Thursday, 10 December 2015

أناقة القنفذ

من كتبي المفضلة ، رواية اناقة القنفذ للكاتبة الفرنسية موريل باربري. هذه الرواية تصدرت قائمة افضل الكتب مبيعا سنة ٢٠٠٦. الرواية تحكي عن بوابة-غفيرة تعمل في مبنى عريق يسكنه اثرياء، بعضهم ورثة عريقون لعهد اقطاعي ماضي، بعضهم ورثة لعهد صناعي تنويري ماضي، بعضهم محافظ وبعضهم يتبنى اراء "تقدمية" لكنك تلحظ من سخريتها أنها لا تفرق بينهم. البوابة رينيه تخفي سرا عظيما وهي أنها قارئة من الطراز الأول (الطراز الذي يقرأ جد جد ،لا للتربص ولا للفشخرة- قليلون هم) ومثقفة عاتية. تخفي هذه الحقيقة لكي تحافظ على وظيفتها، فلا أحد يحب أن يعمل لديه غفير يعرف أكثر منه أو حتى مثله. وفي يوم يحدث امر غريب. يموت أحد ساكني الشقق دون وريث  (كل الشقق سكانها يتوارثونها) مما يعني أن غريب سيسكن الشقة. هنا يأتي السيد كاكورو أوشو، ثري ياباني متقاعد. الذي سيكشف سر رينيه من أول وهلة . 
نادر ما تلقى خلطة في رواية تجمع بين الرومانسية (التي أحب) والأدب والفلسفة، والفن، والموسيقى والكوميديا والدراما. 
كما انه امنيتي في الحياة ان اتقاعد كرينيه. استلف الكتاب كلما مررت بالمكتبة. اظنني استلفته اكثر من سبع مرات، ان الأوان كي اشتريه عديل كدا. وكلما قرأت الكتاب اتقمص حالة رينيه فآكل الشوكولاتة الداكنة، والنودلز، واركن للشعر وتنقص هموم الحياة.
هذه الترجمة المتصربعة مني ارجو أن تكون محفزة كي يحاول بعضكم ان يجد الكتاب. الكتاب سمح عديل كدا، هناك ترجمة بالعربية له ولكنني لا أدري إن كانت جيدة أو هي بمثل صربعة ترجمتي هذه... لو سلكت بترجم مقاطع أخرى تحفيزية

النصوص بالترجمة الإنجليزية في هذا اللينك، في فقرة الريفيو 
جدير بالذكر أنه ايضا تم تحويل الكتاب إلى فيلم - يعني ما بطال، منه استلفت هذه الصور 



-----------------------------------------------------------------------
-----------------------------------


"ماركس غير نظرتي للعالم!!"
صاح ابن الباليرز هذا الصباح، رغم انه بالعادة لا يتفوه بكلمة  ناحيتي
انتوان باليرز، وريث عائلة صناعية عريقة، وابن احد مرؤوسيّ الثمانية.  ها هو ذا يقف امامي-آخر تجليات لطبقة النخبة المهيمنة، وهي طبقة تتكاثر بفعل شهقات أنيقة ولائقة- مُشعا بإكتشافه الجديد، مُتَصَدًّقا به علي دون أن يتخيل للحظة أنني قد أفهم أو أدرك ما يشير إليه. كيف يمكن للطبقة العاملة أن تفهم ماركس؟ إن قراءته مهمة شاقة ، فأسلوبه رفيع، لغته راقية، وأطروحته معقدة. 

وهنا- كدت بغبائي- أن أكشف عن سري...

"عليك إذا بقراءة الأيدلوجيا الألمانية" رددت عليه. ذلك الأبله في معطفه الصوفي الأخضر المحرشف.

لكي نفهم ماركس ونفهم أين أخطأ، علينا أن نقرأ كتابه (الأيدلوجيا الألمانية)، فهو اللبنة الأساسية التي سيبني عليها فرضيات عالمه الجديد، والتي ترتكز على مفهوم خرساني: أن البشرية المحكوم عليها بالخراب بسبب رغائبها، بوسعها أن تتعافى إذا الزمت نفسها بإحتياجاتها الأساسية. ففي عالم تُهزَم فيه غطرسة الرغبة ستبرز منظومة اجتماعية جديدة، مُنقّاة من الصراع والإضطهاد والطبقية المدمرة.
"من يزرع الرغبة يحصد الإضطهاد" برطمت بصوت خفيض وكأني أحادث قطتي.

ولكن انطوان باليرز، بسوالفه الطفولية القبيحة والتي لا تحمل أي ملامح قططية، يحدق في فاغرا فاهه لا يستوعب ما أقول. كالعادة لقد انقذني عجز البشرية عن استيعاب كل ما من شأنه أن يهيل حيطان افتراضاتهم الذهنية. فالبوابين لا يقرأون (الأيدلوجيا الألمانية) وبالتالي ليس بوسعهم اقتباس احدى مقولات الفصل الحادي عشر عن فيورباخ، فالبواب الذي يقرأ ماركس لا بد وأنه تحريضي، او باع روحه للشيطان المعروف بإسم نقابة العمال. أما فكرة أن البوابة تقرأ ماركس فقط لتعلي من قدراتها الذهنية هو خرافة من ضرب الخيال ليس بوسع فرد من البرجوازية استيعابه.
"سلّم لي على أمك" أوصدت الباب في وجهه وأنا أؤمل أن عقود من التحامل الطبقي ستخفي التناقض البادي بين الجملتين اللتين تفوهت بهما. 


-------
 إسمي رينيه، ٥٤ سنة، أعمل كبوابة لسبع وعشرين عاما في المبنى رقم ٣، شارع قرينيل، مبنى عريق تتوسطه ساحة وحدائق خاصة مقسمة بين ثماني شقق فخمة، كلها مسكونة وكلها فسيحة. أنا أرملة، قصيرة، قبيحة وممتلئة القامة. قدماي تشكوان من التورم، وفي بعض الصباحات التي أعزوها لإحتقاري لنفسي اصحو برائحة فم الماموث. أتممت فقط المرحلة الأولية في المدرسة، نشأت كفتاة فقيرة، متحفظة، غير ذات أهمية. أسكن وحدي مع قط ضخم لا يحمل أي مزايا سوى أن مخالبه تصدر رائحة منتنة حين يكون منزعجا. كلانا يعفي نفسه من الإلتزامات الإجتماعية تجاه فصائلنا. ولأنني لست ودودة ولكنني مهذبة، فالجميع يحتملني دون أن يحبني. فأنا اتجاوب بشكل جيد مع الصورة التي رسمها التحامل المجتمعي تجاه البواب الفرنسي التقليدي، لدرجة انه بوسعك ان تصفني كمسمار في دولاب الفكرة الوهمية الكونية. تلك الوهمة التي تفترض أنه بوسعنا اطلاق تعميمات على العالم وفهمه طبقا لذلك.
وبما أنه مكتوب في مكان ما أن كل البوابين قصار وقبيحين ومسيخين، فقد نسخ في ذلك اللوح أيضا أنهم يملكون قططا بدينة كسولة تقضي اليوم كله تتمغى على وسائد الكروشيه. 

-------------------

في كل يوم ثلاثاء وخميس تزورني مانويلا، صديقتي الوحيدة، لنتحتسي كاسات الشاي الأخضر. مانويلا امرأة بسيطة، السنوات العشرين التي قضتها في كنس الغبار عن منازل الأثرياء لم ينقصها شيئا من ألقها . طبعا الوصف "كنس الغبار" هو مجرد استعارة. فمع الأثرياء فإن الأشياء نادرا ما تسمى بأسمائها.
"أنا افرغ سلال من الفوط الصحية، أمسح قيء الكلب، انظف قفص العصافير من الفضلات.. لن تصدقي كمية الفضلات التي يخرجها كائن صغير كهذا، واكشط الحمامات، قال كنس الغبار قال!!" تقول بلكنتها البرتغالية الرقيقة. 
مانويلا تأتي لزيارتي في تمام الساعة الثانية بعد الظهر من يوم الثلاثاء بعد أن تفرغ من نظافة شقة الأرتينز، وشقة دو بغويز يوم الخميس، تكون قد لمعت الحمامات بالقطنة. قد تكون هذه حمامات صاحبة دمغة"السعفة ذهبية-اي خمسة نجوم" ولكنها بعفنة أي حمام على الكوكب، لأنه إن كان هناك شيء مشترك بين الأثرياء والفقراء هو انهم كغيرهم تفرغ احشاءهم فضلاتها في مكان لا بد أن تطق عفنته. 
لذا تستحق مانويلا تقديرنا، برغم انها من النساء اللاتي قدر لهن ان يقمن ببعض المهام في عالمنا هذا، بينما ترفع نساء اخريات انوفهن تقززا منها، الا أن مانويلا استطاعت أن تحتفظ لنفسها بألق ورقي يتجاوز كل دمغات السعفات الذهبيات.
"لا بد أن تستعملي منديلا حين تتناولين الجوز" وتخرج من سلتها السعفية الأنيقة بسكوت اللوز الهش ملفوف في مناديل قرمزية بعناية، بينما أُحَضِّر أنا قدر القهوة التي لن نشربها وإنما سنغرق في عبقها بينما نحتسي كاسات الشاي الأخضر ونقرقض بسكوت اللوز في صمت.

بنفس خيانتي للصورة التقليدية للبواب، فمانويلا خائنة للصورة التقليدية للخادمة البرتغالية، رغم غفلتها تماما عن خيانتها هذه. هذه الفتاة من مقاطعة فارو،  ولدت تحت شجرة تين بعد سبعة اخوة ليليها ستة اخوة اخرين، اجبرت منذ طفولتها للعمل في الحقول لتهرب بالكاد من حياتها هذه بزواجها من حرفي، وتلد منه اربعة اطفال، فرنسيون بالمولد والنشأة ولكن المجتمع ينظر إليهم كبرتغاليين مهاجرين. هذه السيدة من فارو كما كنت احكي لكم، التي تلبس الجوارب السوداء الإجبارية وتربط منديلا على رأسها.. ارستقراطية! نعم ارستقراطية، ارستقراطية اصيلة ، من النوع الذي لا يمكن تجادل عن عراقته. الارستقراطية محفورة في اصلها، وتسخر من كل الألقاب والتشريفات التي يزين بها الناس اسماءهم . إذا من هي الأرستقراطية؟ هي سيدة محاطة بالسوقية من كل جانب دون أن تتلطخ بها. 






4 comments:

  1. على كل حال لست بقارىء جيد..ولكن شدني تقديمك الدسم لقراءة ماقمتي بترجمته
    شكرا ع المرور

    ReplyDelete
  2. ارجوك اكمليها يا ميسون .. الترجمة رائعة

    ReplyDelete
  3. تسلمى يا ميسون اسلوبك فى السرد ممتع.

    ReplyDelete