Monday, 4 February 2013

من ديك...وعيييك

كما قلت من قبل هناك أشياء احتاج أن أحكيها لنفسي...ليس لأهميتها...لكن لأرد على سؤال: حصل؟...يبدو إنو فعلا حصل
الزمان؟ كان قد مر شهر على "نجاحنا" في تنفيذ محاولة اغتيال "فاشلة" ضد حسني مبارك في أديس أبابا يونيو 95 ياااه..زمن!.ظهر سيادته –انذاك- على شاشة تلفزيون جارتنا صاحبة دش الحلة الذي نوصف به بيتنا،
 "طعرف دول شوية رعاااع...عياال...لما هاجموا العربية أنا أولت للسواء إحود يمين" ..ثم نظرة متعاطفة من نيكول تنوري التي انتقلت إلى حدث اخر
 المكان : في مدرسة حكومية ثانوية بالخرطوم. وعلى حين غرة منا ...وبينما نحن جلوس في أمان الله في الحصة الأولى ، اقتحم الباب وفد مرسل من الإتحاد (يعني من الأوضة التحت الجمب مكتب المديرة) "الليلة عندنا مسيرة...كل المدرسة لازم تمشي!" ..ثم التفتت احداهن إلى الأستاذة منال المذعورة (مذعورة من الطالبات من الوكيلة من الفأر في المكتب من وسوسة الزميلات من كل شيء)
 "الدفارات حتجي بعد ساعة كل البنات لازم ينزلو تحت"..هزت المذعورة رأسها بأن نعم.
"تؤ"
 "يا الله!"
 "هوي أنا مزوغة! بتلب بباب الفراشة"
 "كرهونا المسيرات"
 "أنا زاتي عندي صداع من الصباح"
 "تؤ" "تؤ" "تؤ" "اوففففففف"
 ..ولم يسأل أحد عن المسيرة.. لم نسأل قط عن أي مسيرة قبلها فلماذا الان؟
أنا أخذت الأمر بروح رياضية عالية...كيف لا؟ والمديرة صاحبة ماما...وسأفطر في بيتنا و.. ؟ و لا شيء اخر فالتلفزيون لم يكن يعمل حتى ساعة متأخرة، ولا توجد أماكن ترفيه أخرى، ولم يخترع أحد الموبايل بعد ولا الإنترنت ولا ايس كريم في البقالة قبالتنا..فالبقالات كانت مستهدفة ضمن الحظر الدولي واقتصرت أرففها على : بسكويت بركة وكمبال، زبادي ريرا، شمع، حجارة بطارية وبكمبودر ..ولا اي حاجة...المشروع الحضاري بدأ يؤتي أكله بعد خمس سنوات من التمكين.
جلست في الفصل شامتة على خروج البنات تواترا ...ساخطات مزمجرات- بعضهن مزوغات- إلى الدفارات. وجلست وحدي أتأمل الفراغ البهي.... ثم مدت احداهن رأسها من باب الفصل...الحقيقة لم تكن مجرد احداهن، كانت ابنة القيادي الثاني وقتها في التنظيم،
"يلا أرح!"
 قلت لها بأن لدي عذر شرعي (تأكيدا على ولائي لمشروع التأصيل)... اقتربت مني وقالت بهدوء
 "الما حيمشي المسيرة حيترفد من المدرسة"
أنا لم أسائل نفسي عن سلطة تملكها فتاة في الصف الثالث الثانوي من رفد طالبة معها في نفس المدرسة، لم أسائل نفسي إن كان هذا التهديد ممكنا أم لا، لم أسائل نفسي ما إذا كان يعنيني حقا إن كنت سأرفد من المدرسة أم لا (أحلامي وطموحاتي لم تكن تتعدى مرقة يوم الخميس) ..فكل شيء وقتها كان معلقا على حائط العبث، جايز ما يكون عندها سلطة زي دي وفي نفس الوقت جايز جدا يكون عندها سلطة...كل شيء كان جائزا ويجوز.
انشغلت –والحالة عبث- بوجهها، الفتاة كانت جميلة، بها صفرة رائقة وعينان نجلاوان تستطيل رموشهما وفم أرهفت زاويتاه من كثرة الوعيد، وكانت من النوع داك من الكوزات...والكوزات كن ينفسمن إلى صنفين..اللائي يزممن الطرحة بدبوس أسفل الحنك، واللائي يلففن الطرحة ويحكمنها بدبوس ابرة أعلى الأذن. وكانت من النوع الأخير وللامر علاقة بإستطالة الوجه أو استدارته وتربيعته. كما إن الكيزان كانوا نوعان في ذلك الوقت..النوع أبو شنطة، والنوع أبو ساعة سوداء كبيرة ناطة ديك.
نادتها زميلتها (والتي بالرغم من أن والدها كان سيد الشي زاتو لكنها كانت تحتها في السلم التنظيمي وهذا مما يحمد للإسلاميين..الحكاية ما أبوي وأبوك...لأ والله هي أبوي وأبوك لكن ما بنختلف في السلم)...وهي من النوع الأول من الكوزات.
المهم كبرت عقلي...وخرجت معها ، وفي محاولة يائسة أخيرة عرجت على مكتب المديرة..صاحبة ماما..
"يا ست المديرة"
 قالت دون ترفع رأسها عن طبق من الخبيز أخرجته من درج المكتب
 "امشي ساي يا ميسون"
... اللعنة!
وركبت باخر دفار ذاهب إلى المسيرة..ولحسن حظي..كان ذاك دفار بنات الإتحاد، بعد أن انجزن مهمة متابعة المتفلتات والمتهربات، احداهن حملت ورقة قالت أن بها أسماء كل من زوغن من المسيرة، نظرت إليها النجلاء بذات الهدوء والاتزان والفم المتعب وهزت رأسها بأن "لا".. جايز قررت أن تسامح، جايز رأت أن العدد الخارج للمسيرة مرضي ولا داعي للإلتفات إلى الصغائر، جايز كان عندها صداع..كل شيء في ذلك الوقت كان جائز وكل شيء كان يجوز...دست الفتاة النسناسة الورقة في جيبها، بينما أنا برعمت عيني لهذا الشمار الطازج الذي سأقصة بلا ريب للبنات المزوغات كي أدخل رعب الله في قلوبهم.
ودورت الحافلة، مررت عيني سريعا في أعين الفتيات، بالإضافة إلى الكوزات كان هنالك "الرايحة ليهن" ..لا تخلطوا الأمر لم أكن منهن..أنا كنت عارفة "حاجاتي"..وحاجاتي ما مع حاجاتهم.. الرايحة ليهن كن يرتدين النقاب أو بنات جمعية الصلاة على الرسول او القران الكريم...وهؤلاء باختصار كانت رايحة ليهن..من بينهن كانت بنت لطيفة جد لطيفة..كنت أناديها كيتي إذ كانت تشبه فتاة في مسلسل أمريكي..وكنت أضحك كلما ناديتها "كيتي" فترد خجلة "سبحان الله!"..!!
ما إن استقرت على الطريق ، حتى انتظمت البنات في "ترانس" غريب، والترانس يا أعزائي هو نوع من الغيبوبة تجدها في حفلات التكنو و الهيفي ميتال وموسيقى الرزع الأمريكية، بعدها بأعين شبه مغمضة بدأن في الغناء
 "في حماك ربنا في سبيل ديننا لا يروعنا الفناء فات ولى نصرنا ..فات ولى نصرنا ..فاهدنا إلى السنن"
 ..هي بالطبع كانت (فتولى نصرنا) لكن القافية حكمت وكذا المليشيات المسلحة والموقف الدولي..وكان هذا النشيد هو بديل نشيدنا الوطني رغم إنو نشيدنا الوطني ما كان محتاج. ثم ميلت صديقتي الحميمة من كنبة ورا وهمست في أذني بالنسخة البديلة للنشيد الحماسي (!!!) يمنعني حيائي من ذكرها...لكن لا يمنعني لدرجة أني ما أقول (إنو حيائي يمنعني من ذكرها)
يبدو أننا اقتربنا إلى النقطة المجهولة علينا (طير ساي) ، فقد أشارت إليهم النجلاء بيدها فوقفن في الدفار (ما تعرف ليه) وبدأنا في الهتاف
"أن ترق منهم دماء ..أو ترق منا الدماء...أو ترق كللللل الدماء"
وبرعمت عيني للمرة الثانية في ذلك اليوم فزعا (ما في خيارات تانية؟ كانت تلك الجملة الأشهر في تلفزيوننا الوطني..وكأنها لسان حال الشعب..ما في خيارات تانية؟)....ثم بحماسة أكبر وبإبتسامة ساخرة موحدة..يبدو أنها تنظيمية.. هتفن
"ما قلنا زمان ...الحلبي جبان...ما قلنا قبيل..الحلبي عميل"
وكانت بين كل هتافة واخرى يطرقعن بأصابعهن بشكل مثير. والحلبي لم يكن إلا رئيس جمهورية مصر العربية حسني مبارك –سابقا..وتلك الأيام نداولها بين الناس..حبة فوووء وحبة تحت.
توقف الدفار ونزلنا...أعرف هذا المكان!! ليس غريبا علي!!..لو فقط زحوا الناس شوية لأتضحت الرؤية...وكنا ناس من فوقنا ناس من فوقنا ناس...إذا أخرجت يدك قطع شك حتطبز ليك زول. ثم استبان العلم المصري...أها! نحن أمام السفارة..وقد أحطنا بها هاتفين..طرح مدرسية بيضاء، موظفات مكاتب استظللن بفايلات مصالح المواطنين، ابتسامات شمسية كشرة لأناس ببدل صيفية بمروحة خلفية، هرمونات مضطربة لطلبة مراهقين، وعمم بيضاء ناصعة انتظمت في الصف الأول...كان يقف على سطح السفارة رجل بكرش وقد ربع يديه وبدا مستمتعا بالمشهد كله..من أمن الدولة (ما دولتنا).. ولم أكن وقتها أعي تلك الإبتسامة..فهمتها الان طبعا ..كانت ابتسامة لو ترجمناها بدقة لقالت "دقستوا مئانا يا مؤفنين".
وتصاعدت هتافات الصف الأول
 "ألله أكبر! خيبر خيبر ال سعود جيش محمد سوف يعود"
وكانت مصر والسعودية حاجة واحدة
" "الله أكبر"
 وما كنت تعي وأنت في الصف الاخير ما كان يموج به الصف الوسطاني...أنا كنت في الصف الوسطاني والذي كان يعج بناس "شفتي؟ ...لقيتها ليك مارقة ساعة قالو لينا امرقو للمسيرة، أشرت ليها بيدي: ثريا؟ وين قروش الصندوق؟"  و
" اي ولدت...مرتو ولدت..والجماعة قالو بيمشو بعدين على السماية" و
"جيبو شير نشتري باسطة من عمك فلان"
و صديقتي تعج بصداع فظيع وأنا أهببها بالكراس و أخرى تسأل في الوقت الضائع عن شربة ماء..والجو فظيع! والشمس قريبة قريبة لاسعة.
وفجأة... بدأ الناس في الانقشاع...بسرعة جنونية ركبت الكوزات والكيزان دفاراتهم وانطلقن إلى جهة تنظيمية مجهولة...وتركونا في منتصف الساحة...حركة جبانة..بصراحة يا كيزان..كل اللي فات حمادة..والعملتو دا حمادة تاني خالص...وفي ذلك الوقت لو ...لو...لو معاك قروش مواصلات ..ما كان في مواصلات من أساسو!!! لأنو الدولة ما كانت فاضية..كان عندها اغتيال! كعكعت الموظفات بكعوبهن إلى بيوتهن (يحليلهن يصببن اللعنات على الحكومة..لو كانت تفيد)، واستظل الرجال بصحيفة الإنقاذ لا ريب (وكانت الوحيدة التي تصدر بالبلاد) و نحن؟ ويممنا صوب أول شجرة في أي شارع كان..وكان ذاك شارعنا...نتسكع تحت الظل..ثم نهرول نحو ظل اخر..شمس ..هجير..مسيرة..كيزان..تكبير...لعنات..حر...شمس... زلط ...زير! يا بنات هناك في زير !...قطعنا تلك المسافة كلها من الخرطوم ثم شقينا المقابر(يا كبرياء الجرح..مقابر بري) و أنا على بداية شارع أوماك  ، أنهمر شلالات من عرق ...توقفت عربة...اولاد جيراننا سارقين عربية أبوهم لاريب، معبأة ببنزين سوق أسود وقد عرفت ذلك من المكيف الشغال.. ركبت...وانطلقت السيارة...وشيئا فشيئا غرقت في الحرج…ورويدا انزل الفتيان زجاج السيارة
منك لله يا حكومة!!!منك لله...لو كان بيفيد...صبيحة اليوم التالي قرأت خبرا : مسيرة عفوية حاشدة منددة..مرفقة بصورة لأرتال بشرية...تتوسطها لعنات


5 comments:

  1. جميل هذا السرد

    يبدو أن المسيرات الحكومية هي قاسم مشترك بين كل أجيال الإنقاذ، أتذكر جيداً مسيرات عيد الثورة (ثلاثين يونيو) و مسيرة أخرى منددة ببوش هتفنا فيها : يا بوش يا جبان ..كان راجل خش السودان، و لم يفعلها ذلك الجبان إلى أن انتهت دورتيه الرئاسيتين.

    و أذكر ايضاً أن هذه المسيرات كنت ألتقي فيها دوماً بأصدقائي القدامى الذين تفرقت بنا السبل فكانت فرصة طيبة لاسترجاع الذكريات حول شقاوة المدارس و السؤال عن المعارف.

    و إلى الآن أذكر ذلك الطالب الذي كان يدرس معنا في الصف الأول الثانوي و الذي كان جاداً بصورة مبالغ فيها و لا تتناسب مع طبيعة صبيان في بداية سنين المراهقة، لا أذكر أنني رأيته يوماً مبتسماً قط الى ان جاء يوم عيد الثورة و وقفنا في الصفوف استعداداً للخروج الى المسيرة و حينها لمحت ضحكته للمرة الأولى ! و سبحان مغير الأحوال

    تحياتي

    ReplyDelete
  2. هذه الكتابة بها من الصدقية والتعافي مايكفي للتفاؤول بان الارض مازالت حبلي بمبدعات سودانيات

    ReplyDelete
  3. مبدعة ..ووصف رائع ..المشكل انو اعاد كل ذكريات الايام الاليمة .والاسوأ انو الايام الاليمة والاكثر الما مازالت حاضرا نعيشه كل يوم ...

    ReplyDelete
  4. السيدة الوحيدة التي عندما أقرأ لها مقال لا يعرف الملل طريقه إلي ولا أشعر بنهاية المقال أقصد لا أريد أن ينتهي إلى الأمام يا مبدعة!!.

    ReplyDelete