Saturday, 16 October 2021

سيادة الغذاء (حرية "غذاء" وعدالة)

 حرية، "غذاء" وعدالة

كل سعي البشرية هو من أجل حالة السلام التي لا تتحقق إلا بالحياة الكريمة، حياة الكفاية والوفرة.

يسخر البعض منا حين نرفع شعارات ضد التبعية للسياسات العالمية في أننا لا زلنا نعيش في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي حيث كانت تلك شعارات اليساريون الحالمون. بينما لا يدرك من يرددون شعارات العولمة أننا لا زلنا نعيش تحت نفس أنماط الإستغلال التي ورثناها منذ الإستعمار القديم (الكولونيالي) والإستعمار الحديث. 

في الزراعة تحديدا، فنحن لا زلنا نعيش في أزمنة تسخير أراضي البلاد لخدمة المستعمر الحديث (شركات الأغذية والأطعمة والزراعة الإستثمارية الكبرى).


في الشهر الماضي انعقدت قمة أنظمة الغذاء العالمي بالإمم المتحدة، والذي قاطعته حركات صغار المزارعين والفلاحين (مثل حركة حياة الفلاحة أو لافيا كامباسينا، وتحالف سيادة الغذاء بإفريقيا) ذلك أن المؤتمر ضم شركات الأغذية الإستثمارية الكبرى المسببة لأزمة الغذاء في العالم. وهذا مقالي القادم بإذن الله.


حركة حياة الفلاحة والتي تعتبر من أكبر حركات العدالة الإجتماعية في العالم حيث تضم أكثر من 200 مليون مزارع وفلاح وعمال زراعيين ومجتمعات محلية  على امتداد قارات العالم، استطاعت بعد 18 عاما من تنظيم الوقفات الإحتجاجية ضد سياسات التجارة العالمية الحرة، وامام مقر البنك الدولي و مقر الأمم المتحدة، استطاعت اخيرا أن تصيغ قرارا أمميا يقر بحقوق الفلاحين تم إجازته بالأغلبية في الجمعية العامة للأمم المتحدة.


مسيرة لحركة حياة الفلاحة في مؤتمرها السادس بإندونيسيا




المنسقة العامة لحركة حياة الفلاحة مع مدير الفاو


هنا مقطع مترجم ل"أوليفيير دي شوتر" الذي كان مقرر الأمم المتحدة ل "حق الغذاء" وباحث متخصص في حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية. والذي يشرح فكرة سيادة الغذاء والتي هي شعار حركة حياة الفلاحة وأخواتها من الحركات الشبيهة.

المقطع باللغة الإنجليزية هنا




((عندما برزت فكرة (سيادة الغذاء) قبل عشرين عاما من كتابات مارك ايدلمان عن الفلاحين في غواتيمالا وموجة احتجاجات المزارعين في أمريكا اللاتينية، ومن الاجتماع الشهير عام ١٩٩٣ الذي تأسست فيه حركة حياة الفلاحة، ومن كتابات رافاييل لاغري وبول نيكولسون هؤلاء العمالقة أصحاب البصيرة. كان لحركة سيادة الغذاء درسا هاما لتعلمنا اياه. وهو : السياسات التي تتعلق بالغذاء والزراعة يجب أن لا تكون رهن شطحات الأسواق العالمية. 


برزت هذه الحركة بعد سنة من مفاوضات دولية وضعت فيها الزراعة على طاولة الصفقات التجارية  لتكون وجهة جديدة لطاحونة التسليع العظيمة التي اجتاحت العالم. وطلب من المزارعين حول العالم أن يتنافسوا مع بعضهم البعض، فيكون البقاء للأقوى والفناء للأضعف من سوق المحاصيل.

أراد التجار المفاوضون أن يتنافس المزارعون بين بعضهم البعض، لكنهم عوضا عن ذلك و تحت راية (سيادة الغذاء) توحدوا ضدهم. ومن ثم طفت مفردات غريبة وجديدة على الساحة، فبينما كان هؤلاء الذين يتحدثون عن (حرية) التجارة العابرة للحدود يدفعون المزارعين دفعا نحو مصير من "العبودية" للسوق العالمية وشركات الغذاء الاستثمارية. كان  دعاة "سيادة واستقلالية الغذاء"يتحدثون في الحقيقة عن تحالفات وروابط عابرة للحدود السيادية، كانوا يتحدثون عن حركات اجتماعية لا عن حكومات سيادية، كانوا يدعون إلى ما أسماه الكاتب يان دو فاندربلو- فن الفلاحة لا تجارة الزراعة. 











هوجم دعاة  سيادة الغذاء وحلفائهم على عدة جبهات. اتهموهم بأنهم يقدمون مصلحة المنتجين والمزارعين على مصلحة المستهلكين، تحديدا المستهلكين في المدن، والذين يفترض أنهم يرغبون في غذاء وفير ورخيص ومتنوع خلال المواسم السنوية الأربع، ويفضل أن تكون لهذا الغذاء صلاحية طويلة على أرفف الدكاكين. 

ولكننا الآن نعرف الإجابة على هذا الاتهام، نعرف الان المضار والتكلفة العالية لنظام الغذاء الرخيص الذي تم تسويقه لنا، اعتلال الصحة بسبب النظام الغذائي المختل المكون من الأطعمة المصنعة تجاريا، الأجور المنخفضة لعمال الغذاء بدءا من لاقطي ثمرات الطماطم في مزارع فلوريدا وصولا لعمال مطاعم مكدونالدز ، الدمار البيئي على أوسع نطاق. كل هذا الخراب الراجع لهوس الإنتاج الوفير الذي يسترخص الجميع عدا الشركات التي تقود هذا النظام بالطبع! 

لكننا الآن ندرك أنه لا يجب أن تكون وفرة الأسعار كلفته أجور البائسة للعاملين في الغذاء و لا يجب أن تكون على حساب سياسات الضمان الإجتماعي التي تتيح للجميع حتى الفقراء أن يحصلوا على الطعام بسعر ميسور للجميع

.

أتهم دعاة سيادة واستقلالية الغذاء بالرجعية لإنكارهم لفوائد التجارة العالمية، وللفائدة المرجوة من جعل كل إقليم يتخصص في زراعة محصول واحد أو محاصيل بعينها لينافس بها في السوق العالمي. فكان ردنا على هذه التهمة، أن التجارة العابرة للقارات والتي تتحكم بها الشركات صاحبة شبكات الإتصال والمواصلات والقدرات اللوجستية المهولة التي تشتري بها محاصيل الموز وحبوب الصويا من مزارعين يبعدون عنها بآلاف الأميال، ليست هي اسلوب التجارة الأوحد، فهنالك الأسواق المحلية والإقليمية التي أهملت و انكمشت بسبب تمدد هذه الأسواق العالمية نفسها. 

والآن ينبهنا دعاة حركة سيادة الغذاء لمخاطر اعتماد الدول على استيراد غذائها خاصة وأن أسواق الغذاء تمر دائما بكوارث وصدمات اقتصادية ترفع بدورها من أسعار السلع الغذائية. 

هذا هو الجدل الذي دار ولا يزال يدور منذ عشرين عاما حول الغذاء، ورغم أنه ما من منتصر في هذا الجدال إلا أن المعركة من أجل استقلالية الغذاء لا بد أن تستمر، في الشوارع وفي الحقول وفي الصحف والمجلات ، كل هذه المساحات لا بد أن تحتلها حركة سيادة واستقلالية الغذاء صالحها.

والآن مضى الجيل الذي كان يقود هذه الحركة، والمشاكل التي تواجه النظام الغذائي تفاقمت وتضخمت وكذلك فكرة سيادة  واستقلالية الغذاء تمددت أكثر من ذي قبل . فهي حاضرة وممثلة في (شبكة محليات سياسات الغذاء) المنتشرة بدءا من كويبيك كندا في شمال أمريكا وصولا إلى أوكلاند  في نيوزيلاندا (وهي أجسام تكونها الحكومات او منظمات المجتمع المدني لتوجيه سياسات الغذاء في منطقة بعينها) ،وفكرة سيادة الغذاء حاضرة  في النفرة التي على اثرها انتشرت أسواق المزارعين المحلية ومخططات الزراعة المتفق عليها مجتمعيا، وهي حاضرة  في بنوك الطعام التي تسعى إلى ربط الناس بالمزارعين المحلييين وبالأنظمة الغذائية المحلية. هي  حاضرة كمرجع لأولئك للذين يزرعون طعامهم بأنفسهم عبر جناين الخضر والفواكه في ميادين الأحياء الحضرية أو في حيشان مدارس أولادهم.


غموض مفهوم سيادة واستقلالية الغذاء سمح بتنوع المبادرات التي تنضوى تحت اسمها، وهذا التعدد يعود ليثري مفهوم استقلالية الغذاء. ولكن هذا التعدد لا يعني العشوائية فبرغم تنوع المبادرات تحت مفهوم استقلالية الغذاء إلا أن هناك خمس خصائص أساسية تجتمع فيها هذه المبادرات على تنوعها.

الأول هو سعيها لجسر العلاقة بين المنتج في الريف وبين المستهلك الحضري عبر إعادة تعريف نظام الغذاء المحلي وقلبه. ففي السابق كانت مراكز منظمة التجارة العالمية في هونغ كونغ وفي سياتل هي التي توجه نظامنا الغذائي، لكن اليوم فالموجه هو مجلس إدارة مدرسة محلية في مكان ما، كافتريا مكان العمل أو أسواق المزارعين الشعبية. هناك تحالفات تبنى اليوم ما بين المزارعين والسكان المحليين والبلديات. في السابق كانوا يتهمون دعاة استقلالية الغذاء أنهم منحازون لصالح المزارعين على حساب المستهلكين في المدن ولكن اليوم! يا للعجب، فسكان المدن هم الأكثر نشاطا داخل حركة سيادة الغذاء.


ثانيها: هذه التنوعات التي تبرز تحت راية سيادة  الغذائية هي مبادرات ديمقراطية. في البدء كان الناس مستهلكون سلبيون، لكنهم اليوم مدنيون فاعلون، يعملون من أجل التحكم في السلسلة التي من خلالها يصل إليهم الطعام، ويؤكدون على حقهم في اختيار شكل هذه السلسلة. والإختيار ليس مجرد فعل سياسي سالب، بل انه يتجاوز حق الإختيار إلى حق المبادرة وتشكيل أنظمة الغذاء. وكما ساد في عصرنا هذا مفهوم ديمقراطية مكان العمل، فعلينا أن نستعد لمفهوم ديمقراطية الغذاء. 


ثالثها : هي الروابط الإجتماعية الجديدة والمتنوعة التي تشكلت بفضل حركة استقلالية الغذاء والتي تسعى لتقوية الروابط الإنسانية. الكاتب والمفكر كارل بولاني قد تحدث من قبل عن ان اختراق السوق والتسليع لكل منحى من مناحي الحياة قد أفقر الروابط الإنسانية. فنظام السوق يستفرد الناس ويقلل من اهمية الروابط الإجتماعية فيتم التعامل معهم إما كمنتجين أو مستهليكن، بائعين أو مشترين ويتحدثون فيما بينهم بلغة الأسعار فقط. ولكن حينما يجتمع هؤلاء الأفراد لينشؤوا مجلسا محليا لسياسات الغذاء، او عندما يزرعون حديقة خضروات في الحي، او حينما يجتمعون سويا لإقناع ادارة مدرسة أن تشتري طعام الكافتريا من السوق المحلي، يصحبون أناسا بروابط اجتماعية قوية، وعلاقات اجتماعية متنوعة وثرية، هذه الطريقة لا تقوم فقط بجعل حياتنا اكثر متعة وإثارة واحق بالعيش نحو الإنسانية كما ينص على ذلك منفستو الزاباتيستا، لكنها هذه العلاقات الإجتماعية لها تأثير أفضل على الصحة، بل اثبتت الدراسات ان هناك عامل واحد هو الأهم في تحسين صحة الإنسان وإطالة العمر، عامل هو اكثر اهمية من تقليل الكحول والامتناع عن التبغ، اكثر اهمية من الابتعاد عن الخمول، الا وهو : بناء الروابط الإجتماعية.



مؤتمر لا فيا كامباسينا السادس بإندونيسيا 2013





رابعا: استقلالية الغذاء تعلي من قيمة المرونة على قيمة الكفاءة، بمعنى أنهم يتعاملون مع واقع اننا ندخل في عالما مضطربا: لقد وصلنا إلى ذروة انتاج النفط(بعدها سينحسر وجود النفط في العالم) الاضطرابات في دورة النايتروجين المثري للتربة والموجود في المياه وفي تكويينا الجيني، والذي ايضا ينتج التاكل الجيني الذي نراه في اختفاء فصائل النبات والذي فاقمه التركيز على مشاريع الزراعة الضخمة الأحادية (أي التي تخضع اقليما لزراعة فصيل محدد من المحصول) وفقر التربة، الكوارث المفاجئة الناتجة عن تغير المناخ، الكوابيس اللوجستية الناتجة عن اكتظاظ المدن، هذه الظروف تنذر بالمزيد من الإضطرابات السكانية واشتعال النزاعات، وهذا يتطلب منا ابتداع حلولا فورية وسريعة.

فكما أن المرونة هي في قلب حركة المدن المتحولة- (وهي حركة تسعى لتحويل المدن الحضرية من مدن استهلاكية هشة تدمرها الكوارث الطبيعية والأزمات الإقتصادية، إلى مدن قوية منتجة قادرة على ان تكون مرنة في مواجهة تلك الكوارث) فالمرونة أيضا في قلب المبادرات الشعبية القاعدية التي تتبنى اهداف حركة استقلالية وسيادة الغذاء. الكلمات المفتاحية هنا: التقليل من الإعتماد الجامد على الظروف الحالية، والتنوع الهائل. فكلما زادت الحلول المحلية معتمدة على الموارد المحلية قلت احتمالات التعرض للكوارث الخارجية، مثل : ازدياد اسعار الكهرباء او الكوارث الطبيعية التي تصيب السوق بالندرة والشح خاصة للشرائح الفقيرة، لا نعني ان المنتجات المحلية ستصبح بديلة للمنتجات الخارجية إنما إضافة لها، وكلما زادت وتنوعت الحلول والمبادرات، كلما أصبح النظام المحلي أكثر قوة في مواجهة الطوارئ التي لا يمكننا التكهن بها، لكننا متأكدون الآن انها ستكرر أكثر واكثر في المستقبل. 


خامسا: حركة سيادة واستقلال الغذاء هي مرتبطة ارتباطا وثيقة بعلم الزراعة البيئية (أقرو-ايكولوجي) ، فليس من قبيل الصدفة أن بروز الجيل الثاني من حركة سيادة الغذاء تزامن مع فتوحات في علم الأقرو-ايكولوجي وهو العلم الذي يربطنا بالأنظمة الحيوية والطبيعية التي تمنحنا الغذاء. علم الزراعة البيئية يعمل على تقليل اعتمادنا على العوامل الخارجية في الزراعة مثل الطاقة المستمدة من الوقود العضوي، والإعتماد على العوامل المحلية والطبيعية المدورة من المزرعة نفسها. 

والمزراعون أنفسهم تحولوا من مجرد أفراد سلبيون يتلقون المعرفة من اخرين كعلماء يرتدون معاطف المختبرات البيضاء او اقتصاديون يظنون أنهم يملكون حلولا سحرية يمكن تطبيقها في اي وقت وفي اي مكان. المزارعون مع الزراعة البيئية اصبحوا ينتجون المعرفة التي يعملون بها، وهي معرفة تطبيقية، مرتبطة بالتربة التي يعملون فيها والنظام البيئي الذي يعيشون فيه.

علم الزراعة البيئي يقوي المزارعين، حيث انها تربط المزارعين في روابط اجتماعية تنتقل المعرفة فيها افقيا والتي تدريجيا تحول النظام الغذائي من حولهم. علم الزراعة البيئي يدرك تعقيدات وتنوعات النظام الحيوي من حولنا ولا يعمل على تبسيطه، وبالتالي هو الأقدر على مواجهة الكوارث التي تتسبب في حالات الشح والندرة . العلاقة بين حركة استقلال الغذاء وعلم الزراعة البيئي ليست علاقة ظرفية مؤقتة بل هي أساسية قائمة على اتفاقهم على سبب العلة في النظام الغذائي واتفاقهم على عقم النظام الغذائي الحالي الذي ورثناه.

والان دعوني اعدد لكم مساوئ نظامنا الغذائي الذي ورثناه: فهو نظام تحكمه الشركات، متعطش دوما للوقود، ومهووس بتخفيض كلفة الإنتاج لدرجة استرخاص اشياء تحمل كلفتها الجماعة، اعتلال الصحة، تفريغ القرى، والدمار البيئي.

يذكرني هذا بغاندي عندما سألوه عن رأيه في الحضارة الغربية؟ فقال: اعتقد أنها ستكون فكرة جيدة.

ربما حان الوقت لنحضر نظامنا الغذائي، او لتمدين نظامنا الغذائي ودمقرطته، ونحرره من عبودية الفاعلية حسب طلب السوق، ليكون طيعا لإحتياجات المواطنين

بالطبع ستكون هناك مقاومة للحركة، من قبل اصحاب المصلحة، المالتوسيين المتحمسين (هم انصار نظرية أن الزيادة السكانية هي سبب المجاعات)، انصار التكلفة الرخيصة، الاقتصاديون المهووسون بالنمو، واصحاب النظرة الضيقة لمعنى الحداثة، المتسوقون النمطيون،كل هؤلاء من عوائق التغيير.

لكن النظام الغذائي التقليدي نفسه مكون من عنصر واحد جامد، بل عناصر صغيرة متعددة، يمكن تغييرها واحدة تلو الأخرى، والتغيير ييدأ من القاعدة، بالمبادرات الجماعية، والروابط الإجتماعية المبتكرة التي تخلق البدائل بإستمرار وتضغط من أجل الإصلاح. 

نحن اليوم في حاجة إلى حكمة حركة استقلالية وسيادة الغذاء. أي حكمة؟ دعوني اقص عليكم قصة امرأة حكيمة ببلدة بعيدة. اتفق صغار الحي على اختبار حكمتها، فاصطاد احدهم عصفورا وامسكه بين يديه وذهب اليها سائلا: احمل طائرا في يدي، هل هو ميت ام حي؟ فعلمت أنه إن أجابت أنه ميت سيريها طائرا حيا و لو اجابت انه حي ، قام الولد بخنقه واثبت خطلها ، فأجابت : يا بني ، ما بيديك هو المستقبل! إما موت وإما حياة!))


وسأقوم في مقالات مترجمة قادمة بتفصيل هذا الخيار، إما أن نستمر في نفس أنظمة الزراعة والغذاء التقليدية للإنتاج المضاعف المفقر والمجوع للبشرية أو نغير أنظمة الزراعة والغذاء نحو أنظمة العدالة والتشارك. بيدنا المستقبل.






Friday, 8 October 2021

نقابة المنشأة مفتت الوحدة النقابية؟ نعم ولا

نقابة المنشأة مفتت الوحدة النقابية؟ نعم ولا 


الثورة هي النفاج!

في ابريل 2020 نشرت الكاتبة الهندية  مقالا بعنوان (الوباء هو النفاج) ، قصدت أن حالة العجز والشلل التي ووجهت بها أنظمة العالم هي فرصة لبناء أنظمة ومفاهيم جديدة لعالم ما بعد الوباء. 

والثورة هي النفاج، الثورة التي وقفنا فيها على خرابة الوطن، هي فرصة لبناء أنظمة جديدة من الركام.


الصورة من صفحة تجمع تصحيح واستعادة العمل النقابي بالفيسبوك


نقابة المنشأة مفتت للوحدة النقابية؟ نعم ، وهي نعم الخوف والتوجس لا غيرها.

مفهومة هي المخاوف التي يطرحها المعترضون على نقابة المنشأة وفكرة الجمع بين نقابتين (منشأة وفئوية)، وهي مخاوف مرتبطة بإنفلات سلطة اتخاذ القرار في حالة تحول نقابة الفئة إلى تحالف نقابات منشأة، فالخوف من يتم اختراق نقابات المنشأة من قبل مصالح خارجية (رأسمالية أو سياسية أو أييولوجية) عبر الرشوة، والحشد المضاد ويؤثر ذلك تبعا على وحدة نقابة الفئة. هذا وارد. ولكن ليس هناك ما يقول أن نقابة الفئة حصرا هي محمية من الإختراق والإستقطاب السياسي. بل تاريخ الحركة النقابية في العالم يعج بأمثلة الإستقطاب لنقابات الفئة واستخدامها كسلاح في المعارك السياسية حتى ضد مصالح العمال والفئة التي تمثلها. ولم تكن حركات الإصلاح والتنظيف للنقابة إلا من خلال ضغط العمل المنظم للعمال من داخل أماكن عملهم (=المنشأة).

كما أن الرد على هذا التخوف لا يكون بالردع! ففرض قانون نقابي موحد يستخدم القانون كأداة لقمع العمال النقابي الحر هو اخر ما يتوقعه المرء من رواد العمل النقابي، لأن تاريخ الحركة النقابية ظل دائما حركة شرعنة الواقع الحي على القوانين المتجمدة، وفرض الشرعية القاعدية المباشرة على شرعية (التمثيل) بالقوانين والبيروقراطية.


الصورة من صفحة تجمع تصحيح واستعادة العمل النقابي بالفيسبوك

إذا فلا ، ليست هذه المخاوف سببا مشروعا لرفض فكرة الجمع بين النقابتين كمفتت للوحدة النقابية. ولأن ما يحمله الجمع بين نقابتين من إمكانيات لتعضيد الحركة النقابية يستحق تبنيها. ذلك أنها ستحول نقابة الفئة من جسم إداري صفوي، مكون من منسقين ومناديب ، يعمل عبر الترهل البيروقراطي،  إلى جسم عمالي قاعدي حيوي من عضوية فاعلة في أماكن عملها وواعية بقضاياها اليومية وقضاياها العامة.

ليس هناك أدنى شك أن المكاسب التي ننعم بها اليوم مثل ( الحد الأدنى للأجور، العطلة الإسبوعية، الحوافز والترقيات، اجازة الوضع وساعة الرضاعة، ساعات العمل المحددة) هي من مكاسب العمل النقابي الموحد، وهي مكاسب حققتها النقابات الفئوية. بل وفي بلدان مثل التي أعيش فيها (أستراليا) فتشمل المكاسب أيضا النظام الصحي الأساسي المجاني الذي ينعم به كل مواطن أسترالي عامل وغير عامل، صغير وكبير، والذي هو ثمرة العمل النقابي الفئوي الموحد.


نعم ، صحيح، أن التغييرات الجذرية وإصلاح السياسات العامة، لا يأتي إلا خلال من الوحدة النقابية، وتحديدا من العمل النقابي الفئوي. 

وصحيح أن تجربة نقابة المنشأة السابقة هي محدودة، و كانت مرتبطة بالأنظمة السياسية التي تسعى لقمع الحركة النقابية والسيطرة عليها وقطع الطريق أمام وحدتها. 

إلا أنه على الجانب الآخر ، فإن نقابة الفئة كجسم تمثيلي كان ثقيلا وبطيئا في استيعاب التغيرات أو الإنتباه للفجوات وسط الفئة العمالية لولا همة العمال وتنظيمهم لأنفسهم في أماكن عملهم وإجبار نقابة الفئة على استيعابهم، مثال لذلك تأخر النقابات الفئوية في أمريكا من استيعاب السود في صفوفها، و تذبذبها في استيعاب فئة النساء العاملات في المكاتب ضمن اتحادها في أمريكا.


بالإضافة لعيوب أخرى سآتي على ذكرها، أرى أن حلها يكون في تدعيمها بالإنتماء لنقابة في المنشأة. وإني أؤمن أنه كما استطاعت الثورة السودانية أن تقدم نماذجا فريدة غير مسبوقة للمقاومة السلمية غير المركزية، أن لديها القدرة على تقديم تجربة فريدة ونموذج ساطع للعمل النقابي الحر.


الصورة من صفحة تجمع تصحيح واستعادة العمل النقابي بالفيسبوك




التمثيل النقابي الفئوي يعتمد على انتخاب هيئة\ مكتب تنفيذي، واختيار ممثلين ليكونوا حلقة الوصل بين العمال ونقابة الفئة. قد يكونوا هؤلاء الممثلين منتخبين من قواعدهم، أو معينين من قبل نقابة الفئة للتنسيق بين النقابة والعمال في أماكن عملهم. يحتاج هذا الإمر إلى (تفريع) وتعيين منسق قبالة عدد من المنشآت ، ذلك أن تصعيد منسق من المنشآة يعني في بعض الفئات تصعيد آلاف المنسقين والذين هم بدورهم يحتاجون إلى منسقين يصلون بينهم وبين المكتب التنفيذي. فيصبح قوام نقابة هي مجموعة من الإداريين النشطين بعيدين عن نضالات الحركة العمالية اليومية، ويتحول الجسم النقابي الفاعل إلى جهاز إداري بيروقراطي.



كما أنه أصبحت هناك شكوى متكررة من النقابات حول العالم، وهو انحسار العضوية وكذلك ضعف التفاعل، برغم ازدياد توحش الرأسمالية واستغلالها للعمال وانحسار الضمانات الإجتماعية وزيادة الحاجة للعمل المنظم. والحقيقة أن سبب ذلك الإنحسار هو لذات السبب. فتوحش الرأسمالية وانحسار الضمان الإجتماعية زاد من حوادث استغلال العمال في أماكن عملهم بشكل يومي. فأصبح وجود النقابة والعمل النقابي اليومي ضرورة ملحة، لا يحتمل إنتظار التصعيد وتراكم الشكوى والمظالم. 


ولا ينحسر العمل النقابي في تنظيم الإضراب أو الضغط على الإدارة في التفاوض. بل يعني أيضا تنمية مهارات التواصل والتعامل مع الإدارة في تحسين ظروف العمل. وبناء عمالة واعية قادرة على الحشد والتنظيم في تحقيق مطالبها اليومية، مرتبطة ارتباطا وثيقا بمكان عملها بقدرتها على ادارة مناخ العمل. ومهارات العمل اليومي المكتسبة تخلق عضوا نقابيا فاعلا ومميزا، قادر على مشاركة خبراته مع زملائه في النقابات الأخرى وبناء استراتيجيات وتكتيكات عمل متطورة تفيد نقابة الفئة الموسعة. 


كما أن هذا يعضد من التنسيق بين العمال في أماكن العمل المختلفة ليس فقط على مستوى القضايا العامة بل على مستوى القضايا اليومية بتبادلهم للخبرات وخلق شبكات عمل مختلفة يصعب فضها بواسطة السلطة المركزية القابضة. وهو ما أحب بتسميته خلق غابة من الشرعية المتشابكة والمتفرعة.


وبمواكبة خطاب العدالة الإجتماعي، الذي أصبح يبتعد عن المركزية التقليدية، نجد أن فرض قالب واحد للعمل النقابي بالقانون أصبح بعيدا عن روح العصر، الذي تبرز فيه الحركات المحلية التي تنتظم في أماكن العمل والسكن ويكون لها القدح المعلى في الشرعية على الإدارة المركزية بل تقوم بتوجيهها، كما أنها أيضا بعيدة عن روح ثورتنا التي كانت نواتها العمل غير المركزي في الأحياء والذي يظل أقرب لتحقيق آمال الثورة من الحاضنات السياسية والنخب المركزية. 


وعافية العمل النقابي الموحد لا تأتي عبر سلطة القانون القابض، بل لا يمكن أن تتحقق أي نوع من المعافاة تحت قسرية القانون، بل عبر التضامن الحي الواعي بأشكاله المختلفة حول قضايا موحدة.


هناك أمر آخر يعلي من قدح من التنظيم النقابي القاعدي اللامركزي، وهو أنه يعطي القضايا اليومية المباشرة والملحة الأولوية و يستعيد مكانتها في الخطاب السياسي العام وتكون بالتالي رهن الشارع ورهن لغته وتجاربه وخبرته وأدوات عمله، ذلك وقد ظل الخطاب السياسي العام في السودان يترفع عن القضايا ويقوم بتتفيهها بوعي أو بدون وعي لصالح قضايا عامة تملك ادواتها ولغتها نخبة ضيقة ذات امتيازات مشتركة عبر التاريخ، وبقصد أو بدون قصد، يكون حتى الحديث  عن القضايا العمالية والقضايا القاعدية لا يتم إلا من خلال قالب (الإنسياب إلى أسفل) trickle down وهو نموذج يأنف اليساري عن تبنيه.


لا يعني أن العمل النقابي اللامركزي لا يحمل تحدياته، خاصة أن مساحات العمل في مناطق عديدة في السودان تصطدم بالمصالح القبلية أو السيطرة الذكورية على مساحات العمل، غير أن جر هذه النزاعات نحو اليومي والمباشر يضعف من هيمنة المصالح الكبرى على مساحة العمل ويغيب التحالفات التي تنشأ خارج مكان العمل. كما أنه يضعف من قدرة تحالف الرأسمالية أو اصحاب العمل من لعب لعبة فرق تسد بإستغلالهم لثغرات القبلية أو الأسرية أو الذكورية في مكان العمل. مثال لذلك أن النضال اليومي في مكان العمل سيستدعي بشكل متكرر إشراك النساء بدلا من تهميشهم، أو وضع الإستعلاءات الإثنية جانبا من أجل تحقيق مصلحة مشتركة.


نأتي لمسألة أخيرة، وهو جمع نقابة المنشأة بين فئات مختلفة، كالعمال والموظفين، أو بين المهني والفني. أولا من أجل فإن المطلب ليس : هذا أو ذاك، نقابة أم منشأة؟، بل الحشد نحو الجمع بينهما. هذا من جانب. من جانب آخر ، هذا يفترض أن العلاقة بين العامل والموظف الذين تجمعها (علاقات قهر واحدة) هي علاقة صراع أو تضارب مصالح. وقد ذكر مهتمون بالشأن النقابي من قبلي عن تاريخ النضال المشترك بين الفئات العمالية و المهنية في فترات مختلفة من تاريخ السودان. بل إن نقابة المنشأة تعمل في عملها اليومي في الوحدة على تحسين استراتيجيات وتكتيكات العمل في التحالف تستطيع نقل خبراتها وتجاربها في العمل النقابي الفئوي في خلق تحالف عريض. 

كما أنه للمفارقة، تجد في المنشأة أن علاقات القهر ليست بالضرورة من مهني على عامل، بل تتعقد، بحيث يجتمع الطبيب والعامل الصحي والفراش ضد إدارة المستشفى التي قد يكون على رأسها طبيب فيكون ما يجمعها أكثر من ما يفرقهما. كما أن هناك قهر من العامل على العامل، كقهر العامل على يد العامل مدير الوردية، والذي تشتبك مصالحه مع ادارة المنشأة بعيدة عن مصلحته مع زملائه العمال. فنقابة المنشأة تعمل على تمحيص علاقات القهر هذه بشكل لا تقوم به نقابة الفئة التي قد تجمع بين العامل المدير والعامل، وبين المهني صاحب المنشأة والمهني المعين في المنشأة.

لذا فإن الجمع بين النقابتين يقوم بوزن علاقات القهر بمواجهتها في مستوياتها المختلفة.


أرى أنه لا بد من إعادة النظر في طرح شعار (قانون نقابي موحد) يعمل على قسر الحركة النقابية (بسلطة القانون الإداري) التزام شكل عمل موحد. خاصة وأن نماذج النقابات الفئوية المتعددة في السودان التي تنشط في العمل السياسي وتدخل نخبها في صراعات سياسية تخصها ولا تخص عضويتها، وضعف أدائها في تحسين أوضاع العمل اليومية لعضويتها ، وكذلك ضعف قدرتها على خلق تحالفات تتجاوز ضيق الأفق السياسي في مخاطبة قضايا ملحة مثل السلامة المهنية والسلامة في مكان العمل هو أمر غير مبشر.

 





Monday, 21 December 2020

أهل البيت، أنصار الطيرة

أهل البيت، أنصار الطيرة


إنما مثلنا كمثل أهل البيت مع الحاوي صاحب الطيرة

يحكى أن رجلا حباه الله ببسطة في التدبير و وسعة في الحيلة و فرصة في اكتساب المعارف لم تتح لغيره، وهمة في تتبعها حتى وصل بها إلى بلاد ما وراء البحر، فتعلم لسان أهلها وكرس كل تلك المعارف لصقل موهبة التدبير وتوسعة الحيلة.

عكف على حيلة بارعة. صقلها ونمقها ورتبها وصففها حتى استقامت له ولاحت له فرصة ذات ظهيرة، فمر على صاحب بيت يستظل به ذات قيلولة.

اتسعت ابتسامة الحاوي الساحرة وناداه : يا..يا أخينا، هههه.. يا هوي.. يا صاحب البيت.

إنتبه صاحب البيت من نعسته: حبابك الحاوي! تعال جاي

تقدم الحاوي بخطوات ثابتة نحو صاحب البيت، ومال بوجهه قريبا من وجهه وهمس ضاحكا: أسمعني.. أنا بقدر أقلب ليك بيتك دا كله… طيرة!

احتاج صاحب البيت بضع دقائق ليفهم الكلام الذي بدا له غريبا، بيت؟ طيرة؟ ثم مال للوراء مقهقها: طيرة؟ يا زول؟ تقلب لي بيتي دا كله لطيرة؟ " وضم أصابع كفه كناية عن الضآلة والاستحالة.

اعتدل الحاوي وهز رأسه مجيبا وأضاف بثقة مبهرة: "أيوة طيرة"

اتسعت  عينا صاحب البيت وتأمل الحاوي مفكرا إن كان فقد عقله، أو أنه فتح عليه، وفي حيرته ضحك قائلا " اقلبه كان بتقدر تقلبه"

ثم أضاف بصوت عال ليلفت انتباه أهل بيته والمارة وكأنه يحاول أن يؤكد لنفسه إن كان هذا الحوار الغريب يحدث فعلا:

" تقلب برنداته ومنافعه وغرفه وديوانه وحيشانه وبهمه وشدره وعناقريبه وحلله لطيرة؟ طيرة؟"


هز رأسه ايجابا وخطى خطوتين إلى الوراء، متفحصا للبيت، وشمر كم جلبابه عن ذراعيه. متمتما لنفسه هامسا مستغرقا غير منتبه لأهل البيت الذين خرجوا لرؤية الحيلة ، ولا الأولاد الذين تركوا لهوهم لمتابعة هذا الحدث الخطير، ولا لطنطنات الحبوبة التي مصمصت شفتيها استهجانا لهذه الملهاة.


انتبه الحاوي فجأة وامتلأ سرورا للجمع الغفير الذي التف حوله مترقبا، كاتما أنفاسه، اتسعت الابتسامة في وجهه، فضاقت عيناه الذكيتان، جر نفسا وصاح فجأة:

"شرررم بررررم هيللا هيللا، هيلللا هيللا، هيلاااا هوب!"

فإذا الأرض أسفل منهم تهتز وتمور ، انتفض البيت الكبير، وتقوست جدرانه وصرت صريرا فزعا وكأنها تولول، فارت حيشانه وماجت، هوى السقف مرة واحدة والتقت الأعمدة في عناق شره حتى اختفت الواحدة في الثانية. و…!

وأمام أعينهم التي لم ترف للحظة وقد تسمرت رعبا لما يحدث أمامهم، حسا البيت حسوا حتى صار طائرا صغيرا جميلا، رقيق الهيكل، يداعب النسيم ريشه اللطيف.

فغر الجمع فاهه، مدققا ناظرا في الطيرة، وقد ابتلعت الدهشة لوهلة كل مفردات اللغة وتعابيرها فامتنعوا عن الكلام. مرت لحظات صمت حائرة بينما الحاوي يتأمل بإعجاب شديد حسن تدبيره، مرر أصابع يده اليسرى على كفه الأيمن مداعبا مستحسنا.

كان الأولاد أول من قطع الصمت، صفقوا دفعة واحدة، تقافزوا فرحين حول الحاوي، صائحين فرحين "بيت قلب طيرة! بيت قلب طيرة! طيرة طيرة، طيرة طيرة!"

ضحك أصحاب البيت وتلفتوا حولهم عجبا محدثين بعضهم البعض " يا حولااا! شفت الكلام دا؟ البيت انقلب طيرة!" "يا حاوينا يا ساحر يا عظيم، علي بالطلاق سواتك دي ما سواها زول"

هشت النساء لقسم الطلاق المغلظ فخف ارتباكهم وأطلقن الزغاريد والضحكات.

ربت الرجال على ظهر الحاوي، تدافعوا بالكلام سوية ، كيف فعلتها؟ شفت سوى كيف؟ قال شنو؟

ردد الأولاد وكانوا الأقدر على الحفظ " شررم بررم هيللا هيللا هيللا هيللا هيلاااااا هووووب" 


نقلت الجدة ثقل جسدها المتكئ على رجلها نحو رجلها الأخرى، زفرت متأففة، وقد أعياها الوقوف.

عندها فردت الطيرة جناحيها الرقيقين، كتم الجمع أنفاسهم. و… فت فت فت فت فت رفت الطيرة نحو السماء. 

هتف الأولاد خلفها "طيرة طيرة، طيرة طيرة"

وانضم إليهم أهل البيت مصفقين مهللين " طيرة طيرة، طيرة طيرة"

مدوا اصابعهم ولوحوا بأيديهم نحو الطيرة.

طيرة طيرة! 

طيرة طيرة!

طييييرة طيييرة!

ط..طيرة طيييرة

طيرة!

طير!

طي

ط

واختفت في جب السماء.

 تنفس الناس الصعداء وخرتوا بواقي الضحك عن وجههم والتفتوا نحو الحاوي.

"أها؟"

فرد الحاوي مبتسما " أها!"

ضحك صاحب البيت مرتبكا "شنو يا؟ اها؟"

تساءل الحاوي مندهشا "أها؟"

تلبس صاحب البيت القلق " اها؟ شنو؟"

تبين الحاوي اخيرا معني ال "أها" هذه، فرد مبتسما:

"بس كدا"


هذا ما تمثل لي وأنا أشاهد وثائقي الجزيرة عن شيخ حسن الترابي، استعرضوا سيرة في غاية الإبهار، سيرة من الإصرار والثقة والتدبير. تحدث اخوان مسلمون من القطر العربي عن الهمة وحسن التنظيم اللذان كانا في تنظيم الأخوان السوداني. علق الغنوشي عن الدور البارز للمرأة في المكتب وعلل أن لعل هذا الأمر دون غيره هو الذي مهد لبروز تنظيم الأخوان السوداني من بين التنظيمات الإخوانية الأخرى في المنطقة، وأضاف حين شاهدت عملهن في مكاتب التنظيم عرفت حينها أن الاخوان المسلمين السودانيين سيكونون الأوائل من بين التنظيمات الإخوانية الأخرى للوصول إلى السلطة.(بغض النظر عن كيفية الوصول)

اتكأ أمين حسن عمر في الكرسي الوثير وحدثنا عن زيارة حسن الترابي إلى أمريكا وتجواله في حي الزنوج ولقائه بقادته المسلمين وجلوسه إليهم واستئناسهم به. تحدث عن اللقاء الذي نبه فيه الترابي الإنتربول الذي كان يطالب بتسليم الإرهابي كارلوس وأشار بضلاعة فقهه القانوني وبفرنسية فصيحة أنه ليس بين السودان وفرنسا معاهدة تجعل من تسليم كارلوس ممكنا، وكيف تلا ذلك تقاربا قانونيا بين البلدين انتهى إلى تسليم كارلوس بما يرضي القانون الدولي.

اقتضب وجه الاخواني من موريتانيا لخروج الترابي عن التنظيم العالمي ، وسرعان ما انبسط وجه كوز اخر شارحا كيف أنه انفض عن التنظيم الإخواني الضيق ليكون المؤتمر الشعبي الإسلامي العالمي والذي كان طفرة في حد ذاته وقد ضم المسلمين من بلاد الهند والسند والسلاجقة اخواننا في القارة الأم ، كما ضم أيضا مسيحيون وذميون ويساريون من أحزاب بعثية وقومية في بوتقة جامعة تنقل سنويا على شاشات تلفزيون السودان لأهل البيت الذين هم لا يزالون في دهشتهم حائرون.

تحدث ذلك الكوز الشارح عن أن الترابي كان قد ضاق بانقسام السودانيين وتفرقهم قبائلا وطوائفا، وأراد أن يجمعهم جميعا في مظلة الوطن الواحد وها نحن اليوم- اضاف الكوز الشارح- لدينا قرابة المائة حزب سياسي! معبرا عن التنوع السياسي السوداني.


ثم في شريط متسارع ختم الوثائقي في أقل من ثلاث دقائق سيرة المفاصلة وتكوين المؤتمر الشعبي، ومقطع للترابي محدثا عن شر العساكر، ثم مشهد يتسالم فيه الترابي والبشير وقد استكانوا على ما يجمعهم لا ما يفرقهم.


تراءى لي مثل الحاوي وأهل البيت، وقد تابعت هذه المقدرات وهذه الحركة الدؤوبة الهميمة من مبتداها إلى منتهاها (؟) وأنا في سكرة المتابعة والإنبهار انتبه فجأة لسؤال متململ كململة الحبوبة في قصة الحاوي .. "من أجل ماذا؟"

وهنا راحت السكرة وجاءت الفكرة، مدهش كل هذا، مدهش انقلاب البيت طائرا، لكن من أجل ماذا؟ ليتحقق ماذا؟ بل وماذا تحقق؟

ما الذي جنيناه من همة أخوات نسيبة في المكاتب التنظيمية وبروز المرأة فيه سوى أن حصلت المرأة في عهد الإنقاذ "أوضع الأفضال" كما صرح الرئيس المخلوع. ما الذي جنته السودانية سوى تفرق دمها بين مليشيات التقاتل والتنازع في جنوب ما قبل الإنفصال وفي دارفور وجبال النوبة؟ ما الذي جنته سوى محاكم الإذلال وكشف الحال بيد شرطة النظام العام؟ ما الذي جنته مع تصاعد حالات الإغتصاب و الامتهان اللفظي والجسدي وتزويج الطفلات وترويعهن بمباركة علماء السلطان.


ما الذي حصلناه من التضامن الأممي لمؤتمرنا الشعبي الإسلامي سوى فاتورة الضيافة السنوية وخطابات بألسنة عدة تطل علينا في شاشات تلفاز غافلة عنا. ما الذي استفاده السودان من هذا المؤتمر الشعبي؟ ما الذي حققه وحصله؟


ما العبرة التي نقلها الترابي وهو ينصت باهتمام لحديث سود أمريكا وحملها للسودان؟ ما الذي حصلناه لهذه الاستنارة القانونية الفرنسية التي لم تشرق منها أي ملامح في قوانين السودان المدنية؟ ولا حتى في تمثيله الدبلوماسي ؟


ما الذي حصلناه في أيدينا من ضيق الترابي من تفرق السودانيين، وهو الذي مع أول بوادر الخلاف مع "شرار العسكر" خرج من جلبابه التفرقة المسلحة وأشتعلت نيرانها في غرب السودان كما في الجنوب من قبل. ثم ما الذي حصله السودان من هذه المائة حزب وهذا التنوع السياسي وحتى وقت قريب كان أركان النظام يقمعون حق الحزب السياسي في التظاهر؟ أين ملمح التعدد السياسي وقد كانت وما زالت بيوت الأشباح مترعة بضحايا مشروع الإقصاء الكيزاني؟


ما الذي حصلناه من انتباهته الحصيفة لشر العسكر سوى أن مات ويده في يدهم وصية من بعد لخلفه في المجلس العسكري.


تساءلت عن هذا وأنا أرقب حالة الحنين والجزع والألم في أنصاره، ما العهد الذي هم باقون عليه بعد رحيله (سوى الحنين إلى مسامرة ليالي الإجتماعات التنظيمية القديمة)، ما السكة التي سيمدونها من عند نقطة رحيل شيخهم.


هل فعل الترابي ما فعله سوى ليثبت أنه بوسعه أن يفعل. وثائقية قناة الجزيرة نعت لنا الرجل الذي لم يخلف قصورا ولا ضياعا، وكأنما أطماع المرء تقتصر على هذين المغنمين، ألم يقرأوا دكتور فاوست.  لم تكن للترابي من غاية سوى إبراز القدرة. فالوسيلة هي غاية الغاية، حسن التدبير ووساع الحيلة هي كل المراد والمرمى.


هكذا نحن أهل البيت ضاع منا كل شيء طيرة من أجل ماذا؟ 

هاذا حالنا مع صبية الحاوي الذين تعلقوا بالحيلة لا مرماها، الحيلة هي التي أخذت بلبهم وجنانهم. هم أنصار الحيلة، أنصار الطيرة التي ظلوا يرددون خلفها 

" هيللا هيللا...لا للسلطة و للجاه"


 

Saturday, 2 May 2020

العمدة



العمدة

تمنيت لو أنني عمدة، لكنني لا أجد أيا من المهارات اللازمة للعمودية. لا أقصد هنا المنصب الإداري، إنما ذلك الإنسان الذي لا تخلو عائلة منه. الإنسان الذي يتخطى حد الكرم والضيافة المعروف ليستحيل إلى شيء في غاية 
الندرة والجمال.

هذه هي الخاطرة التي تمر ببالي كلما تأملت في خالتي رجاء. ما الذي يجعل لبيتها كل تلك الألفة؟ ليس معمار المكان بكل تأكيد، فالإنسان أيضا يمنح المكان معماره (هل مرت هذه الخاطرة على المعماريين يا ربي؟) فالألفة والحميمية لا تنفص مللي ، سواء في بيتها القديم في سنجة، أو في البيت الذي رحلت إليه ريثما تجدد بيتها القديم، ثم عودة إلى بيتها القديم وقد ضحكت غرفه كاشفة عن سناميكو (سيراميك) ناصع البياض، تتوسط صالته عمود متباه يستعرض مرآه في أوجهه الأربعة و نوافذ مصقولة بالزجاح الأصفر الرائق والأخضر الرويان، ثم بعد صراع طويل مع القحط الإنقاذي الذي اجتاح المدينة وهجر أهاليها، توضب حقائبها أخيرا تجاه شقة صغيرة ببانت 
أمدرمان.

بانت امدرمان، شقة على السطوح، هي نصف مساحة منزلها الواسع بسنجة، ومع ذلك يتقاطر إليه الناس زرافات 
ووحدانا ويساع من الحبايب ألف.




تعرفوا ، القصة المروية عن السيد المسيح عليه السلام، لما أطعم الاف من البشر من كسرتين خبز وسمك ما مدهشة لي على الإطلاق، لأني رأيتها عيانا بيانا في بيت خالتي رجاء، معجزة يومية تتحقق!
وكنت في حالة اعجاب بتأهب بيتها في اي وقت وفي اي زمان لإستقبال أي عدد من الناس ولأي فترة، دون أن تقوم بمجهود لذلك، دون أن تغير اي شي لا في بيتها ولا في مشتروات المنزل، الجود بالموجود الذي لا ينضب. وقد رضع ابناؤها وبناتها جميعا من تلك الألفة، يستحيل أن تجد كدرا عابرا من زيارة. الزيارة والضيافة أهون ما عليهم في الحياة، زي الهوا الداخل ومارق في صدرهم.

مرور الناس صباحا وظهرا وعصرا ومساءا ومبيتا في بيتها لا يقع فيه شيء من نفسها، تمر كالسحابة في منزلها لا يعيقها شيء.

وتعتني عناية فائقة بكل زائر، سواء كانوا اصحاب زوجها من أعيان السوق او زملاء ابنها الصغير محسن في الخلوة، نفس الترحيب والعناية تخيلوا؟!! عناية لا تخطئها العين ولا النفس، لسة بتذكر منظر الصغار يحملون ألواحهم وقد أدخلتهم للصالون، وحيتهم بإبتسامتها اللطيفة، ثم حالة من العجالة والانهماك في اعداد الصينية واهتمام بكل تفصيلة فيها.






بعد مرور اكثر من شهر على وفاة زوجها كنت أنهي العمل واستعجل الخروج "عن اذنكم يا جماعة انا لازم احصل بيت البكا" فعلق المدير "انتي تعالي بكاكم دا اصلو شنو، ليه اكتر من شهرين هسي؟!!"
شهرين والضيافة فيه كأول يوم تماما!! حتى اصبح ملتقى لمن انقطعت عنهم سنين عددا، وكان الترحيل يوصلني واستحلفهم بالنزول معي فيقولون "سولارا انتي جنيتي، كيف يعني ننزل في بيت بكا ونحن ما بنعرفهم" ولم يكن لدي ادنى شك انه برغم زحام الضيوف هناك دوما سعة للمزيد. كيف؟


اهو كيف دي التي حاولت أن اسعى وراءها بالتحليل والتجريب.

المهم بعد عدة تجارب تأكد لي أن ليس للأمر علاقة بمساحة المكان، او توفير معينات الضيافة. ما عنده علاقة بيها اطلاقا.

بل أساس (العمودية) هو أن تخلق في نفسك مساحة تسع الاخرين، والباقي بيتدبر.

أخيرا كشفت طرف من سر معجزة بيت خالتي رجاء، كشفته عن تجريب، وهو ان تصب اهتمامك كله في الرحابة، بدءا من بشاشة الاستقبال، في السلام والنظر والابتسام، ودع هذه البشاشة تجد طريقها إلى قلبك لتهزه فرحا. وبس الباقي براه بيتدبر.

وتأكد في اللحظة التي يخالجك سؤال من شاكلة "الأكل بيكفي؟" او "المكان بيشيل؟" زالت البركة وانتفت المعجزة.

عن تجربة شخصية بقول ليكم ما تسألوا من الضيافة. الضيف رزق، وبرضو الضيف بجي برزقه. فالواحد ما يقطع الرزق من بيته، ولا يشيل هم رزقه. الله يرزقهم واياكم.

ايوة، والضيف..هو كل طارق بالباب.




دا طرف من عموديتها،

ثم طرف اخر، هو انه ما إن تطأ بيتها، صرت بمعيتها، وصار همك همها، كدرك كدرها، سعادتك سعادتها! والله!..الله يسألني يوم القيامة في الكلام دا.

عمدة بجد، كم من عاملة منزلية خرجت من بيتها عروسا، بعد أن حفلتها وزينتها وحننتها، وقضت شهورا تلملم معها في عدتها و فرشها، ثم توصي العريس عليها. قبل كم كنا في هذه الحكوة مع حفيدتها وهي شابة رقيقة عن أن عبء المساواة وحسن المعاملة ليس فقط الكلام اللطيف المنمق، فهل نقدر على جنس كلام رجاء دا!!
صار أمر عاديا أن يمر أصحابي على خالتي حتى في غيابي، تحفظهم وتعرف احوالهم، وتحزن لحزنهم وتفرح لفرحهم. ياخ وحاة الله الحاجة دي صعبة ما بقدر عليها أنا.




 أهون ما عليها أن تجهز  عمودا للزيارة، اي زيارة. (صدقوني انا جربت حكاية العمود دي، الشغلانة دي دايرة تخطيط) أنا ما بعرف كيف لما فجأة في نص اليوم يقولوا ليها ارح نمشي ناس فلان بكل سهولة صنفت عمودها من العمود وخرجت به.

الموضوع صعب، لكن صدقوني الحياة بمثل هذه النفس السخية تستحق السعي من أجلها.

اللهم ببركة هذا الشهر الفضيل، تديها الصحة والعافية وتبارك فيها وفي بيتها واولادها واحفادها، ولا يقطع عنها عادة ولا عبادة.


Tuesday, 5 February 2019

بشارات الثورة ١

بشارات الثورة١

من بشارات الثورة، مبادرة اساتذة جامعة الخرطوم. الفيديو القصير الذي تم فيه قراءة نص المبادرة اظن عدته مية مرة
المبادرة  فصلت خطوات العملية الإنتقالية على اختلاف مستوياتها بدءا من مجلس السيادة وحكومة الكفاءات والجسم التشريعي


 الفترة الانتقالية مدتها 4 سنين قبل قيام انتخابات وانا شايفة المدة دي لو ما قليلة فهي مناسبة لأنه العملية الديمقراطية مش انك ترمي صوتك في صندوق وبس. بل في مؤسسات تتكامل جميعا لضمان العملية الديمقراطية. مثلا إعادة بناء الشرطة وتفصيل مهامها، عودة العافية للنقابات، ياخ حتى الأحزاب الحتشارك في العملية الإنتخابية محتاجها تبني داخليتها، الأحزاب دي كانت بتقيم مؤتمراتها في جو من التربص والتوجس والحذر بيخليها تكلفت الشغل كلو. محتاجة تعيد تنظيم نفسها وتراجع برامجها بما يناسب المرحلة ما بعد الإنتقالية، والفترة الانتقالية فترة مناسبة تعيد فيها ترتيب اوراقها وتجرب ممارسة العمل السياسي بأذرعها بدون خوف
الصحافة، بوابة الديمقراطية، ما محتاجة اعادة تأهيل لمؤسساتها من تاني وانها تشم نفسها؟

لكن دا ما موضع البشارة، موضع البشارة هو في الثواني الاخيرة للفيديو، المبادرة حددت الفترة الانتقالية 4 سنوات قبل الانتخابات لكل مستويات الحكم دي ما عدا... ما عدا ، على مستوى الحكم المحلي والذي ستقام انتخاباته بعد سنة فقط وذلك- حسب ما ورد في البيان- ليتسنى للشعب مباشرة حكم نفسه بنفسه في أسرع الوقت

النبي دي ما بشارة؟ هذا الإنتباه بشارة كبيرة

ومستوى الحكم المحلي اللي هو اهم مستوى مش بس المحافظة والبلدية بل وايضا
اللجان الشعبية
واللي هي اسمها هسي لجان المقاومة
اسمها هسي لجان المقاومة لأنه نحن في ظرف طارىء بيحتاج لجان مقاومة

لكن قفل واحتفل، تقفيل الشوارع بالحجار وحفر الخنادق دي ياها لجان الأحياء والمقاومة
توزيع الثوار على البيوت دي لجان مقاومة-واللجان الشعبية
تقسيم الدور في المظاهرات بين صيادين بمبان وقفالين والناس البيراقبو الشوارع دا تقسيم بتاع لجان مقاومة ولجان شعبية
البيوت البتطلع منها السندويتشات والعصاير والموية
دا لجان مقاومة ولجان شعبية

انا بقول الكلام دا لتوسعة الخيال
بحيث اننا ما نظن لما يجي دور تكون اللجان الشعبية اننا لازم ننتظر زول لاوي عمته وكارب شاله، نحن اللجان الشعبية
انا الشاب القاعد على لستك قدام الدكان بعرف اكتر من ابو عمة انه الركشات البتجي داخلة بواحدة من دروب الحلة بتعمل غبار كرهنا القعاد قدام الدكان.ويجي في بالك انه الركشة ما تخش لجوة في الشارع.. طيب انا ما انسب زول للجنة الشعبية

او انا البت البجي راجعة من الجامعة كلو يوم والحافلة بتنزلي في الشارع وبمشي مسافة ٤ كيلو حتين اصل البيت، طيب محتاجين خط مواصلات يدخلني جوة شوية، يمكن محتاج نص زلط، يمكن محتاج ركشة. انا كدا انسب زول للجنة شعبية

ست البيت الأولادها بيمشو اكتر من ٣ كيلو للمدرسة، بتعرف اكتر من غيرها انه محتاجين مدرسة اقرب. دي انسب زول للجنة شعبية

وزمان حتى بعد دخول الإنقاذ والناس لسة فيها عافية العهد الديمقراطي القبله كانوا نسوان حلتنا بيتدخلوا حتى في سياسة المدرسة. لو جات مدرسة معروفة بالقسوة او بسوء التعامل كانوا النسوان ديل بيقيفوا وقفة واحدة لمخاطبة الأمر دا

كانت ادارة المستشفى بتخاطب نساء الحي ببعض الاحتياجات ونساء الحي ورجال الحي بيمرروا ملاحظاتهم لإدارة المستشفى، مثلا انه ملايات العنابر بقت قديمة لازم تتغير، انه مستوى النضافة بقا سيء، مرات النساء بيترتبوا يوم للنضافة. الحاجة دي ما شغل بتاع صدقات ولا شارع الحوادث دا كان من صميم عمل اللجان الشعبية
الفرق بينها وبين المنظمات الطوعية انه بيشمل المتابعة والمباشرة وحماية مكتسبات العمل الجماعي والذي لا يتوفر للعمل الطوعي. لأنه بيقدم الخدمة وبينتقل لحتة تانية

لجان المقاومة البيدعوا ليها الناس بالفعل قايمة، وما عندها شكل واحد ولا طريقة عمل واحدة. وبتتكون بالضرورة ما بالدعوة. انا كلامي دا بس لكي يتأكد الشاب القاعد على جردل فيه بمبان أنه في قعدته دي هو جزء من لجنة مقاومة في الوقت الحالي، لجنة شعبية في مقبل الأيام

انا كنت بطلب من الثوار يقدموا دعوات للجنة الأطباء يقيموا يوم صحي مثلا: ساي قياس ضغط وسكر،، ونحنا شعب نحب قياس الضغط ساي. الدكاترة بيعرفوا الحاجة دي، بتجيك خالتك في البيت تقول ليك انت دكتور؟ تعال قيس لي الضغط
لكن ممكن الاطباء يبادروا بالحاجة دي

اذا مرقت بالعود او مرقتي بدلوكة قدام باب البيت انتي قدا بتقدمي في برنامج ترفيهي من صميم عمل لجان المقاومة واللجان الشعبية

كان عندنا مرة في حلتنا عاملة سبيل بشكل مختلف، وهو كل يوم جمعة بتشد بليلة صدقة لروح زول ميت من اهلها، وما حصل يوم تخلفت عن شد البليلة، وكان بيجوا الشماشة والمساكين بكورهم يشيلوا
هي صدقة واي شي، لكن في الحقيقة الشماشة والمساكين ديل سكان الحي، ما عندهم بيوت لكن ضمن سكان الحي واي خدمة بتقدم ليهم هي من صميم عمل اللجان الشعبية

والمجد والخلود لشهداء الثورة السودانية من ٨٩ حتى يومنا هذا
المجد والصمود للمعتقلين والمعتقلات في زنازين النظام وبيوت أشباحه ومكاتب الأمن
المجد والصمود للثوار والثائرات الذين يتعافون في عنابر المستشفيات وفي البيوت
المجد والصمود للثوار والثائرات في المواكب وفي الميادين في الحلال والفرقان على مد مدن السودان وقراها

Wednesday, 27 June 2018

إله صغير

قبل دقائق من اجتماعنا في المكتب ، فتحت التلفون وشفت بوست لسلمى داوود مبينا جزعها من فيديو الراعي المجلود وسط ضحك
جلاديه.
فيديو جديد من بلادي، لم أجرؤ على فتحه، أعرف الأحوال التي سأدخل فيها تماما، مهما حاولت أن أعقلن الأمر. عاينت للوشوش
الحولي في
الإجتماع والهموم اليومية للعمل والتي حاولت أن أرجحها على الحزن الوطني الغلاب دون أن أفلح.
الحاجة دي غريبة! حقيقية رغم اني بحاول أقلل من شأنها وأقول إنها فزلكة متفزلك. اوكيه يا ميسون! اهتمي بالشأن الوطني، لكن
انه يبقى جزء من حزنك الخاص، دي حركات مثقفين ساي.
عبثا.
جا في بالي طوالي مقطع من رواية إله الأشياء الصغيرة لأروندتي روي. هنا حبيب البطلة يحاول أن يفسر عيون راهيل.
نظرتها التي تستفزه:
((حينما يكونان وحدهما سويا كانت تستفزه عيناها. كانتا تتصرفان وكأنهما عينان لغريب. غريب يرقب البحر من النافذة،
يرقب مركبا أو نهرا، أو عابر يرتدي قبعة في الضباب.
كان مغتاظا لأنه لم يكن يدري ما الذي تعنيه تلك "النظرة". صنف نظرتها في خانة بين اللامبالاة والاستياء. لم يكن يدرك أنه
في بعض البلاد، كالبلد التي جاءت منها راهيل، تتنافس عدة أصناف من اليأس لتحتل الصدارة. ليس بوسع "اليأس الشخصي"
أن ينافس، إذ أنه لم يكن يائسابما يكفي. شيء ما يحدث عندما يمر اليأس الفردي عند المزار الشاسع العنيف المحيط الفوار
السخيف المجنون المتعسر للخراب الوطني.إله اليأس الوطني الأكبر يزمجر كريح حارة آمرة بالخضوع.
 إلتسع منها اله اليأس الفردي الصغير (الحميم، المنضبط، الخاص، المحدود) فانتفض مستسلما ضاحكا من خفته.
بالتكرار تتأكد لإله اليأس الفردي تفاهته، فيصبح مرنا ولا مباليا. لاشيء يعني له شيئا، وكلما قلت أهميته ، قل اهتمامه.
ما من شيء مهم بما يكفي. لأن أشياء أكثر سوءا حدثت. ففي ذلك البلد الذي أتت منه، المحشور أبدا بين رعب الحرب
وفظاعة السلام، أشياء اسوأ تحدث.

لذا ضحك الإله الصغير ضحكة جوفاء، وتقافز مرحا كولد ميسور لابس ردا. صفر، وركل الحجارة. والسبب في بهجته الفجة
هذه هو التفاهة النسبية لحظه المتعثر. فتسلق في أعين الناس وأصبح نظرة إعياء))



But when they made love he was offended by her eyes. They behaved as though they belonged to someone else. Someone watching. Looking out of the window at the sea. At a boat in the river. Or a passerby in the mist in a hat.

He was exasperated because he didn't know what that lookmeant. He put it somewhere between indifference and despair. He didn’t know that in some places, like the country that Rahel came from, various kinds of despair competed for primacy. And that personal despair could never be desperate enough. That something happened when personal turmoil dropped by at the wayside shrine of the vast, violent, circling, driving, ridiculous, insane, unfeasible, public turmoil of a nation. That Big God howled like a hot wind, and demanded obeisance. Then Small God (cozy and contained, private and limited) came away cauterized, laughing numbly at his own temerity. Inured by the confirmation of his own inconsequence, he became resilient and truly indifferent. Nothing mattered much. Nothing much mattered. And the less it mattered, the less it mattered. It was never important enough. Because Worse Things had happened. In the country that she came from, poised forever between the terror of war and the horror of peace, Worse Things kept happening.

So Small God laughed a hollow laugh, and skipped away cheerfully. Like a rich boy in shorts. He whistled, kicked stones. The source of his brittle elation was the relative smallness of his misfortune. He climbed into people’s eyes and became an exasperating expression.”