Tuesday, 11 November 2014

سنجة تودع سرها

يمكنك أن تقرأ العنوان بفتح الواو وتشديد الدال (توَدِّع) او بمد الواو وكسر الدال (تودِع) سرها
فالمعنى يستقيم في الحالين. فهي تودع أحد ركائزها، وهي تودع سرا كانت تحمله في طياتها لن يفض ختمه من بعد...والأكيدة ان سنجة ما عادت سنجة بعد رحيل "سرها" ، سنجة -يا سادة- تغيّرت 

                                                 * * * * * * * *
٢٠١٣:
ما توسمته فيّ المرأة من "هِمّة" في الخدمة وقيام على أدب الضيافة لم يكن صحيحا على الاطلاق (البتة! اطلاقا) سوى انه قد عز علي في هذه المناسبة الأخيرة التي يقصد الناس فيها العم السر عمر العوض مودعين أن تكون على غير ما ألفوه منه في حياته. فأنت في ضيافة تاج السر حيث لا يضام احد، لا صغير ولا كبير، لا غني ولا فقير ، لا قريب ولا غريب. وقد كان دوما ظني أن باعة اللبن والسمن والبيض وموظفي الرش الذين يطوفون بالبيوت في سنجة يتعمدون أن ينيخوا في منزله  ساعة الافطار حيث يجدون الكرم مشرعا ومترعا (فلا هو فضلة خير ولا خراتة الحلل ولا البواقي الفيها البركة) . ولم يكن غريبا ان امتد عزاؤه متجاوزا الشهرين والثلاثة دون أن يقل توافد المعزين -"اصلو شنو هو؟" تساءلت صديقاتي وقد تعجبن من قولي "جاية من بيت البكا" "ماشة بيت البكا"

معروف ان "قفة" السر لا نظير لها في سنجة ، معبأة بما عز وندر، بما غلى ثمنه وعز طلبه، فاتحة السوق وفاكهة الموسم قبل الموسم. فكأن بائعات السمن كن يستحين من طلة هذا الكريم، فيخرجن ما خبأنه لمن هو مثله من خلاصة الخلاصة.

لله دره! وكأن "معاني الرجولة" التي نتبينها في مديح الغواني واماني الفرسان تجسدت دما ولحما وروحا في عمي السر. تلك الرجولة النادرة التي لا تجعجع فلا "هع" فيها ولا "مع" - فعمكم السر طويل الصمت، الا من همهمة تأييد هنا او استنكار هنا و كلمة يتيمة و عبارة مبتورة مكتفيا بفصاحة فعله لا القول .  تلك الرجولة التي لا تتنتر ولاتتبختر ولا تمشي في الأرض مرحا ولا من جنس تلك "الحركات" الكاريكاتورية التي كأنها تسأل "بالله عليكم ألست رجلا؟" تلك الرجولة التي لا تتوسل بفظاظة الطبع والخشونة ولا تبنى بيتها على مذلة امرأة ولا ضعيف .بل هي مطمئنة فوق شبهة السؤال. مهيوب، لا هيبة السن ولا المركز ولا المكانة، انما هو شيء من أصله و عنصره يخفض عينك وصوتك طواعية في حضرته. تلك الهيبة التي لا يناقضها لطفه وتبسطه ومداعبته لصغرى بناته واثيرته رغدة، فهو اللطيف الأليف القريب مصدقا قول نبينا عليه الصلاة والسلام: خياركم خياركم لأهله- وقد كان والله! وكنت أكن محبة جمة ألجمتها سلطان هيبته. وفوق ذا وذاك تواضع جم وتهذيب كذلك التهذيب الذي وصفه الكابلي المشتق من الفعل "هذب الرجل سيفه" ليس الأدب المخلوط بالمسكنة ، عفيف اللسان واليد تلك العفة التي تسمو فوق سقطات الرجال. 

مع حفيدتة يمامة


تعرفون الرجال الذين يتباهون بانجازاتهم وانجازات ابنائهم في الدراسة او بالمال او النسب؟ لا لا... وكأنما عمكم السر ادرك ان هذه الدنيا أهون من أن يتطاول المرء بصغائرها.. وكأنه ادرك انك على ظهر هذه الفانية ما عليك سوى ما وصى به نبينا : قل الله ثم استقم. فهذا وحده ما كان يعلي أحدهم في عين عمي السر او يخفضه.



أخشي حين استدل بهذه الأحاديث أن تتبدى لكم صورة "الورع" و"التقوى" كما نراه من حملة السبح ومرسلي اللحى.. لا عمكم السر أشبه بصورة نبينا محمد الذي كان يقصده العربي من دياره فيجده متوسطا بين اصحابه فلا يميزه إلا أن يسأل "أيكم محمد؟" - من أواسط الناس عمكم السر وهو سليل أسرة ميسورة الحال ومعروفة في سنجة، كان زينة مجلس أصحابه، أقلهم كلاما لكن لا ينتظم عقدها إلا بحضوره.


 ثم انفرط العقد الفريد- الصورة بنادي 


اذكر قبل وفاته بقلة أيام، تجادلت مع صديق لي كتب نعيا في قريب له وقد ادرج فيه وصفا ظننته في بادئ الأمر غريبا واظنه ان لم تخني الذاكرة ان الفقيد كان يأكل الستيك قبل ان يعرف الناس ما الستيك، وكنت ارى انها جملة عجيبة - من غفلتي سخرت منها فرد مستنكرا "دي روح المقال واهم حتة فيها" -الستيك؟!! ثم شرح لي مقصده ببساطة، ليس الأمر قطعة اللحمة - بل المعنى الذي تتضمنه، الستيك يعني ذلك الوقت الذي كنت تخصصه لجلسة في "الستيك هاوس"مطعم هادىء وطبق وشوكة وسكين وموسيقى جاز معتقة وذاك المزاج الرائق- هو ما يسميه الخواجات ال leisure -وقت الاستجمام والراحة التي تتبدى فيها انسانيتك- وهي خلاصة وصف "الطبقة المتوسطة" - بالله؟ وافقته مؤيدة ورغم اني في النهاية بنت أقاليم وغريب علي عوائد أهل الخرطوم وذكريات افنديتهم لكن المعنى وقع لي تماما حين تذكرت منزل عمي السر في تلك الأيام قبل ان تغرز الانقاذ انيابهافي عنق الطبقة المتوسطة (بعد ان خدرها نميري وهو يعرج على سياسة الانفتاح قبيل الاطاحة به)  - عمي السر كان مالك لورشة أخشاب في سنجة، تصنع اثاثا محليا بديعا، البنابر المسدسة هل يذكرها احد؟ طبقات من الأشكال السداسية المجوفة واحدة فوق الأخرى لتشكل بنبرا؟ او كان موضة البنابر في شكل حقق، الأسرة المزخرفة واطقم الجلوس الخفيفة اللطيفة الأليفة التي تتجول حسب الحاجة داخل المنزل او خارجه ،حوامل التلفزيون ومصاطب التلفون الخشبية (الكلام دا في التمانينات- حيث التلفزيون والتلفون في البلد هو ما يميز طبقة عن أخري) هذا ما قبل بدعة العفش التركي والمصري والصيني كان الواحد بالكتير يجيب عفش من ليبا ولا السعودية حصاد غربته. وقد كان ذلك في زمان (القطع غير الجائر للأخشاب) كل شيء بنظام وتنسيق مع مسئول الغابات. اذكر تلك الرحلة إلى معرض الخرطوم السنوي حيث تستعرض المشغولات والأثاثات وان لم تخني الذاكرة انه عاد غير مرة يحمل جائزة أجمل تصاميم. منزل عمكم السر هو تجسيد للطبقة الوسطى في الاقاليم قبل "هجمة الانقاذ"- هنا مافي ستيك- بل التلفزيون والفيديو والتلفون والتكييف (بدلا عن المراوح)، ونوافذ الزجاج الملون (حيث اعتاد الناس النمليات وطاسات الحديد للنوافذ، ثم النجيلة المسورة والمزينة بأصص الزهور والنبت( هذه بدعة لا نعرفها في الريف عادة عندك شجر والناس بتقعد تحتو او الحيشان الواسعة)، وعمود يتوسط البيت من المرايا (في الريف هناك مرآة واحدة في التسريحة، او واحدة مكسورة في دولاب العزابة) لم يألف الناس فكرة المرايا لمجرد ترف الزينة.


كان هناك مقطع في رواية عرس الزين، مقطع مألوف لدي، اراه بعيني واتحسسه بذاكرتي، كان قد التقطه الطيب صالح بوجدانه الفطن قد تختلف التفاصيل لكن الروح سليمة كما هي.. اذ أن هذا الوصف يعرفه  ناس البلد ، حيث المدن فيها تكون مقسمة الى ثلاث فئات ادناها الشباب، واعلاها الشيوخ الذين هم واجهة كل أمر اما الذين يتدبرونه فهم الذين يتوسطون هذين الفئتين، هذا المقطع يصف فيه ثلة محجوب :

"هؤلاء كانوا الرجال أصحاب النفوذ الفعلي في البلد . كان لكل واحد منهم حقل يزرعه ، في الغالب أكبر من حقول بقية الناس ، وتجارة يخوض فيها . كان لكل واحد منهم زوجة وأولاد . كانوا الرجال الذين تلقاهم في كل أمر جليل يحل بالبلد . كل عرس هم القائمون عليه . كل مأتم هم الذين يرتبونه وينظمونه . يغسلون الميت فيما بينهم ويتناوبون حملة إلى المقبرة هم الذين يحفرون التربة ، ويجلبون الماء وينزلون الميت في قبره . ويهيلون عليه التراب ، ثم تجدهم بعد ذلك في ( الفراش ) يستقبلون المعزين ، ويديرون عليهم فناجين القهوة المرة ، إذا فاض النيل أو أنهمر سيل فهم الذين يحفرون المجاري ، ويقيمون التروس ، ويطوفون على الحي ليلا وفي أيديهم المصابيح يتفقدون أحوال الناس ، ويحصرون التلف الذي أحدثه الفيضان أو السيل . إذا قيل أن امرأة أو بنتا نظرت نظرة فاجرة إلى أحد ، فهم الذين يكلمونها وأحيانا يضربونها ، لا يعنيهم بنت من تكون . إذا علموا أن غريبا حام حول الحي حول المغيب فهم الذين يوقفونه عند حده . إذا جاء العمدة لجمع العوائد فهم الذين يتصدون له ، ويقولون هذا كثير على فلان ، وهذا معقول وهذا غير معقول . إذا ألم بالبلد أحد رسل الحكومة ( وهم لا يأتون إلا لماما ) فهم الذين يستقبلونه ويضيفونه ، ويذبحون له الشاة أو الخروف ، وفي الصباح يناقشونه الحساب ، قبل أن يقابل أحدا من أهل البلد ، والآن وقد قامت في البلد مدارس ، ومستشفى ، ومشروع زراعي ، فهم المتعهدون . وهم المشرفون ، وهم اللجنة المسؤولة عن كل شيء كان الإمام لا يحبهم ولكنه كان يعلم أنه سجين في قبضتهم ، إذا أنهم هم الذين كانوا يدفعون له مرتبه آخر كل شهر ، يجمعونه من أهل الحي ، كل موظف حكومة يحل بالبلد ، وكل من له حاجة يريد أن يقضيها ، سرعان ما يكتشف هذا الفريق فلا تنجح له مهمة أو يتم له عمل إلا إذا تفاهم معهم . لكنهم كانوا ، ككل صاحب سلطان ونفوذ لا يظهرون نزعاتهم الشخصية ( إلا في مجالسهم الخاصة أمام متجر سعيد ) ، الإمام مثلا كانوا يعتبرونه شرا لا بد منه فيحبسون ألسنتهم عن ذمه ما استطاعوا ، ويقومون " بالواجب والمجاملة " كما يقول محجوب . لم يكونوا يصلون ، ولكن واحدا منهم على الأقل كان يحضر الصلاة مرة في الشهر ، إما الظهر أو العشاء في الغالب فالفجر لا طاقة لهم به - ويكون غرض الزيارة في الواقع شيئا غير الاستماع لعظة الإمام حينئذ يعطون الإمام مرتبه ويتفقدون بناء المسجد إذا كان يحتاج إلى إصلاح "


 نجحت الانقاذ في قصم ظهور هؤلاء الرجال، شردتهم واقعدتهم فانحسروا عن الأسواق والطرقات والمجالس، فليسوا هم أهل الخديعة والنبيشة ونزع لقمة الضعفاء والتطاول بعرق الاخرين ولا هم كشافين عورات الناس المتطاولين على أعراضهم. الا أن عمكم السر كان عصي على جور هذا الزمان... كان يتوسط الطريق متأنيا عاقدا يده خلف ظهره تستحي عاهة الزمان  أن تمسك بطرف ثوبه.. يمشي فتتطلع اليه الأعين كأنها تقول "ما زالت الدنيا بخير ما زلت أنت فيها" 




ثم ابتلى الله ايمانه بداء تنوء من حمله الجبال.. الا أنه استقبله باستقامته التي ما انحنت يوما إلا  لتخفض جناحها لوالده (الذي رحل رحمه الله قبل ايام قليلة ) والذين كان يقدمهما على كل شيء، او أهل بيته ..لكأن الصبر كان يجلس في محرابه فيتعلم منه صبرا.

ثم بكل يسر، كما كان يخلع جلبابه بعد عناء يوم طويل، خلع الدنيا ونفض يده منها ورحل. تاركا سيرة عصية على التأسي . فليس لأبنائه سوى حظ المقاربة والتسديد. ادعوا له بالرحمة والمغفرة والقرب من النبيين والشهداء وعباد الله الصالحين وحسن اولئك رفيقا فقد قصرنا والله في وصفه


Saturday, 20 September 2014

أبو الأمزان


من المسلمات عندي انو ذوقي في المزيكا فنان..فناااان... واعزي ذلك لأخي مازن من ضمن حاجات كتيرة-

ان شاء الله يوم شكرك ما يجي- وربنا يديمك فوق راسنا زي ما بقولو الشوام- ونفرح بيك قريب (عشان ماما ومي يرتاحو)

مازن وأحمد من اعز اصدقائي سندي اليمين والشمال (مي ومها ديل مثلي الأعلى في الحياة. وزي ما قالت لي اعز صحباتي انتي مشكلتك انك عاوزة تكوني مي ومها في الوقت نفسو عشان كدا طلعتي حاجة مشوهة لوول) 

بيتنا كلو عجيب، لكن خلينا نركز في مازن. طبعا مقولة مازن اعز اصحابي دي حتضحك ناس كتار من اهلنا. لأنو الشافنا في صغرنا شاف فعل الشحمة والنار، توم وجيري، كنا لا نوفر ضرا لبعض. مازن بالمقالب الكتيرة، وانا بالفتن والتوسل بمحبة أبوي ضدو.

"ريدة شنو يا حبوبة!"- دا كان ردي على حبوبة لما تقول لي دا كلو بنقلب لريدة. وبنت خالتي راوية (اللي هي نفس من حبوبة) كانت زمان بتقول لينا "ما تشوفوهم كدا بموتو في بعض"- وانا في راسي اقول الناس دي جنت ولا شنو؟

المهم طلع كلامهم صاح.. والواحد لما يفكر فيها برغم الدبابيس البغزها جيري في عين توم، ورغم محاولات توم المستميتة في اكل جيري لكن بتلقى جواها في محبة كبيرة صاح؟


وانقلبت الشحناء الى رفقة -بل ومناصرة- ضد سلطة البيت ، ومن أحب الحاجات الى قلبي لما زول يسألني "انتي اخت مازن النجومي"- ولعله لا يعلم اني مدينة له بأفضل ما في- واني اشعر بفخر كبير لما يقرا لي.

مازن -او جون كما يناديه اصحابو- خلطة عجيبة ما تقدر تخت يدك عليها. اي تصنيف تختو فيهو... غلطططط ما ياهو.. حاول مرة تانية. بسبب صمته الغامض تلقى حياتو ملفوفة بالكثير من الحكاوي لا تعرف صحيحها من خطئها- وكمان مازن ما بساعدك لا يؤكد ولا ينفي- سوى من "مشيب مافي كلام زي دا" وهي جملة مريبة!! لذا اعتدت أيام العالي لحكاوي النقائض عن مازن (ما شفتي مازن في دار المهندس عمل شنو؟)- ثم حكاية أشبه بعمايل ابو طويلة او اشكي كومار في الأفلام الهندية، او تأتي احداهن تحدثك عن استدلال مازن عن قصة تحكي جمال بنت الحسين وذؤابتي شعرها اللتان تخرجان من تحت الحجاب. مازن عصي على التصنيف

خد مثلا المزيكا: كرررو رزعوو وراب من بيت الكلاوي وريغاي لمغنين الكلوبات ودي من اهم صفات مازن (انو ما بسمع زول معروف في السوق) شفت المزيكا الأندرقراوند.. هو بمشي للتحتها. لكن في نفس الوقت تظبط اخوك بيتكلم مع اصحابو عن المزيكا العجيبة في اغنية "بنت الشلبية" لفيروز، او تلقاهو يغني مع يحيى ود عمتي "سافر...سافر...مطارات الوداع ضججججت"، او فجأة يتلفت لدي جي هندي اسمو "بالي ساقو" يقول ليك "شوف الزول دا اصلي كيف"

مازن ود السفير، اصحابو من اولاد شهادة لندن قرا معظم حياتو في مدارس انجليزية، يتحدثها بطلاقة بائنة ثم ما ان تبدا عركة يسل الحزام وتشوف العجاجة قايمة (مازن قليل الكلام- تلقاهو بديك نظرة جانبية- امتعاضة- نظرة جانبية- صمت- اخر نظرة جانبية تترجمها يا زول متأكد انك عاوز تواصل في حركاتك دي- ثم عينك ما تشوف الا النور)

مازن ود الطائف، لكنك لن تفهم الونسة الدقاقة بينه وبين سيد الدكان، او وصايا ست العشوائي ليهو- أو ألفته مع السكران البنلقاهو مبطوح في الميدان الورا بيتنا كلو صباح. 

بشيء من الطنقعة وقد اغراك مازن بصمته الجميل، تتفلقص له بالكلام وتقعره  وتنخدع بمجلات العربات في غرفته  (اول مرة اعرف بحكاية انو في مجلات للعربات) ولكنك لا تعرف مازن قارئ من الطراز الأول (الطراز الأول دا ياتو؟ دا الطراز الما محكوم بموجهات معينة) تاريخ : مهدية وحرب عالمية وامراء امويين والعقد الفريد، ادب وشعر، سياسة، اقتصاد، رواية والصحف اليومية (ديل كلهم تحت المرتبة) - لكنه يعبر عن كل ذلك بايماءة او جملة عابرة او لتسنده في مغالطة مع الشباب- او للحنك . ويمكن من مازن تعلمت تلك الروح السمحة في القراءة -اذ انه يرى قيمة في كل ما يقرأ- سواء كانت تلك القيمة تعبير جميل او زاوية شوف جديدة- او حاجة مضحكة. 

اشتاق كثيرا لونساتنا في المطبخ -طبعا مافي زول ممكن يصدق انو زول ممكن "يمثل" ليك مقال!!! (تتذكر مقال الفاتج جبرة بتاع الزول النزل انتخابات برمز اللوري ههههه هيلاريوس : اللوري بتاعي وينو؟) في المطبخ ونسة افلام وسياسة ومزيكا واحوال حلتنا وناس بيتنا وذكريات طفولة .

مازن أخوي الكبير. وكثير ما كانت صديقاتي تتأمل في تلك العلاقة الأريحية بيننا (مافي سلطة؟ مافي كبت؟) مافي.. لكن في توجيه خفي جميل. زي ما قلت ليكم هو ما كثير الكلام. هي نظرة. رفعة حاجب تعني (انتي يا ميسون؟) تجعل الواحد يخجل من روحو ويسب ويلعن. He'll make a great dad

ممكن اوقع ليكم وصف مازن كالاتي: يخرج متأنقا في الصباح الباكر لمكتبه في احدى المنظمات الأجنبية. يعود للغداء وينظر الى دخان مظاهرات بعيد. يخرج. يرجع منها مغبرا ، ثم مجددا يخرج متأنقا لحفلة. 

وهو تارة :ابو الأمزان- وتارة قاشر.
هو الذي تجده متفلتا من كل ثقيلة التزام، وتفاجأ بوجوده ثابتا عند الحارة 

قال أبي معلقا قبل اكثر من عشرة اعوام وكان لتوه قد خرج من وساطة من احدى العركات الكتييييرة التي هي سمة لشباب الوقت داك (هسي شفع الزمن دا غيتو بالجل وبناطلين السستم- زمان الغيتو نظام حياة- وست سايد ستوري) وبعد أن يئس من نصحة عن الابتعاد عن صحبة المشاكل قال "غايتو مازن دا is very loyal" الكلمة دي لصقت في راسي. الوفاء فعلا عملة نادرة. ومازن وفي لأصحابو... تمر أكثر من عشرة سنين وتتأمل في صحبته المستمرة منذ ايام مدارس الكويت، مدرسة سنجة الوسطى ،والمعادي، ومدرسة الثانوية العسكرية، والخرطوم القديمة، وأمريكا . اصحاب المشاكل والاصحاب الكويسين كلهم لسة في معية مازن. كثيرا ما تفلت مني ابتسامة اثر رؤيتي لأحد اصدقاء مازن والذين كانوا مصنفين من اصدقاء المشاكل وقد مرت عليه السنين واصبح منهمكا في ونسة عن المرا والبيت والعيال. 

مازن يكره حاجتين ويفر منهم فرار السليم من الجرب "الناس النقاقة-كان طيبين كان كعبين" و "ناس الدرامات" و "الناس أم وشين" - ولا يكلف نفسه عناء الرد على اللوم عند انقطاعه عن هؤلاء الناس. خلاص قلبو أباهم

ورغم نقة ماما وبابا حول مواصلة الأهل "ما بتمشي لبكا نسيب خال بت عمتك ليه؟" "الود دا جافي خلاص" لكن قليلون يعرفون بمعزة مازن عند الحبوبات واعمامك والخالات من اسرتي.ومعزتو عند اولاد الخؤولة واولاد العمومة وهذه الصورة تعبر عن تلك المحبة الخاصة التي كانت من حبوبتي "بكيري" لمازن ومحبته هو ليها. وقد كان من القلة التي خصهم القدر بأن يشهدو أيامها الأخيرة


Saturday, 13 September 2014

دكتورة حدوتة

اول ايميل وصلني من هذه الشابة كان موقع بأسفله : صادقوا على قرار ١٨٩ج... انا بالأول افتكرتها شغالة في واحدة من المنظمات البيدمغو جوابات العاملين لديهم بشعارها. زي ايام ما كنت شغالة مع المجلس البريطاني ، كنت اذا رسلت لواحد تقول ليهو صباح الخير تلقى مكتوب بتحت انك شغال في منظمة تعمل نحو خلق مساحة للابداع وتدعم الثقافة والمعرفة وكدا. 

ثم تكشف لي الأمر شيئا فشيئا... انو دي قضية تكرس لها حدالزين وقتها وجهدها بكل حماسة. قضية : العمال المنزليين . اتفاقية منظمة العمل الدولية C189 هو خاص بخلق ظروف عمل عادلة للعمال المنزليين. وكان مشروع دراستها للحصول على درجة الدكتوراة.

قبل فترة تساءلت حدالزين عن جدوى ما تفعله (وهذه من أعراض الدكتوراة الشائعة) . كيف يعني؟؟؟ فبفضل ايميلاتها القصيرة والمركزة المليئة بالطاقة حول قضية هامة وحيوية استطاعت ان تشق بها دربا في عقلي المصكوك (نحن ناس بتاعين دولة مدنية وتنمية مستدامة و أللل أللل أللل..) الواحد بقا يعرف يمسك قضية بعينها ويرصد تشابكاتها وظلالها على السياسة والاقتصاد والاجتماع. 

أللل هي Blah blah



لذا عندما ظهرت حملات محاربة "جشع الخادمات" بقا الواحد عندو معرفة يواجه الكلام دا بدون عاطفة وهتافية غياظة. انو المسألة مسألة تنظيم وتهيئة ظروف عمل ممكنة وانسانية (دون ان تعني الانسانية فقط :وجبات الغداء الأساسية والشاي بالبسكويت والعلاج عند الدكتور)

حدالزين نالت درجة الدكتوراة عن جامعة السودان مركز ثقافة السلام وكان عنوان رسالتها العمل اللائق لعمال المنازل-المقاييس المحلية لدولة السودان. قامت فيها باستعراض الخلفية التاريخية والمعاصرة للعمل المنزلي في السودان و دراسة تفاصيل العلاقة التعاقدية لعمل المنازل و قدمت في النهاية اقتراح مراجعة وتعديل القوانين المحلية لعمل المنازل بالأخص اتفاقية منظمة العمل الدولية ١٨٩

حدالزين قضت معظم فترة الدراسة متراوحة بين اديس ابابا والخرطوم. وكان اول ما لفت نظري اليها كتابة ممتعة لها على صفحات جريدة سيتزن تتحدث عن حفل حضرته للفنان تيدي افرو وقد نجحت اخيرا فيما فشل فيه الاخرون معي : ان اسمع تيدي افرو. كانت فترة دراستها في اثيوبيا ضمن منحة تلقتها من جامعة السلام التابعة للأمم المتحدة (برنامج افريقيا) وهي اول دارس يتلقى هذه المنحة من شمال شرق افريقيا- واول امرأة كذلك. 



في حواري مع حدالزين على الايميل سألتها عن دوافع قيامها بهذه الرسالة، اذ أن قضية العمالة المنزلية (قبل الانفجار الاخير) ليست قضية شائعة بيننا السودانيين في مجال دراسات السلام وحقوق الانسان. فحكت لي عن علاقة وطيدة  وشخصية ربطت بينها وبين قضية العمالة المنزلية:

"من احنا اطفال كانت بتربطني أنا واختي علاقة وطيدة ببناتنا الشغالات، زي ألمظ الكانت بتنومنا جمبها وتلولينا بلغة غريبة عننا، او منى الكانت بتمشي المدرسة بالليل وهسي بقت ممرضة ، فاطمة اللطيفة التي الخلت الشغل ومشت تحارب في اريتريا، التومة الشفتة اللهلوبة ،وحتيتة الشايلة بيتنا وبيتا .. لكن الفتح عيوني اني مشيت هولندا للدراسة واضطريت أشتغل زي البنيات ديل وعرفت قيمة عملهن واختلاف تقييم الناس ليهم" 




ومن الدكتوراة - التي قدمت سلسلة من الاقتراحات لتنظيم العلاقة العمالية (والذي يؤكد على ضرورته الجميع :مكاتب العمل ووزارة القوى العاملة ومجتمع مدني ومشرعين ومشغلين ومشغَّلين) ، ستعمل حدالزين على تقديم مسودة للمجلس الوطني والمجلس التشريعي لولاية الخرطوم باقتراح تعديل القوانين المحلية على ضوء الإتفاقية العالمية. -وهو من انماط المناصرة المحببة الى قلبي والتي بح صوت الواحد في الكلام عنها برغم الاعتراض الكسول الذي يجده الواحد انو "دا حيفيد بشنو؟ الحكومة ما حتسوي اي حاجة" - فالكلام عن نشر الوعي لا يظن المرء انه مجرد مجموعة مقالات في الصحف او مقابلات تلفزيونية او مخاطبات جماهيرية فهو فوق هذا تنظيم حملات دؤوبة تعمل على تغيير الواقع الحالي عبر مخاطبة القوانين الحالية والتفاف الناس حول مشروع اصلاحي بديل.

بالمناسبة مشكلة حقوق العمال المنزليين دي في كل العالم ما نتحسس ساي..لكن الوعي بيها ماشي في كل العالم 


على جانب اخر تعمل على توفير مادة لعمل المناصرة وزيادة الوعي حول العمالة المنزلية. ولما سألتها عن خططها المستقبلية تحدثت عن حلمها بانشاء  مركز بحوث معني بالدراسات العمالية والمناصرة والتدريب للوظائف غير الرسمية -كعمال المنازل- يا صلاة النبي أحسن. ولكل من يعرفني ففكرة مركز كهذا تهبش حتة جوة من قلبي. (يعني جملة فيها كلمات زي: عمالية ومناصرة وغير رسمية-مبالغة!)
mmmhmm...count me in
عندما سألتها عن رأيها في الحملات التي تستهدف "جشع" العمال الأجانب ، كان ردها ما هو متوقع منها مما يثلج الصدر انه
"يا عزيزتي كيف يمكننا ان نصنف هذا او ذاك بأنه طماع ونحن نعيش في غابة من الفوضى وغياب التنظيم والتي تتيح لكل من له سلطة أن يفرض شروطه أو ان يدمغ اخر بالطمع في غياب تام للقوانين وللتنظيم وللرقابة"

 مش كدا؟ فالحملة التي تتطايرت فيها الأصابع كل طرف يتهم فيها الآخر ، والتي لن تحل مشكلة بل ستفاقمها- تحتاج ان نلتف جميعا حول تنظيم علاقة العمل لتخرج من دائرة : سيد وخادم الى موظف وموظفة يجمع بينهما تعاقد عمل يلبي احتياجات الطرفين ولا يعتمد فقط على "حسن النية" و "طيبة القلب" التي يمكن للمرء ان يخرج من طوريهما. او كما قالت حدالزين:

" بدل ما نستسلم للفوضى وننتظر التغيير يجينا ، أحسن نغير ما بأنفسنا أول نفهم يعني شنو عمل لائق ونعرف القوانين المختصة البتكفل حقوقنا وحقوق غيرنا ونبدأ نطبقها جوة بيوتنا"


وأخيرا سألتها عن الشعار اللطيف الذي اصبح واجهة لإيميلاتها والذي قام بتنفيذه اخوها الشاب النبيه "احمد" فقالت :

"اللوقو بيرمز لعامل المنزل المتعدد الوظايف (سبع صنايع...) ففي أثناء ما هو بيعمل في اشغالو دي بهمة واهتمام بالو دايما سرحان بعالم عمل لائق يكون فيه هو وشغله مقدرين ومحترمين.. عالم فيهو عدالة ومساواة في الحقوق وفي الفرص- بما فيها التعليم"


دا طرف من حواري مع دكتورة حدوتة ...الف مبروك لينا وليكي  يا دوك

Tuesday, 9 September 2014

يا مهلة الصالحين

مشتاقون
عليم الله زيارتك لي في المنام فرحت بيها زي ما كنت بفرح بزيارتك زمان قبل ما تفارقينا
فْتي دنيتنا دي قبل اكتر من عشرة سنين

في البال والله. بيقولو الخلٌف ما مات، ما خلفتي من حشاك، الا خلفتي الذكرى الطيبة وسيرة صعب انها تنعاد

اذا غشيت في الصباح الباكر بيت عمي عبدالرحمن عليه رحمة الله ودخلت من بابه الصغير، تجدها قبالتك في الراكوبة على بمبر خفيض ، تسرح في لطائف الله، تفتل طرف مسيرتها وتضفرها، وهلة ثم تنتبه وترفع الكسرة عن الصاج.
ترنو اليك من فيء عينيها النجلاوين، لتسالمك سلاما قريبا وئيدا مهذبا- كذا حالها مع الصغير والكبير، مع القريب والبعيد

اذا غشيتها عند انتصاف الظهيرة. تدخل البرندة لتجدها في الاوضة على شمالك، وقد خرجت لتوها من حمامها الرائق، تطوي ثوبها بيمينها و رغم تثاقل خطوها نحو فراش القيلولة. الا أن النوم يخف اليها بسراع. وامي تقول "دي علامة صلاح. الراس سليم والقلب سليم والنفس خالية، فكيف لا يسرع اليها النوم؟"


يا سيدنا النبي.. ما رأيناك ، انما نقارب ونسدد. فقول السيدة عائشة بأنك كنت اجود من الريح المرسلة، تبيناهو في العمة زهرة. وقد خلق الله يديها للعطاء. هي امرأة تجود بكل ما فيها وكل ما لديها. وكأن كفيها مجرد معبر للغنيمة. لا شيء يبقى. ويحدث كل هذا بلطف فائق وحسن تدبير عجيب. فهي مع هذا امرأة مميزة- بكلامنا السوداني. عطاء الذوق لست الذوق. وما تعاظمها عطاء قط ولا تتلفت للسخاء (وبعضنا يتحرج من العطاء- نقول حتى نجد ما هو اهل للعطاء) فليس مثل هذه الهواجس تنتاب ذوي النفوس العظيمة الذين يستوي عندهم القرش والقرشين والالف. في عرض الدنيا الزائل هذه لا كبير ولا صغير.


يا مهلة الصالحين! مهلنا يا رب... ممهولة يا عمتي الزهرة. ويقع للمرء نظرية نسبية الزمن تماما لما يعاين ليك. كأنو الزمن يطوى لحضرتها. ما اظنني رأيتها على عجلة من أمرها قط. مهلة عجيبة. المرء يتذكر مشيتها الوئيدة في الدرب، ومع ذلك ما فات عليها يوم مواعيد الزيارة في المستشفى، ولا زارت الناس في وقت حرج ولا تأخرت عن واجب، اذكر تستيف شنطتها الممهول وما قام البص وفاتها (ولا المترو في القاهرة) ،مهلتها بين ارفف المطبخ ولا خرج غدائها متأخرا ولا ..ولا .. وتجد الواحد منا يتصربع في كلو شي ولا يحصل شيئا.


شفوقة على الناس دونما شَفَقَة، وبها شيء من شجن ملازم، وكأن فروع الحزن تتدلى قريبا في نفسها. وكأن الذين فارقوا ما بارحوها (اخوها عبدالرحمن وابنه عثمان -صغيرها، امها ستنا، اخوها الطاهر ) ، حزن لا يزعزع يقينها اننا كلنا مفارقون، لذا لا ينتابك قلق اذا ما اضطررت لتنقل اليها خبر رحيل. رحمة الله عليك يا الراكزة من مثلك؟



والكدر لا يمر على وجهها الا كما الطيف. تقطيبة سريعة لا تكاد تلمحها -الا اذا كنت شغوفا مثلي بمراقبة وجهها الصبوح. في مجالس النميمة والغيبة التي لا تخلو منها مجالس النساء يمر كل ذلك من فوقها دون ان يلامس طرف ثوبها. ما بها قدرة على الكلام الشين. لي ذكرى بعيدة لأمرأة تنسب لنفسها صلاحا تحكي لأمي عن شجار حصل وذكرت اسم عمتي في طرف الكلام، فردت امي دون حدة وكأنها تقول حقيقة لا جدال فيها ،كأن تقول الأرض كروية- قالت   :( كذابة يا فلانة. ليست زهرة من  تقول كذا وما قالت مثلها قط) فردت فلانة دونما حرج ايضا (اي والله قد كذبت).

ما هذه الحكوة؟ حدث عارض.. هل له معنى؟ لكن اردت ان اقول  انها امرأة صالحة، لكن ليس ذاك الصلاح الذي يضايقك- ايوة في صلاح بضايق- الصلاح الذي يتهم تقصيرك. هي ما كدا.. هي كانت هالة من اللطف والذوق والتهذيب الذي لا يعرف كيف يمد اصبعه متهما

تقول امي بعد ان تخرج من ونسة مع زهرة:  هذه هي ونسة زهرة النجومية: عبدو قال وعبدو فعل (عبدو حفيدها ابن ابن اخيها) وكان له محبة خاصة دونا عننا كلنا (عارف الكلام دا يا عبدالرحمن؟)، وحديث مهذب لطيف، وعالم تراه بعين الرضا- اذا انحرف لسانك بقطيعة ما في حضرتها،دون ان تحس تجدها قد شقت في درب نميمتك مجرى يجرك الى حديث طيب حول من اردت ان تغتابه.


وبرغم من مهلتك.. خروجك من ها الدنيا الزايفة كان سريعا. شكواك القليلة وصبرك المتين اغفلنا عن ما تكابدين. "ما عندك شي يا عمتي زهرة، الدكتور قال مافي حاجة" كان ذلك قبل فترة من رحيلك. الا من خبر طبعك- بابا- وتربى عليه. هاتف من السودان ينبئه بأنك متوجعة، فينزعج والدي ويتكدر "افعلوا كذا وافعلوا لها ذاك... هي لا تشتكي" ثم يخرج عن طوره "الأن ليس لها ولدا؟".. كنا قد استغربنا ضيق والدي...ذهبوا بها الى الخرطوم وعادوا وبعد أيام جاءه هاتف اخر ينبئه برحيلها. كان والدي في المكتب. ينهار. يرعف رعافا ثقيلا، اقلق شاب سوداني عليك: دعني اوصلك يا عم محمد! -لا لا داعي. لكن الفجيعة التي لم تخفى على احد تجبره ان يقود سيارته خلف سيارة ابي حتى يطمئن الى وصوله الى البيت. لا زلت اذكر قميص والدي ملطخا بالدماء.


جلسنا ثلاثتنا نتنادم بسيرتها.انا ومها وصفية "لاحظتي في أيامها الأخيرة، كانت تطيل النظر في اوجهنا ؟" "وكأنها تودع" . ثم ندم عارم على غفلتنا عن وجعها المكتوم. صمت. بعدها برزت فكرة ان نتنسم سيرتها وان نقتفي أثرها. الواحد يعيش في هذه الحياة كما عاشتها زهرة. لكن كيف عاشت؟ سرها شنو؟ تركتهم يصوبون اسهم ظنهم "الطيبة؟ طيييبة كان صاح؟" "لا ما الطيبة بس.. الحنية؟ حنييينة؟" "في ناس حنان كتار ..في حاجة تانية.. خشمها عندها بس الله يقدرنا على خشمنا"  "المواصلة، مواصلتها للناس؟" كانت الأسهم تطيش عن سرها. قلت -وقد فرغت من عملية تأمل روحي عميق (يسميه البعض ايضا غسيل العدة)- "اجمل ما كان في عمتي زهرة انها ما بتحسسك انك متلوم ، كانت تجد عذرا للكل، تخرج من عندها خفيفا محبا لنفسك ظانا بها الخير، تزورها بعد انقطاع وغفلة فتحس انك سيد الواجب وسيد المحنة ورب العطاء "


اقول لكم هناك ثقل في عمل الخير. ثقل الشكر، والشعور بالامتنان، رد الجميل، الشعور بالتقصير مقابل البذل.


الصالح هو من يغنيك عن كل هذا


لا نزكيك على الله.. انما نقول بما نعرف. من كحل عينه برؤياها سيقول اني والله ما زدت عليها.. من عرفها سيقول : ما قلتي شيئا


ادعو لها بالرحمة. فوالله انك لتدعون لروح طيبة زكية. وبما اعرفه من كرمها ابشركم بأنها سترد التحية بأحسن منها











Thursday, 12 June 2014

مشهد ثاني من التغريبة الفلسطينية


(الخلفية: نكسة ٦٧ يونيو.. صلاح وخليل يدرسان الطب في مصر.. صلاح يدخل في حالة  احباط)

صلاح وقد نمت لحيته يجلس مطأطأ الرأس على المنضدة يقترب منه صديقه خليل

خليل: وبعدين؟ لوايمتى بدك تضل هيك؟ قوم احلق ذقنك وغير قوم

صلاح يكتم بكاءه،ينهج،يصاب بالغثيان،يتقيأ،يخرج من الحمام ويخاطب خليل بقرف لا يكاد يكتمه

صلاح: انا اسف! انت اكيد رايح تكون طبيب احسن مني

خليل: تعتقد اني مش متألم زيك؟ انا بقطر دم من جوة،بس من الحزن والغضب مش من اليأس، اللي بكوا من الفرح والتفاؤل الوهمي لما بدت الحرب هم الببكوا الان من اليأس،موقفين متناقضين ظاهريا بس المصدر واحد، اللي علق امالو على عصا سحرية بيملكها واحد او اثنين ،الشيء الطبيعي  ينهار عالمو كلو مع انهيار المثال النموذج 

صلاح مجرجرا اقدامه متجها الى غرفته. خليل يستوقفه يمسكه من كتفيه ،يهزه

خليل: وين صلاح اللي كان متمرد غاضب دائما ؟ وين صلاح اللي كان يهز قبضتو في وش الدنيا كلها؟

صلاح:  انا مش فاهم انت منين بتجيب تفاؤل هسه؟ شو ظل؟ ما خلص!كل إشي انهار!

خليل: انهار الحيط المايل ،المتصدع اصلا ،اللي كان مايل على روسنا وضاغط علينا حتى ما نشوف ابعد من رجلينا ،ولك يا صلاح، ممكن تكون الآن فرصتنا التاريخية!

صلاح (متهكما) : هه! فرصتنا التاريخية! لازم يكون في خطأ اساسي متأصل فينا احنا ..جوانا

خليل: مين احنا ؟ هه! هياك.. هياك بتوقع في الفخ الثاني الخطر،خلط الاوراق في سلة واحدة، يا بنقبلها كلها يا بنرفضها كلها، يا إما الانتفاخ الفاشي الكذاب، يا إما العدمية المدمرة، يا إما احنا العرب افضل ناس واحسن ناس واعظم ناس في كل الأزمان، يا إما احنا العرب أسوأ ناس .صدقني، الثاني مش رد ع الاول،بالعكس يمكن يكون نتيجة إلو التناقض سطحي.. بس الاثنين بينبعو من المصدر نفسو ..صفات مطلقة للأمة خارج التاريخ ..الاثنين بيتجاهلو حقيقة انو في مواقع ومواقف وظروف تاريخية ...ناس بتشد لفوق.. وناس بتشد لتحت 

صمت... ثم صلاح يهز رأسه موافقا... خليل يربت على كتفه

 المشهد على الرابط التالي: 

من الدقيقة ٤٠:٠٠ الي الدقيقة ٤٣:٠٠ 



Wednesday, 11 June 2014

مشهد من التغريبة الفلسطينية


كنت قد كتبت من قبل عن براعة المخرج السوري حاتم علي . قلت انه هو من يملك الجرأة والثقة ان يعرض على جمهور المسلسلات مشهدا من خمس دقائق يحتوي على حوار معقد . مسلسل التغريبة الفلسطينية في رأيي مسلسل فريد. لأنه يعرض صورة الانسان الفلسطيني خارجا عن التنميط المعتاد. باختلاف مراحل تغريبته بدءا من الحال قبل الاحتلال الصهيوني (وهي ليست صورة بريئة كما تصور دائما بل تجد صورا من الاستغلال والصراع الطبقي) مرورا بالاحتلال الانجليزي ثم احلال الصهاينة في الوطن الجديد وهجرة الفلسطينين من قراهم الى المخيمات المؤقتة.. ثم القبول شيئا فشيئا بحالة التغريب. فالسكنى في المخيمات على هامش المدن ثم آمال القومية العربية العريضة.. ثم النكسة.. وينتهي المسلسل بالوصول الى خيار المقاومة الشعبية المسلحة. وهو مسلسل مهم.. يمنحك بعدا جديدا عند تأمل تاريخ المقاومة الفلسطينية- في رأيي



(خلفية: تعرض صلاح لأزمة عاطفية، اذ انه احب اخت صديقه الثري وانفضحت مكاتيبهم لبعضهم البعض. اهل الفتاة يحذرونه من التعرض لابنتهم.،لكنه يعاند . فيرسلون من يؤدبه ،تتعقد المسائل.  في هذا المشهد يجلس صلاح ابن المخيم -وهو شاب مثقف يدرس بكلية الطب و يقبل على كتابات سارتر وكانط وشعر صلاح عبدالصبور - هنا يجلس صلاح على التلة ساخطا. ابن عمته رشدي يدرس بمعهد المعلمين ويتخذ دوما مظهر الوديع المسالم البسيط يذهب اليه)


صلاح على التلة باكيا
يأتي رشدي من خلفه ويقف

رشدي : الطبيعة حلوة، بس الوحدة صعبة. طولكرم ! بلدة على تلة... بسيطة من جهة زي أي بلدة ريفية ومعقدة من جهة ثانية. مدينة بتنضج بسرعة من طفولتها الريفية،  محيرة بين الطفولة يللي بتطلع منها وهموم ومسئوليات النضج يللي بتدخل فيها..تماما زي الانسان لما بيدخل مرحلة التحول من الطفولة للنضج بسرعة. النضج ولادة ثانية،والولادة بتحمل معها اوجاعها، مع فرق: هون الانسان نفسو بيمارس ولادة نفسو، لازم يموت فيه اشي حتي ينولد فيه اشي جديد... اوجاع و صراعات وبحث عن الشخصية الموزعة بين الماضي والحاضر وصورة المستقبل.،طبعا،بتتعقد المشاكل  لما بيكون الانسان ذكي،معرفتو اكبر من حاجتو ،و اكبر حتى من ظروفو.،هون ممكن...ممكن لفترة  يبطل يميز بين الواقع والوهم ،وحتى بين الحلم اللي بينطلق من الواقع وبين الوهم يللي بكون بديل عن الواقع،هون الأفكار بتتعالى عن الواقع، وبتحاول انها.. انها.. انها تشكلو ضمن قوالبها المسبقة ، بس الواقع بيقاوم..بيقاوم.. وفي الأخير بيفرض شروطو

صلاح: يعني نستسلم للواقع؟

رشدي: لا ابدا!ابدا!! بس لازم نفهم شروطو،ونتفاعل معها، حتى نغير ونتغير

صلاح: وشو هو الواقع؟ وشو هو الوهم؟

رشدي: الواقع إنك متأزم فعلا، وأنا متأزم، وغيرنا كثير متأزمين،بس اللي مش واقع انو ازمتنا هي ازمة ابطال سارتر يللي بتحكي عنهم كثير،هذا وهم! الواقع انو قضيتنا قضية وطن مسلوب، ومجتمع بيعاني من التخلف، اللي مش واقع هو انو قضيتنا قضية الانسان المطحون في المدينة الصناعية القاسية، كل إشي بنحلم فيه، كل إشي بنطمح إلو، اهدافنا، لازم تمر من هناك (مشيرا الى التلة) لازم نتخطى الحدود، مش لازم ندير ظهرنا عنها، مش لازم ننساها، وحتى لو حاولنا ، رح نلاقيها دايما قدامنا ..هذا واقع

صلاح يتنهد... رشدي يجلس قربه

رشدي: الواقع انك ناقم على نفسك وعلى مخيمك،الواقع انك بدك تطلع منو بسرعة، لوحدك او مع عيلتك.، لوين؟ هه- لأشياء تنسيك تماما المخيم وإنك في يوم عشت فيه، عشان هيك بتحب تتصور كل الناس أشرار ،خصوم، أعداء، تآمروا عليك شخصيا وانت البطل المظلوم اللي عليك انك تواجه الدنيا كلها .برضو لوحدك الواقع، انك ما حبيتها فعلا (صلاح يلتفت اليه محتجا) آآ! حبيت المستوى الاجتماعي اللي بتمثلو 

صلاح (معاندا): بس انا بحبها فعلا!! 

رشدي: بالمكاتيب؟!! هه! هاي هي المراهقة يللي بعدك ما تخلصت منها تماما .بعدين يعني شو كنت تئمل من ها العلاقة؟ إنك تتجوزها هسه؟ هاذا ممكن؟ ولاتخطبها هسه مشان تتجوزها بعد عشرة سنين؟ حتى لو كان هاذا ممكن، تحديك لأهلها كيف كان ممكن يخدم هذا الهدف؟ ما فكرتش بكل ها الإشيا؟  فكرة الحب، هي اللي كانت تهمك ، وحدة تحبك، تعطيك شهادة انك تستحق الحب لشخصك لمواهبك رغم المخيم 

صلاح: غريب! عمرك ما حكيت معي بها الطريقة..قصدي...

رشدي (يضحك): أنا بالفعل بسيط، يمكن لإني عشت أكثر منك في القرية، ووعيت ع البلاد .الريفي- اذا ما افسدتوش الكتب بيظل مخلص للحقيقة البسيطة المباشرة، مهما كانت عميقة ..التعقيد:مكياج،ادعاء، انتفاخ ثقافي كذاب .بيدل انو الشخص بيحمل هم صورتو كمثقف أكثر من هم الثقافة نفسها .هون الشكل بيسبق الوظيفة (يضحك) اذا بدي استخدم مصطلحاتك .

يربت على كتف صلاح.. يقف ...يمد يده اليه... يشده واقفا
يمضيان سويا

المشهد هنا في الرابط بدءا من الدقيقة ٣٦:٣٠ الى  ٤٢:٣٠






Saturday, 7 June 2014

عن الاستاذ





( انت قلت ليه خلقت ضعيفة؟ ما هنا انت مشيت لتتّهم العدل الالهي وقرّرت بكل بساطة... لكن الوضع دا عدل. وماشي للوقت البتكون الفضيلة مش بالقوة، يعني الانسان مثلا أضعف من الأسد لكن العدل والرحمة الالهية جعلتو اضعف من الاسد ليترقى عقلو مش تترقى عضلاتو ، مش يحل مشكلتو بالقوة العضلية ، مافي كرامة فيها، فالمرأة اذا ماشة للوقت البتكون برخاوتها وبضعفها أكمل من كتير من الرجال ، لأنو العبادة في حقيقتها في مواجهة الربوبية ضعف مش قوة " من عرف نفسه فقد عرف ربّه": قالوا من عرف نفسه بما عليه من الضعف عرف ربّه بما هو عليه من القوة، فالضعف اذا تطور في آخر الأمر ليسير إلى كمالات القلوب والعقول )

في الرد على سؤال من محاضرة الدين ورجال الدين عبر السنين عام ١٩٦٩ تقريبا
للاستاذ محمود محمد طه
النقل من عندي فأي اخطاء في النص محسوبة على النقل
تجدون الرابط للمداخلة هنا
الجزء ١٣ بدءا من الدقيقة ١:١٥