Friday, 24 February 2017

عازة فاروق..شكرا

"عااازة مش عزّة" هكذا كانت تلح على محدثها ، عازة فاروق، لست متأكدة من فاروق فالذاكرة ملخبطة شوية، لكني لازلت أذكر وجهها القصير السمح، وعينيها اللوزيتين ، فمها الرقيق، أسنانها الدقيقة٫ محياها الذي كان ينضح بنداوة الصبا. 
أذكر زيها السماوي الرائق ، وإيشارب أبيض سادة أنيق تلفه حول رأسها بعيدا عن نحرها النحيل وتلف طرفيه حول كعكة شعرها، ثم طرحة بيضاء خفيفة كبيرة (عمة) تضعها فوق الإيشارب.
مجدة في درسها دون مبالغات ناس كنبة قدام، أي أنها تهتم بكراسها وتتابع الواجب وتخاف العصا وتتسع عيناها رعبا من توبيخ المعلمة. كانت تجلس في كنبات الوسط لتتجنب عين المعلمة. هادئة، متابعة لرتابة الدرس. لكن، ما إن يضرب جرس الفسحة الثانية حتى تنقلب عازة على حالها ذا تماما.

لا بد أن أرسم خلفية لحكايتي هذه، كان ذلك عام ٩٥ أو ٩٦، بعد ٦ سنوات من خوض الإنقاذ في وحل السلطة، كانت المؤسسات الحكومية تمشي بعافية أزمان سابقة من بينها المدارس الحكومية، كنا في مدرسة البراري الثانوية، مدرسة فسيحة وسيعة، من طابقين (حتى بعد مرور أكثر من عشرين سنة لا يزال الطابق العلوي تحت التشطيب) ، كنا في الطابق العلوي، أولى الشيماء، ومعرفتي بالشيماء قليلة، لا أعرف عنها سوى صورة سميرة أحمد بضفيرتين هائمة في الصحراء. وكان ذلك ملائما لحالة التدين الشكلي التي دخلت فيها البلاد ولم تمرق. 

كانت تلك السنوات الأولى جرداء لم تتخم بزخارف الإستهلاك بعد، فقد كنا قوما تحت الحصار الدولي الصارم وكان الخليج ومصر وبقية العالم يجرون ثيابهم عنا ريبة وترصدا من "حركات" الشيخ الترابي، وكان تقشف البقالات في ذلك الوقت هو رمز الصمود تحت الحصار، هذا قبل أن تنفجر البلاد بالسوبرماركتات المتخمة المترعة ذات الأسماء المدهشة: الإحسان (أي إحسان؟)، التسامح (أي تسامح؟)

وبالنسبة لصبيان وفتيات على درج الحياة، فلم يكن هنالك مكان أبأس للعيش، لم يكن قد اخترعوا بعد الإنترنت وكان الطبق الفضائي محظورا ما لم تكن متنفذا أو صاحب مال، أغلقت المسارح وتوارت الأندية، لم يبقى سوى دور السينما والتي كان الوصول إليها متعثرا مع شح المواصلات.

لكن لسبب ما عازة كانت تواكب كل فيلم ينزل في السينما، وما إن يدق جرس الفسحة الثانية حتى تلتفت إلى جمهورها المتلفت في الأدراج الخلفية (نحن)، وتتدلل علينا قليلا لنستحلفها بكل غالي كي تقص علينا الفيلم.

بإيماءات وجهها، بأحوال عينيها، بتموجات يديها كانت يستحيل ذلك الدرج الضيق إلى شاشة سينما كبيرة، كانت عازة تصبح كاجول، وشاروخان، واصدقاء البطل المضحكين، ووالد البطلة الصارم، وأمها الحنون، والخائن. كانت لا تترك شيئا للخيال وتترك كل شيء للخيال. كيف كانت تفعل ذلك؟ حين تشيح البطلة عن حبيبها ، فيستدركها ويمسكها من يدها ويقربها إليه (الحركة المشهورة في السينما الهندية)، والأغنية، كانت تسرد الترجمة لكنك ترى بعين خيالك المروج الخضراء والجبال الثلجية والموسيقى العذبة والرقص العجيب.

أذكر هذا لأنهم سيعرضون اليوم على ام بي سي بوليوود فيلم ديلوالي دولهانيا لي جاينيجي، بطولة شاروخان وكاجول الفيلم المحبوب وسط متابعي أفلام هوليوود والذي لا يزال يعرض في دور السينما منذ أكثر من عشرين سنة ، هناك مشهد مقتطع من الفيلم تجدونه في اليوتيوب اسمه (مشهد الزريبة)، حيث ينتهي الحال بالبطل والبطلة المتناكفين ليقضيا ليلة سويسرية مثلجة داخل زريبة قش، ويدور بينهما حوارا لاذعا، حيث تتحصن البطلة بكبريائها بينما يطلق البطل عليها سهام سخريته وتهكمه٫ حين يعرض عليها أن تشرب من قنينة الخمر فتأبي لأنها فتاة هندية أصيلة، وحين يقرصها البرد تتسلل فتشرب الزجاجة بأكملها وتظهر شخصيتها المجنونة الطريفة في أغنية لطيفة. المهم! يستحيل أن أتسكع في تفاصيل هذا المشهد دون أن أذكر سرد عازة له ، ترقبنا لهذه اللحظة المشحونة بالفرصة والحب الذي يتبرعم والرومانسية المفعم، ضحكنا من الحوار الذي قد يكون مترجما ولكني لا أدري كيف يخرج هنديا فصيحا من فمها.



ثم المشهد التالي له حين تستيقظ "سمران" بعد ليلة سكرها في غرفة بفندق مع "راج"، فيصيبها الهلع من أنها ارتكبت خطيئة، (ونظل مهلوعين مع عازة التي تعرف كيف تخفي التفاصيل) ، وبعد مكاواة راج يهدىء من روعها قائلا "مهما كان الذي تظنينه بي، فأنا في آخر الأمر هندوستاني وأعرف قيمة الشرف" فنبتسم ببلاهة محمدلين السلامة لسمران، متدهولين في حب راج الهندوستاني الأصيل (يا الله ياخ!)

تنتهي عازة ونحن في حالنا ذا ساهمين أو معبورين متأملين، بالضبط كما هو حالنا في السينما.

ترى أين هي عازة الآن؟ هل لا زال لديها تلك الموهبة العجيبة؟ هل تسرد بها لصغارها؟ هل شغلتها عنها هموم الحياة؟

أيا كان، كانت واحة في زمان مقفر، شكرا عازة فاروق الجميلة

1 comment: