.. كل يوم شتيمة ونبيحة زي ده.
 قوم يا المجاهد بتاع الكواريك طقتو ليك ملاريا جوه القش داك جدعتو دلقان. يوم كااااامل وهو المسكين راقد، مافي أي كواريك ولا نبيحه. قريب المغربية كده بتاع الحركة الشعبية بهناك قعد يكورك ليهم:
) (هوووووي يا جنى أراب أواليقين إنتو.. وين زول فطيس تااا جنه ونار وحركات ده؟؟
: الدبابين ردوا ليهو
(عيان يا عدو الله.. عيان)
 بتاع الحركة رد ليهم
) (أليك الله؟؟ قول ليهو سلامتك يا اواليق.. تعال سرييء سرييء شان انينا زهجنا
 و.. كررررررررررطططط فتح فيهم نار
-----
انتهت قصة عماد عبدالله، وعماد قاص خطير وهذا حديث له أوانه، أذكر قبل سنوات بعيدة وإبان ازدهار منبر سودانيز أون لاين، تم تناول قضية الجنوب -كان ذلك قبل الانفصال- وتعالت الصياحات المكتوبة ما بين ممجد لهذه الرابطة الوطنية الفريدة وما بين مندد لسياسات التفرقة، وكان هناك تساؤل مني، ضمن تيار شبابي مشكك في هذه المسلمات عن حقيقة هذه الروابط، ما الذي قدمناه تجاهها غير أناشيد المحبة أو العويل، وتأملت في غياب الجنوب في عهد السلم وحضورها الكامل في فترات النزاع، أصبحت أسماء المدن كنمولي وكاجو كاجي وأويل وغيرها حاضرة في الذاكرة الشعبية السودانية، بالطبع لا بد أن أوضح خاصة في عهد التجريم والإدانة الإلكترونية السهلة أني هنا لا أمجد الحرب بأي حال من الأحوال ولا أعني أني أراها كآلة علاقات عامة جيدة، بل هو تأمل في حالنا العجيب حين نركن للتجريد الرومانسي بدلا من أن نواجه أنفسنا بالأسئلة الحقيقية، في القصة أعلاه -بتأويلي أنا- علاقة حقيقية ، دموية نعم، خشنة نعم، لكنها كانت الأقرب من كل الهتافات الجوفاء، المهتمة بتجميل الذات بالتسامح لا بذل اليد في معرفة الآخر، االمفعمة بروح المحبة المتعالية لا التواحل في 
الندية.

فيلم موسى والذي عرض في مهرجان الشفاء السينمائي بمدينة بورسودان، إثر ورشة تدريبية لصناع الأفلام الهواة عام 2013 ، يحكي قصة موسى والذي كان عسكريا ، ويبدو من الفيلم أنه شارك بحماسة في حرب الجنوب تحت اكذوبة الوحدة الوطنية التي تدثرت بها الجبهة الإسلامية وقتها لتعطي لنفسها شرعية ما ، فسفكت دماء المدنيين وشردت الملايين منهم وألقت بآلاف الشباب في أتون الحرب، شارك فيها في حمرتها وجذوتها عام 1991 وأصيب في ساقة بعد سنتين، نقل اثرها للخرطوم حيث قضى الطبيب ببتر قدمه ، يرفض موسى أن يتم البتر فتتفاقم حالته النفسية وبدأت مرحلة شروده في الخيران بعيدا عن الناس، تتصاعد حالة موسى بعد اعلان انفصال جنوب السودان ويبدأ في مسح وجهه بالسكن الأسود في موقف رافض لانتهاء المشروع الذي فداه بجزء من جسده. وقتها ملأنا صفحات الفيسبوك بقلوب مكسورة وخريطة سودان باكية على ضياع بنطلونها (!!).ثم انصرفنا إلى أحوالنا. في الفيلم حوارات متعددة من زملاء موسى في السلاح وبعكس معظمنا فإن الإنفصال حالة متجذرة في داخلهم، حالة حزن معاش ، ليست وصائية، لا، الوصائية كانت عندنا نحن أهل التجريد، لكنها شيء آخر لمن خاضوا عميقا في الدم، شيء يتجاوز الحسرة (والتي هي موجودة بالطبع) لكن لعله ذلك الأمر تحديدا، خوض الدم- دم "المجاهد" و "دم المتمرد" ، الإنسانية التي تبدت في سفك الإنسانية، غريب؟ في الأدب ليس غريب ، وقد ورد كثيرا.  في مقطع من الفيلم يقول أحد رفاق موسى "عندي مجسمات لحيوانات في بيتي، ويغضب موسى كثيرا عندما أضع الأسد خلف الغزالة مهاجما، فيغير وضعها ويقول على الجميع أن يعيشوا في سلام"

عندما شاهدت الفيلم برز في ذهني شخص كنت أرى أنه سيلتقط روح الفلم ، وهو القاص عماد عبدالله ، علق الكثيرون على الفيلم بحزن وتناولوا لمأساة، لكن عماد لن يفوت عليه ان الفيلم قصة حب، لن يفوت عليه تلك الحفاوة والسعة التي يبديها أهل قاع المدينة بأحوال المنبوذين الضائعين، يقتسمون وقتهم الثمين، ولقمتهم العزيزة، وقلبهم المزدحم بالهموم. ففي وسط المدينة التي تشنأ موسى بالتجاهل، العربات المتسارعة، الطلاب المستعجلون، الموظفون الهرعون كلها في تناقض حاد مع حميمية الأيادي المحتضنة في حفاوة لموسى في الأزقة الطينية الضيفة. سعة في الضيق! وهذا ما تجده كثيرا في كتابات الطيب وعماد. وفلم محمد المرزوق.
ومحمد اضافة الى مشروعة الفلمي هو مصور و فنان عازف للفلوت وعمل متجولا في ارجاء السودان في العديد من مشاريع التنمية والتعليم وهو والد لطفلة تدعى: سلام.

لمشاهدة الفيلم :

https://www.youtube.com/watch?v=g_GGEOWky5o