Saturday, 27 August 2016

عمكم دكتور قدال

"شايفين الكهربا التعبانة دي، أدوها لأي واحد من السفراء القدام ديل يشغلها بكفاءتها القصوى وبأحسن ما يكون"
كان هذا والدي ضمن سلسلة محاضرات بادر بها المعاشيون من السفراء والدبلوماسيين من أجل تثقيف الناشئة في السلك الدبلوماسي (والذي كان حضورهم ضعيفا). وأعزى والدي هذه القدرة للتمرس في مجال الخدمة المدنية. وقال أن هذا كان أحد شروط العمل في السلك الدبلوماسي. أن تكون لديك خلفية في الخدمة المدنية. حيث يكون فيها المرء "خادما عاما" وهي الترجمة الحرفية ل Public servant

ويتلخص حديث والدي عن خبرة قدامى الخُدّام المدنيين في قدرتهم على تقديم (الكثير الممكن) من (القليل المتاح). أن تستخلص كل قدرات المنشأة التي تشرف عليها.


نعم مشاكل الخدمة المدنية عندنا عويصة. من انهيار البنى التحتية الموروثة منذ عهد الإستعمار ومن الحكومات السابقة، قلة الموارد، ضعف تأهيل الكادر البشري وكل الذي نعرف. ثم نأتي بمن هم قليلو الخبرة عديمو المعرفة في مجال الخدمة المدنية ليلحسوا باقي بركة المنشأة. (بدون ما نتكلم عن أكولة اليد)

لدينا معايير عجيبة شوية في من نوكل لهم مثل هذه المهام. عندما أتابع المقالات المدافعة عن الوزير الفلاني أو المسئول العلاني تجد الآتي: كان أول الدفعة. كان أشطر زول في الماث. بدأ حياته بدفار وانتهى بشركة استثمارات زراعية أو دكتور شاطر وعنده مستشفى خاص وجامعة طبية.

اوكيه، مبروك عليهم. ما دخل هذا بمجال الخدمة العامة؟ 
لدينا مشكلة في فهم مسألة الشطارة هذه. نجدها حتى في مجال التعليم. ترانا نجلس مزبهلين أمام مدرس الفيزياء أو الرياضيات الذي لا نفهم منه كلمة (وغالبا يزدرينا جميعا) لكن نخرج من الحصة يملأنا الزهو نقول: مجنون سلوكه فاكة، كلمة ما تقدر تفهما منو ، تعرف دا كان أول الشهادة السودانية .

شاطر في الرياضيات ليس بالضرورة معناها شاطر في تدريس الرياضيات. نضام في الانجليزي لا تعني يعرف كيف يدرس لغة.

حزنت جدا عندما قرأت مقتطف من خطاب وداع لدكتور أحمد أيوب القدال لطلبته في كلية الطب جامعة سنار. وليس هذا الوداع الأول لدكتور قدال من أحد مرافق الخدمة المدنية وأرجو- أرجو هي سبب هذا المقال أن لا يكون الأخير، فقبل وداعه  كرئيس لقسم طب المجتمع ل بجامعة سنار، عمل مستشارا صحيا ببلدية العين، قبلها كان مديرا ومؤسسا لمشروع النيل الأزرق الصحي المهيب. ١٩٧٩-١٩٨٩ (شفتوا انتهى متين؟)



 هذا المشروع الذي نبت عن وحدة مكافحة الملاريا بمشروع الجزيرة ثم مع التخطيط لتوسعة المشروع في امتداد المناقل والرهد سعى القائمين على الوحدة استباق هذا الإمتداد الزراعي بتوسعة عمل الوحدة فكان مشروع النيل الأزرق الصحي الذي أشرف على مكافحة الملاريا والأوبئة المائية في واحد من أكبر المشاريع الزراعية المروية في افريقيا.

في السنوات الأولى من عمل المشروع انخفضت نسبة الملاريا من ٣٠٪ إلى إقل من واحد في المية (٠،٥٪) والأهم من ذلك تم الحفاظ على هذه النسبة طوال فترة عشرة سنوات حتى حدوث الإنقلاب الأليم والذي تم فيه تصفية المشروع وبيع ملحقاته وعربياته وتسريح العاملين فيه .

قرأت قليلا (قليلا شحيحا) في تقارير مشروع النيل الأزرق وتحدثت فيه قليلا أيضا من دكتور قدال. لكنه ذكر أسبابا عدة لنجاح المشروع ، مثلا استمرار المجال البحثي طوال فترة المشروع، اعطاء الأولوية لعمليات الوقاية ، التركيز على الظروف المحلية أثناء عملية المكافحة والتعاون مع الأهالي، ثم تقصي التجارب الإقليمية والدولية في مكافحة الأوبئة.

حدثني د. قدال مثلا عن تغيير نوبة عمل المزارعين حيث تنخفض دورة نشاط البعوض. حدثني عن اقتطاع راتب لأصحاب الكارو في الحلال لنقل القمامة والأوساخ، حدثني عن المراحيض البلدية الصحية التي كانت يشجعون عليها الأهالي بمكافأة هي فلاتر مياه محلية (بتاعت طبقات الحصحاص والتراب ديك) إذا ما قام البيت بحفر مرحاض صحي. حدثني عن الكثير ولا زلت أنتظر من يستنطقه من الصحفيين الذين لديهم معرفة شوية في هذا المجال (مش صحفيي العلاقات الإجتماعية) أرشح معاذ النجومي مثلا.

المهم، خلاصة القول، ها هو دكتور قدال بين ظهرانينا. أمده الله بالصحة والعافية وطولة العمر. فوق أنه "شاطر"، وله خبرة دولية حيث عمل مع منظمة الصحة العالمية، وفوق أنه صاحب أوراق علمية قيمة منذ السبعينات) . فهو متمرس في مجال الخدمة المدنية، يعرف كيف يخدم ابناء بلده. يعرف كيف يدير حملة صحية قدر الإمكان على قلة الموارد وضعف تأهيل الكادر البشري. يستطيع أن يستخلص أقصى ما يمكن استخلاصه.

والأهم من هذا وذاك. هذه النظرة الشاملة لمفهوم الصحة، والتي تتضمن النظافة والتثقيف والعمل الوقائي والبحث العلمي والشراكة الأهلية. هل تسمعني؟ ياهوو!! يا وزير الصحة ولاية الخرطوم والذي كان يرد بكل عنجهة على كل مشكلة صحية بالقول: هذه مشكلة البلدية! والبلدية ليست ضمن اشرافي . أو هذه مشكلة التأمين الصحي وهو تابع للولاية وليس تابع لي. (مشيب)!


كلمتين على جنب يا حكومة. يعني منو وزراء الصحة؟ ما حاجة كدا. الجبتوهم عشان يعملوا الأيلولة عملوها وقضوا ليك الغرض، وفي واحدين بقا عندهم برنامج في التلفزيون هايل بجيبوا فيه أولادهم ونسابتهم وجيرانهم، ها؟ ما قصرتي. هديل هم مبسوطين. خلاص مشيهم.
ايلا مثلا. الناس مبسوطة بالكرانيش وكدا. ما تخش التجربة دي؟ بتاعت الرجل الصحيح في المكان الصحيح

والي سنار. يعني دي حاجة بديهية مش كدا؟

دا تحديدا المحتاجنه هسي في ظروفنا الهسي (بالإضافة طبعا للإنتفاضة الشعبية طبعا طبعا أكيد أكيد) 

رجل مشهود له بالنزاهة. ثم خبرة لا تضاهي في الصحة المجتمعية والخدمة العامة حيث كان مديرا لمشروع ضخم بإمكانيات أقل مما يوفر عادة لمثل هذه المشاريع. فيه كل ما تتمناه النفس من تطوير البحث العلمي، وتأهيل الكادر البشري، وإشراك المجتمع المحلي.

عزوا ال... ال.... إنتوا بتعزوا منو؟




3 comments:

  1. عم أحمد أمد الله في عمره ومتعه بالصحه والعافيه ولو في امثالو شويه بس كانو في عتبات حكم السودان كان السودان بقي سودان وبقي اشبه الدول ..

    ReplyDelete
  2. كلام ممتاز يتجاوز الثناء المشروع والتنويه بتجربة خدمة دكتور قدال العامة في قطاع من اهم القطاعات حيث العقل السليم في الجسم السليم من الامراض، وحيث الصحة والانتاج وتحقيق النمو الاقتصادي مرتبطات ارتباط صميم من حجر. ميسون بعقلها الاستراتيجي نظرت للصورة الكبيرة، صورة اشراك الاهالي في ادارة شئونهم العامة من صحة وتعليم الخ فهم ادري باحوالهم واقدر علي التجاوب مع الخبراء في توصيل الرسالة والتاثير ولهم رصيد من خبرات العون الذاتي والنفير . تخيلوا لو كان الاهالي ينتخبون ممثليهم في مجالس القري والمحليات والبلديات والمدن ليحكموا فعلا ويكونوا مسئولين عن اموالهم وميزانياتهم وخدماتهم في كل القطاعات بالشراكة مع الدولة او بدونها. شكرا ميسون يسلم عقلك السليم الاستراتيجي.

    ReplyDelete
  3. كم نحن بحاجة لامثال هؤلاء الكفاءات الغير متحزبين – لقد ضاع الوطن في تولية اهل الولاء ..بس الله غالب

    ReplyDelete