Monday, 20 August 2012

ثمة ثورة تنتظر


ثمة ثورة تنتظر



كمقالتي السابقة ،هنا أنا أؤكد أن تغيير المستقبل يبدأ الان-في الحاضر. وهنا أيضا أشير إلى أمر اخر، أنه ومع كل الثورات في المنطقة التي نتابعها –ثمة ثورة أخرى تنتظر.

في مقالته المعنونة : جسر من ميدان التحرير إلى ميدان ماديسون، كتب نعوم تشومسكي عن رسالة بعثها القائد العمالي المصري كمال عباس في العشرين من فبراير 2011 إلى الولايات المتحدة مفادها: ثوار ميدان التحرير يقفون جنبا إلى جنب ثوار ميدان ماديسون. نعوم تشومسكي يرى أن ثورة الخامس والعشرين من يناير هي "عمالية" في عظمها ، دفع بها إلى ذروتها شباب مسلح بوسائط الإتصال، مشيرا بذلك إلى اضراب 6  ابريل الشهير لعمال النسيج في المحلة، التي كللت مطالبها لا برفع أجور عمالها في المحلة فحسب بل رفع الحد الأدنى للأجور في كل مصر. هنا ، يرى تشومسكي- كانت الانطلاقة الحقيقية لثورة الخامس والعشرين من يناير. قد يرى البعض في تحليله شيء من التبسيط . إلا أن نعوم تشومسكي مبصّر عظيم ، لا يأبه بتحليل القشور بل ينفذ دوما إلى عظم الأشياء، وقد أعانه على ذلك نشاط لم يفتر ولم يكل دام لأكثر من 40 عاما مناهضا للدكتاتوريات الصريحة والمقنعة. والتي تدلف إليها الان ثورات الربيع بكل نعومة. تشومسكي يرى بإختصار أن الرسالة كانت حصيفة جدا من القائد العمالي ، فثوار التحرير انتفضوا لإسقاط نظام مصادر للديمقراطية، وكذا الحال في ولاية ويسكونسن في أمريكا . فالنقابيون انتفضوا للحفاظ على الديمقراطية في أمريكا التي تباهي العالم بإرثها الديمقراطي . وقد كان حاكم الولاية سكوت ووكرز قد طرح مشروع قرار يجعل من  "التفاوض الجمعي" غير قانوني. ويرى تشومسكي أن هذا مهدد حقيقي للديمقراطية في أمريكا. كيف؟ ...


قبل 40 عاما ، وببصيرة عالية تليق بمقام الأستاذ محمود محمد طه، في محاضرة حول الدستور والحقوق الأساسية، تناول الأستاذ موضوع الديمقراطية، قائلا أنها و الأشتراكية تمشيان يدا بيد. معرضا بالوضع في قطبي العالم في ذلك الوقت: أمريكا وروسيا. قال: غياب الديمقراطية هزم الإشتراكية في الاتحاد السوفيتي، وغياب الإشتراكية هزم الديمقراطية في أمريكا. وذلك صحيح، معلوم أن مصادرة حريات الأفراد في الاتحاد السوفييتي حوّل البلاد إلى اقطاعيات مصغرة تتبع لقيادات الحزب الشيوعي والنظام، وحوّل الشعب من سخرة النبلاء إلى سخرة الدولة. كذا الحال في أمريكا فإن النظام الرأسمالي القاهر يحول دون اكتمال عملية الديمقراطية التي تصادرها "الحاجة" و"الرزق". فاستبدلت الديكتاتورية التقليدية، بديكتاتورية حديثة هي ديكتاتورية صاحب العمل، أو صاحب المال الذي يملك صوتك ويشتريه، وتبعا لذلك تشرع قوانين الدولة بما يخدم مصالح الشخصية ومصالح عمله.

نعم ، ثمة ثورة أخرى في الجوار تنتظر، وقد تتطاير شررها .

ووجهت حركة "احتلوا" التي اجتاحت شمال أمريكا وغرب أوروبا بالعديد من الإنتقادات، في أنها حركة عفوية ويمكنك أن تقول من شعاراتها أنها عاطفية، لا تحمل هدفا محددا ولا سقف طموح لشكل ونوع التغيير، إن كان هناك شبيه لهذه الحركة فهي حركة الهيبيز في السبعينيات من القرن الماضي . وجه الشبه في أنهما اللإثنان حركتا احتجاج ورفض. تختلف وتتباين أهداف الحركة بشكل جذري ولكن هناك شيء واحد يجمعهم ويوحدهم وهو شعور بعدم الرضا، برفض عميق وضيق شديد بالنظام الحالي.

قد يرى البعض أن مقارنة ما يحدث في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية بما يحدث في نصفها الشمالي فيه شيء من المبالغة، لما بينهما من فوارق عظيمة في تاريخ التطور السياسي، فأين دول يعود عمر ديمقراطيتها إلى مائة عام، إلى دول ما كادت تتفكك من أنظمة الحكم المتوارث عليها مذ قرون.

بديهي أن التطور السياسي في دول العالم المتقدمة كان رهينا بالتطور الإقتصادي من مجتمع زراعي إلى نهضة صناعية ، والتي لم تتم بين ليلة وضحاها بل أستوت على نيران النزاعات العنيفة والسلمية عشرات السنين مفضية إلى نظام السياسي –الإقتصادي في وقتنا الراهن. كتاب الموجة الثالثة للإقتصادي آلفين توفلر  يؤرخ فيه لنهضة ثالثة قامت بعد عصر الصناعة الا وهو عصر المعلوماتية. ويرى توفلر  أن التطور السياسي المصاحب لا يزال متخلفا عن التطور الإقتصادي الحالي –اي اقتصاد المعلوماتية- إذ أنه لا يزال في مكانه الأول في عهد الصناعة، وأهم ملامحه تمركز القوى والتسلسل الهرميى في اتخاذ القرار، والثقل البيروقراطي والقانوني اللازمين لضبط العمل وتوزيع الأدوار السياسية .  لاحظ الانتاج في عهد الصناعة يعتمد على المصانع الجامدة الضخمة في المواقع الثابتة، وتسلسل الأوامر من المدير إلى الغفير وسلسلة من الإجراءات الميكانيكية المتكررة والتخصصية والمهنية اللازمتين لتسيير العمال .هناك توافق تام بين طبيعة الإنتاج المنتج الإقتصادي، وانتاج القرار السياسي.

 بينما الإنتاج في عصر المعلومات رشيق وخفيف، لا يعتمد على الموقع الثابت، وقد ضرب توفلر بذلك مثلا أنه بوسعك أن تقيم مصنعا للثلاجات من سرداب منزلك، فلا يلزمك إقامة مصنع ضخم ينتج الاف الثلاجات لتغطي بها ما تقدره من احتياج السوق المحلي والعالمي، فمن منزلك وعبر وسيلة اتصال متطورة يمكنك رصد الحاجة في السوق المحلي فقط (فلا تلزمك كلفة الإنتاج أن تغرق السوق المحلي وما جاورها بالمنتج) فقط تنتج الكمية اللازمة للأحتياج المحلي وتسوقها وتشخنها. فتبعا لذلك لا بد أن يكون التطور السياسي المصاحب خفيفا، فيصبح القرار لا مركزيا ، وأن يكون أكثر اغراقا في المحلية، يعتمد على التعدد الوظيفي- multi-tasking ، شبكي في اتخاذ القرار لاتسلسليا.

في عام 2003 تقدمت بطلب انضمام لحركة القوى الديمقراطية الجديدة في ذلك الوقت، (وبشي من الغرور) كان طلب الإنضمام عبارة عن مقترح لطبيعة العمل التنظيمي في تنظيم سياسي حديث، وأذكر أني اختصرت الامر برسم مبسط لشكل القرار، كان دائرة كبيرة تحيط بدائرة صغيرة، وكان القرار يصدر من اتجاهات متعددة من محيط الدائرة الخارجي إلى مركز الدائرة








 






 
ما الغرض من هذا التشريق والتغريب في الحديث، أن الثورات التي نشهدها في دول العالم المتقدم هي ثورة على النظام السياسي الذي ما عاد مستوفيا لمتطلبات عصر المعلوماتية الحالي، فالعهد الذي نعيش فيه حقا خطير. فالقرار المنتج أو الحدث السياسي يصل بسرعة طرف من الثانية ليعمم على الجميع بتفاصيله الدقيقة، وكذا التفاعل معه يمكنه أن يصل إلى بؤرة مركز اتخاذ القرار (مؤكد أن البشير شاهد النقاش الدائر تحت لينك اليوتيوب الذي صوره في حفل زفاف)، وبفضل الوسيط الإعلامي المتطور أصبح لا يوجد حدث تافه في بلدة طرفية بعيدة، بل أصبحت كل نقطة على الكوكب هي مركزا مؤثرا. ما نشهده من قلق على الشوراع المحيطة بمكاتب البورصة ونواصي البنوك في مدن أوروبا وأمريكا، هي قلق من هذا التخلف السياسي الذي يدفع بالمواطن على هامش اتخاذ القرار، ولا يريد منه سوى أن يبصم مؤيدا أو أن ينسحب ساخطا، فالكل يريد أن يغمس يده في حلّة القرار السياسي ( لاحظ نسخ قرارات المحاكم القاضية بمصادرة منزل أحدهم لأنه لم يستطع أن يسدد قيمة فوائد الأقساط على منزله، لاحظ نسخ قرار المحكمة العليا بوسكونسين بمنع التفاوض الجمعي فعضوية النقابات لا تزال نشطة، نقابة المعلمين مثلا في ويسكونسين تجمع اشتراكات عضويتها وتتصل بهم عبر شبكة الانترنت)



وما شأننا نحن بذلك، يقول الكاتب آلفين توفلر -صاحب كتاب الموجة الثالثة أن خطورة هذا العهد تكمن في أنه كائن من كان يستطيع مواكبته، فالتطور الاتصالي لا يحتاج إلى بنية تحتية مكلفة ولا تحتاج لأن نمر بالتسلسل التاريخي: زراعة –صناعة-معلوماتية. (نعرف ذلك تماما الان، فالمزارع في الخلا يستخدم هاتفه في تدبير شئون حواشته، ونعرف أن نظام الإتصال المعلوماتي قائم وموجود بشكل حديث ومستقر ومتطور حتى في المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة واضرابات سياسية متكررة: كالكونغو!!). تأكد تماما ، أن الاعتصامات في شوارع مدريد و أثينا و ويسكونسين وتل أبيب تعنينا نحن في الخرطوم تماما. فأول الأمر يصبح سؤال البديل عقيما، لأنه يجيب عن تساؤل يخص عهد الصناعة البائد ، الذي يوجه ناظريه دوما نحو رئيس مجلس الإدارة أو مدير المصنع. فالسؤال في عهد المعلوماتية يبحث عن "البدائل". فرئيس العمال في نبطشية الليل في مصنع ما، هو بأهمية رئيس الجمهورية.



فالتثاؤب الذي نشهده الان والتراخي عن أحزابنا وقياداتنا السياسية هو ذاته الذي يشهده الحزب الديمقراطي والجمهوري، فهي تنظيمات عهد بائد ما عاد مستوفيا لمتطلبات العصر. وعجزهم عن مواكبة تطلبات العصر لا يكمن في عدم قدرتهم على تبني مواقف تقدمية كما ذكرت في مؤتمر حركة القوى الديمقراطية الجديدة، بل في عدم القدرة على صنع القرار بشكل تقدمي.



 إذا سمح لي القارئ بتخريمة أخرى، أصبت بخيبة أمل كبيرة عند صدور قرار اعادة اصدار جريدة الميدان في عام 2005 كما أظن، فقد افسدت علي حلم يقظتي الذي فيه تصدر ميادين لا ميدان واحد ، فصحيفة الميدان –الخرطوم وصحيفة الميدان-سنار، وصحيفة الميدان –مدني، وصحيفة الميدان- الفاشر، وصحيفة الميدان –نيالا. فقد أصبحنا أكثر غرقا في المحلية وأكثر اهتماما بالقرار المحلي الذي هو أيضا احد السمات الهامة لعهد المعلوماتية كما شرحنا أعلاه (هسي ما فات شي).بل أكثر اغراقا نحو الفردية فما عاد مجزيا تجاوز الفرد بسبب "الأغلبية" كما كان ضروريا ولازما في عهد الصناعة. وقد بشر بهذا ودعا إليه الأستاذ محمود محمد طه في حديثة عن التطور السياسي المواكب لأنسان القرن العشرين والذي تكرس فيه التكنلوجيا لاحداث توافق لا يتغول على الفردية ولا يفرط في حقوق الجماعة ، والذي تعلو فيه كرامة الفرد العامل فلا يكون مجرد صامولة في دولاب العمل، مجرد الة أخرى، بل أن يكون صاحب قرار ورؤية فيما يعمل .كما دعا تشومسكي لتكريس التكنلوجيا ووسائط الإتصال كي تسد الفجوة بين مركز القرار وطرفه، بدءا من المصنع  ومكان العمال انتهاءا إلى البرلمان. فقد شبه تشومسكي حال الموظف أو العامل بالمصنع المغيب عن مركز اتخاذ القرار وكأنه أجير، تستأجر خبرته ووقته وحياته للقيام بمهمة صغيرة، وما عاد ذلك مرضيا للكرامة الإنسانية.وذاك حديث اخر إذا يسر الله له مقالة أخرى



الختام وبالبلدي البسيط: لا تمدون أعينكم للتحول السياسي الظاهري في ثورات الربيع العربي فتلك ثورات ما لم تستصحب القلق الدائر في النصف الأعلى من الكرة الأرضية، فستأكل نفسها بنفسها، وستكرس –(شاءت أم أبت..سواء بيد مرسي أو بالبرادعي أو بصباحي أو بغيره) لديتكتاوريات جديدة.و ارانا في مجالسنا ننتناقل نذارة الأستاذ المحذرة من حكم الإخوان المسلمين، وللمتابع محاضرات الأستاذ وكتاباته، فالأمر لا يتعلق برأيه حول التنظيم، فإن له نظرة أكثر عمقا وبصيرة  عرف فيه أن النظام الاتي سيعتمد على "الزكاة" و"الصدقة" للضعيف بدلا من "الحق المكفول" للجميع. وهو ما نراه اليوم فقد استبدل نظام الضمان الإجتماعي بدواوين الزكاة ومشاريع الصدقات للمواطنين من غير ذوي السلطة والنفوذ، وفيه يسمح باحتكار السلطة السياسية والنفوذ المالي في يد ال1% . مقالتي القادمة إن شاء الله تعالي ستكون عن ملامح الثورة المرتقبة في السودان على هذا الضوء



هذا المقال على تواضعه أهديه لروح الاستاذ على الطاهر، موظف فصل من عمله فصلا تعسفيا أثناء قيامه بعمله دون ابداء أي سبب. وانضم إلى لجنة المفصولين من الخدمة ولما أعيته السبل توجه صوب كوبري القوات المسلحة وألقى بنفسه من أعلاه. تاركا خلفة اسرته.

الفيديو المصاحب لملابسات غرق الاستاذ على الطاهر، منقول عن الناشطة الصحفية نجلاء سعيد










Monday, 6 August 2012

فك القيد بغرفة ايد


فك القيد.. بغرفة ايد
بسم الله (فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فهو مني إلا من إغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)

إلى الجالسين ظمئى على نهر البديل…لن يرد النهر إلى فمك…قم وأغرف بيدك.

تعجبني قصة طالوت هذه جدا. تخيل..يقود جيشا قوامه 80 الف محارب ، ليحارب بهم الملك جالوت. يمر بهم على نهر شريعة بين الأردن وفلسطين. ويبرز السؤال ؟ ما تغني الكثرة لو أن القلوب خاوية؟ لا بد من امتحان العزيمة أولا. كان الجيش قد زحف طويلا في الصحراء وقد انهكه الظمأ ، سمح للجنود يغرفة يد واحدة فقط لا تثنية فيها. غرفة يد واحدة! جغمة! يا للامتحان. امتحان لم ينجح فيه سوى 4 الاف جندي فقط!!! أقل من عشر الجيش!! من هذه القلة غلب طالوت جيش جالوت العرمرم. والسبب غرفة . هزموا الجيش "بجغمة" ماء. أعظم حركات التغيير في العالم قوامها لفتة أو لفظة أو جغمة… يقول النبي عليه السلام "من رأى منكم منكرا فليغيره  بيده ، فمن لم يستطع فبلسانه ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ...صلى الله عليه وسلم..ما ينطق عن الهوى إنه بالقلب يمكنك أن "تغير" المنكر..بحال قلبك


داوود يجز رأس جالوت ..من اجمل اعمل الفنان الايطالي العظيم كرافاجيو

إلى قصة أخرى أجيء بها إلى مغزى المقالة (سأسرف في الحكي في هذه الكتابة)  خرج الإنجليز من أهم مستعمرة لهم في الإمبراطورية …بحالة قلب. حالة القلب هذه اسمها "ساتياقرها" أو التي أحب أن اترجمها إلى "كن الحق". هذه هي الدعوة التي نادى بها غاندي أتباعه. أن يكونوا الحق. أعني ذلك حرفيا. تخيل الحق يمشي على قدمين. الحق لا يخضع لأنه الحق. ولا يستسلم لأنه الحق. ولا يحتاج للعنف لأنه الحق والحق لا يحتاج. ولا يشترى لأنه الحق. ولا يتبدل لأنه الحق. ولا يغلب لأنه الحق. ولا يروع لأنه الحق. ولا يفنى لأنه الحق.
إذا الحق لا يعترف بالباطل ولا يتعاون معه ولا يخدمه; بل بمجرد بروز الحق يزهق الباطل.
قد سئم البريطانيون هذا حقا..أحيلت حياتهم في الهند إلى جحيم. فهم يتعاملون مع أناس عنيدون لا يتحركون قيد أنملة..والحق لجوج. الهنود ببساطة..هجروا المستعمر…هجروا طريقة حياته..قاطعوا بضائعه. وحملة "فك احتكار تصنيع الملح" كانت تعني ببساطة أن الهند تتجاهل وجود المستعمر. امنت فعليا أنه غير موجود…فاختفى.
ستياقرها الملح ...وقفة حق صلبه لفك احتكار الملح

والان نأتي إلينا …كثر سؤال البديل لهذا النظام..وهو سؤال مشروع ..بمشروعية الكفيف السائل عن الطريق فهو لا يراه. صحيح تطوع البعض وقال أن البديل سيكون إقامة دولة المؤسسات ودولة المسئولية والمحاسبة ..او ان البديل هو النظام الديمقراطي واقامة العدل وليس مجرد أشخاص يحلون مكان أشخاص. بل ذهب البعض إلى أبعد من هذا وقالوا أن البديل هو أنا وانت …الشعب هو الذي سيحرص على إقامة الدولة المرضية لطموحاته!!! ((سيكون)) قالوا ((سيكون)). المشكلة عندي تكمن في سيكون هذه..فالذي نعرفه أن سيكون لا تغير شيئا..لأنها متعلقة بالمستقبل..ونحن ليس لدينا أي تأثير على المستقبل لأنه ببساطة لم يحدث بعد!!(1) . قلت أن سؤال البديل أشبه بسؤال الكفيف عن الطريق. فواقع الحال، في السنوات الأخيرة الماضية تسرب مجرى من بديل وهو الان يستحيل نهرا دفاقا قويا. ففي يناير من عام 2010   أصدر مجموعة من أساتذة جامعة الخرطوم كتاب معنون بإسم (الهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم: ثغرة في جدار الشمولية) جمعه وكتبه البروفيسور بابكر أحمد حسن. الكتاب يروي بشكل تقريري ..بدون أي عاطفة وبدون اي هتافية جوفاء… قصة تكوّن نقابة أساتذة جامعة الخرطوم وهي بحسب قانون تنظيم العمل والنقابات في السودان نقابة غير شرعية ، فالنقابة الوحيدة المسموح بها هي ما يعرف بنقابة المنشأة (أي أن يشكل كل العاملين في منشأة/مصنع/مؤسسة/مشروع نقابة واحدة تجمع كل عمالها سوية من مديرهم حتى غفيرهم) وهو قانون أخرق لا فيه تنظيم عمل ولا يحزنون، كل الغرض منه هو تشتيت أي جهود لوحدة عمالية ممكنة قد تهدد مصالح أصحاب المال والنفوذ وجلهم من الكيزان .  تكونت النقابة من أساتذة جامعة الخرطوم بمنتهى الشفافية والديمقراطية متجاهلين تماما المناخ السياسي المحيط بهم الذي يشوبه الفساد والشمولية. هؤلاء الأساتذة جعلوا من أنفسهم رقيبا عليها…لم ينتظروا الديمقراطية ليكونوا ديمقراطيين..ولا انقشاع الظلم ليحقوا الحق..كانوا الحق الان رغم الباطل. كونوا النقابة ..خاطبوا الإدارة التي تجاهلتهم في البدء..ثم أجبرت على التعامل معهم..ثم كعادة المسئولين في بلادي..رجعوا لعدم التعامل معهم..وأخيرا عملوا فيها أضان الحامل طرشا . أخذ الأساتذة مطلبهم بتكوين النقابة إلى المحاكم، قدموا العرائض، نشروا في الصحف، نظموا الإضرابات، سيروا المواكب، طرقوا أبواب السياسين (كانت صماء بالمناسبة..حتى حقت ناس الحركة الشعبية زاتم..تؤ تؤ تؤ) وفي اخر المسيرة قدموا الدعوى إلى المحكمة الدستورية وبعد مماطلة أصدروا الحكم ببطلان شرعية النقابة إذ لا ضرورة ولا حاجة لوجودها. أنتهى الكتاب. بدا لي الأمر غريبا..بالنظر المباشر ..لقد فشلوا! أمال شنو حكاية "ثغرة في جدار الشمولية" …أنها الساتيقراها… النقابة الان برغم عدم اعتراف المحكمة الدستورية بها هي مرجع اساتذة جامعة الخرطوم. هي المتحدث بإسمهم. نعم كانت هي الثغرة وتبعتها من بعد، قبل أيام قلائل نقابة الأطباء السودانيين، أيضا بشفافية تامة وديمقراطية رشيدة ، كانوا هم الرقباء على أنفسهم في خلق نقابة مستقلة عن أي نفوذ . حدث وقد تجاهلوا تماما وجود المناخ الذي تنمو فيه المؤسسات في السودان من تبعية للسلطة والنفوذ و من فساد وديكتاتورية.(تعجبت لاندفاع بعضهم لمطالبتهم تنفيذ اعتصام لكل المعتقلين ...قيام النقابه في حد ذاتها صفعة في وجه النظام ) ستتبعها نقابة الصيادلة، والمحامين، والمعلمين عاجلا غير اجل.
البديل الان في حركة معلمون بلا حدود وبكرة أحلى و أصدقاء المايقوما و مجموعة نحن (2) وغيرها..هذه حركات قررت أن تحل محل الدولة في تقديم الدعم للشرائح المستضعفة. وهم في الدقة والإلتزام والجد والانضباط  في تقديم خدماتهم حتى أن الأمر يخرج من كونه مجرد صدقة إلى تحقيق نظام ضمان اجتماعي حقيقي. الامر عندهم ليس مرهون بمزاج او حالة نشاط مفاجئ بل أسلوب حياة. وانضباطهم المالي (رغم المبالغ الكبيرة التي قد تتدفق في يد شاب عاطل) هو ما يثير الإعجاب حقا ويملأ الصدر فخرا. هذه الحركات نشأت  عازلة نفسها عن المناخ الذي تنمو فيه مؤسسات الخمول والفساد وانعدام المسئولية (واود أن أنوه أن الفساد في المؤسسات ليس فقط الأختلاس..بل في عدم القدرة على الضبط المالي..بس للأسف البشير ما عندو فكرة عن الحاجة دي) . هذه الحركات تخطت وجود النظام الحالي وعزلت وجوده وكانت الحق..كانت البديل الان.
خذ عندك أيضا مجموعة برانا، مجموعة عمل ، مجموعة المصورين السودانيين،  جائزة الطيب صالح، مجموعة شوارعية، ورشة صناعة الأفلام، اتحاد كتاب السودان ، ، الروابط و الأندية الثقافية التي الان تقوم بمجهود دولة بعد غياب الدولة ( الإنقاذ غيبت الدولة واستبدلتها بعصبة من السماسرة لا مساءلين ولا مسئولين)، فمشاريع النشر وانتاج الأفلام و ترقية النشاط الثقافي بالبحث عن البعثات والدورات التدريبية  والورش للمبدعين والبرامج الثقافية المجانية التي تقدم الوعي والترفيه للمواطن هذه مسئولية الدولة. ولأن الإنقاذ تنفض يدها عن كل ما لا يجلب لها عائدا مباشرا. فقد قامت جماعات من السودانيين والسودانيات بحمل هذه المسئولية على عاتقهم بجد ووعي ..قاموا بذلك الان ..وكلوا أنفسهم بهذه المهمة..لم يتأثروا بمناخ اللامسئولية حولهم..كانوا البديل ..الان..كانوا الحق ..الان.

خذ عندك ما تقوم به الرأسمالية الوطنية المحاصرة والمحصورة كشركة دال وغيرها . التي تعيش في مناخ الكسب والكسب السريع، في مناخ تغيب فيه حقوق العامل تحت رعاية القانون..فالقانون في السودان يحمي القادر والقوي والغني عن القانون..هذه المؤسسات عينت نفسها رقيبا عليها. حرصت على قسمتها من المسئولية تجاه المجتمع دون أن تجبرها على ذلك دولة أو حكومة ، عينت نفسها رقيبا على منتجها وعلى كفالة حقوق موظفيها دون وجود قانون ينظم لها ذلك...قررت أن تكون البديل ...الان!
خذ عندك صحيفة سودانايل والصحافيون المدونون الالكترونيون  ونجلاء الشيخ ومصممي الجرافيك الالكترونيين ..شباب قرروا أن يكسروا حاجز الرقابة المفروض الان على الإعلام وحملوا على عاتقهم مهمة توثيق الحدث ونشره مع حرصهم الدائم على الخروج من سقطات الإعلام الحر الذي لا رقيب عليه..أراهم كل يوم يعينون أنفسهم رقباء على عملهم..اراهم كل يوم يعتذرون عن خبر نشر خطأ أو  عن معلومة كتبت سهوا ...هؤلاء هم البديل الان لصحافة مكبلة مقيدة غير رشيدة.

خذ عندك ما يعرف بإسم الناشط الحقوقي والسياسي. أعرف منهم من يقدم ذات الإلتزام الذي يقدمه في مواعيد عمله ووظيفته. ناشطون مستقلون رفعوا مستوى العمل السياسي في السودان بعيدا عن تخبط الأحزاب السياسية. معرضين أنفسهم للمساءلة دون ظهر يحميهم..دون منصب يؤمنه لهم حزب في حكومة اجلة..كانوا البديل الان..كانوا التغيير الان.

البديل مش "سيكون"..هو "كائن" الان
ولن تتحقق دولة البديل بشرط مستقبلي. سقوط الحكومة هو مجرد اجراء شكلي ولكن بناء الدوله الجديده واسقاط النظام لا بد أن يبدأ الان..من كل رجل وامرأة..كل شيخ وشاب وطفل...في كل ساعة وفي كل وقت..كن الحق ..الان

من حلتنا لنيالا: سلام قولا من رب رحيم: هذا مقترح جاهدت أن أقنع من حولي به. هو مشروع تقيم فيه مساجد الحلة قراءة ياسينية ذاكرين بـها شهداء نيالا .   وقد وجدت اعتراضا كبيرا كونها تبدو حركة مسالمة صغيرة...جغمة. كنت قد كتبت في مقالة سابقة لي عبارة عن حوار متخيل اسمها (حول استقالتي من المؤتمر الوطني) ذكرت فيها أن ليس للإنقاذ (بعد أن فقدت العقيدة منذ خروج اهل العقيدة عنها-ناس الترابي) ليس للإنقاذ قدرة على صرف الأموال لكل أصحاب الولاء فتلجأ لخطة تعتمد عليها كلية في بقائها واستمرارها..هذه الخطة هي "التسليب". فالحكومة لا تريد منك تأييدا ولا محبة..فقط تحتاج حيادك وسلبيتك ..تتخذهما سترا لتقوم بما تشاء من تنكيل وتعذيب لخصومها من بيع للوطن بالجملة والقطاعي ومن تشريد أبنائها وشن الحروب عليهم. حيادك ولا مبالاتك.
كانت الفكرة هو اخراج المواطن السلبي -ركيزة النظام- من السلبية لفعل يستطيعه...كانت الفكرة انكار بالقلب..وتغيير يبدأ بالقلب كما قال النبي.
من حلتنا لنيالا : سلام قولا من رب رحيم على الفيس بوك :
http://www.facebook.com/#!/events/424287mn027621882/ 
وهذه سانحة طيبة لأعرج على مسيرة الملح لغاندي. كان المؤتمر الوطني الهندي يجهز لحملة عصيان مدني كبيرة. وأوكل الأمر لغاندي أن يخطط لهذه الحملة. اعتكف غاندي أياما ليعود إليهم بفكرة فك الحكر عن تصنيع الملح..أن يقاطع الهنود ضريبة تصنيع وشراء ملحهم من المستعمر، فالكل سيصنع الملح ويبيعه. صمت...صمت..ثم استنكار من عضوية المؤتمر "سنكون أضحوكة كل امرأة ورجل في الهند؟ الملح؟" ..نعم ..الملح... فالمواطن لا يستطيع أن يخرج في مسيرة مطالبة بعودة الديمقراطيات أو مطالبة بالحكم الوطني.. لكن مقاربة ذلك في قضية مفهومة وقريبة من المواطن..والاهم من ذلك ..أن تكون له القدرة على ذلك الفعل. الحاكم البريطاني صرح في الصحف: أن صناعة الملح في الهند لا تقض مضجعي ليلا!! لكنه سرعان ما غير رأيه..فقد وحدت هذه الحركة بين مسلمي وهندوس الهند في عمل واحد ..فعل تحدي للأمبراطورية العظيمة..تجاهل كامل من الجميع لسلطتها. كانت تلك الحادثة هي المسمار الذي دق في نعش المستعمر. ملح
غرفة ايد فكت القيد
غاندي يبذر ملح التغيير
تتابعون مسلسل عمر لا ريب..دوما تعجبني في المسلسلات الدينية التي تحكي سيرة النبي عليه السلام ، مايعرض عن حالة المسلمين الاوائل في مكة. لم يطالبهم النبي بالجهر لم يطالبهم بتكسير الأصنام لم يطالبهم باستفزاز أهل مكة...رغم ذلك ضاقت بهم مكة..لماذا؟ كان كل ما فعله المسلمون الأوائل هو انسحاب هادئ من حياة مكة.عن صلاتها عن عاداتها عن تقاليدها عن أفكارها. فعل ناعم بسيط سحب البساط بخفة عن زعامة قريش وهي ترى ناديها ينفض عنه الناس يوما بعد يوم وحدود زعامتها على الناس تنكمش كلما انضم رجل أو امرأة إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
  كنت قد كتبت في مقالتي السابقة "حول استقالتي من المؤتمر الوطني" أن السلطة ليست حالة ثابتة..السلطة فعل متكرر...على اللإنقاذ أن تتسلط كل يوم في كل ثانية كي تظل باقية على رأس السلطة...وكي يكون هناك سلطة لا بد أن يكون هناك مسلط عليه..الذي هو أنت عزيزي القارئ... عليك أن تحني ظهرك كل يوم....لو صلبت ظهرك ساعة..ينتفى فعل التسلط لساعة!
نهر البديل جاري الان..لن تنتظر البلاد أمرا هو أهون عليها من جعر على قمامة ..كسقوط الكيزان ...كل يوم يغرف العشرات من نهر البديل..البلاد التي نريد ونطمح تتحقق كل يوم ..من أراد دنية اللحاق فليظل ظامئا على النهر..ومن أراد فضل السبق فليغرف
كن الحق...الان
ساتياقرها!


(1) الحديث عن لحظة الآن مقتبس عن الدكتور احمد الابوابي http://www.youtube.com/watch?v=sY1VfKfX_r8&feature=my_liked_videos&list=LLftsUTEe0sN03jPeNcinbLA

(2) ورد هذا عبر الاستاذ ناظم سراج عن مجموعة نحن :
في أوائل العام ٢٠٠٨ إجتمع مجموعة من الشباب/ ات.. وإتفقوا على خدمة مرضى السرطان عامة والأطفال خاصة.. بدأوا من غير إسم.. ثم أسموا أنفسهم متطوعي مستشفى الذرة.. ثم إستقر الإسم على مجموعة نحن.. بدأوا بألوان الخشب وكراسات التلوين والتبرع بالدم.. ثم جاءت الأيام الترفيهية وتوفير المعدات والأجهزة الطبية وصيانة العنابر وتوفير مصاريف السفر ونفقات العمليات.. وبدأوا في التعاقد مع بعض الصيدليات والمعامل والمراكز التشخيصية لتوفير خدماتها لأطفال السرطان عبر إستمارات يتلقى بواسطتها أسر المرضى الأدوية والفحوصات مجاناً وتقوم هذه المجموعة بدفع كامل هذه المطالبات آخر كل شهر.. هذه الخدمة يستفيد منها الآن أطفال السرطان/ الفشل الكلوي/الأطفال المحولين من م. جعفر بن عوف/ مرضى سرطان الفم/ نزلاء الدور الإيوائية السبع/ الهيموفيليا
اليوم تجاوز عدد الإستمارات المصدرة ال٥٠٠٠.(فقط خمسة آلاف) إستمارة والحمد لله

Saturday, 28 July 2012

يخسي عليك يا شعبي!!


يخسي عليك يا شعبي!!
(ماذا لو لم تجلس روزا باركس؟؟!!)



لا ريب أنها المحبة المفرطة التي حدت بالنخبة السودانية أن تتنهد بين الفينة والأخرى بهذا الذي أجملته في بعبارة  "يخسي عليك يا شعبي!"، فمن العتاب الرقيق "حضرنا ولم نجدكم" ، للحيرة التي تتساءل " لماذا لا يثور الشعب لما يجري في الجنوب ودارفور؟" إلى التنهيدة الحرّى مرددة في أسى "سيكتب التاريخ أن الشعب السوداني أخرجه الجوع لا التوق إلى الحرية ولا منازعة الظلم والأستبداد" . فيض إعزاز ومحبة لهذا الشعب ولا ريب .و كما يقول المثل عندنا "ما لامك إلا من  رادك"

أجل أجل

وطالما المحبة تفتح باب العتب، فلتسمح لي النخب الباكية بشيء من عتاب المحب...لهم!



 يقولون :سيخرج الشعب عندما يقرص الجوع بطنه، عندما لا يجد منفذا من ضيق الحال --طيب ،ولن يعيبه ذلك في شيء. فحاله عندئذ كحال شعوب الأرض ..لا يمايزه عنهم شيئا. فما  غازل مشاعركم من مشاهد لجموع تجتاح الشوارع مطيحة بطاغية أو منددة بأمر ما ليس ضربا من العفوية بل هو تدبير وتنظيم وحشد وتخطيط و تحفيز وتحريض إلى اخره مما تعرفون من عمل النخب. وهنا أقول نخبة في معنى "ذاك المتمايز عن الشعب" ومعنى "المبادر"



كنت قد ذكرت في مقالتي (الخروج من متاهة التحرير) العبارة التالية:" الجوع جوع والعوز عوز والشبع شبع والعافية عافية لم تتغير أبدا على مر التاريخ . فالسقم شر والعافية خير. هذه الضرورات أمّن عليها الانسان منذ نشأة الخليقة.

وتتحول مبادئ الديمقراطية من اللغو إلى الفعل حينما تتنزل للناس وتصبح ضرورة كالماء والهواء والخبز"

هذه واحدة أن تربط النخبة هذه المعاني المجردة والسامية بأرض الشعب، بقرصة الجوع..برعشة الخوف.

والثانية أن تذلل للشعب وسيلة احتجاج. أذكر أني مررت على تساؤل يقول : ما الذي فشلت فيه الأحزاب المعارضة تحديدا؟  والإجابة هي أنها فشلت في أن تُمَلِّك الشعب وسائل المعارضة والمطالبة وأن تشق له قنوات الإحتجاج. لقد حصرت أحزابنا وطليعتنا اليوم نفسها في دور المحلل أو المعلق السياسي أو الخطيب الأريب أو الركّاني المهيب. أو أنها لا تزال تتمثل الدور التقليدي في الوصاية على الشعب بالدخول بأسمه في مفاوضات مع النظام .



تظل حركة الحقوق المدنية حركة ملهمة للراغبين في التغيير على مر التاريخ. بدأت كمثل حالنا في هذه الأيام حبيسة الخطب الحماسية في الكنائس، رهينة المقالات النارية في الصحف والتصريحات اللاذعة عبر الأثير، أسيرة التحليل وإعادة التحليل من النخب.  ثم سمعنا  ذات يوم أن سيدة في بلدة تدعى مونتغومري في الجنوب الأمريكي العنصري ..جلست. كان اسمها "روزا باركس".


القصة كما نعرفها أن روزا باركس عادت من عملها يوما متعبة ، فاستقلت الباص، ولما كانت المقاعد المخصصة للملونين ممتلئة جلست متعبة على أحد المقاعد المخصصة للبيض ولما طلب منها القيام من الكرسي والوقوف كغيرها من الملونين. أبت روزا باركس وزج بها إلى مخفر شرطة مودية بنا إلى ما صرنا نعرفه بإسم "أحداث مونتغومري"

ماذا لو لم تجلس روزا باركس...ماذا لو أخذت مكانها مع الملونين وانتظرت حتى تفرغ الحافلة؟ هل كانت أول شرارة لحركة الحقوق المدنية الملهمة لتنطلق أنوارها في تاريخ الإنسانية؟ الإجابة.....نعم!!! بكل تأكيد

لعل قليلون منا يعرفون أن هناك العشرات اللائي جلسن قبل روزا وزج بهن إلى الشرطة ودروب المحاكم

ولعل قليلون منا يعرفون أنه كانت هناك نخبة قليلة من المبادرون..ثلة من المحامين ودعاة الحقوق المدنية يتربصون على باب المحاكم في انتظار كل روزا تقدم أمام العدالة. هدف هذه الثلة هو أن تقدم قضية من احداهن أمام المحكمة ، فيقومون بنقضها على أساس أنها مخالفة للدستور الأمريكي. الذي كان يحدث أن الشرطة كانت تخلي سبيل ال"روزات" قبل بدء المحاكمة أو التنازل عن الدعوى، أو ان تشطب المحكمة الدعوى قبل البت فيها. وظلوا على تلك الحال ينتظرون ويتربصون. وفي غفلة من مكر الشرطة والنظام القضائي. مثلت روزا أمام المحكمة. ولم يجد القاضي بدا من الحكم بلادستورية نظام الباصات في مونتغومري. هل غير ذلك شيئا؟ لا...ظلت الحافلات مفصولة عنصريا كما هي. لكن كان هدف تلك الثلة الماكرة الذكية بقيادة ذاك القس الشاب المثابر مارتن لوثر كنج.كان هدفهم هو أن يقر لهم الجميع بأنهم على الحق. يبرزونه للعالم الاجمع. ثم يبدأون الخطوة التالية.

في صبيحة  ذلك الأحد. بينما المؤمنون يستمعون إلى المبجل الكينج يحدثهم بأمر جديد. "أننا سنقاطع الشر...لن نركب حافلاتهم" . وحسب؟ تعتقدون أن الجموع الهادرة أنجلى أمامها الحق فجأة وخرجت هادرة مقاطعة لكل باصات المدينة قاطعة على نفسها سبل الكسب والعيش والسعي للرزق. فتلك هي الحافلات التي تقلهم إلى أعمالهم البعيدة. لا يملكون ترف العربات الخاصة. جلهم من الفقراء. هل خرجوا عفويا لنصرة الحق؟ دون أكل عيشهم؟ بالطبع لا!! من الحمق أن نظن ذلك.  ماذا فعل إذا؟ ملكهم القدرة على الاختجاج، قواهم عليه، أعانهم على نصرة الحق. ما فعله كنج سيدرس لاحقا في كليات الإدارة والتنظيم واصبح نموذجا في مؤسسات الخدمة العامة.

قام كنج بجمع كل الملونين والمتعاطفين مع الملونين. من يملك منهم عربة خاصة. أو يسعى على رزقه سيارة أجرة. وحولهم إلى أسطول مواصلات عامة . ما يعرف لدينا بإسم "الطرحة". أسطول منظم بجدول منظم سيأخذ المقاطعين في مواعيد منتظمة وبالغة الدقة إلى أعمالهم وإلى مصادر رزقهم. ولن يضطر أحدهم إلى ركوب الباص العنصري.



نجحت المقاطعة بنسبة مائة بالمائة. وتكبدت شركة النقل خسائر فادحة. أصبحت تستجدي الحل لإنهاء المقاطعة. ذاك أمر هين. فالشعب الملون في مونتغومري..شعر بأمر لم يشعر به من قبل. شعر بالقدرة. شعر بالقوة. وامتلأ عزما. حتى أن كنج يهمس لأمرأة مسنة أصبحت تأتي إلى كنيسته سائرة على قدميها من مكان بعيد "بوسعك يا سيدتي أن تستقلي الباص. فأنت متعبة" فردت "ساقاي متعبتان ولكن روحي قوية"



وأخيرا ترضخ الحافلة لذاك الشرط الوحيد. السماح للسود أن يستقلوا مقاعد البيض. كانت تلك الشرارة الأولى..شرارة التمكين. جعل وسائل النضال مبذولة وميسرة في يد العامة.


يوم الصيام. كذا سمى غاندي يوم الإضراب العام للخدمة المدنية في الهند لمقاطعة الشر المتمثل في الإستعمار البريطاني. شعب الهند المتدين يعرف الصيام . هو أمر قريب من نفسه. يعرفه. أمر يملك القدرة عليه. نجح الإضراب بنسبة مائة بالمائة وتوقفت دلهي عن الحياة مدة يوم كامل.

يكفيني هذا القدر من العتب...فالكثار منه يورث النفور. لعلي قد أوضحت مرادي.

Saturday, 26 May 2012

حول أزمة رجم السيدة


حول أزمة رجم السيدة



هذا المقال مقسم إلى ثلاثة أقسام

الأول حول الخلل في البلاغ الأصلي المفتوح من قبل الجارة

الثاني حول قرار القاضي

الثالث حول ردة فعلنا على القرار



كل قسم مظلل بلون..عشان كل واحد فينا يخش على راحتو محل ما يوجعه أكثر..والموضوع كلو وجع في وجع



قانون إشاعة الفاحشة

ورد الخبر كالاتي : تقدمت جارة ببلاغ إلى الشرطة تتهم فيه الجارة بممارسة الفاحشة. فتحركت الشرطة من فورها وقامت باستدعاء السيدة والتحقيق معها، وفي أثناء التحقيق ماتت الجارة المتهمة، إلا أن خيوط التحقيق طالت أخت المدعية التي انتهى بها الأمر أن أقرت بارتكابها الزنا ، لتمثل أمام القاضي مقرة بذنبها فيراجعها القاضي إلا أنها تتمسك بأقوالها وينتهي الأمر بأن يصدر عليها حكما بالرجم." انتهى

ظلمات بعضها فوق بعض..لا غرو أننا لا نرى ابعد من أرنبة أنفنا... نحن يا سادة نعيش في ظلمات متكاثفة..الحقيقة أن هذا الخبر وردة الفعل على هذا الخبر قد كشف كثيرا عن علل المجتمع وعلاته والتي نستطيع أن نرجع السبب فيها بكل بساطة وبكل وضوح إلى وجود هذا النظام.



سنحلل الحدث واحدة واحدة....أريد أن أبدأ بنقطة أثارت قلقي. وهو بلاغ الجارة ضد جارتها. ويجب أن يقلفكم جميعا..خاصة إن كنت من أولئك الذين علقوا على خبر الرجم بأنك متمسك بالدين ولا يهمك رأي الخواجات والنصارى. فاقرأ قوله تعالى : "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون". هل يحدث هذا في السودان؟ أفهم من كدا..أنه قد تكون أمك او أختك جالسة في أمان الله في بيتها، فتطرق الشرطة باب بيتها و تستدعيها للتحقيق في شرفها وعفتها وتسائلها من قابلت ومن لم تقابل؟ فقط لأن جارة ملسنة ضمارة بالسوء تقدمت بشكوى؟!! في مجتمعاتنا المحافظة إن مجرد التهمة في أمر كهذا يثير الشبهة ويكون وصمة تحملها مدى حياتك...لهذا شدد الله على الخائضين في الإفك. ما شأن هذه الجارة فيما تأتيها المرأة في ستر بيتها، وقد عصمها الدين من تربص الأعين الخوانة؟ والألسن الاثمة؟ متى فوض القانون الناس أن يكونوا رقباء على الناس؟ إن هذا لأمر عجاب. قد جاء هذا النظام ملوحا بالدين كأنه حفي به أكثر من كل من في البلد..فأفسدوا أكثر مما أصلحوا...كسروا مؤسسات سودانية أصيلة كانت تحل وتفض مثل هذه المشاكل دون تدخل للقانون. ككبار الحي. الذين كانوا يحلون هذه المسائل بهدوء وبحرص بالغ لا يهدد تماسك ونسيج المجتمع. إذا أردت أن تعرف علة المجتمع..إذا كنت متحسرا على أيام زمان..فاعلم أن السبب في هذا هي القوانين التي تدعي الحفاظ على الشرف والعفة.

و يحدث في الحي أن يكون هناك منزل ذو نشاطات مشبوهة، وقد يخشى المرء على عياله ، فيكون التصرف الأمثل كي لا يثار جوا من الريبة والارتياب والقيل والقال بين الناس في المجتمع، ونحن مجتمع محافظ كما يزن الناس في رؤوسنا ليل نهار. يكون الحل الأمثل أن لا تقبل الشرطة أي بلاغ من جارة أو ساكن في الحي إلا عبر لجنة السكن أو لجنة الحي. ما حدث يا سادة في هذا الامر أن الشرطة خرمجت أكثر مما أصلحت. الفاتحة على الشرطة. كنا نسمع الحكاوي عن الشرطة زمان وكيف كانوا "وسطاء" بين القانون والمجتمع. وليسوا مجرد يد صماء عمياء تنفذ دون وعي ولا عقل. خرمجة شديدة.



 الطامة الكبرى...قرار الرجم

قس على تلك الخرمجة..خرمجة الشرطة..نفس الخرمجة....خرمجة رجال القضاء والقانون

خاض بعض الخائضين في الحديث عن "اعتراف المرأة" و "إقرارها" وليس في الشرع أيضا "إقرار" بمعني الإعتراف تحت وطأة التحري والتحقيق.فالإعتراف المذكور في الشرع والإصرار عليه "كما تهيأ للقاضي" ليس كما جرى من أمره مع السيدة انتصار. بل هو ما جرى مع الغامدية، أن تأتي طائعة مختارة في غير تهمة موجهة إليها، وأن تطلب إقامة الحد عليها. فيتصامم عنها النبي ، ويتجاهلها. فتصر، فيمهلها النبي أن تضع وليدها. علما بأنها لو لم تأت لما راجعها النبي. فتعود الغامدية طائعة مختارة تطلب إقامة الحد عليها. فيمهلها النبي حتى الفطام،علما بأنها لو راجعت نفسها ولم تأت لما راجعها النبي. لكنها تعود من جديد وتطلب إقامة الحد عليها. فيقام الحد عليها. لو أردنا اجراءا قانونيا صحيحا، كان عند اقرار السيدة أن تتجاهل الشرطة ذلك تماما،  أو أن تواجهها في حدود سلطاتها بممارسة "الفاحشة" وليس الزنا. فالأمر بحسب القانون المقيد كالاتي: أن توجه الشرطة التهمة لها في وجود أربعة شهود عدول. أو..وركزوا بالله معي في أو هذه...أو أن تفتح المرأة في نفسها بلاغا تطالب فيه بإقامة الحد عليها. أي ان يتم إغلاق القضية الأولى أولا. ثم تتقدم السيدة بفتح بلاغ في نفسها. دا كدا الدين ودا كدا الشرع ودا كدا القانون. أما ما جرى من أمر القاضي والشرطة فهو استهتار و استخفاف بالدين لم يسبق له مثيل، وهو حط للقانون وإزراء به غير مسبوق. لا حول ولا قوة إلا بالله.




كالأنعام بل أضل سبيلا

نأتي إلى الأمر الثالث: وهو ردة الفعل من قبل المغاضبين للدين ..الغيورين عليه. مالكم كيف تحكمون. كيف صرنا كالأنعام بل أضل سبيلا ؟!!! يقول النبي عليه الصلاة والسلام:" إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق"...بمعنى لا تسارع في الإفتاء والإقرار بكل ما تعرف وما لا تعرف. أعوذ بالله ممن جعلوا الدين وكأنه جزارة..يقطع هنا ويرجم هناك.




تشابه البقر من جديد على حضرة القاضي وبعض السادة "المتفيقهين"، فظنوا إمهال النبي للغامدية نوع من الإجراءات القانونية. لكن إمهال النبي جاء ليوضح أن الغرض الأساسي من إنزال الحكم هو تنفير المؤمنين من مقاربة الفاحشة، وبيان عظمتها ومكانتها عند الله، وقد ورد في الحديث : "يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله، ان يزني عبده أو أن تزني أمته..يا أمة محمد والله لو تعلمون لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " وليس المراد الرجم في حد ذاته، وإلا فإنه ليس أغير على دين الله من الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس هنالك من هو أحرص منه على القيام بحدود الله. فلنتدبر من جديد إذا المغزى من تصامم النبي عن "اعتراف" الغامدية وتجاهله لها.  وكي نسهل الأمر عليكم نورد القصة المعروفة للرجل الذي أتى النبي في المسجد ورفع صوته قائلا "يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم" أي أنه ارتكب جرما يوجب ايقاع الحد عليه. فتصامم عنه النبي، فكرر الرجل نداءه "يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم" فيطلب منه النبي منه أن يقم الصلاة معهم، وبعد انتهاء الصلاة يعيد الرجل قوله على النبي ، فيرد عليه الصلاة والسلام بقوله " أليس قد توضأت حين أقبلت؟ قال نعم ، قال: وصليت معنا؟ قال نعم..فقال صلى الله عليه وسلم إذهب فقد عفا الله عنك " المراد من الحدود في الأصل هو أن يقيم الناس الحد على أنفسهم أولا، بمراجعتها ومحاسبتها ثم التحسر على مقارفة الذنب والندم ثم الأستغفار والتوبة. فإن الله لا يتعاظمه ذنب




رحم الله المجددين من أمتنا الذين نادوا بتجديد الدين واحيائه في صدور الناس وقد مات ، ولم يبقى منه سوى جعجعة هي ملء الفم والحنجرة. كانوا يقولون أن تفسير الدين مرهون بعدة أمور. معرفة باللغة العربية المنزل بها القران، ومعرفة أخبار العرب وسيرهم وأيامهم، وأحاطة بالتراث الإسلامي، والأهم من ذا وذاك الإلمام بثقافة العصر الذي يعيش فيه. فما يقوم به المفسر هو أن يستنبط من الدين ما يحل به مشكلات عصره بما يلائم عصره. وقد ضربوا بذلك مثلا بتفسير ابن عباس لقوله تعالى "إذا النجوم انكدرت" أي إذا وقعت في ماء البحر وانطمست...رغم أننا نعرف الان أن أصغر نجم هو أكبر من حجم الكرة الأرضية الاف المرات، لكن في زمن ابن عباس كان تفسيره ملائما لظروف عصره، عصر ما قبل المعرفة الفلكية. قس على ذلك أمر الرجم. فلا تظنون أن أمر الرجم كان وقعه شديدا على المسلمين في ذلك الوقت كما هو شديد علينا.فالمسلمون الذين رجموا الغامدية هم نفسهم من كانوا قبل سنوات قلة يدفنون بناتهم فلذات أكبادهم احياء. لا اظن أن هناك امرؤ سوي اليوم يقول أنه بوسعه أن يطيق رؤية شخص تطير شظايا مخه بالحجر قطعة قطعة، بعضنا لا يطيق رؤية حيوان يتعذب..وإذا رأي أحدنا شخص يتلذذ بتعذيب حيوان يسارع بإتهامه في صحة عقله. الحق أننا تلطفنا كثيرا وتغيرنا كثيرا عن ذاك الزمن بفضل الله وبفضل تطور المجتمع البشري. فواجب المفسر إذا ان يقرأ قصة الغامدية، وقصة الرجل الذي طالب بإقامة الحد على نفسه بشروط عصره..خاصة وأن المسلمين يرون دينهم قادرا على مجاراة كل عصر . على مفسر اليوم أن لا يركز على قصة الرجم بالحجر ، بل أن يركز على سبب تجاهل النبي لدعوى الغامدية ، التي كانت عندما تناديه يشيح بوجهه عنها فتقابلة بجهة أخرى، فيلتفت عنها مرة أخرى...ثم يمهلها عامين..هل بوسعكم أن تتخيلوا عامين كاملين تراجع نفسها فيها وكان بوسعها أن لا تعود ولما ساءلها النبي ولما راجعها. وعلى المفسر أن ينظر إلى أمر الرجل الذي أسقط النبي عنه الحد بالصلاة. وكما قلت ليس أغير على دين الله من الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس أكثر حرصا منه على قيام حدود الله.

فكان حقا على القاضي الجليل (سامي شبو) لا أن يأمر برجمها، بل أن يعينها على التوبة، أن يمهلها...مش يسألها في ساعتها أن تراجع أمرها ثم طوالي يأمر بالرجم. ماله كيف يحكم؟ أهؤلاء رجال القضاء؟ اهل الحكمة والحل والعقد؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. ياخي حتى لو عاوزين نلتزم بالشكل الظاهري لقصة الغامدية لكن نضعها في شكل عصري ان يهيء لها من يعلمها دينها ويوضح لها طرق التوبة. ثم يتركها ولا يسائلها أبدا(ثم إن شاءت تتقدم بفتح بلاغ في نفسها  ). فيكون كسب توبتها، وحفظ ابنها في كنف أمه. مالكم كيف تحكمون يا أهل الغيرة على الدين؟ مالنا صرنا كالحمير نحمل أسفارا..فلا نتدبر القران لا بالعقل ولا بالقلب..واختزلنا الدين في "جمعة مباركة" و"اكثر بلد يصلي على النبي" وأبواب البقالات الفاخرة التي تنادي "اذكر الله يذكرك ولا تنسى ذكر الله" و "شير في الخير" ودروس الموعظة وسحنة من المسكنة أسموها التدين!!! مه!! كما قالت السيدة عائشة "قد أماتوا علينا ديننا". فلا تفكر في الدين ولا تدبر فيه ونردد كالببغاءات "الإسلام دين الرحمة" ثم لا تراحم بيننا ولا رأفة. وما حديث النبي من اتباع سنن من كان قبلنا من اليهود والنصارى سوى وصف لحالنا الآن أن الدين اصبح عندنا مجرد طقوس وحركات لا روح فيها ولا تفكر، فما إن نقرأ في الجريدة اصدار حكم بالرجم على امراة، حتى نهلل فرحين لنصرة الإسلام. ولا نحدث أنفسنا إن نعيد النظر في ما قرأنا ولا أن نتبصر ما جاء في أمر ديننا منه. كالأنعام صرنا والله...بل أضل سبيلا.




غالبا ما سيخرج علينا بعض الممالئين والمدلسين من أهل السلطان ومن رجال الدين ويتحدثون عن التمسك برجم المرأة وإقامة شرع الله. ليتهم يستصحبوا حينئذ قول الرسول الكريم: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد. ويستدلوا على ذلك بأن هذه المرأة التي تكالب الناس عليها رياءا ونفاقا ومداراة بإسم الغيرة على الدين، نرى منهم من تحركت فيه تلك الغيرة مطالبا بقطع يد وزير الأوقاف الذي بتهمة الفساد، وغيرهم كثر.




هذا كل قولي في الأمر

Friday, 25 May 2012

كدا يا نادر؟






في أمان الله يا نادر.



يا نفس أجملي فزعا..إن الذي تخافيه قد وقعا.

فجعنا هذا العام برحيل التجاني الطيب ووردي ونقد وحميد…ثم جاءت الطامة برحيل نادر خضر. وأعرف أن هناك من يستغرب أن أجعل رحيله فوق رحيل من قد ذكرت. لا مفاضلة في الموت، ولكن المفاضلة تأتي في مكانتهم من نفسي. فالتجاني الطيب ووردي ونقد وحميد رموز وطنية جليلة، لكنها ملء ذكريات جيل غيري. أما نادر فهو ملء يد ذاكرتي. لا انفصام لحياته عن حياتي. وحياة كل من راهق في السني الأولى للإنقاذ. أحسب عندك الجيل المحصور بين مواليد 75 و 82 . يا للظى تلك السنوات. يا لضيق ذاك الزقاق الذي حصرنا فيه…بين حائطين.. حائط الجبهة الإسلامية يهصرنا ويعصرنا لنتشكل في قالب كتائبي، يملي علينا ليل نهار ما يجب أن نموت لأجله: الله !! ينعقون ويزعقون "وسفينة الإنقاذ جاءت لا تبالي بالرياح" و"أماه لا تجزعي".

 وحائط تجمع المعارضة يهصرنا ويعصرنا لنتشكل في قالب مليشي، يملي علينا ما يجب أن نموت لأجله : الوطن.و "اه يا نورا اه" و "في انتظار المجدلية"

الموت اخر ما يسعى إليه المراهق ..اللهم إلا بشكل مجازي ودرامي يعبر عن حالة وجودية ما. الأمر كما أراه هكذا ، كان مصطفى سيد أحمد وأبو عركي البخيت ووردي : الحصة والكراس والكتاب…نادر خضر كان شباك الفصل…. نسمة تهب علينا في ذاك الزقاق



"الساعة خمممممسة…يا حبيب ما تنسى…في شارع خمسة …مواعيدنا". العالم كان ينحصر في موعد مضروب نخف إليه. "حبيبي بريدو وأبقى ساعة في أيدو…أنا أنا…أظبط ليهو مواعيدو..وأحصلها"  أما الوطن والدين والأخلاق هذه اشياء كنا نسعى نحوها بتثاقل ولا تتاورنا إلا كوخز الضمير (منذ الغد سأبدأ في الصلاة) أو (نعم الحكومة بطالة والحال مائل وسأفكر في هذا الأمر مساء اليوم بعد المشوار)



فرضوا النظام العام وحظروا التجول وضربت علينا الذلة والمسكنة في الطرقات. اللباس الشرعي والحوامة الشرعية والكلام الشرعي والسلام الشرعي..وبعدت الشقة بيننا وبين الموعد المضروب..لكن الأفدح من ذلك انزوينا كذا شبر عن أجسادنا.لكن.. أتذكرون؟؟ نادر كان أول من حرر الرقص في الحفلات من طرقعة الأصابع والتصفيق إلى التحليق بالكتفين…وبدلا من الخطو إلى اليمين ثم إلى اليسار…صرنا نصعد ثم ننزل..نغطس ونطفو..ونحلق.



وقتها سيطر على أمسيات الشباب أساطين الغناء كعبدالعزيز بقالة وحسن صبرة، بأغاني الجيل السابق  تشوبها بدعة الأورغ..أغاني كنا نماشيها مجاملة..إذ من كان حقا يأبه بفتيات ثلاثة يذهبن إلى بيت الخياطة..ومن تسمي نفسها ابنة النيل..ما علينا! فجأة برز شاب حلو… يتقرفص شعره بالجل في حلقات لطيفة  يرتدي بنطال جينز وحذاء رياضي. وما إن يبرز على المسرح حتى يهجم عليك الأورغ بنغمة ثلاثية:( ترت تتت تيييو…ترت تتت تيييو…ترت تتت تيييوو) يتبعها ايقاع( تكتش تكتش تكتش)..ثم ما فتح الله عليه به من غناء. "وا ناري وا ناري …البريدو بلالي"
try to forget the video clip


كان ينادي الحبيب ب: حبيبو ..لا أدري ما السر في المد بالواو…شيء من الحميمية والخصوصية لعلها.


تنظر إليه يحمل المكرفون ويميل برأسه مع كل خلجة من صوته…تنظر إليه يلتهم الحياة التهاما. كان كل ما حولنا يشي بالموت: جهاد ونضال ووحدة نادر الحي.



يا ربي أنت الفنان الأعظم! ونحن مجرد مقلدون! يقولون هكذا صاح مايكل أنجلو ذات يوم وقد بهره مشهد عاصفة ليلية.

يا ربي أنت الفنان الأعظم..لكأن الحياة لوحة لRothko فالجبهة الإسلامية كانت كانفا سوداء ثم رمى بنادر عليها كلطخة  فاقع لونها..تسر الناظرين.

يقولون : كالكلمة الشاذة..كان كذلك. فالجبهة الإسلامية كانت قد أعدت المسرح جيدا. شوارع قميئة محروسة بالنظام العام وأكشاك بسط الأمن الشامل، الليل محظور على المتجولين، العاصمة تغوص كل ليلة في ظلام دامس، الأسواق خاوية على  عروشها –الحصار الإقتصادي، المسيرات المسيرات، الكوزات الكوزات، حقائب الكيزان السوداء، مواتر الأمنجية والنظارات الشمسية البلهاء، صفوف البنزين، دفارات الإلزامية، ومشهد الشباب يتلبون من شبابيك الحافلات ويهرولون فزعا، المذياع المجنون، التلفاز الأكثر جنونا، المذيعات على السليقة بلا مكياج، يافطات الوعيد في الشوارع (ومن يعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا)، الزواج الجماعي، فضل الظهر، العباءات والطرح ومشروع لباس العفة والنيل لابد لبدة عجيبة.كل شي موزون على لحن جنائزي يعزفه سلاح الموسيقى

و...نادر...رعاك الله يا نادر!!! بدلة بلمعة؟ وحذاء رياضي؟ وشعر يمرح فيه الجل؟ و"ايه اسباب غرورك والقسوة الفي عيونك..إيه إيه إيه اسباب غرورك والقسوة في عيونك؟ لا...لاللا...لأني حبيتك في شعري غنيتك"



يوم أحضروه في التلفاز...وكان للتلفاز فلتات لا أستطيع أن أبررها سوى ب"المندسين" كأن يطل عليك فجأة مصطفى يغني "والله نحن مع الطيور الما بتعرف ليها خرطة" .. وجلسوا لمحاكمته.. غناء هابط ..(وهو شنو الما هابط عليك الله).. لكنه يرد بصدق عميق: غنائي ليس هابط..يمكنك أن تقول أنه ليس هادف..ولكنه بالتأكيد ليس هابط...وما الضير في أن تغني غناءا غير هادف...لا ضير والله. فتى خجول يحرص على كوب من الشاي الأحمر قبل الغناء..يعرف أنه يريد أن يغني فغنى. ياخ في الوقت داك...دا النضال زاااتو...أن تريد فتفعل..وكنا نريد...فنفكر إن كان حلالا أو حراما أو جائزا أو مستحبا أو مكروها ثم نحسب العراقيل المضروبة أمامنا ونحصر الإمكانبات المعدومة..ثم نعدل عن الفكرة من أساسو  ويفضل الولد مشرور قدام عمود الكهربا الفي طرف الحلة.