Sunday, 19 April 2015

طوعنة النضال

هناك ادعاء أحرص على توكيده، أنني في العمل العام أفكر ك "العوام"، برغم ما قد يعتبره البعض أنه من نقاط ضعفي (خاصة في الاجتماعات التنظيمية)و لكنني أراها كميزة، أذ أنني أعتبر نفسي ك "عينة فحص" testing sample لما يفكر فيه العامة

تقلقني في الآونة الأخيرة الجمعيات والروابط والقروبات والإيفنتات الداعية للتبرع بالوقت أو المجهود أو أقل القليل لصالح قضية عادلة : كإطعام المرضى، أو دفع فاتورة علاج مستحقة، أو ايواء العجزة، أو دعم الأطفال مجهولين الأبويين، أو لتحية عمال النظافة... وكل هذه الأشياء الملحة التي لا تنتهي ودعمنا لها واجب ومستحق وضروري...و.. ممل
لا أعني ممل بمعنى نقيض الترفيه
أعني ممل بمعنى أنه يخلف لديك احساس واحد مؤكد حتى عندما تقدم القليل.. العجز... العجز المطبق والمحيط... غدا قروب جديد، قضية ملحة جديدة، تبرع ضروري.

قبل فترة تحدث الشاعر محمد بادي في خطاب عودته للبلاد فقال: الصدقة تميت القلب. وقد احتج كثيرون من اصدقائي على هذه الجملة... ولكنها دخلت قلبي وهبشت وترا "عواميا" حساسا. نعم الصدقة تميت القلب.

صحيح الصدقة تطفئ غضب الرب، ولكن إن ظننت أن الرب غضبان لأنك لم تطعم جائع في الطريق، فأنت لم تفهم الأمر الإلهي الأشبه بالنزع حين يقول: "وآتوهم من مال الله الذي اتاكم. " أو حين يقول للنبي "خذ من أموالهم!! صدقة تزكيهم"
فالأرجح الرب غضبان لأننا سمحنا بوجود جائع يتخبط وسط شبعنا.

اليكم المقتطف التالي للكاتبة ارونداتي روي والتي ترجمت لها مقتطف "على خطى الرفاق " من قبل. أنوه مرة اخرى : اذا كنت تجيد اللغة الإنجليزية بطلاقة فدس على رابط اليوتيوب ادناه طوالي.. اذا لا! فابقوا معي قليلا ثم بعد أن تكملوا قراءة الترجمة احضكم على الفرجة على الفيديو، لأن الكاتبة بهجة للنظر فهي ترتدي ساري اصفر بهيج وتضع زهرة بهية خلف اذنها

المقال باللغة الإنجليزية هنا http://massalijn.nl/new/the-ngo-ization-of-resistance/

أرونداتي :
هناك خطر يواجه الحركات الجماعية ، هذا الخطر هو طوعنة النضال . سيكون من السهل تحريف ما أود أن اقوله ليصبح وكأنه إدانة لكل العمل الطوعي.  هذا سيكون بهتانا. ففي وسط المياه الموحلة التي تطفح فيها المنظمات الطوعية الزائفة التي أنشئت للتخلص من المنح المالية، أو للتهرب الضريبي (في بعض الولايات كبيهار يتم استخدامها لدفع مهر الزواج)، ففي وسط كل هذا توجد منظمات طوعية تنجز أعمالا قيمة لا ريب. لكنه من المهم أن ننظر إلى ظاهرة العمل الطوعي في اطار سياسي أوسع.

ففي الهند على سبيل المثال،ازدهرت المنظمات الطوعية الممولة  في اواخر الثمانينيات وبدايات التسعينيات. وقد تصادف ذلك مع فتح الهند لأبواب أسواقها للسياسات النيوليبرالية.   في تلك الفترة كانت الدولة في الهند - بحسب شروط "جدولة الدين"-  تسحب دعمها وصرفها على التنمية الريفية، الزراعة، الطاقة، المواصلات والصحة العامة. وفي ذات الوقت الذي تخلت فيه الدولة عن دورها المنوط بها، دخلت المنظمات الطوعية لملء ذلك الفراغ . الفارق بالطبع أن الأموال المتوفرة للمنظمات الطوعية تساوي كسرا ضئيلا من الأموال الفعلية التي اقتطعت من الصرف العام.
معظم المنظمات الطوعية الكبيرة المدعومة يتم تمويلها و تسييرها بواسطة وكالات إغاثة وتنمية، والتي هي بدورها يتم تمويلها بواسطة الحكومات غربية، البنك الدولي والأمم المتحدة، وبعض المؤسسات الإستثمارية متعددة الجنسية. 
رغم أن هذه المنظمات الطوعية ليست شبيهة بوكالات الإغاثة هذه ولكنها بالفعل جزء من التشكيلة السياسية الفضفاضة التي تشرف على اتمام مشروع النيوليبرالية والتي تطالب بسحب الدعم الحكومي في المقام الأول.

ولماذا تقوم هذه الوكالات بدعم المنظمات؟ هل يكون ذلك مجرد حماسة تبشيرية قديمة؟ الإحساس بالذنب؟ الأمر أكثر من مجرد ذلك.  فالمنظمات الطوعية تعطي ذلك الإحساس أنها تملأ الفراغ الذي خلّفه انسحاب الدولة. وهم يقومون بذلك فعلا ولكن بشكل ضئيل لا يلقى له بالا. فإن اسهامهم الحقيقي يتلخص في أنهم يخمدون نيران الغضب السياسي، ويوزعون عبر الإغاثة أو الصدقة  ما يتوجب أن يحصل الناس عليه ك"حق". إنهم يحرّفون الوعي الجمعي. فهم يحولون الناس إلى ضحايا عالة ، أنهم يميتون شفرة المقاومة السياسية. فالمنظمات الطوعية أشبه بال"حجّاز" بين السلطة والشعب.  بين الإمبراطورية ورعاياها. لقد اصبحوا الوسطاء، مترجمو السلطة، الأجاويد.

وعلى المدى الطويل، هذه المنظمات يتم مساءلتها من قبل مموليها لا من قبل الناس الذين يعملون من أجلهم وبينهم.  هم يصبحون ما قد يسميه عالم نباتي : مؤشرات فصيلية (أي الفصائل التي تنشأ نتيجة لتغير بيئي، عبر نشأتها يمكن أن نعرف أن هناك تغير يحدث في البئية). فكلما اتسع رتق الكارثة التي تسببها سياسات النيوليبرالية كلما ازداد تفشي المنظمات الطوعية. ما من مثال أبلغ على ذلك من ظاهرة استعداد أمريكا لإحتلال دولة ما بالعدة والعتاد وفي ذات الوقت اعدادها للمنظمات الطوعية كي تتدخل لتنظيف الفوضى التي ستخلفها. 
وكي ما تضمن المنظمات الطوعية أن تمويلها لن يذهب سدى وأن حكومات الدول التي تعمل بها ستسمح لها بالعمل،فعلى هذه المنظمات أن تعمل ضمن اطار ضيق، يغيب فيه اي سياق سياسي أو تاريخي.  و تحديدا  أي سياق سياسي أو تاريخي مثير للجدل.

التقارير المحايدة سياسيا (وبالتالي فهي مسيسة للنخاع)  عن مناطق الكوارث في البلدان الفقيرة ومناطق الحروب تجعل "السواد" الأعظم في تلك البلاد "الداكنة" اشبه بضحايا مزمنين.  هندي آخر يعاني من سوء التغذية،  افغاني اخر لاجىء بمخيم ، اثيوبي اخر جائع، سوداني اخر مقطع الأوصال... كلهم بحاجة لمساعدة الرجل الأبيض.  هذه المنظمات تقوم  دون قصد على توكيد الصورة النمطية التي في المقابل تعزز انجازات و مزايا و تعاطف (التعاطف العنيف)الحضارة الغربية. انهم التبشيريون العلمانيون في العالم الحديث.

وبالتالي- ولو على مقياس أصغر إنما بذات المكر- يلعب التمويل المتوفر للمنظمات الطوعية في ساحة السياسة البديلة، نفس الدور الذي يلعبه استثمار "المضاربة"   أو ما يعرف ب"المال الساخن"   في اقتصاد الدول الفقيرة. قليلا فقليلا هذه المنظمات هي التي تحدد أجندة النضال. فهي تحول المواجهة إلى مساومة. وتحييدها للنضال عن السياسة. هي تتدخل في الحركات العفوية الشعبية والتي ظلت منذ أمد طويل مستقلة عن اي تدخل. فالمنظمات الطوعية لديها تمويل يسمح لها بتوظيف ابناء المنطقة الحادبون والذين كان من الإمكان أن يكونوا ناشطون في حركات المقاومة في مناطقهم، ها هم الآن يشعرون وكأنهم بوسعهم أن يقدموا صدقة سريعة وخفيفة بين أيديهم  (وأن يستلموا مرتبا على ذلك في الوقت نفسه)

المقاومة السياسية الحقيقية لا تقدم أي طرق مختصرة من هذا النوع. إن طوعنة السياسة يهدد بتحويل النضال إلى وظيفة مؤدبة ومحدودة تبدأ من ٩ صباحا إلى ٥ مساءا. مع بعض الحوافز. النضال الحقيقي له توابع حقيقية.  ودون ماهية.

2 comments:

  1. كيف تتحكم فينا لو ما ابقتنا على فقرنا دا

    ReplyDelete
  2. خطاب. رائع وواضح يكشف. الدور السئ لمنظمات الاغاثة
    ودورها. بالوكالة. عن راس المال العالمي ومنظماته الدوليه بنك الدولي والخ لتمييع. حركة. صراع الشعوب.المقاومه و المتطلعة. للانعتاق
    من. قبضتها وتبديل. واقع. حياتها في مواجهة. الأنظمة. الديكتاتوريه. والتابعه لسوق. العولمة والتي تجد الدعم. والحماية الإمبريالية
    لإرهاق. الشعوب. في نضالها حتى تصاب. بالرهق والعجز. في. التغيير

    ReplyDelete