Wednesday, 3 September 2014

خواء حمور زيادة وبديعه

(الإشارة في العنوان إلى اسم قصتين وردتا بمجموعته الأولى :سيرة امدرمانية، كانتا معنونتان: خواء ، والاخرى كان اسمها: بديع آخر الزمان)

هناك ونسة لطيفة ننجر إليها دوما أنا والكاتب حمور زيادة حول فن كتابة الرواية. وكنت في بادىء الأمر أتخذ موقفا مغايرا لرؤيته. فحمور يرى ان على كاتب الرواية أن يظل مخلصا إلى "الحدوتة"، فما من شيء يحرك الإنسان تجاه الرواية "كالفضول" بتفاصيل القصة : من فعل ماذا لمن؟ ويرى أن هذا كان العامل الأكثر جاذبية في كتابات الطيب صالح، التفاته لتلك التفاصيل الدقيقة (ولعل جدل : من هو مصطفى سعيد حقيقة؟ وهل هو الطيب صالح نفسه؟ لدليل بيّن على ذلك) ، بينما كان موقفي المغاير في أن القارىء دوما يريد شيئا اضافيا- الفضول وحده لا يكفي، الامر يتمثل لي ك "بونس" -حاجة فوق البيعة.

ليست الرسالة!!! هذا أمر نتفق فيه أنا وحمور تماما. كلانا يمقت سؤال "ما هي الرسالة خلف الرواية"، وأرى إن كان لا بد من هذا فليكن بمحض الصدفة.

الخلاف عندي يتمثل في مقولة ت.س.اليوت عندما شاهد المناظر المتحركة على شاشة السينما (لن يعود الشعر شعرا بعد اليوم). فالرواية أخذت منحنى حادا بعد اختراع السينما والتلفاز فخرجت من دائرة صندوق الحكايا الى فن آخر تماما.

لكن بالتدقيق أكثر لما كان يلفتني إليه حمور أصبح لدي تقدير أكبر لفنيات وتقنيات الحدوتة- وهي امر ما هين بتاتا!! وليس من هو أعلم بمضنى كتابة الحدوتة كمن حاولها بنفسه- تجربة روائية فاشلة لكاتبة هذه الأسطر- ولعل هذا يفسر هروب الكثيرين بالرواية نحو التداعي الذاتي أو كما علق برنارد شو في بعض كتاباته انها عبارة عن "ابواق" لآرائه . في تجربتيه الأوليين : سيرة امدرمانية (مجموعة قصصية) ورواية (الكونج) كان تقديري نابعا عن براعة الكاتب في الفرار من السقطات التي تواجه الكاتب في اولى تجاربه: انفلات السرد عن يده، وعدم اتساق شخصيات الرواية. فحمور استطاع ان يضبط السرد من ان ينفلت نحو ما لا لازم له ، فهو لم يسقط في فخ غواية اللغة والتأمل وبالتالي لم يقحم شخصيات الرواية في ما لا يلائمها. 
لم يغب عني بعض ما اشرت اليه في الرواية من غلبة المحرك الخارجي للسرد بمعنى ان العقدة تستعين بمعين خارجي. واشرت الى ايثار الراوي للسلامة في اختيار مكان٬آمن ومغلق للرواية تقل فيه التغيرات (كقرية الكونج)

لكن منطقة التوافق بيني وبين حمور كانت فيما يسمى بالرواية التاريخية. وهي الحدوتة التي تدور داخل ظرف تاريخي وتتفاعل بمكوناتها وفي الوقت نفسه تتفاعل بعناصر وعوامل التوثيق التاريخي. وفي رأيي انها من اصعب الكتابات. 

وكانت قد لفتت نظري قصة: الخواء التي وردت في مجموعة سيرة امدرمانية. ولحمور قدرة بديعة في التعامل مع التاريخ في السرد. ويعرف هذا عن حمور من كان يتابع كتاباته في سودانيز اون لاين- فحمور حاضر الذهن عند الكتابة عن التاريخ- وهي خاصية نادرة قلما يجدها المرء- لذا يتحرك في ثناياه بحرية كاملة من كل مناحيه. وليس هناك تفصيل هامشي في قراءته للتاريخ فكل حدث مهما كان صغيرا له دلالته ويخضع لتحليل ما عنده. 
واعتقد ان هذه المزية بالذات ما جعلت كتابته في التاريخ متميزة. في قصة الخواء وهي قصة مؤثرة حول اللحظات الأخيرة لسقوط مدينة امدرمان المهدية. نجد مقاتلا يواجه اصعب ما يمكن ان يواجه : لا الهزيمة- ذاك أمر هين- ولكن : الخواء بعد ان تفقد الايمان.  
"القبة كانت تلوح من بعيد بلا رأس، الثغرة في اعلاها كانت كفم مفغور دهشة مما أصابها" - الخواء

في رواية بديع اخر الزمان، تتبدى أزمة الأفندي -المثقف- الأزلية ، ما بين السلامة رغم المعرفة، وبين اتباع المعرفة وما يجره ذلك على المرء- هكذا تبدت لي القصة. مثقفون يقولون ولا يفعلون ويعيشون بالسلامة على هامش الحياة. وبديع اخر الزمان الذي يعرف ويتبع ويجرب وينزلق في مهاوي التجربة والمعرفة.

في رواية شوق الدرويش،  هناك نضج واضح في التعامل مع العناصر التاريخية وتوظيفها في الحبكة - اصبح هناك انتقاء للأحداث -حيث نلحظ في قصة الخواء كان هناك حرص على سلامة التوثيق التاريخي مما اثر على سير القصة ولغتها. وأنا لدي رأي ان اذا بدأ الراوي بداية صحيحة فكل الأشياء تقع في محلها : لغة السرد- الشخصيات- تسلسل الحبكة- الحوار. بل وحتى الحكي عن الرواية بعد نهايتها -فقد قرأت حوارات تجلى فيها حمور زيادة وهو يحكي عنها بمتعة تضاهي السرد

تتشابك خيوط الحدوتة الممتعة بحق، بين عدة شخصيات: بخيت منديل، حواء-ثيودورا اسيرة المهدية- الحسن الجريفاوي المجاهد النبيل. يلتقيان في فترة حرجة من التاريخ -فترة سقوط الدولة المهدية وانسحابها. هنا استغل حمور فضوله في التاريخ ليستدرج فضولنا نحو الحبكة.  هناك حرفنة حقيقية في الطريقة التي بها تتكشف تفاصيل الحبكة، حرفنة في اختيار الشخصيات التي تحرك السرد (محرك داخلي) حرفنة في الحوارات ذات الدلالة العميقة بين الشخصيات.
والمرء تتخطفه اثناء القراءة التفاصيل التاريخية، وحبكة الحدوتة و اللغة المحكمة للحوار .

كما قلت: هناك نضج واضح وقد احببت الرواية

مثل هذه الروايات مهمة جدا، اذ أنها تمنح التوثيق التاريخي بعدا جديدا، برغم ثراء هذه الحقبة بكتابات "السيرة" و الروايات الشفاهية لكن هذه الروايات أشبه بتجميع لهذه التفاصيل التاريخية في بناء واحد مما يحفز خيال المرء في تخيل الحياة داخل ذلك الظرف التاريخي المحدد. اعتقد ان أي تحليل تاريخي لا يجد اكتمالا دون مثل هذه الروايات.

اتمنى ان تثير الرواية الضجة التي هي أهل للضجة من بين فرق القراءات التاريخية المختلفة، بين مؤيدي ومعارضي المهدية، وجدل فن الرواية القديم. فهي تستاهل

النصيحة؟ انصح بهذه الرواية تماما للمكتبة السودانية. من حسن الطالع انها الان بمعرض الخرطوم الدولي  بجناح الهيئة العامة للكتاب وقد تبقى خمسة ايام على انقضاء المعرض






2 comments:

  1. شكراٌ علي الاقادة الرائعة عن روايات حمور و طريقة كتابة الرواية
    حتي الان لم يتنسي لي الاطلاع علي رواية شوق الدريش

    ReplyDelete
  2. قراءة جميلة لنص جميل ( شوق الدرويش) فعلا جبل شاهق

    ReplyDelete