Thursday, 12 April 2012

في وصف الهبشتاريا


الهبشتاريا هل أنت منهم؟

في وصف الهبشتاريا

قبل عامين قدمت صديقتي المهندسة هناء طه بحثا للدكتوراه عن الملامح المعمارية في مساكن النازحين من الخرطوم. وكانت دراسة مثيرة للإهتمام، فالنازح برغم السنوات التي يمضيها في بلد النزوح يظل مسكونا بعدم الإستقرار. واستطاع أن يبدل الإنتماء إلى البيت بالإنتماء إلى (الأشياء)، فلاحظت بشكل ذكي كيف أن منزل النازح لا يخلو من أدوات كهربية (رغم عدم وجود كهرباء في الحي كله)، لاحظت عنايته الفائقة بحذائه وحزامه وهاتفه النقال، المنزل فقد معناه، فقد قدرته على منح احساس الإنتماء، واصبحت له هوية متنقلة يحملها معه.

الإنتماء إلى ما هو غير ثابت ومتنقل أصبح سمة تشكل مجتمعات الهبشتاريا. وذلك لأنه مجتمع غير مستقر. واهم علامات المجتمع الهبشتاري أنه مجتمع استهلاكي، واقتصاده اقتصاد استهلاكي. فلأوضح أكثر.

الجنية (الدينار سابقا، ثم الجنيه قبل ذلك) فقد قيمته الزمنية، أي أن ما يشتريه جنيه الليلة لا يشتريه جنيه الغد. وشعبنا بحصافته ومعرفته الدقيقة بالأمور عرف أن فكرة "الإدخار" هي فكرة عبثية، واستطاع أن يحول كل طاقة الجنيه في تلبية الحاجيات الانية والحالية. فإذا (وهذا مجرد افتراض) فاض شيء من المرتب، صرف في الحال.

اسأل أي مواطن اليوم، ما هي التجارة الرابحة، سيجيبك على الفور "المواصلات والمأكولات" ، لأنهما تستجيبان للحاجة الانية للمواطن. والان هناك تجارة أخرى ؟ هل تعرفتم عليها؟

أذكر أني كنت أتابع برنامجا على قناة الشروق وأتابع في الوقت ذاته الشريط الإعلاني الذي يمر أسفل الشاشة (بطبيعة الحال عندما يمل المرء التكرار الذي أصبح صفة القنوات السودانية) وطالعني الإعلان التالي وجذب انتباهي:

فخر الصناعة الوطنية

لأول مرة في السودان

بأعلى المعايير الانتاجية وبأحدث التقنيات

بخبرات سودانية متمرسة

.......

مصنع هير فود لإطالة الشعر

(!!!)

وهي تجارة الهوية المتنقلة، لأن الإنتماء لما هو ثابت ومستقر أصبح غير ممكنا و غير ذي معنى، لذا يقوم الهبشتاري بإستبداله بما هو متنقل، يصبح انتماءك لمظهرك الخارجي، ما ترتديه، ما تستقله للتنقل، ما تأكله، هاتفك النقال. بل أصبح من العبث الاستثمار فيما يكرس الإستقرار، اليوم يمطرنا نقاد المظاهر الإجتماعية بما يسوءهم من التكاليف الباذخة لحفل العرس من فستان الزفاف إلى الزينة والصالة والفنان دون أن يحللوا الظاهرة اللإقتصادية المصاحبة لهذا البذخ، وهو أن الاستثمار في مقومات الإستقرار (من تدبير معيشة ، أو مسكن زوجية، أو أي ضمان مستقبلي) لا طائل منه.

وينعكس كل هذا على مظاهر النشاط الإقتصادي (البقالات، المطاعم، الملابس الجاهزة، مراكز التجميل، السيارات التي تفوق عدد الطرق) بل حتى الخدمات، كما ذكرت في مقالي السابق، المعاهد العلمية تقدم منتجات أكاديمية (شهادات) المراكز الصحية تقدم منتجات علاجية (عمليات، كشوفات عاجلة) لكنها لا تسهم في الصحة العامة، لا تسهم في التقدم العلمي بالبلاد. بل خذ عندك المراكز الثقافية في السودان التي تقدم أيضا منتجات ثقافية، لكنها ليست جزءا من أي خطة ثقافية مكتملة، أو رؤية مستقبلية لتشكيل الحاضر أو المستقبل السوداني، تقدم أمسيات ترفيهية أو ترويحية (والناس في ذلك أذواق ومذاهب) ، فبعض الناس يستهويه أن يروح عن نفسه بندوة عن دارفور، سلسلة من الندوات لا رابط بينها، ورش عمل منبتة. بل حتى العمل السياسي هو جزء من ظاهرة الانية والاستهلاك اليومي، فالعمل السياسي في السودان مبني على رد الفعل، وعلى (تلاقيط رزق اليوم) و ليس جزءا من رؤية مكتملة لمستقبل السودان. وهذا يفسر تماما ما يفاجئنا من تخبط المواقف للتنظيمات السياسية في تحالفات تحمل في داخلها سمات التناقض والتنافر أكثر مما تحمل من صفات التناغم. خذ عندك سؤال بسيط جدا (حدد ملامح اليسار في السياسة السودانية) وهذا سؤال مسلي ،إذ أن الإجابة عنه تفضي إلى نتائج مضحكة.

السوداني حوصر وانحصر في طاحونة تلبية الاحتياج اليومي في عمله وفي حياته. وفقد كليهما معناه. وفي دوامة المجتمع الإستهلاكي، وقيمة المال الانية، أصبح الانتماء للمستقبل مستحيلا!! لا أحد ينتمي إلى حلم مستقبلي لبناء منزل، أو حلم مؤجل لإبنه أو ابنته، او لمقومات حياة زوجية مستقبلية، أو مشاريع التقاعد الجميل. الكل أصبح ينتمي للاني. ومكانتك في المجتمع أصبحت تتحقق بمقدار ونوع ما توفي به احتياجك الاني.  بل إن التمايز الطبقى أصبح يقاس بمقدار ما نستهلك لما نقتنيه، فما كان يميز الطبقة المتوسطة في السودان هو : ضمان العمل المستقر، القدرة على إدارة الحياة ضد مخاطر المستقبل، القدرة على الدخول في خطط مستقبلية (كشراء منزل، أو التخطيط لحياة زوجية) ولكن الان ما يميز طبقة عن أخرى هو بمقدار ونوعية ما تستهلكه.

هناك مرمى وهدف لسلسلة المقالات هذه، وسيبدأ في الوضوح منذ المقالة القادمة.  وهو أننا لسنا وحدنا في صراعنا هذا. بل إن هناك ثورة كامنة هي أهم من ثورات الربيع العربي التي أطاحت بالنظم السياسية المستبدة. هذه الثورة إذا لم تتحقق لن يكون لثورات الربيع أي معنى أو جدوى. ما أرجو أن تحققه هذه المقالات هو أن تنير بعض الدرب نحو التغيير الحقيقي المرتقب.

في المقال القادم الذي منه يتضح وجهة هذه المقالات بعنوان (رسالة من الجنوب: لن يحكمنا البنك الدولي)

سلسلة المقالات مهداة إلى روح الشهيد الأستاذ علي الطاهر.

No comments:

Post a Comment