Tuesday, 26 May 2015

عمو ابوبكر

الف رحمة ونور تتنزل على مقامك.  ذكرنا ابنه محمد ان اليوم يصادف ذكراه السنوية
يوم أن سمعت بخبر رحيل العم أبوبكر، تجسدت أمامي خاطرة من الأمس البعيد : في ثمانينات الكويت:
انا و اخي الصغير أحمد نركض تجاه الباب لنرى من القادم، نطل من العين السحرية فتكشف عن رجل نحيل سمح المحيا والطالع، نفتح الباب بسرعة وقبل أن نتم اداب السلام نهرع إلى غرفة والدي.،نتسابق لنزف له بشرى قدوم عمو أبوبكر ،  فيهب من مرقده مسرعا لاستقباله وابتسامة تعلو وجهه.   منظر والدي مرتاحا في جلده امام صديق دون كرمشات لمجاملة وثقالات التظاهر.
كانت طلته في البيت تملأ يومنا بالإبتسام.  تخرج والدتي لتسلم على قريبها فيتبادلان الأخبار والنكات والقفشات فهو من ذلك الجانب من الأسرة (الجانب الدمو خفيف). ياخ البيت كلو بيكون بيتكشم.  
ثم تلك الحركة التي اذكرها تماما : عمو ابوبكر مستلقيا بأريحية على الأريكة ، يتونس، ثم يعتدل فجأة في جلسته ، ينظر إلى النافذة، يراجع الساعة في يده، يؤرجح ركبتيه في قلق متنامي، ويكشكش سلسلة المفاتيح في جيبه.  
أعرف حينها أن مواعيد الصلاة قد أزفت. "نمشي المسجد يا محمد؟"

بشبه لي الصحابة المرضيين، وغالبا لما يقال سيدنا ابوبكر، يختلط علي الأمر. اذ هكذا اتخيلهم، قوم ايمانهم لهم ، فتشتهي حالهم. لا يعذبونك ليل نهار بالواتسابات والمواعظ والرسائل واذكر الله يذكرك والشيخ قال والشيخة في الدرس قالت.  لا يشاقون على الناس. 

هكذا هو عمكم تبسم طويل، وخفة ظل فطرية (اورثها ابناؤه وبناته)، استقامة لا يشوبها ميل. 
نذكر الرحلات الى شاطىء البحر التي كان ينظمها، والتي لم يكن لها معنى دون وجوده، الشواء، الضحك، الرحابة، الملاءة التي يتحلق الصحاب حولها للعب الكوتشينة في خشوع ظاهري، الاطفال يحلقون حوله يناديهم بأسمائهم ، تعرفون؟ لم يكن من اعمامك ديلاك البيجتهدو عشان يونسوا الاطفال: ما كان بيغير صوتو لصوت كائن فضائي عجيب، ما كان بيحشي جيبو بالحلاوة والرشاوي، ما كان بيعمل فيها انو من سن اصحابك ويلعب معاك ويسألك اسئلة طفولية. كان بيعمل حاجة الاطفال بذكاءهم بعرفوها وبقدروها. كان لما يتكلم معاك بيعاين ليك ويسمعك، تماما زي ما بعاين لأصحابو الكبار ويسمعهم. كان بيحسسك انك موجود وانك مهم. (الحاجة دي لحدي هسي بلقا فيها صعوبة مع اولاد الناس التانيين، انك تأخذ طفل على محمل الجد)

اذكر يوم أن تجمعنا لرؤية سيارة عمو ابوبكر الجديدة، باجيرو كحلية بخطوط لامعة ذهبية(ظلت حتى وقت طويل سيارة احلامي) كنا سعيدين بها جنس سعادة -بعدها بقليل كانت حرب الخليج. 
استقرينا في الخرطوم عام ٩٤ وكان الكيزان بدءوا ينفرزون كيمان واضحة.  كوم يرى ان هي لله، ذهبوا جنوبا. وقوم نفضوا ايديهم من الدين ولعقوا اصابع الدنيا، فعجت الطرقات بسيارات اللاندكروز السمنية ذات الخطوط الحمراء. ما ان تمر عليك احداها في الطريق حتى تشيح بوجهك عن منظر الحرام الفاجر.  ثم تبصر عربة عمو ابوبكر تجتاح الطريق في تناقض واضح، صحيح أن الباجيرو الكحلية تعفرت، انسهكت خيوطها اللامعة، لكنها صلبة ، قوية، لم تتضعضع أمام جور الزمان. لا اخفيكم اني كنت اراها وكأنها بشارة، ان الحق سيغلب يوما ما .

تتجه العربة نحو مغلق اليف في الرياض "مغلق الكابتن"
بطبيعة الحال، الكل كان يعرف مغلق الكابتن، يعرف صاحبها الموصوف في حديث سيدنا النبي "رحم الله رجلا سمحا إذا باع واشترى وإذا قضى وإذا اقتضى"   يعرفون مداعباته الطريفة. وعمو ابوبكر هو من ذلك الصنف النادر الذي يحلو من فمه الكلام، تحكي نفس الطرفة وتستغرب كيف تخرج منك ماسخة وتطلع منه طاعمة؟ (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)

ابتلاه الله بمصاب كبير، جزعنا جميعا لرحيل ابنه فهد ، الذكي النجيب، صحيح ما يقولون لم يكن فهدا ابن هذه الدنيا، كان رحيله مفجعا، اثقل من ان اصفه هنا رغم مرور قرابة العشرين عاما عليه، الكل نسي المواساة وذهب بحزنه للعزاء، والكل رجع يحكي عن مواساه عمو ابوبكر لهم في رحيل ابنه.  يا الله، هذا هو الامتحان. هذه هي كلمة التوحيد التي يصفها الاستاذ محمود محمد طه أن لا يشغلك شيء من هذه الدنيا يجعلك تنحاز لزينتها. ان تدرك حقا أن الأمر كله لله - لمن الأمر اليوم وكل يوم؟ لله الواحد القهار

هل احكي بنماذج من فضله على الناس؟ تلك الشهامة النادرة؟ اغاثة الملهوف والضائق؟ لا لن افعل شيء من ذلك، فلا أريد وانا اسرد سيرته أن يستشف الناس شيئا من المن، وهو ابعد ما يكون عن ذلك، فهو الذي كان يبذل الخير ويفر منه وكأنه يخشى أن يعلق فيه شيء من شكر الناس

تماما كما يرحل الصالحين من هذه الدنيا... خلعها عنه، نفض يده منها ورحل.   
نسأل الله أن يرحم عبده الصالح ابوبكر عبدالله السعيد، وأن ينعم عليه في دار البقاء بصحبة النبيين والشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا- امين

6 comments:

  1. كتر خيرك يا ميسون و ان شاءالله في ميزان حسناتك

    ReplyDelete
  2. كتر خيرك يا ميسون و ان شاءالله في ميزان حسناتك

    ReplyDelete
  3. له الرحمة والمغفرة

    ReplyDelete
  4. له الرحمة والمغفرة

    ReplyDelete
  5. ربنا يتغمده بواسع رحمته

    ReplyDelete