Friday, 25 May 2012

كدا يا نادر؟






في أمان الله يا نادر.



يا نفس أجملي فزعا..إن الذي تخافيه قد وقعا.

فجعنا هذا العام برحيل التجاني الطيب ووردي ونقد وحميد…ثم جاءت الطامة برحيل نادر خضر. وأعرف أن هناك من يستغرب أن أجعل رحيله فوق رحيل من قد ذكرت. لا مفاضلة في الموت، ولكن المفاضلة تأتي في مكانتهم من نفسي. فالتجاني الطيب ووردي ونقد وحميد رموز وطنية جليلة، لكنها ملء ذكريات جيل غيري. أما نادر فهو ملء يد ذاكرتي. لا انفصام لحياته عن حياتي. وحياة كل من راهق في السني الأولى للإنقاذ. أحسب عندك الجيل المحصور بين مواليد 75 و 82 . يا للظى تلك السنوات. يا لضيق ذاك الزقاق الذي حصرنا فيه…بين حائطين.. حائط الجبهة الإسلامية يهصرنا ويعصرنا لنتشكل في قالب كتائبي، يملي علينا ليل نهار ما يجب أن نموت لأجله: الله !! ينعقون ويزعقون "وسفينة الإنقاذ جاءت لا تبالي بالرياح" و"أماه لا تجزعي".

 وحائط تجمع المعارضة يهصرنا ويعصرنا لنتشكل في قالب مليشي، يملي علينا ما يجب أن نموت لأجله : الوطن.و "اه يا نورا اه" و "في انتظار المجدلية"

الموت اخر ما يسعى إليه المراهق ..اللهم إلا بشكل مجازي ودرامي يعبر عن حالة وجودية ما. الأمر كما أراه هكذا ، كان مصطفى سيد أحمد وأبو عركي البخيت ووردي : الحصة والكراس والكتاب…نادر خضر كان شباك الفصل…. نسمة تهب علينا في ذاك الزقاق



"الساعة خمممممسة…يا حبيب ما تنسى…في شارع خمسة …مواعيدنا". العالم كان ينحصر في موعد مضروب نخف إليه. "حبيبي بريدو وأبقى ساعة في أيدو…أنا أنا…أظبط ليهو مواعيدو..وأحصلها"  أما الوطن والدين والأخلاق هذه اشياء كنا نسعى نحوها بتثاقل ولا تتاورنا إلا كوخز الضمير (منذ الغد سأبدأ في الصلاة) أو (نعم الحكومة بطالة والحال مائل وسأفكر في هذا الأمر مساء اليوم بعد المشوار)



فرضوا النظام العام وحظروا التجول وضربت علينا الذلة والمسكنة في الطرقات. اللباس الشرعي والحوامة الشرعية والكلام الشرعي والسلام الشرعي..وبعدت الشقة بيننا وبين الموعد المضروب..لكن الأفدح من ذلك انزوينا كذا شبر عن أجسادنا.لكن.. أتذكرون؟؟ نادر كان أول من حرر الرقص في الحفلات من طرقعة الأصابع والتصفيق إلى التحليق بالكتفين…وبدلا من الخطو إلى اليمين ثم إلى اليسار…صرنا نصعد ثم ننزل..نغطس ونطفو..ونحلق.



وقتها سيطر على أمسيات الشباب أساطين الغناء كعبدالعزيز بقالة وحسن صبرة، بأغاني الجيل السابق  تشوبها بدعة الأورغ..أغاني كنا نماشيها مجاملة..إذ من كان حقا يأبه بفتيات ثلاثة يذهبن إلى بيت الخياطة..ومن تسمي نفسها ابنة النيل..ما علينا! فجأة برز شاب حلو… يتقرفص شعره بالجل في حلقات لطيفة  يرتدي بنطال جينز وحذاء رياضي. وما إن يبرز على المسرح حتى يهجم عليك الأورغ بنغمة ثلاثية:( ترت تتت تيييو…ترت تتت تيييو…ترت تتت تيييوو) يتبعها ايقاع( تكتش تكتش تكتش)..ثم ما فتح الله عليه به من غناء. "وا ناري وا ناري …البريدو بلالي"
try to forget the video clip


كان ينادي الحبيب ب: حبيبو ..لا أدري ما السر في المد بالواو…شيء من الحميمية والخصوصية لعلها.


تنظر إليه يحمل المكرفون ويميل برأسه مع كل خلجة من صوته…تنظر إليه يلتهم الحياة التهاما. كان كل ما حولنا يشي بالموت: جهاد ونضال ووحدة نادر الحي.



يا ربي أنت الفنان الأعظم! ونحن مجرد مقلدون! يقولون هكذا صاح مايكل أنجلو ذات يوم وقد بهره مشهد عاصفة ليلية.

يا ربي أنت الفنان الأعظم..لكأن الحياة لوحة لRothko فالجبهة الإسلامية كانت كانفا سوداء ثم رمى بنادر عليها كلطخة  فاقع لونها..تسر الناظرين.

يقولون : كالكلمة الشاذة..كان كذلك. فالجبهة الإسلامية كانت قد أعدت المسرح جيدا. شوارع قميئة محروسة بالنظام العام وأكشاك بسط الأمن الشامل، الليل محظور على المتجولين، العاصمة تغوص كل ليلة في ظلام دامس، الأسواق خاوية على  عروشها –الحصار الإقتصادي، المسيرات المسيرات، الكوزات الكوزات، حقائب الكيزان السوداء، مواتر الأمنجية والنظارات الشمسية البلهاء، صفوف البنزين، دفارات الإلزامية، ومشهد الشباب يتلبون من شبابيك الحافلات ويهرولون فزعا، المذياع المجنون، التلفاز الأكثر جنونا، المذيعات على السليقة بلا مكياج، يافطات الوعيد في الشوارع (ومن يعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا)، الزواج الجماعي، فضل الظهر، العباءات والطرح ومشروع لباس العفة والنيل لابد لبدة عجيبة.كل شي موزون على لحن جنائزي يعزفه سلاح الموسيقى

و...نادر...رعاك الله يا نادر!!! بدلة بلمعة؟ وحذاء رياضي؟ وشعر يمرح فيه الجل؟ و"ايه اسباب غرورك والقسوة الفي عيونك..إيه إيه إيه اسباب غرورك والقسوة في عيونك؟ لا...لاللا...لأني حبيتك في شعري غنيتك"



يوم أحضروه في التلفاز...وكان للتلفاز فلتات لا أستطيع أن أبررها سوى ب"المندسين" كأن يطل عليك فجأة مصطفى يغني "والله نحن مع الطيور الما بتعرف ليها خرطة" .. وجلسوا لمحاكمته.. غناء هابط ..(وهو شنو الما هابط عليك الله).. لكنه يرد بصدق عميق: غنائي ليس هابط..يمكنك أن تقول أنه ليس هادف..ولكنه بالتأكيد ليس هابط...وما الضير في أن تغني غناءا غير هادف...لا ضير والله. فتى خجول يحرص على كوب من الشاي الأحمر قبل الغناء..يعرف أنه يريد أن يغني فغنى. ياخ في الوقت داك...دا النضال زاااتو...أن تريد فتفعل..وكنا نريد...فنفكر إن كان حلالا أو حراما أو جائزا أو مستحبا أو مكروها ثم نحسب العراقيل المضروبة أمامنا ونحصر الإمكانبات المعدومة..ثم نعدل عن الفكرة من أساسو  ويفضل الولد مشرور قدام عمود الكهربا الفي طرف الحلة.


6 comments:

  1. يا سلااام عليك .. خاطرة مليانة شجن .. لك الرحمة يا نادر ولك التحية ميسون

    ReplyDelete
  2. لك الجنة ولنا الصبر

    ReplyDelete
  3. ياداب بكيت علي نادر , وحزنت علينا.. شديد
    شكراً يا ميسون ياخي

    ReplyDelete
  4. يا الله يا الله ... أثرت في شجونا كنت أكتمها ..
    لك الرحمة و المغفرة يا نادر و لنا حسن العزاء

    ReplyDelete
  5. تسلمى .. وسلم يراعاك يا ميسي ..

    ReplyDelete