Saturday, 14 February 2015

نقطة انهيار "الجوكر" عمر البشير


بالنسبة لي فإن مشكلة الحراك السياسي تتلخص في مفهوم "نقطة الانكسار"، اذ يبدو لي ان كل الحراك السياسي يعمل على التصعيد نحو "نقطة انكسار" النظام، عند تلك النقطة  ينهار كل شيء، او عندما نحاول ان نكون اكثر واقعية نقول: ستنهار الكتل الأساسية فيه، والبقية يتم تفتيته في فترة حكم ديمقراطي متعدد. لذا تجد معظم النشاط السياسي المتعارض يتحرك نحو النظام مسكونا بهذه الفكرة، سواء عند التنظيم للتظاهرات او المسيرات بل وحتى عند الاستجابة لدعوة النظام للحوار او التفاوض او شراكة من نوع ما، اذ يتم التحرك نحو هذه الدعوة على امل التغلغل داخل عظم النظام وتفتيته من الداخل او السيطرة على مفاصل الدولة وتوجيهها نحو ما ينفع البلاد والعباد.



ونجد ان هذه الفكرة المسيطرة لا تؤثر فقط على الحراك السياسي بل الثقافي والاجتماعي أيضا، اذ دخلت في حوار مؤخرا حول احد النشاطات الثقافية والذي كان يحمل خيار القطيعة مع الدولة او التعاون معها، وهو سؤال عصيب عصيب يواجه معظم العاملين في هذا الحقل، اذ يكون السؤال هل انجاز الهدف العاجل (ويتم وصم النشاط بالانتهازية او الاستسلام ) ام انتظار الهدف الآجل المربوط ايضا ب"نقطة الانكسار"(و يكون ثمنه تعطل النشاط الثقافي او خروجه متقلصا). 

والحقيقة اننا لا نملك الاجابة على هذا السؤال. على الأقل أنا شخصيا لا املك الاجابة عليه. ولا بد لي أن أقر أنني ايضا مسكونة به ، حتى هذه اللحظة التي اكتب فيها مقالتي المشككة في "نقطة الانكسار"، اجدني غارقة في امال ان تتصاعد المظاهرات التي تدور الان في الحلفايا لتسري في بقية الأحياء والمناطق والبقاع نحو نقطة الانكسار. لعل سبب ذلك مربوط بحالة اليأس العامة بين المواطنين التي يقول بها الجميع والتي يتم توصيفها ايضا ضمن اطار نقطة الانكسار : اننا وصلنا الحد الذي لا حد بعده- نقطة الانكسار او الانهيار.

والحق يقال ان النظام الحالي قد مر في حياته بنقاط متعددة لا يمكن وصفها الا "بنقطة الانهيار" ولكنه : لا ينهار!! بدءا من القطيعة والحظر الدولي في بداية عمره، مرورا بالانقسام الداخلي في ١٩٩٩ابان مذكرة العشرة وما تبعه من انقسامات،  ثم نيفاشا التي فندت كل الحجج التي قامت بها الانقاذ وسلمت بها، انقسام الجنوب،  تصعيد الحرب في دارفور، انقلاب موسى هلال وتحرشات حميدتي بالنظام، تأزم الوضع الاقتصادي وترديه الى حدود تفوق المعقول والممكن، توعك البشير والململة الداخلية في حزب المؤتمر الوطني بعد تصاعد نفوذ الولاة في ولاياتهم، هزائم الجيش المتلاحقة في جنوب كردفان ودارفور. ولكن لا تدري لما لا تأتي نقطة الانكسار، ونبررها تارة بضعف المعارضة السياسية وتارة بخذلان المجتمع الدولي، وتارة اخرى بانهزامية الشعب بلا مبالاته .

لذا تجد معظم الانشطة السياسية تحمل في نواتها فكرة نقطة الانهيار، فكل مظاهرة او مسيرة يتم توجيهها نحو نقطة انكسار ، احيانا يتم زرع المحرضين داخل ما يعرف بالمسيرات السلمية المصعدين للعنف على امل ان يولد العنف عنفا مضادا ومن ثم يولد هذا العنف المضاد عنفا شعبيا عارما، او الركوب على ظهر الانقساميين والدخول معهم في تحالفات على امل توسيع الرتق داخل النظام، او اللعب بكرت الدخول في التفاوض الذي يزرع الريبة داخل القوى النافذة داخل النظام وتخشى ان يتم استبدالها فتخلق بذلك بلبلة تهز اركان النظام، او تفخيخ الحركات المطلبية لتوجيهها نحو صدام مباشر مع السلطة ومن تم سيناريو العنف العارم مرة اخرى.

كنت قد اقتبست مرة على الفيسبوك جزئية من مقال جميل للكاتب الباكستاني (طارق علي) يصف فيه حال النظام الحاكم في الباكستان ووقوفه عند نقطة انكسار ستحسم وجود الدولة او تفتتها الى دويلات مستقلة وذلك بسبب ضغط قوى اليمين المتطرف (والتي كان يستغلها النظام ذاته من قبل في قمع المعارضين وفي حروبه مع الهند) و ضغط المصالح الدولية المتعددة التي تبحث دوما عن نظام بديل يمرر اجنداتها، كل هذا على خلفية تململ شعبي من الاقتصاد المتردي وانعدام حالة الأمن في البلاد، كتب طارق علي هذه المقالة النبوءة وكان على بالي الصور والأخبار المنقولة تواترا عبر المحطات التلفزيونية حول الاوضاع المتأزمة في باكستان، من سيطرة للاصوليين في بيشاور وعمليات التفخيخ والتفجير لمخافر الشرطة والاماكن العامة ومن حالة الهياج الشعبي والضغط الامريكي على الجيش الباكستاني لقيامه بعمليات عسكرية لمصلحته وايضا دعاوي الفساد المواجه به الرئيس الباكستاني وقتها آصف زرداري (زوج بنظير بوتو) ، ثم عند خاتمة المقالة قرأت تاريخها والتي كانت لدهشتي عام 1986 ، اي قبل ما يقارب الثلاثين عاما من نبوءة المقالة. صحيح ان النظام العسكري وقتها بقيادة ضياء الحق كان قد تفكك مفسحا الطريق أمام حكومة مدنية ديمقراطية ثم نظام عسكري ثم ديمقراطية أخرى، الا ان كل تلك الانظمة المتعاقبة ظلت تعمل في ظل نقطة الانهيار تلك. 

وقتها خطر على بالي انه ربما تكون فكرة نقطة الانهيار هذه خاضعة للنسبية، ربما نقطة الانهيار تحتاج ثلاثين عاما او يزيد لا ثلاثين ثانية كما نتصور وكما نتمنى.




ثم خاطرة اخرى وانا اشاهد قبل ايام قليلة فيلم باتمان المسمى "فارس الظلام" ، في مشهد من الفلم وكانت قد عمت الفوضي والرعب مدينة غوثام، يذهب الجوكر-الشرير الى المستشفى لزيارة رجل القانون الوسيم "هارفي دنت" بعد انفجار كاد ان يودي به. سأل رجل القانون زائره الشرير عن خطته، ما الذي يريد ان يصبو اليه؟ ان يحققه؟ ما هدفه؟ ماذا بعد؟ فيرد الجوكر:
انا ليس لدي خطة، انا اشبه بكلب يطارد السيارات، لا يدري ما يفعل بها إن لحقها. انا اكره الخطط، المخططون يحاولون السيطرة على العالم بينما اريهم كم هي مثيرة للشفقة محاولاتهم تلك.  ويختم قائلا:
 I'm an agent of chaos
انا مجرد عميل للفوضى


"هي! دا ما عمر البشير زاتو!!" هذا الفرق بين الشرير المخطط "الترابي" وشرير الفوضى "البشير". بوسعك محاصرة شرير الخطة بمحاصرة خطته، بوسعك ان ترصد فيها نقطة الانهيار. اما شرير الفوضى فمن اين يمكنك الامساك به؟ ليس لديه نقطة انكسار. فهو نظام يقدم اي مساومة لأي طرف، ليس لديه ما يعرف بالحد الأدنى او الأعلى، يمكنه ان يقبل اي شيء او يرفض اي شيء، ليس لديه خط أحمر، ليس لديه ما يمكن ان تسميه "خسرانا مبينا" . فلو كان مكسبه سلطة حدودها متر*متر مربع لعد ذلك انتصارا. انني لا استطيع حتى القول ان هدفه السلطة اذ ان هذا المفهوم لا بد ان يحده خط فاصل بين ما يعده البشير ونظامه : سلطة وفقدانا للسلطة. نظام يعتمد على التقوت اليومي في تعاطيه في السياسة ، فاليوم هو على حال وغدا على حال آخر. 


في ظل هذه الفكرة المسيطرة يواجه العمل السياسي المعارض (والثقافي المستقل) عدة صعوبات:
١- الهتافية: او "السلوقانيرزم" كما يسميها الفرنجة. خطورة الهتافية في أنها تجعل العمل السياسي المنظم في حرج من التعاطي بما هو مسموح به في السياسة : من المساومة والمقايضة، والحد الأدنى من الفعل السياسي، والموازنة بين كفتي المكسب الاجل و العاجل حيث عادة ترجح واحدة على الأخرى. اذ ان مفهوم نقطة الانكسار يجعل اي مقايضة او مساومة تبدو في اطارها كبيع، او استسلام او.. خيانة

٢- التذبذب وفقدان المصداقية: من ناحية اخرى فإن محاولة مجاراة النظام واللعب في ملعبه توقع التنظيمات المعارضة في حيص بيص. فاليوم حوار وغدا قطيعة. اليوم تبادل مواثيق وغدا خديعة. مما يتسبب في فقدان التنظيم لمصداقيته امام جماهيره ويزعزعه داخليا وما نراه من انقسامات وتبادل الاتهامات.


٣-اليأس السريع وقصر النفس النضالي: اذ ان الهدف المصبو اليه كما قلت "نسبي الزمان" فكل مظاهرة او وقفة تخرج بهدف اسقاط النظام ترجع خالية الوفاض. وقد كنت حظيت بجلسة ممتازة بيننا-نحن- قدامى الناشطين وبين الأجيال الجديدة منها ، حيث قاموا بطرح سؤال محرج : ما هي علامة سقوط النظام؟ ما هو الشيء الذي ان حدث بوسعنا ان نقول اننا الان اسقطنا النظام؟ وهو سؤال ذكي اذ انه يدرك ان سقوط النظام ما عاد : استلام الكباري واحتلال مبنى الإذاعة وقراءة البيان الأول


يا للورطة... والعمل؟

الحنكة والحذاقة ، في رأيي انه لا بد من التخلي عن مساواة الفعل السياسي بالاكتفاء بما يمكن ان اسميه :الافضلية الأخلاقية. وهي السمة الغالبة في العمل السياسي، فلا بد من التخلص من حرير الموقف الأخلاقي الى تشمير ساعد العمل السياسي الجاد. بالطبع لا أعني الوقوع في درك العمل السياسي القذر: على الإطلاق!! على العكس من ذلك تماما، ارى ان القبوع في ماء الفضيلة الساكنة لم يمنعها من أن تتأسن، اذ ان الجمود لا بد ان يوقعك في التناقض لا بد ان يجعلك اكثر عرضة لريح التقلب وللسقوط (كما نرى الآن). 

الحل في رأيي ان تخط المعارضة "والحركات الثقافية" لنفسها ملعبها الخاص، تفرض فيه شروطها وتحدد فيه أهدافها، ان تفك الرابط بينها وبين النظام بأن تحل عقدة نقطة الانكسار، ان تحدد انتصاراتها بمعزل عنها- او فلنقل تضعها في دائرة اكبر من سقوط النظام ذاته، فتبني علاقاتها مع النظام بما يحقق تلك الأهداف "سقط ام لم يسقط"
حتى لا يبدو كلامي مبهما- واختم هنا هذه الكتابة بالحديث عن حملة مقاطعة الانتخابات.
انا بطبيعة الحال اؤيد هذه الحملة الآن لأنه ليس من الحنكة مخالفة حملة تم حشد الجهد لها واصبحت تمشي على قدم وساق ، بعض العمل السياسي يحسن فيه الوحدة وان كان على حساب رأيك الشخصي. الأمر - في توقعي- اشبه بالحافلة التي كانت في فيلم "سبيد" ، حيث كانت الحافلة على الكوبري الذي تتوسطه فرقة كبيرة ، اذ ما تم تهدئة السرعة تنفجر الحافلة بقنبلة مزروعة فيها، فما كان الحل الا الضغط على دواسة البنزين بكل قوة ودعمها حتى تجتاز الحفرة.  هذا ما اراه الآن ان ندوس بنزين حتى نجتاز الحفرة، وتواصل الحملة مسيرتها التي ستنتهي بعد نجاحها الى طريق مسدود - اذا نجحت في نزع الشرعية عن نظام لا يحتاجه بقدر ما يتجمل به، وهو تجميل لا يبالي به المجتمع الدولي كثيرا طالما أن النظام يسير في التراك الموضوع له، غايتو ممكن يسبب ليهو شوية حرج. 
في رأيي انه كان من الأفضل ان يحدث السيناريو الذي حدث في زيمبابوي، ان تدخل المعارضة بكل ثقلها السياسي وان تشمر عن ساعد العمل الجاد، وتواجه الخسارات التي لا تبد ان تلطخ يديها لتخرج بالمكاسب التي في ملعبها هي لا ملعب الحكومة. وهي مكاسب لا حصر لها. اقلها انها ستخرج العمل السياسي من دائرة الهتافية نحو مواجهة حقيقية وستحدث تغييرا نوعيا في طبيعة العمل السياسي اليومي والآجل كما حدث في ليبريا وكما يحدث في زيمبابوي. وانها ستعطي قبلة حياة للحركات المطلبية والتي لا بد لها ان تهيمن على المشهد السياسي، وقد كانت خطوة سباقة ان يمثل الدكتور أمين مكي مدني ما تم تسميته "بمنظمات المجتمع المدني" عند التوقيع على نداء السودان. اعني كلمة "سباق" بمعنيين ، انها بالفعل خطوة مبادرة ولكنها ايضا سابقة لحقيقة لم تتجسد بعد في السودان. الحركات الحقوقية والمطلبية هي المنوط بها احداث التغيير الجذري في البلاد والذي كنت اعلقه في رقبة الاحزاب السياسية والتي يجب ان ينحصر دورها في دعمها وتبني توصياتها وتوجهاتها لا القيام بدورها كما كنت اظن في السابق.

اطلت عليكم، اقول قولي هذا وقلبي لا يزال معلقا بنقطة الانكسار التي ستودي بأجل النظام (مفيش فايدة)

5 comments:

  1. معلومة (نظام عسكري بقياد ذو الفقار) محتاجة مراجعة يا ميسون ...
    لعلك تقصدين الجنرال (ضياء الحق) الذي عمل وزيراً للدفاع في النظام المدني بقيادة ذوالفقار علي بوتو والد السيدة بناظير. ثم انقلب الجنرال على رئيسه في العام 1978 وظل حاكماً عسكرياً مطلقاً حتى تحطم طائرته سنة 1988م و موته الأكثر إلغازاً من موت جون قرانق.

    ..المقال إجمالاً رائع ورائق وأكثر..

    ReplyDelete
    Replies
    1. اشكرك كثييير يا سمير... فعلا المقصود ضياء الحق وليس ذوالفقار بوتو
      وقد عدلتها، شكرا كثيرا للتنبية

      Delete
  2. This comment has been removed by the author.

    ReplyDelete
  3. its called creating a new reality; you will never win an argument with an ignorant; but you can create alternatives; trying to compete with Kaizan on a reality that was created by them will never happen. Great analogies

    ReplyDelete