Thursday, 13 August 2015

خيارات المجتمع المخصي

تنبيه لا بد منه :العنوان صادم، أعرف، وأرجو أن لا يأخذه أحد بشكل شخصي كما هو الحال عند الحديث عن الفحولة. أنا لا أصف أحدا . خالص! إنما هو وصف للمجتمع كوحدة تم تجنيحها بواسطة السلطة، وتم منعها من أن تتطور وتعجيزها من أن تجاري متغيرات العصر من حولها وأن تنتقي من عناصرها ما يدفعها إلى الأمام، وأن تترك ما يكبلها. مجتمع تم منعه من أن يجري حوارا مع التيارات المختلفة في داخله والمكونات المتنازعة فيه وأن يخلق منها نوعا من التوافق والإنسجام.

تنبيه اخر: لا بد أن السياق الذكوري مزعج شوية خاصة في اختيار المصطلحات والوجهة التي سيذهب إليها المقال، ولكن أعزي ذلك لأننا هنا نتحدث في النهاية عن "واقع الحال" ثانيا : من جوة فيني جانب رومانسي يائس كثيرا ما يصطرع مع افكار الفيمنيزم

انتهى التنبيه. إلى المقال



خيارات المجتمع المخصي


"قام محمد بشّر
هز فوق تيجانن
سلّ سيفه وكشّر
زي بدر التمام
نحن ما بنتفشّر
نحن سياج عروضهن
نحن يوم المحشر
زي بدر التمام"


دي من المقاطع المحببة لدي في الأغنية (والحقيقة كل المقاطع محببة لدي) ، لكن لعل سبب محبتي لها أنها تحيلني "طوالي" لنشأتي في سنجة، وأنا أشب عن الطوق وأدرك ذلك الجانب المشرق في أن تكون ابنة القبيلة وابنة المدينة وابنة الرجال ، أن تكون معزوزا بها، أن تمشي مطمئنا في الطرقات لا تخشى سوى الله أو أن يلاقيك كلب يسكك. كان ذلك ما قبل تشريع "الطرحة" و"اللباس الشرعي" و "الأخلاق العامة" و "النظام العام" . هذا الكلام ليس بعيدا ، انحسر في نهاية الثمانينات بداية التسعينات.
كان المجتمع السوداني هو الراعي الرسمي للأخلاق ومفهوم الفضيلة وينظم علاقاته وفقها، وكانت تقوم ركائزها على  مبادئ أساسية أهمها : فقه السترة، التغافل، تلافي الضرر ، احسان الظن، و"المرونة". اذ أن هذه المجتمعات مع قليل من النزاع والتنازع (وحبّة ضحايا) تفسح مجالا للجديد والمتغير، فالناظر إلى التحول من الشلوخ إلى الخديد السادة، ودخول البنات إلى المدارس، ثم ترقيهم في الحياة العامة، يرى شيئا من الحيوية وحراك المجتمع الحر.


١-السترة ٢-التغافل،٣- تلافي الضرر،٤- احسان الظن و٥- المرونة. لأنه لا يخلو مجتمع من ما يظنه المرء "سقطات" و"تناقض ظاهري وغير ظاهري" -لكنها تُعالج ابدا ودائما بهذه المكنيزمات الخمسة. ولعل هذه المبادئ المتجلية في المجتمع السوداني ما جعلت فطرته أقرب إلى مقاصد الشريعة . وهذا أمر غفل عنه الإسلاميون في نظام الإنقاذ حيث كانت نظرتهم أكثر سطحية من المجتمع . (ولعل هذا سؤال مهم جدا أحب أن اتوجه به للإصلاحيين والتوابين واليائسين من ابناء الجبهة الإسلامية عن رؤيتهم لقانون النظام العام) - وسنأتي إلى ذلك، خلونا شوية مع الغنية.


هذا السياج والذي كان شيد من اللبنات الخمسة ديل، كان مجالا وبراحا لتنمو فيه المرأة السودانية وينمو معها مجتمعها المحيط، تشيله ويشيلها، وفيه الحقوق محفوظة ومستدامة وليست مجرد مدا سرعان ما ينحسر. اذ كان الحراك وجهته إلى الأمام
هذا القول مهم في حديثنا عن النسوية والتي  لا تتحقق بمعزل عن المجتمع الذكوري: أي انها لا تتحقق بالقطيعة معه، انما بتحديه، بدفعه أن ينظر ويتبنى وجهة النظر الأخرى. 

لكن ما حدث مع نظام الإنقاذ، هو مصادرة هذه القدرة عن المجتمع. ذلك بشلّه واختطاف هذا الدور منه. فأصبحت الدولة هي القَيّم على الأخلاق وهي الوصي عليها . وتلقائيا عندما تقوم الدولة بذلك فإنها تنزع عن المجتمع صفة الرشد (والتي فيها حق الخطأ والتجريب والرجوع والتطور) وتضعه في صفة المجتمع "القاصر" بأن تفرض وصاية عليه. لذا ليس غريبا ما يصفه البعض بالسقوط الأخلاقي  في عهد الإنقاذ: دا الطبيعي والمتوقع من المجتمع القاصر. 
ولعل مثال قانون النظام العام هذا تحديدا يوضح لنا واقعة تاريخية سابقة، وهو موقف الأستاذ محمود محمد طه من قانون منع ختان الإناث، وقد أوضح مرارا وفي لحظتها أنه غير مؤيد لختان الإناث لكنه يعترض على تبني الدولة الإستعمارية في ذلك الوقت لمنظومة الأخلاق واتهامها للمجتمع السوداني بالقصور (القصور مش معناه انك بتعمل الغلط -وهو حقيقة فعل كان غلط، لكن اتهامك بالقصور يعني إنك ما عندك  منظومة أخلاق اساسا تخلي عندك القدرة أن تمرق من الخطأ للصح وانه ده لازم يتعمل بدلا عنك) . ولعله بقليل من الخيال لذلك الزمن غير البعيد يستطيع المرء أن يتصور حبوبته  مكبلة في الأغلال وتنقل من عز منزلها إلى ذل السجن ثم اجعل تفكيرك يرمح: أي نوع من التغيير الذي كنا نأمله لمنظومتنا الأخلاقية كمجتمع؟  أهو ذلك التغيير القائم على الذل؟ القائم على تصنيفك في مقام الدواب لا تقود وإنما تقاد؟ 


ذات الأمر مع قانون النظام العام، وهو قانون عصيب، إذ أنه لا يستقيم إلا على عناصر هي بعيدة عن الدين، تقوم على الشبهة والإشتباه وإشاعة الفاحشة بين المسلمين، والتسور والقذف وتتبع العورات وفضحها وكل ما ذمه الدين الحنيف. وبطبيعة الحال لا يستقيم أن يكون القائمين على قانون النظام العام من شرطته أو من قضاته- أن يكونوا على أي درجة من الأخلاق وهذه هي أدوات عملهم! 

وقد ذكرت سابقا إن اللبنات الخمسة التي عالج بها مجتمعنا الأخلاق هي الأقرب لمقاصد الشريعة، فهذه الصربعة من مشرعي الجبهة الإسلامية ومفكريها أغفلتهم عن أن في الإسلام صياغة التشريع هي جزء لا يتجزأ من عملية الإصلاح الأخلاقي(ولا يستقيم الظل والعود أعوج- والعود هنا هو القانون)  لأن الناظر إلى أدوات عمل التشريع الإسلامي  يجد فيها مثلا : الملاعنة، الشهود الأربع العدول، حد قذف المحصنة (والمحصنة هي المحمية من الظن وفضح العورة وتتبع السقطات)- يجد تشريعات تقدم السترة على اشاعة الفاحشة، تقدم احسان الظن على سوءه، تقدم التغافل على التربص ، تقدم التوبة على العقوبة.   لا تجد مثل هذا في قانون النظام العام. بل تجد الترصد والملاحقة والتشفي والسوء والشر المبطن والظاهر في ممارسات شرطة النظام العام وقضاته. ليس غريبا أن القاضي الذي هذه أدواته وهذا عمله وهذا قانونه هو الذي يتطاول بالقذف على امرأة محصنة في حرم المحكمة (كما روت الأستاذة ولاء صلاح). ولا حول ولا قوة إلا بالله. ليس غريبا لأنه دا الطبيعي. لو كان فيها ملائكة منزلون يعملون في النظام العام لفسدوا.

قانون النظام العام  يشير متهما لكل امرأة زي ما بتقول كل المنشورات الضد القانون. ده صحيح ! ولكنه في المقام الأول هو بيشير متهما لكل أب وكل أخ وزوج وعم وابن وابن عم وعم وكل ذي مروءة بقصوره عن المروءة وعن الشرف وعن الشهامة وعن الإحصان. هذا هو الإخصاء الذي اردت. لذا كم وددت لو أن الوقفات والمسيرات المنددة بالقانون عجت بالعمم الملوية والجلابيب والبناطلين وكل من أراد أن ينتفض لمروءته ضد من يتهمه فيها. 


ثم ماذا بعد هذا؟ ما الخيار المتروك أمام المجتمع المخصي بقانون النظام العام؟ إما أن ينحسر عن الطرقات وان يزحف على الرصيف و يلتصق بالحائط و يتماهى مع الظل أو... وهو ما يحدث حاليا..
أن يتبنى خطاب الدولة تجاه الأخلاق لكي ينفي عن نفسه عار أنه في الحقيقة مطعون المروءة . لذا تجد جعجعة وصوت يعلو على صوت الدولة في إتهام ضحايا قانون النظام العام. ضوضاء نخفي بها حقيقة أنه لا حس لنا. إن جلدت الدولة فتاة لثوبها، جعجعنا في الأسافير بفساد الفتاة وقلة أدبها وسوء تربيتها، وخرجنا عن "الإتهام" إلى "الفحش في الإتهام" وإلى القذف. 
إذا سمعنا أن شبابا تم جلدهم في رحلة أو حفل، قفزنا إلى الظن واتهمناهم بالمجون والفحش والخنا
إذا قالت الدولة أنه تم ضبط فتاة في عربة، كِلناها بالسباب واتهمناها بالزنا وعفصنا كل ضوابط الشريعة بإسم الشريعة.
ليتها تقف عند هذا الحد. بل بعضنا يتطوع ليجعل نفسه نظاما عاما. فنتربص بحسابات البشر على النت ونخرج صورهم وفيديوهاتهم للملأ ونتصيّد تفاصيلها:  هذه كتفها بائن، وهذا ولد مائع، وهذه ترقص في تخريجها ، ونرسم الأسهم والدوائر والوسائل التوضيحية و نكتب بالبنطات الفاحشة كلاما نتنا. ثم يتناقله مُدّعوا الفضيلة منا في واتسباتهم مع علامات استفهام يرون أنها بريئة وما هي بريئة! ما هذا ؟ تالله هذا في عرفنا شين! تا الله كان عندنا الرجل المتتبع للسقطات ساقط الرجولة. فهو الرجل المائع. والمرأة الفاحشة هي من تشيع الفاحشة.
الصورة التي يُقبًّل فيها عريس عروسه. كان الرجل فينا يشيح نظره ويجر ثوبه عن ما لا يعجبه. لكن ان يتفالح بعضنا ويضعون تعليقا : هكذا ماتت الرجولة! 
لا والله! ما هكذا ماتت الرجولة، ماتت الرجولة يوم أن جعلت شغلتك الحوامة والجعجعة وسط الأسافير بالعاطل والباطل. تعرفون أن مثل هؤلاء كانوا في مجتمعاتنا متهمون في رجولتهم وفي أخلاقهم. 

ثم ما المحصلة من قوانين التربص العام؟  المحصلة هي إشاعة الفاحشة. كيف لا والفضاء مزحوم بالسباب والظنة والإتهام بالفحش. ثم علينا أن نسأل أنفسنا: من الآمن حقيقة في طرقات المدينة من تربص النظام العام؟ تعرفون من؟ لا يأمن إلا من لا يخشى الإتهام بالفاحشة! ذو الثوب الملطخ الذي لا يخشى أن تعلق به تهمة صحت أو كذبت، لا يأمن إلا من ابيضت عينه، إلا من جعل الفحش طبيعة فيه. اليائس من التوبة، النافض للفضيلة. 


لكن المجتمع المخصي هو ما أراده هذا النظام. هو ما أراده مشرعوه. وقد غرزت الإنقاذ خنجرين في خاصرة المواطن، واحد هو قانون الأمن الوطني ٢٠١٠ والثاني هو قانون النظام العام ١٩٩١
هذان قانونان -كما لا أمل من التكرار- لم يُشرّعا من أجل المُهدِّد للأمن الوطني ولا للخارج عن النظام العام فهؤلاء لا تجد الحكومة حرجا في البطش بهما دون قانون. هذان قانونان جُعِلا بهذا الشكل المبهم والفضفاض، ومَنَحا القائمين عليه سلطات لا تحد ولا تراقب لكي يشيعا الرعب في المواطن العادي، يظلان يتربصان به كما يتربص الصقر بالجرذ، ويخيمان على قلبه بالرعب. 
هسي يا مواطن تكون واقف في شارع المطار، شايل فكتك في جيبك منتظر مواصلات بحري، في وقفتك دي ممكن تقع تحت طائل قانون الأمن أو النظام العام لأي سبب ما! لأي سبب ممكن يجي بوكس مظلل يشيلك أو بوكس نظام عام يرفعك. قول لي البيمنع شنو؟ سوى "حسن نية" ضابط الأمن كما نصت المادة ٥١ من قانون الأمن الوطني. قانون النظام العام ممكن يتهمك بأي شي والضابط الرفعك يشهد عليك في ما يعرف بالمحكمة الإيجازية (دي ما فيها محامين) وسريع سريع يمرقوك في الحوش تنجلد زي الترتيب. أو
قانون الأمن الوطني يحبسك ٤٠ يوم، ثم يمدهم شهر ورا شهر، تلاتة شهور ويفكك دون ما يتهمك بأي شي، ويدقك دق العيش بحسن نيته العارفنها. ويفكك في الاستوب محل ما رفعك 
المانع شنو؟
ما تقول دولة القانون! انا بكلمك في شنو؟بكلمك في القانون.

الخلاصة أنهما قانونان شُرِّعا من أجل السيطرة على الجماهير. إذ أن السلطة لا تستطيع أن تكون في حالة استنفار دائم، لذا تسن قوانين الرعب التي تتكفل نيابة عنها بذلك. فقوانين الرعب تجعل المواطن يراقب نفسه يتآمر ضد نفسه كي يلجمها. 

لعل الناشطات في الشأن العام، لا يتمنين شيئا سوى أن يساوين بإخوتهن الناشطين في الشأن العام حين تتربص بهم الدولة. لكننا نعرف أن الواحدة تخرج فينا من اجتماع تنظيمي ، فيذهب أخوها إلى جهاز الأمن، بينما تذهب هي إلى النظام العام. وهذا هو الرعب الذي يكبل الفتيات. أن القذف بالفحش اصبح سهلا يسيرا على لسان الدولة وأجهزتها وقضاتها وضباطها. ليس ببعيد عن ذاكرتنا ونحن تهل علينا ذكرى شهداء سبتمبر أن التهمة الأولى التي ووجهت بها الفتاة التي صورت مشاهد البطش بالمتظاهرين لم تكن "تهديد الأمن الوطني" أو "تقويض نظام السلطة" ولكن "وجود صور فاحشة في هاتفها الخاص"
وفي ظل المجتمع المخصي تكفي جملة كهذه كي نرمح بخيالنا. 

وكانت الصحفية لبنى حسين تذكرنا مرارا وتكرار من قبل حادثة "البنطلون" بخطورة المواد المضمنة بقانون النظام العام الفضفاضة لأنها ستستخدم "وهي الآن تستخدم" كمهدد للعاملين في الشأن العام، وقد سمعنا قبل فترة عن تهمة القبض على اثنين في احدى الدور السياسية وهو كرت كانت الدولة تحذر من استخدامه في وقت ماضي بشكل موسع، لكن أغلب الظن أنها ستستخدمه دون حرج في الفترة القادمة للضغط على الناشطات، ولن أكذبكم القول لو لم نتحرك كمجتمع ضد قانون النظام العام وضد الأخصاء المتكرر للمجتمع، فإني أنصح الناشطات أن يرضخن للضغط تماما. فالأمر لا يحتاج سوى التهمة السهلة هذه تفُكها السلطة في الهواء، لنجري بها فرحين في واتساباتنا وفيسبوكاتنا ونشبّح عيوننا ونفتح خشومنا ونشهق شهقة الفضيلة الكاذبة. 

بالله عليكم فضيلة شنو لمجتمع مجنح بقانون النظام العام؟ كما قالت المرأة البليغة للنبي: هل تزني الحرة؟
طيب لو ما حرة؟ 
و ليس المقصود من المقولة أن العبيد انذال. المقصود: أي فضيلة يساءل بها المرء لو لم يكن حرا؟
فبالله اخي المواطن السوداني ، اختي المواطنة السودانية. لا تجقلبوا في الأسافير بإنحطاط الأخلاق و عادات-نا وتقاليد-نا واصول-نا السودانية. والحكومة تطأكم بقانون النظام العام
اقعدوا ساكتين ساي. ليس عليكم من حرج. ---إلا أن تنتفضوا ضد القانون





6 comments:

  1. اى وجع اصبتينى به ؟؟؟



    ReplyDelete
  2. قانون النظام العام يشير متهما لكل امرأة زي ما بتقول كل المنشورات الضد القانون. ده صحيح ! ولكنه في المقام الأول هو بيشير متهما لكل أب وكل أخ وزوج وعم وابن وابن عم وعم وكل ذي مروءة بقصوره عن المروءة وعن الشرف وعن الشهامة وعن الإحصان. هذا هو الإخصاء الذي اردت.

    ReplyDelete
  3. This comment has been removed by the author.

    ReplyDelete
  4. an unjustice law is no law at all

    ReplyDelete
  5. لا لقانون النظام العام ولا لقانون الأمن الوطني. .. مقال في الصميم

    ReplyDelete
  6. وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم)... ليهم يوم)

    ReplyDelete