Wednesday, 30 September 2015

انقلاب ضد الأمومة

مستهل: هذه الكتابة لعصمت الدسيس في والدته، أمنا، العينة الأمين- بتصرف مني
منذ معرفتي الأولى بعصمت كنت أستغرب انصرافه عن حكي تفاصيل حوادث اعتقاله ، أو حتى مجرد الإشارة إليها، في وقت كان الكثيرون يستعرضون نياشين اعتقالاتهم بفخر (فخر يستحقونه والله) . حتى التقيت والدته رحمها الله لاحقا واخوته، وعلمت أن كل حادثة إعتقال كانت تحمل ذكرى تؤذيه- "اعتقال صباح العيد وكنا قد فرشنا لتونا الملاءات الجديدة" "مطاردة في حفل قران أختك الصغرى منى" "اعتقال تبعته اغماءة الوالدة في المشفى" .
ومع ذلك يلزمك وقت لتكشف عن فخر هذه الأسرة الشريفة بإبنهم. وهي حكاوي كنت تلتقطها من بين ونساتهم التقاطا. كلهم يرونه الواجب ..الواجب.. لو أنك من الريف فإنك نادرا ما تسمع عن أب يباهي بحفر ابنه مجرى امام باب جيرانه ابان فيضان ما. يرونه الواجب. بذات النبرة التي يحكون فيها عن بذل ابنهم للوطن ، يحكون عن أول مولود له، يحكون عن عرضة في عرس احدى البنات، يحكون عن غرفة شيدوها في المنزل.- اسرة عزيزة وحميمة بحق.



أربعين يوما من الشوق ... الفقد

أذكرك و انت تَبسُطين طرف ثوبك لأخي طارق -ثاني ابنائك- ليدخر فيه حلمك - حلمك به عريسا. عاندتِ به يد صرَاف الحكومة المغلولة و رقة الحال ببسطك يد التفاؤل و الخير "اللازم ينتم " فإذا بك تصبحين و الشر يضحك في وجهك وقد أحيل طارق للصالح العام فاحتميتِ بعودة عباس-بكريك- من زالنجي " هكذا انت لا يعرف القنوط لك باباً" ثم صادرت كدح عباس ليتوزع على حلمين له ولأخيه  بقولك " كلو خير"،  و لكن أمي أين الخير و الشر في ارضك و سماءك؟  فهاهو عباس يأتيك 
ذات ظهيرة و صفعة الصالح العام تشوه وجه عودته إليك  ليتناثر ما في صُرة ثوبك على كِسرة اليوم و الهم .


أذكر لوعتك عند إعتقالي الاول و دموعك التي َحَجرتها الحيرة و السؤال حتى جاءتك الإجابة و إنجلت الحيرة بسلسلة الاعتقالات و المداهمات الليلية ، عرفتِ حينها أن الانقلاب كان و مازال ضد الأُم ، وتفجر دمعا فوق طاقة قلبك فزاحم نبضك وضَيَّق شرايينك ،و السُكّر الذي غاب عن شاي الصباح سمم دمك . 


 و بينما ثوبك مبسوط ليستر ضيق أسرة أُحيلت للصالح العام جئتك بقرار فصلي من الجامعة فشددتِ ثوبك ليمسح دمعك . الآن تمزق قلبك و إنكشف الستر عن الخوف فرضيتِ أن أبتعد عنك ليكون طرف الأمان عندي و طرف اللوعة و البكاء عندك . 


أُمي إختلط عليّ بٍرّك ببر الوطن و ما عناك فض اشتباكهما عندك،  فأنتِ الكل في مقام العطاء و البعض في مقام 
الشُكر تطعمينا لحمك  شبعا ، يميل هواك حيث نميل و تستقيم يدك حين نطلب يا سيدة العطاء يا أُم.


حين جلسنا حولك بخيبة الوطن رضيتِ أن تدفعي عمّن خانوا فقطعتِ جزءا مما تبقى من قلبك و حزمتِه بتأشيرات خروجنا ثلاثتنا -انا وطارق وعباس -من البلد ،من فؤادك، فأصبحت كأم موسى تنتظرين على جحيم الشوق أن نهاتفك لتعرفي أين رست سلتك و أنتِ أعلم الناس أن لا مرسى لنا الا حضنك.




و إستفرد بك الشر بعد أن نجيتنِا منه وقد رميتنا  في اليم ، فسلط عليك شياطين المرض و شياطين الطب حتى غرق مرضك الى أذنيه في يم الاخطاء الطبية، فدرنا بك الدنيا و قرأ أطباء الدنيا عليك كل تعاويذ الطب و لكن يد الشر غاصت عميقا في قلبك


الآن انا مثلك أدركت متأخرا أن هذا الانقلاب كان و مازال ضد الشرعية ، الشرعية الإلهية لحق الام في الحياة و الحلم .

Friday, 4 September 2015

نضالٌ نبيلٌ -نحن عنه معرضون


هناك سلسلة من المقالات في غاية الأهمية تنشر تباعا على صحف: الميدان- الجريدة- الأيام - التيار وعلى الصفحة الشخصية للدكتور نبيل أديب. لا بد من متابعتها

علي أن أقول أن بي قليل خجل يمنعني من المبادرة للتعرف على أناس بعينهم، سوى أشخاص بعينهم لم أجد بدا من تجاوز هذا الخجل للقائهم وذلك لإعجابي الفائق بهم. أحدهم الدكتور نبيل أديب والذي أخذت عنوانه وقصدت مكتبه العامر بالعمارات دون سابق معرفة، سوى مقالاته والحوارات واللقاءات الإعلامية التي كنت أتابعها له بحرص بالغ والتي كنت أحس أنها تعبر عني تماما.

ظل في رأيي منذ بداية إهتمامي بالعمل العام، أن هناك فجوة عميقة في الخطاب والعمل النضالي لم يخاطبها بشكل بارز وعلى ارض صلبة من المعرفة والخبرة كما خاطبها الدكتور نبيل. وهي مجادلة النظام في الزمن الفعلي. معظم إن لم يكن كل خطابنا السياسي والنضالي يركز على مخاطبة النظام في زمن مؤجل "حين سقوط/زوال/ذهاب النظام" و "بعد سقوط النظام" أو في حالة الحوار "حين تفكك النظام" . وهذه نقطة المماحكة فلنقل- لأنها ليست نقطة الخلاف- بيني وبين زملائي في العمل العام. هناك خوف كما ذكرت أكثر من مرة من قبل لدى المناضل من مخاطبة النظام في الزمن الفعلي، خوف من أن يسقط النظام فجأة ويجد المناضل نفسه مورطا في خطاب تسوية ومساومة ومرحلية. لكن هذا الأمر ضروري حتى مع هذه الإحتمالية (التي تتأخر يوما بعد يوم) ، فما بعد النظام يلزمه هذه الخبرة في مجادلة السلطة ومحاورتها والتنازع معها. لن يأتي نظاما جديدا ونخلف ساقا على ساق للننتظره كي يصلح من نفسه .
هناك معلومة تغيب كثيرا وسط زخم الإحتفاء التاريخي بسيرة المبجل مارتن لوثر كنق وروزا باركس وحادثة دمج الباصات في مدينة مونتغومري، والتي سمحت للأسود أن يجلس في مقعد على الحافلة دون أن يضطر أن يتنازل عنه لصالح الأبيض. ما يغيب عن الكثيرين هو التسوية التي قدمها مارتن لوثر كنق مع المدينة لصالح ذلك، ففي تفاصيل الإتفاق، فإنه أكد على السود أن يشغروا المقاعد الخلفية أولا ثم ملئها نحو الأمام!! كل ما أقصده بالتسوية هو مجادلة النظام تتطلب منا أن نضع في الإعتبار أنه (دي فاكتو). نظام فرضه الواقع المعاش. ما أقصده هو النضال "أيضا" من أجل انتزاع ارض للنضال. فمثلا انتخاب نقابات بديلة فاعلة شبه معترف بها لم يكن ابدا نهاية نضال، بل بدايته، انتزاع أرض صالحة للنضال.
 ما يعيق هذا هو عشقنا للبرافادو- الهتافية. فنحن نفضل أن نهتف: تهيئة المناخ من أجل الحوار!!! أو اطلاق الحريات!!! أو ضد النظام العام!!! ضد قانون الأمن ٢٠١٠!!!! ضد تعسف الشرطة!!! أطلقوا سراح!! لا للإعتقال السياسي!!!  بدلا من تفكيك هذه الشعارات. وعمليه التفكيك هذه مهمة جدا. لأن ما من أحد أكثر سعادة بالهتافية هذه من النظام نفسه. لأنه في كل مرة يرد على هذه الهتافات المعممة بتصريحات مبهمة ك: هامش الحريات أو ٢٠١٦ نهاية أزمة دارفور أو لا يوجد معتقلين سياسيين أو لقد أخطأنا في حق الشعب السوداني أو الأسوأ من ذلك اقامة تحقيقات مبهمة وانشاء مفوضيات عاطلة واجراءات قانونية ومحاكمات فاسدة.

قبل يومين كنت اقلب في تطبيق "حدث في مثل هذا اليوم" على الفيسبوك، وفاجأني أنني قمت قبل عام بنقل بوسترات : المجد لشهداء سبتمبر!! القصاص لشهداء سبتمبر!! لن ننسى شهداءنا!!! تفاجأت لأنني كنت متأكدة أن هذه هي الذكرى الأولى لهبة سبتمبر وليست الذكرى الثانية!!! وها قد عدنا من جديد بنفس البوسترات لترد السلطة بذات الشكل المبهم والمكرر والذي كان من قبل ب: فتح التحقيق في شهداء سبتمبر ثم ها هي الآن تتحدث عبر لسان وزير العدل بشكل مبهم أيضا عن : "تعويض شهداء سبتمبر" لنهتف من جديد "ما دايرين تعويض دم شهداءنا لن يذهب هدر!!"
واحدة من معيقات التنمية والديمقراطية في افريقيا هي أن المسئولين لا يحملون المسئولية. ولا أجد ابلغ من الهتافية واختصار النضال في شعارات مجملة كأحد ادوات اخلاء المسئولية التي نركن إليها كمناضلين وكعاملين في الحقل العام.
أنا لا أتحدث اطلاقا عن التخلي عن هذه الشعارات المجملة، فلتكن السماء التي نرمق إليها ولنرمي الأساسات واللبنات اللازمة لبلوغها. فإذا اردنا حقا أن نسترجع حق الشهداء يكون ذلك عبر عدة مطالب ، واحدة منها السعي أن لا يهدر دم كريم بعد اليوم ولا يحبس حر ولا يجلد عزيز. فالقصاص لشهداء سبتمبر لا يكون عبر كباش فداء، فالقاتل الحقيقي هو مؤسسات السلطة متمثلة في جهاز الأمن الوطني وقانونه، وجهاز الشرطة وقانونه. ومن هنا أنتقل بكم إلى سلسلة مقالات د. نبيل والتي أود أن ننظر إليها جميعا نحن العاملين في العمل العام وجمهور الناشطين والمناضلين وأن نصيغ منها خطابنا سواء في "المخاطبات العامة" أو "الندوات" أو "التصريحات الإعلامية" أو"البيانات الإلكترونية" أو "البوسترات" أو "الهاشتاقات".

في الآونة الأخيرة على من جديد صوت : نشر الوعي ، نشر الوعي هو أحد وسائل النضال. ولكن للأسف يتم اختصار هذا الهدف النبيل في "لكشرة" للمواطن بما يعرف ولا ما لا يعرف. تم اختصارها في تسميع حقوقه عليه. بينما نشر الوعي يعني تذليل سبل العمل والتضامن من أجل هذا الوعي. الوعي قول وعمل.



هذه مقتطفات من المقالات الثالثة وما زلت أتابع صدور مقالات د.نبيل التاليات. لكن التحدي يكمن هنا في أن نعمل سويا نحن الناشطين في العمل العام في صياغة كل هذا في حملة تشغل الرأي العام وتحرك المواطنين نحو هذه البنود المفككة والمفصلة. سيقول البعض : الشارع لا يتحرك.. نعم الشارع لا يتحرك بما هو مبهم وبالشعارات. ويحضر هنا في البال حملة غاندي لتأميم الملح ابان الإستعمار البريطاني للهند، إذ كان يرى انه يمكن تحريك الناس وحشدهم حول أمور محددة تلامس حياتهم الشخصية بشكل مباشر، بدلا من شعار عام كالتحرر من الإستعمار أو الحرية، كما يحضر في البال كيف أن حركة الحقوق المدنية ظلت تفصفص هذه الحقوق فصا فصا بدل أخذ الشارع الأمريكي خلف شعار مبهم كالمساواة والدمج. بدءا من فرص العمل المتساوية، لحق الدمج في المطاعم في المدارس في الباصات المحلية والباصات السفرية،مرورا بالمسيرة الشهيرة التي كانت إلى واشنطن والتي خطب فيها بخطابه : لدي حلم. هل سيفاجئكم أن هذه المسيرة لم تكن تحت شعار : المساواة والحرية، بل كانت تحت شعار الوظائف والحريات. وتلخصت تحت ٥ مطالب مفصلة ومحددة. وهناك مقولة شهيرة لمارتن لوثر كنق يقول فيها أنا على استعداد لأن افاوض مؤجر مؤجر في أمريكا من أجل تحقيق حق السكن للسود! 
 إلى سلسلة مقالات دكتور نبيل أديب

المقالات تتحدث عن دعوة وزير العدل لإصلاح قانون الإجراءات الجنائية وعن عزمه لتشكيل لجان لإصلاح قانون الإجراءات الجنائية  وهو ذلك الشق من القانون الذي نعاني منه القسط الأكبر من البطش كمواطنين عاديين -اكرر كمواطنين عاديين ماشين في الشارع.
لأنه هو ذلك الشق القانوني الذي يعطي صلاحيات موسعة للشرطة لتعمل بموجبها. ويأتي في البال تلك الصيحة التي اطلقها ياسر عرمان في أيامه الأولى اثر عودته للخرطوم حين قال :" إن الشرطة السودانية مسلحة حتى أسنانها". وهو هنا لا يتحدث عن الكلاشينكوفات ولا الغاز المسيل للدموع ولا الرصاص المطاطي ولا الكومرات . بل يتحدث عن السلطة التي بموجبها تعمل الشرطة السودانية. وهو ما يركز عليه مقال الدكتور نبيل أديب "الهام جدا" 

حتى الآن صدرت ثلاثة مقالات من السلسلة تحدثت الأولى عن : سلطة القبض. وهي التي نعاني منها الأمرين. تحدث شق من المقال عن المادة ٦٨-٣ التي منحت لأي شخص سلطة القبض والتحفظ إلى حين حضور الشرطة دون وضع ضوابط لسلطة القبض هذه. أي يمكن لأي شخص حرمانك من حريتك لأي سبب يراه. ويرى المقال أن في هذا استهانة من القانون بحريات المواطنين. بل يذهب المقال إلى امر من شدة ما اعتدناه حتى اننا نراه طبيعيا. وهي سلطة القبض بواسطة الشرطة، حيث يذهب المقال إلى أنه لا بد من وضع ضوابط لأمر القبض بواسطة الشرطة والتي حتى الآن تكتفي بمجرد فتح دعوى جنائية ضدك. والدعوى الجنائية في أكثر من خمسين في المائة من حالاتها لا تحتاج لرجوع إلى وكيل النيابة بل تكتفي بالشرطي المناوب في القسم (دون تحديد رتبة هذا الشرطي!!) ويفصل المقال لكي يصدر أمر القبض لا بد من وجود بينة "معقولة" للإشتباه في المقبوض عليه وعلى الدولة المدعية حينها أن تقدم أمام المحكمة الأدلة والملابسات التي أدت للإشتباه. ونوه أنه لا تكفي "حسن النية" في عملية الإعتقال وفي الدولة لكن نسلم بها، "حسن النية" هذه الكلمة التي تخفي بها الدولة كل ما يريب.
فكل هذا ليمنع ما نراه الآن مما يمكن وصفه بالقبض "التعسفي" أو "النزقي" الذي تمارسه السلطات. والذي يعمل على عقاب المتهم قبل محاكمته وحرمانه من الدفاع عن نفسه في فترة القبض عليه.



الإحتجاز رهن التحري. فالقانون الحالي يبيح للشرطة حجز المتهم لمدة ٢٤ ساعة. يمكن لوكيل النيابة أن يجدد الحبس لمدة ثلاثة ايام بغرض التحري. ثم اذا اراد ان يحتجز المتهم لأكثر من ذلك ان يرفع الأمر للقاضي المختص والذي يتيح له احتجاز المتهم لمدة اسبوع قابلة للتجديد حتى مدة ستة اشهر (على ان لا تتعداها) - يمكن بعد ذلك ان يتم حبس المتهم لمدة تفوق الستة أشهر بموافقة رئيس الجهاز القضائي.
ويرى د. نبيل أن المشكلة في هذه المادة أنها لم تضع محددات لكلمة فضفاضة مثل "أغراض التحري" كما أن تجديد الحبس فوق الستة أشهر لم يحدد بسقف زمني إنما اكتفى بموافقة رئيس الجهاز القضائي. مثل هذه المواد تؤكد ما أراه أن الدولة تستخدم "التحفظ" و"التحري" كوسائل لمعاقبة المواطنين لا لتحري العدالة . وقد شهدنا حالات مشابهة لذلك ولعل ابرز ما يجيء للبال هو احتجاز السيدة جليلة خميس كوكو لمدة ٩ أشهر على ذمة التحقيق قضتها بسجن كوبر بعيدة عن بناتها وأسرتها عانت فيها من التعذيب المعنوي والنفسي.

ويذكر مقال الدكتور نبيل أديب ان المبرر الوحيد لإحتجاز المتهم لمدة طويلة كما تقرر هو أن اطلاق سراحه قد يؤثر على مجرى سير العدالة. لكن في المقابل يذكر الدكتور نبيل أن احتجاز المتهم لمدة طويلة من العناء النفسي والمعنوي هو ايضا تأثير على مجرى سير العدالة بواسطة السلطات!
وعوضا عن ذلك يرى الدكتور نبيل أن الأفضل وضع المتهم تحت الرقابة أو منعه من مزاولة نشاط ما أو مغادرة مدينة أو منطقة بعينها لحين استنفاذ أغراض التحري. وأيضا لا بد من ربط "مدة الإحتجاز" ب"خطورة الجريمة" التي يتم الإحتجاز بموجبها ، إذ لا يعقل أن يتم احتجاز متهم لمدة ستة أشهر مثلا في جريمة لا تتجاوز عقوبتها شهرين مثلا. وقد أوضح مقال الدكتور نبيل أديب أن ذلك مخالف لأعراف القوانين والمواثيق الدولية التي تكفل حقوق وكرامة الإنسان
حقيقة المقال جميل وتحفة في البيان ،حرام انقله كله هنا لكنه من الأهمية بمكان.
برضو في القانون الحالي يشير الدكتور إلى مسألة رفض الإفراج مسبقا عن المتهم بضمان. وذكر شواهد من القانون تجعل من هذا الأمر مخالفا للأعراف القانونية التي تضع في بالها براءة المتهم. فما يحدث حاليا أنه يتم رفض الضمانة دون حضور المتهم أو من يمثله قانونيا ودون سماع وبينة.
ويقترح المقال أن تمديد مدة الحجز بغرض التحري لا بد أن تحدث بعد حضور المممثل القانوني عن المتهم أمام القاضي لسماع البينات والدفوعات والحجج التي تبيح اطالة الحجز أو الغاؤه.
واخيرا يعرج المقال الى النقطة الأهم وهو انه مقابل تمديد الحجز لا بد أن يكون هناك اسراع في اجراءات المحاكمة - وليس مماطلة كما نشهد الآن فعلا- دون ذلك يظل قولنا مؤكدا أن السلطة تستخدم الحجز والإعتقال كوسيلة للعقاب والتأديب بدلا عن المحاكمة والمحاسبة.


المقال الثالث يركز على : حق المتهم في أن يتم تنبيهه لحقوقه. ويعمل المقال في تأكيده على تنبيه المتهم لحقوقه هو أن لا يجبر على تقديم بينة ضد نفسه. وهي ممارسة مكررة عندنا كثيييييير في ردهات اقسام الشرطة وقاعات المحاكم. حيث كثيرا ما يتم انتزاع اعتراف من المتهم دون أن تتاح له فرصة الإستعانة بجهة قانونية أو الأخطر كما يشير المقال أنه "حق الصمت" يفسر عندنا بالإقرار . قبل فترة اذكر حادثة السيدة التي فتحت فيها جارتها بلاغا بالزنا ، وكانت متزوجة وزوجها غائب، فتم نزع اعتراف منها ابان تحقيق الشرطة معها أنها مارست الزنا وحكم القاضي عليها بالرجم . وهو ما يخالف كل شيء، يخالف التشريع الإسلامي الذي يضع ضوابط صارمة في البدء لإثبات الزنا (ليس واحد منها على الإقرار والجبر على الإعتراف- انما يأتي الإعتراف عن تطوع) فكما ذكرت كان أولى على الشرطة ان بمجرد ان فتحت الجارة البلاغ ان تلزم ببينة الأربع شهود أو تجلد من فورها وتستاهل زاتو. ويخالف ذلك المبدأ القانوني في أن لا يجبر المتهم بتقديم بينة ضد نفسه، ويرى الدكتور نبيل أن حضور المحامي لإجراءات ما قبل المحاكمة لضروري لكفالة هذا المبدأ، إضافة لتنبيه المتهم لحقوقه. ويشير أيضا إلى مسألة هامة جدا وهي "تقديم اليمين في غير المسائل الحدية" التي في المادة (٤) من قانون الإجراءات الجنائية حيث يرى د.نبيل أن هذا يقع في مخالفة صريحة لنص المادة ذات نفسها المسبوقة ب "لا يجبر المتهم على تقديم دليل ضد نفسه". فالمادة تخالف نفسها بنفسها !! 
ويشير المقال أيضا إلى المادة ١٠ من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة والذي يقول : " لا ترد البينة لمجرد أنه تم الحصول عليها بإجراء غير صحيح متى أطمأنت المحكمة إلى كونها مستقلة ومقبولة" وهو أمر يقع في مخالفة من المادة السابقة للقانون نفسه، المادة ٦ والتي تلزم المحكمة القانونية من تجاهل الأحكام والمواد القانونية المخالفة للدستور والتي تقع المادة ١٠ من ضمنها بلا شك. خاصة وأن دستور السودان يقر بالإعتراف بالمواثيق والأعراف الدولية التي يوقع عليها ومن ضمنها المادة ١٤ من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والتي تمنح المتهم حصانة من أن يكره على أن يجبر على تقديم شهادة ضد نفسه أو الإجبار على الإعتراف.  ويرى د. نبيل أن ما من سبيل إلى ذلك سوى ان يتبنى قانون الإجراءات الجنائية حق تنبيه المتهم لحقوقه والغاء المواد التي تجبر المتهم على إدانة نفسه. وحتى ذلك الحين يرى ان يتبنى المجلس التشريعي الغاء المواد المخالفة للدستور وأن تتجاهل المحاكم هذه المواد حتى ذلك الحين.

Thursday, 23 July 2015

الفكاكة! (حالة سودانية)

تحدث البعض قبل فترة اثر  واقعة اختطاف الأستاذة ساندرا كدودة عن "مزية الشك" أو كما تترجم باللغة الإنجليزية : The benefit of the doubt
والتي تعني ان لكل قصة طرفان، وان نمنح الطرف الآخر ايضا احتمال أن تكون روايته صادقة - الطرف الآخر هنا هو جهاز الأمن "الوطني".
ولكن لماذا نفعل ذلك؟ الا يعتبر هذا "بزارا" كأهون وصف له؟ لماذا تمنح تصديقك لمن لا يريده؟
لقد سن جهاز الأمن الوطني لنفسه قانونا مخصوص يغنيه عن مثل بزارك هذا أخي المواطن، أختي مواطنة.  قانون يجعله يعمل دون رقابة- ثم بعد  أن يعمل دون مراقبة- أن يخرج دون محاسبة.   اي انه جهاز يعمل تحت قانون الشبهة والإشتباه. بل العكس: إن من انصافك ان كنت تريد انصافا أن تشك فيه- هو عاوز كدا

إذا اراد جهاز الأمن مثل هذا التعاطف الفائض (وهو لا يريد) اذا كان لا يريد ان يتبلّى الناس عليه (وهذا الموضوع حقيقة لا يشغل باله)  لجعل جهة "رقابية" تشرف على اوامر الضبط والإعتقال- كالسلطة القضائية أو لتقاسمها مع سلطة أخرى تعمل ضمن الإطار العدلي ألا وهو "مكتب النائب العام" . ايا كان، تقوم هذه الجهة الثانية بتقييم طلب جهاز الأمن والمصادقة عليه.

لكن الواقع أن امر الضبط والتفتيش والإعتقال يخرج من جهاز الأمن ذات نفسو، يعني زيتنا في دقيقنا. ورقة ممضاة من مدير جهاز الأمن يثبتها متى شاء وينفيها متى شاء

إذا كان جهاز الأمن يتحسس حقيقة لسمعته (وهو لا يتحسس) لجعل بابه مشرعا للمحاسبة، لكنه منح عضويته (واشباه عضويته-نعم له اشباه عضوية) حصانة من ملاحقتهم قانونيا، واستعاض عن ذلك بمحكمة جهاز الأمن حيث المحكامات سرية.   المرات الوحيدة التي يمثل فيها جهاز الأمن امام جهاز القضاء هو حين يجر خصومه لاتهامهم بتهم لم تثبت ولا واحدة  حتى يومنا هذا أو لرد تهمة "اساءة السمعة"- شي عجيب! يعني يتَتَملك ويتمسح بالشبهة وكل ما يريب ثم يزعل إن شاور أحدهم نحوه. علماء السلطان ما وروهم حديث درء الشبهات؟


لو كان حريص على ان لا تمسه الألسنة (وهو يريد) لما وضع مادة تسمح لعضويته (وشبه العضوية) بارتكاب "جريمة" في المعتقلين -ايوة هو سماها كدا بالنص: جريمة- طالما ان ذلك تم بحسن نية. وهي مادة عجيبة لا احتاج لتفصيل فداحتها.



لديك جهاز مريب ومشبوه بالطبيعة وبالفطرة، سيبك من كل الكلام بتاع السوابق بتاعتو ، أنا هنا لا اتحدث عن افعاله بل عن طبيعته وتكوينه بحسب قانونه (اذا صح ان نسميه ذلك)


لديك جهاز امن دون رقابة ودون محاسبة يمكن لعضويته (او اشباه عضويته-والذين يسميهم القانون متعاونون)  أن يشيلوك من بيتكم ويحبسوك لحدي اربعة شهور. يفعلون بك ما شاءوا دون حسيب أو رقيب سوى حسن النيه ثم ان فتحت خشمك تتهم بإساءة السمعة. مفروض القاضي لما يمثل قدامو الجهاز يقول ليهو يا ابني سوء سمعتك دي ما تهمة دا مجرد وصف ليك وسرد حقائق. يعني زي يقولو ليك الزرافة رقبتها طويلة، موية البحر مالحة، جهاز الأمن سيء السمعة، علم السودان فيهو اربعة الوان. وهكذا- بل اقترح ان يتخذه جهاز الأمن لقبا فيقول : انا ضابط في جهاز الأمن أو ممكن تناديني بأبو سمعة سيئة


لكن دعوني أتحدث عن الفكاكة- ورغم أن الصفة تأتي من شمال الوادي- إلا انها تنطبق على حالة متفشية بيننا والتي تعني التحاذق لا لشيء سوى ان توصف بالحذاقة. اذ بعد "اعتذار" ساندرا خرج بعض منا يقرعون المتضامنين مع ساندرا على استمرارهم في وقوفهم معها،الذين رأوا شيئا وراء "اعتذارها" .  المتضامنون الذين استخدموا الوقائع لتحليل الإعتذار.  فمنحوا ساندرا مزية الشك . بينما الفكيك فقز إلى النتيجة "الإعتذار" وتجاهل كل الوقائع التي تبيح تماما للمتضامن مزية الشك.


لا بأس، أن يشك الفكيك ما شاء الله له من ما حدث لساندرا، لكن أن تنكر على الناس شكهم بما هو أهل لشكهم ، هذا كثير والله. بل هذا ما أسماه الشاعر محمود درويش ب: غطرسة الوضيع حين قال



أن نكون ودودين مع من يكرهوننا وقساة مع من يحبوننا
تلك هي دونية المتعالي
وغطرسة الوضيع


للفكاكة أسبابها، فكما النظرية الفيزيائية الأشهر، لكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومضاد له في الإتجاه

تأتي الفكاكة كردة فعل للهتافية الجوفاء التي زحمت فضاءنا العام، والذي يُوازَى فيه النضال(مثلا) بالفضيلة ، أي أن مجرد توصيفك بالمناضل تعني أنك ممسك بأطراف الفضيلة وترفع المساءلة عن ما تفعل وتقول. وازاء هذا التعصب يأتي الفكيك ألا وهو المتخلي والمتحلل من كل شيء.
والفكيك يركن إلى حذاقته (أو ما يسميه هو عقله) دون أي شيء اخر (لا ضمير ولا مبدأ  ولا موقف ولا حتى وجهة نظر يمكن أن تؤاخذه بها) فليس للفكيك طرف يمكنك أن تمسك به، ود موية
يذكرني حاله بمقتطف في رواية "اناقة القنفذ" للماريال باربري تقول
 " كثير من الأذكياء يعانون من جرثومة، حيث يظنون أن الذكاء غاية في ذاتها. وتسيطر عليهم فكرة واحدة: أن يكونوا أذكياء- وهو أمر في غاية الغباء. إذ أننا نجد أن الذكاء حين يتخذ نفسه كغاية، فإنه يعمل بشكل غريب: فإن الدليل على وجوده لا يكون في فرادته أو بيانه، بل في اللبس الذي يعبر به عن ذاته"
وحقيقة أن كثير من الفكيكين أذكياء بالغباوة الموصوفة أعلاه (بعضهم وقعوا من قعر القفة فهم أغبياء ساي) 
ومن دلالات الفكيك على مواقع التواصل الإجتماعي أنه يفك جملة مبتسرة في الإسفير ويترك لك خيارات تأويلها، ما راق له من التأويلات أدخلها في عبه وما لم يرق له يرده عنه أيضا بعبارة مبتسرة من شاكلة : ليس ذلك ما أعني

والفكيك أيضا في مخيلتي يجلس أمام الجهاز يلوك قصب سكر وحوله من تفاف القصب أكواب، ثم يخطر في باله فلانا (فلانا شخص فكّر وجوّد وعمل على نشر فكره أو عمله فسعى له- وإن اختلفنا مع فكره أو عمله) فيخلف كراعا ويقول:

فلان داك ببالغ ياخ أو فلان داك سطحي أو فلان داك عامل فيها مفكر وهو قاعد ساي أو دي شنو الخرمجة العاملها فلان (أو ما شابه من عبارات التقليل) 
 طبعا حق النقد مكفول للجميع، لكن كيف تميز الناقد الحصيف من الفكيك. بأن تحاول مناقشة هذا الرأي ، مثلا فلان بالغ في شنو؟ أو ليه شفت فلان سطحي؟ إما أن يسقط الفكيك في يده، أو أنه بمنتهى الفكاكة يرمي عبء البرهان عليك فيقول: خليك مني الأنا شايفو سطحي إنت شايفو عميق ليه؟ (عزيزي المناقش لا تتعب روحك مع الفكيك، سيسل من كل برهان تلقيه أمامه كلمة مبهمة يفكها في الهواء مثل : (الكلام دا ما صحيح) أو (لا) أو (انت منحاز) أو (انت لا تستخدم منطق العقل)

والفكيك يعترض ساي، ويختلف ساي، وإن اتفق فيحرص على غز شوكة في عين من يتفق معه- ساي برضو. والفكيك يمرمط أم اللغة باللبس والإبهام ما يظنه "مكرا" وتحاذقا، ويصيبك بالدوار. ثم بالخبرة تخليه لله والزمن.



 بالنسبة لموضوع ساندرا ،يقيني أن قانون الأمن هذا لم يصمم من أجل المناضلين أو الناشطين في الشأن العام (مثل هؤلاء لا يحتاج النظام لقانون تصفية لهم) كما يقيني أن قانون النظام العام لم يصمم من أجل إذلال المرأة بشكل حصري (الحاجة دي جات فوق البيعة) لكنهما قانونان وضعا بشكل خاص كي يتحكم النظام في جموع المواطنين المحايدين حتى لا ينجروا عن حيادهم. لكن من منا بمنجى من قانون الأمن الوطني ٢٠١٠ أنا؟ أنت؟ ابنك؟ ابنتك التي لم تبلغ بعد سن الرشد؟ أمك؟ ابيك؟ فكر ثانية.
كما ذكرت في  مقالتي السابقة  حول توقعاتي لفترة البشير القادمة أن الجهاز سيتجه نحو المزيد من الضغط على الناشطين والمحتجين كما سيتبنى سياسة الإغتيالات المفتوحة بشكل أوسع تحديدا مع طلاب دارفور .

قانون الأمن الوطني وكذلك قانون النظام العام (أو قانون ضبط الأخلاق العامة) ليسا قانونين فريدين ابتدعهما نظام الإنقاذ، بل هما قانونان يخرجان من "دليل الأنظمة الديكتاتورية للتحكم في شعوبها" ، تماما. 

سبق أن ذكرت قبل زمان بعيد أن ليس في وسع نظام الإنقاذ -والذي هو شبيه بالإنظمة الملكية في القرون الوسطى- أن يوزع ثروات واقطاعيات ليغري بها اتباعه وليشتري ولاءهم. لكن بوسعه أن يمنحهم نفوذا و صلاحيات. وجهاز الأمن الوطني وأفراده ما هم إلا كذلك- أداة في يد "أهل الولاء" للنظام. وأهل الولاء ديل يبدأون من أعلى السلسلة ويصلون حتى ادناها لأن يكون سيد دكان له نفوذ في الحلة أو غفير في مستشفى من أهل المحاباة. (أنا لست أحكي أمورا لا معقولة كلنا نعرف هذه الحاجات تماما واختبرناها) 

أما عن دواء الفكيك؟ الفكيك لا دواء له، وتكاثره لا نجاع له، كل ما يمكن أن اوصي به أن تعيذ نفسك من الفكاكة، أن تقرأ وتجود القراءة، لا تقرأ لتترصد (هذه احدى سمات الفكيك يقرأ ليترصد ويتربص) اقرأ لتتعرف، الإختلاف والإتفاق لا يصطنعان اصطناعا بل هما أمران يأتيان من مجرى ما تقرأ وتطالع وتعاين وتسمع، فأترك نفسك على سجيتها. وأوصي أن حين تعمل رأيا تجوده، أن تشرك في قولك أوعملك قلبك وضميرك، أن تجعل لنفسك موقفا من الأشياء (تصلحها هنا وهناك لا بأس) . ثم أسألوا الله العافية لكم ولأحبابكم وذريتكم من بعد.






Tuesday, 26 May 2015

عمو ابوبكر

الف رحمة ونور تتنزل على مقامك.  ذكرنا ابنه محمد ان اليوم يصادف ذكراه السنوية
يوم أن سمعت بخبر رحيل العم أبوبكر، تجسدت أمامي خاطرة من الأمس البعيد : في ثمانينات الكويت:
انا و اخي الصغير أحمد نركض تجاه الباب لنرى من القادم، نطل من العين السحرية فتكشف عن رجل نحيل سمح المحيا والطالع، نفتح الباب بسرعة وقبل أن نتم اداب السلام نهرع إلى غرفة والدي.،نتسابق لنزف له بشرى قدوم عمو أبوبكر ،  فيهب من مرقده مسرعا لاستقباله وابتسامة تعلو وجهه.   منظر والدي مرتاحا في جلده امام صديق دون كرمشات لمجاملة وثقالات التظاهر.
كانت طلته في البيت تملأ يومنا بالإبتسام.  تخرج والدتي لتسلم على قريبها فيتبادلان الأخبار والنكات والقفشات فهو من ذلك الجانب من الأسرة (الجانب الدمو خفيف). ياخ البيت كلو بيكون بيتكشم.  
ثم تلك الحركة التي اذكرها تماما : عمو ابوبكر مستلقيا بأريحية على الأريكة ، يتونس، ثم يعتدل فجأة في جلسته ، ينظر إلى النافذة، يراجع الساعة في يده، يؤرجح ركبتيه في قلق متنامي، ويكشكش سلسلة المفاتيح في جيبه.  
أعرف حينها أن مواعيد الصلاة قد أزفت. "نمشي المسجد يا محمد؟"

بشبه لي الصحابة المرضيين، وغالبا لما يقال سيدنا ابوبكر، يختلط علي الأمر. اذ هكذا اتخيلهم، قوم ايمانهم لهم ، فتشتهي حالهم. لا يعذبونك ليل نهار بالواتسابات والمواعظ والرسائل واذكر الله يذكرك والشيخ قال والشيخة في الدرس قالت.  لا يشاقون على الناس. 

هكذا هو عمكم تبسم طويل، وخفة ظل فطرية (اورثها ابناؤه وبناته)، استقامة لا يشوبها ميل. 
نذكر الرحلات الى شاطىء البحر التي كان ينظمها، والتي لم يكن لها معنى دون وجوده، الشواء، الضحك، الرحابة، الملاءة التي يتحلق الصحاب حولها للعب الكوتشينة في خشوع ظاهري، الاطفال يحلقون حوله يناديهم بأسمائهم ، تعرفون؟ لم يكن من اعمامك ديلاك البيجتهدو عشان يونسوا الاطفال: ما كان بيغير صوتو لصوت كائن فضائي عجيب، ما كان بيحشي جيبو بالحلاوة والرشاوي، ما كان بيعمل فيها انو من سن اصحابك ويلعب معاك ويسألك اسئلة طفولية. كان بيعمل حاجة الاطفال بذكاءهم بعرفوها وبقدروها. كان لما يتكلم معاك بيعاين ليك ويسمعك، تماما زي ما بعاين لأصحابو الكبار ويسمعهم. كان بيحسسك انك موجود وانك مهم. (الحاجة دي لحدي هسي بلقا فيها صعوبة مع اولاد الناس التانيين، انك تأخذ طفل على محمل الجد)

اذكر يوم أن تجمعنا لرؤية سيارة عمو ابوبكر الجديدة، باجيرو كحلية بخطوط لامعة ذهبية(ظلت حتى وقت طويل سيارة احلامي) كنا سعيدين بها جنس سعادة -بعدها بقليل كانت حرب الخليج. 
استقرينا في الخرطوم عام ٩٤ وكان الكيزان بدءوا ينفرزون كيمان واضحة.  كوم يرى ان هي لله، ذهبوا جنوبا. وقوم نفضوا ايديهم من الدين ولعقوا اصابع الدنيا، فعجت الطرقات بسيارات اللاندكروز السمنية ذات الخطوط الحمراء. ما ان تمر عليك احداها في الطريق حتى تشيح بوجهك عن منظر الحرام الفاجر.  ثم تبصر عربة عمو ابوبكر تجتاح الطريق في تناقض واضح، صحيح أن الباجيرو الكحلية تعفرت، انسهكت خيوطها اللامعة، لكنها صلبة ، قوية، لم تتضعضع أمام جور الزمان. لا اخفيكم اني كنت اراها وكأنها بشارة، ان الحق سيغلب يوما ما .

تتجه العربة نحو مغلق اليف في الرياض "مغلق الكابتن"
بطبيعة الحال، الكل كان يعرف مغلق الكابتن، يعرف صاحبها الموصوف في حديث سيدنا النبي "رحم الله رجلا سمحا إذا باع واشترى وإذا قضى وإذا اقتضى"   يعرفون مداعباته الطريفة. وعمو ابوبكر هو من ذلك الصنف النادر الذي يحلو من فمه الكلام، تحكي نفس الطرفة وتستغرب كيف تخرج منك ماسخة وتطلع منه طاعمة؟ (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)

ابتلاه الله بمصاب كبير، جزعنا جميعا لرحيل ابنه فهد ، الذكي النجيب، صحيح ما يقولون لم يكن فهدا ابن هذه الدنيا، كان رحيله مفجعا، اثقل من ان اصفه هنا رغم مرور قرابة العشرين عاما عليه، الكل نسي المواساة وذهب بحزنه للعزاء، والكل رجع يحكي عن مواساه عمو ابوبكر لهم في رحيل ابنه.  يا الله، هذا هو الامتحان. هذه هي كلمة التوحيد التي يصفها الاستاذ محمود محمد طه أن لا يشغلك شيء من هذه الدنيا يجعلك تنحاز لزينتها. ان تدرك حقا أن الأمر كله لله - لمن الأمر اليوم وكل يوم؟ لله الواحد القهار

هل احكي بنماذج من فضله على الناس؟ تلك الشهامة النادرة؟ اغاثة الملهوف والضائق؟ لا لن افعل شيء من ذلك، فلا أريد وانا اسرد سيرته أن يستشف الناس شيئا من المن، وهو ابعد ما يكون عن ذلك، فهو الذي كان يبذل الخير ويفر منه وكأنه يخشى أن يعلق فيه شيء من شكر الناس

تماما كما يرحل الصالحين من هذه الدنيا... خلعها عنه، نفض يده منها ورحل.   
نسأل الله أن يرحم عبده الصالح ابوبكر عبدالله السعيد، وأن ينعم عليه في دار البقاء بصحبة النبيين والشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا- امين

Thursday, 30 April 2015

بشة! تو فيفتين (توغعات)


انتهت الإنتخابات؟؟

 الحمدلله

والآن لما سيأتي بعد الإنتخابات، لقد مرقن سبع أعوام عجاف سيتبعنها واحدات يقولن ليهن: كديه قومن لي ما بسووا كدي!

تماما كالسيدة التي كانت تغني في دار المؤتمر الوطني نتوقع أن تكون الفترة الرئاسية التالية :مكياج ثقيل وثوب لامع لا يخفيان النشاز (دخلوها و"سقيرا" حام!!)

التوقعات:
١-   سيشهد هذا العام حسم موضوع مشروع الجزيزة نهائيا (ما من شيء سيوقف ذلك)، وذلك عبر فتحه بلا هوادة للإستثمار الخاص. التعديل الدستوري الأخير نزع تحديد الأراضي الإستثمارية من يد الولايات إلى رئيس الجمهورية مباشرة، لو أنني كنت ساذجة لقلت أن الأمر تدارك لفوضى البيع من طرف التي عمت الولايات، لكن ما سمعته أن أهل المركز قد ضاقوا بثراء الولاة وتكدس الأموال لديهم (سمعت قبل عام، أن احد الولاة الذين ببالغوا عديل كدا، قد باع قضبان القطار في ولايته، وجرى الوشاة بهذا الخبر إلى المركز التي اكتشفت أن قضبان السكة حديد هي ملك للحكومة الإتحادية وليس الولاية- يبدو أن الأيلولة لم تطل السكة حديد) 

٢- التعديل الدستوري الذي سمى ضباط الأمن بأنهم قوات نظامية وأكد على الطبيعة العسكرية للجهاز كما "وسع" من صلاحيات جهاز الأمن هذا التعديل وضع تحديدا ليتيح المشاركة المباشرة في القتال المسلح دون "نقة" حول طبيعة الجهاز. كان القانون سابقا يتيح شيئا من هذا مع التحرج والآن لا حرج  فيما يتضح أنه تخلي كامل عن المؤسسة العسكرية (والتي بطبيعتها تسمح بتنامي نفوذ البعض) . سنشهد مشاركة مباشرة للمتقدمين الجدد بجهاز الأمن في دارفور وجنوب كردفان

٣- اضافة إلى ذلك فإن التعديلات الدستورية لجهاز الأمن قد تعني أنه سيتم الإستغناء عن الإعتقال  والتحقيق واحتجاز الطلبة  في الولايات الطرفية نحو الإغتيال المباشر. سنسمع بمقتل المزيد من الطلاب في نيالا ، الفاشر، كادوقلي، الدمازين ، سنار..الخ تحت دعاوي "تهديد الأمن القومي"

٣- التحية الثلاثية التي قدمها البشير في خطاب الفوز لقوات الدعم السريع، ولو أنها لا تخفي قلقا من الطبيعة المتمردة لحميدتي، ولا لتقلبات موسى هلال، إلا أنها تؤكد أن البشير سيحتفظ بمساحة من الود معهما مؤقتا

٤- من الملاحظ أن خطاب البشير عج بمسبة الأوروبيين، ولكن مافي "امريكان"، ذلك أنه كما شهدنا في الفترة السابقة تصعيد المحاولات لإرضاء الإدارة الأمريكية بشدة. طبعا المرء لا يتوقع أي طبيعة تخطيطية للنظام الذي يعمل بسياسة رزق اليوم باليوم، لكن لعل هناك ناصح نصحهم أن المقاربة مع إدارة أوباما والعمل على رفع المزيد من العقوبات خير من التعامل مع إدارة هيلاري كلينتون المستقبلية أو إدارة جمهورية.  غالبا الإدارة ستشترط "الحوار مع المعارضة"" و "تشكيل حكومة وطنية" تمهيدا لرفع بعض العقوبات دون أن يعني ذلك تحقيقه بالضرورة، لذا ستعود من جديد نغمة "الحوار الوطني"

٥- كما ذكر الدكتور نبيل أديب في حوار على قناة أمدرمان أن التعديلات الدستورية المستعجلة والإنتخابات المتصربعة ليس لها علاقة بالشعب ولا حاجة ولا نوهم روحنا. الهدف منها كان تثبيت ركائز سلطة البشير. وقد عملت التعديلات الدستورية على تحجيم النفوذ المتزايد للولاة. لن يكون الجديد تعيين الولاة في ولاياتهم، لكن اتوقع تصفيات حساب من النوع الثقيل( وربما الدموي لست أدري) مع بعض الولاة واتباعهم المتمردين السابقين




في الحلقة القادمة : توقعات المعارضة
(ولا أقول ليكم دي ما محتاجة حلقة، نديكم الموجز: كما ذكر اخونا محمد عثمان (أفة) سيتواصل المسلسل المدبلج الطوييل للقاءات المعارضة في العواصم الأجنبية)
إضافة إلى مواقف متذبذبة من مشروع الحوار مع الحكومة كلما قام بطرحه المؤتمر الوطني



Saturday, 25 April 2015

تيامنوا ما استطعتم (ونسة)

قرأت في مكان ما أن "الشام" كان يرمز به للشمال الجغرافي، واليمن للجنوب
فكل يمين هو جنوب

قبل عشرة أعوام تقريبا (ويزيد) أتيحت لي فرصة الذهاب إلى امريكا ضمن برنامج "الزائر الدولي القيادي" الذي تنظمه الخارجية الأمريكية كل عام لدعوة "قياديين" محتملين في مجالاتهم من كافة ارجاء العالم. كان ذلك العام مخصصا للإعلاميين.

حزمت حقيبتي وهواجسي التي زرعتها ماما بنجاح وأيضا زميلتي في العمل الأمريكية وقد ظلا يسائلان سبب اختياري ضمن البرنامج. مع انو الإجابة بسيطة جدا: كنت أجيد اللغة الإنجليزية، بالإضافة لعملي مع اذاعة الأمم المتحدة و... كنت أجيد الانجليزية

وصلت إلى واشنطن في يوم مزهر ، مزهر بحق!!  اذ كان موسم إِزهار شجر الكرز cherry blossom
المهم ، تم ضمي إلى وفد "الافريقيون الأنقلو فون" ، ادركت ذلك حين ذهبت لحضور أول اجتماع لنا في بهو الفندق العريق الذي نزلنا فيه. دققت في أوجه الوفد الذي سأصبحه طوال فترة زيارتي 
أولا كان هناك :أنا(السودان)، فتاة مذعورة سريعة الحركات واللفتات والإرتياب
انجذبت تلقائيا إلى (نيجريا)، فتاة هادئة واثقة من نفسها، ذكية، تزن كلماتها بالميزان ترتدي حجابا وعباءة فضفاضة وملونة اثارت انتباه الكثيرين، لكنها ارتدتها وكأنها جزء من المشهد الواشنطوني اليومي
شاب مرح ضاحك، ذو نظرات قافزة وبشرة قمحية بهيجة هو (تنزانيا)، يقاسمه في القفشات شاب لذيذ من (غانا)
يافعين لطيفين سريعي الحركة هم اصغر من بالمجموعة، يثيران الشغب، (كينيا)
(بوتسوانا)، فتاة رشيقة بالغة الحسن، ومن نفس البلد فتى طويل وسيم glamorous وجدا أنيسا في سيدة متحفظة من (جنوب افريقيا)
سيدة متجهمة تطالع المشهد بامتعاض بائن ، امتعاض لازمها طوال فترة البرنامج (سيراليون)
شاب نحيل رقيق ودود ذو وقار مسيحي :(زامبيا)
تتكىء عليه شابة بضحكة صريحة مجلجلة (ملاوي)
فتى متحفظ، لم تفارق ربطة العنق عنقه! غامض كرجال الإستخبارات في الأفلام الهوليودية:(يوغندا)
ورجل بالغ الأناقة، نظرة ساخرة لا تفارق عينيه:(الكاميرون)

دعوني أقول لكم بصراحة، برغم "الجو" الذي عشناه في الجامعة و "حركات" ندوات المراكز الثقافية حول هويتنا الأفريقانية وجدل نحن عرب افارقة وافارقة عرب أو صرف افارقة ناطقين بالعربية أو بوتقة الإنصهار الفريدة أو جسر العبور المجيد. كل هذا كان -كلام ساي. هتاف لم يبارح الحناجر وطق حنك. فما الذي نعرفه حقا عن افريقيتنا (نحن الشماليون) كي نقرر من أجلها أو ضدها- ولا حاجة! فتافيت! لذا تساءلت (نعم اقر بذلك) تساءلت عن كون هناك مؤامرة خفية جعلت الإدارة توزعني ضمن وفد الانقلوفون الأفارقة لا مجموعة الشرق الأوسط.. ها قد قلتها- أها!

شهر قضيته مع هذه المجموعة، هي من أجمل الأيام التي عشتها حتى الآن،  لقد حيرنا حنان اللجنة المنظمة للبرنامج. شلة متناقضة الأمزجة لكنها تتقاسم السخرية اللاذعة، شيء من الغرور غير المبرر والذكاء الحاد


كان دليل مجموعتنا رجل كبير السن ومعاونته التي شككنا أنها على علاقة عاطفية معه. فلنقل أنه كان في البدء يحمل تجاهنا عاطفة تبشيرية سمحة : الرجل الأبيض يمد يده إلى افريقيا ليعبر بنا إلى الحضارة. 
صبيحة ذلك اليوم أخبرنا "عمك"الدليل بحماسة مفرطة لم يستطع كبتها أننا على وشك ان نشاهد شيئا فريدا، مشهد لن ننساه ا طوال حياتنا الإفريقية البائسة. ركبنا الباص والأفكار تتقافز في اذهاننا حتى وصلنا إلى جادة فسيحة تحفها على الجانبين اشجار الكرز المزهرة . نزلنا:، واشار "عمك المبشر" بيده: ها نحن!
اين؟ وين؟ وير؟ وينا الحاجة السمحة؟ - تلفتت افريقيا يمنة ويسرة
اشار بيده مرة أخرى بشكل دراماتيكي: ها هي!! ترااااا ما رأيكم؟
هل يرى الرجل الأبيض شيئا لا نراه، ضربتنا الحيرة، وين يا عمك؟
بدأ صبر "عمك المبشر" ينفذ: هنا يا وهم!! هنا!!الأشجار، هذه الأشجار كانت عربون صداقة من حكومة اليابان. وفي كل عام نحج لنرى اشجار الكرز في يوم إزهارها الميمون"
(.......)
صمت
ثم مال نحوه تنزانيا بضحكة تلمع في عينيه "يا عزيزي في افريقيا الأشجار تزهر كل يوم" 
تبعتها ضحكات مجلجلة وزي مهينة كدا استمرت حتى نهاية اليوم (لم اشارك فيه لحرصي على عدم احراج الرجل الأبيض لأنو بيناتنا ديون وكدا) ... تبادلت افريقيا القفشات وسط سخط عمك المبشر الصامت
قال ليك شوف الشجر المزهر ..قااااه قاه قاه قاه. اااا؟ قلت لي شنو؟ شوفو الشجر؟ قال شجر قال... نحن جايين من وين اصلو؟ واللاي عمك دا ظريف خلاس

وهكذا... كلما مرت لحظة صمت طوال الشهر الذي قضيناه في امريكا صاح أحدهم : شيري بلوسوم (ازهار الكرز) لتنفجر افريقيا في موجة من الضحك
---------------------
"ها!! اخبريني، كيف الأمور الآن بين الترابي والبشير؟" سألني تنزانيا بمرحه الملازم. وانضمت بقية المجموعة لتستمع إلى الحوار (كانت قد مرت ٦ أعوام على المفاصلة)  
أجبت بشيء من الدهشة " لا أحد يدري بالضبط، البعض يقول أنه انقلاب مفبرك اخرون يقولون أنه حقيقي. الأكيد أن النظام قد فارق مسحة العقائدية التي كانت تكبله، وهو ينطلق نحو انتهازيته الآن بلا قيود" 
تبادلت نيجيريا، غانا، اشبال كينيا، سيراليون وبوتسوانا التكهنات حول ما يعنيه هذا الأمر للسودان.
لقد خجلت جنس خجلة.. بالله عليكم ما خجلتم أنتم أيضا؟ ما الذي أعرفه حقا عن السياسة الداخلية لهذه البلدان التي لها اهتمام حقيقي بما يدور في بلادنا، اوكي..ربما لم أكن صحفية محنكة، لكن كديه تخيلوا صحافيا اخر أكثر حنكة مكاني :/ نفس الشي

في نهاية كل يوم كنا نجلس في غرفة أحدنا، نتبادل الحديث في كل شيء ، الفساد البيروقراطي الصغير المضحك (حدثني أحدهم عن والده المحافظ الذي يتسلم رشاوي من رعاياه هي  صناديق من البيرة)، تحدثنا عن شبه الدولة الإفريقية، عن النزاعات المسلحة (سيراليون) كانت "مقاتلة حرية- فريدوم فايتر" قبل أن تصبح صحافية وهو لقب تبادلت افريقيا السخرية حوله بما فيها سيراليون ذات نفسها التي لم يخفى عليها مدلولات التسمية)، انقسمنا في الآراء حول فصل "الصين" عن الدولة، تحدثنا عن النزاع الديني الدموي في المساجد والكنائس واللعبة السياسة القذرة التي تقف خلفها، تحدثنا عن أزمة الصحافة والتي لا تتلخص في الحرية والرقابة ولكن أيضا قلة التوزيع وضئالة التأثير (جنوب افريقيا كان لها رأي مختلف)، تحدثنا عن تحديات الإستثمار المستقل في ظل هيمنة الدولة والمحسوبية. وبين مرة وأخرى تعرج النساء للحديث عن مؤامرات النسابة، ومطاعنات الجارات والسحر والفقراء والحجبات والمحايات، وعن افضل المحال التي بوسعنا أن نشتري منها ملايات وهدايا للأهل حين عودتنا.  ثم وكلما واتتنا الفرصة: جَبْجَبْنا
ولم نبخل بالسخرية من برنامج الإدارة الذي كان يصر على "تلقيننا" اصول الصحافة

ثم أعود إلى غرفتي التي تقاسمتها مع نيجيريا، أفكر، كم تبدو مشاكل السودان ملحمية وتوراتية و وقدرية وغامضة حين تعكسها في مرآة الواقع العربي.  وكم تبدو عادية ومفهومة حين تضعها في مكانها في كانفا الواقع الإفريقي المتأزم.

(ملحوظة: لا بد أن أتعلم السواحيلية) بين فينة وأخرى كانت المجموعة تتبادل قطيعة سواحيلية محندكة (ليست كل المجموعة من الناطقين أصلا بالسواحيلية بالمناسبة، لكن في جنوب افريقيا وبوتسوانا ونيجيريا ومالاوي وزامبيا التي تفتح ابوابها بطبيعية لدول الجوار اصبحت السواحيلية هي لغة التجارة ولغة الثقافة ولغة الشباب ولغة الروشنة) . 
رباه! اذا الإنفتاح نحو افريقيا ليست قصائد العويل التي كان ينشدها شعراؤنا ابان ستينيات وسبعينيات الأفريقانية، ولا هي المؤتمرات التي يهرول إليها البشير وأعوانه لينالوا قسطا من النوم في قاعاتها المكندشة، ولا هي خطابات التأييد من الإتحاد الإفريقي لمباركة أي حزمة من السياسات، ولا هي جنود حفظ السلام. وبالتأكيد هي ليست سلاسل السكسك والحقائب الجلدية وقمصان الداشيكي (القمصان المزركشة)

ايييك... يا حليلنا

كيف يبدو الحزب الشيوعي السوداني بالمقارنة أخواتها كلما نظرنا للجنوب  بدلا عن الشمال؟ الفرصة مفتوحة للنقاش

 ركبت المصعد للحاق بمحاضرة الختام والتي كانت ستخاطبنا فيها كوندوليزا رايس.  ويا للصدفة كان في المصعد ممثلين من وفد الشرق الأوسط الذي ضل عني: فلسطين، سوريا، مصر، قطر، الأردن، الكويت، السعودية، الجزائر يعلوهم شي من التوتر. نظروا إلي: وير ار يو فروم؟
أنا من السودان
ها! تتحدثين العربية بطلاقة!!

كان لكل مجموعة أن تسأل وزيرة الخارجية سؤالا واحدا. اتفقت المجموعة أن نسأل عن التصعيد الإعلامي الأمريكي الملحوظ حول قضية دارفور؟ هل تهيئ السودان نفسها لحزمة جديدة من سياسات الحظر الإقتصادي؟ (كان هذا السؤال بصيغته هذه مزعجا للصحافيين والإعلاميين الأمريكان، هذا الربط بين التصعيد الإعلامي والسياسة الأمريكية- أمر اصروا على انكاره)
مجموعة الشرق الأوسط قدمت خطبة عصماء: فلسطين.!! إلى متى سيظل الشعب الفلسطيني تحت القمع الإسرائيلي المدعومة من امريكا، انكم ترسلون طائراتكم و اطفالنا يموتون و و زفرات حرى
تعاطفت افريقيا مع فلسطين ، الغريبة أنا برضو تعاطفت

ذكرني هذا الأمر بفلم مصري شاهدته اسمه "سلطة بلدي" فلم لطيف جدا، نبهني إليه مقال في مدونة نائل الطوخي (أحد كتابي المفضلين) . مقال نائل الطوخي هنا في الفلم تقرر الجدة الإيطالية اليهودية الأصل التي نشأت في مصر وتزوجت فيها من مصري وأصبحت جزءا من نسيجها، تقرر السفر لزيارة أختها في اسرائيل. من أجل هذا القرار جمعت الجدة افراد اسرتها وعائلة زوجها لتخبرهم ، وقد شابت هذه اللحظة الكثير من القلق والتبرير. وقد رأينا في الفلم ضِيقا من الأقارب واحباطا وحيرة . هو مفهوم بالنسبة لأي مثقف سوداني في سياق الصراع التاريخي السياسي، لكنه غائبا تماما عني ك"عاطفة"
تخيلت لو أن اخي سيسافر إلى اسرائيل لقضاء عطلة ما ، بالطبع قد يكون هناك نقاشا حول اخلاقية انتفاع اسرائيل من دخل السياحة، أو نقاش ديني "نظري"- لكن سيكون هناك غيابا تاما للجانب العاطفي. الفعل سيكون بتلك البراءة التي أنكرها نائل الطوخي على رواد الفلم والمشاركين فيه.
لا يساورنا أي احساس ب"الخيانة" تجاه اللاجئين السودانيين في اسرائيل. نعم بعض منا (تحديدا مغتربي "اثبات الذات العربية" في الخليج) قد أفرغ كثير من الإنشاء حول هذه الخطوة. لكن ليس هناك احساس بالغدر والخيانة كالتي تجدها عند المصري مثلا أو السوري. 

بالطبع لا أحتاج للتذكير أن قادة افريقيا في الستينيات والسبعينات كانوا قد ساندوا موقف الدول العربية ضد اسرائيل. ولكننا كمواطني الجنوب، ليست أزمة فلسطين جزء من أزمتنا النفسية لا كمسلمين ولا كناطقين بالعربية. ليست محكا قدريا (لذا تغيب تماما عن أشعارنا ورواياتنا) .  
لعل بعضكم سيشير إلى هستيريا التبرع النسوي بالذهب التي شاهدناها في التلفاز ابان احداث غزة الأخيرة ، وهي تشابه كثيرا هستيريا الواتساب لتبادل الرسائل اللاعنة للشيعة. لكن  اصدقوني القول هل يساوركم ذلك الإحساس العربي الفريد الذي رأيناه في الأفلام واستشعرناه في الأغاني أننا بلا نخوة لأن فلسطين محتلة (أم أنه شعور التعاطف الإفريقي داك) هل نرى أنفسنا جزء من الصراع الفارسي العربي القديييييييييم والذي في الأصل ما هو خلاف سنة وشيعة بل خلاف عرقي له ظلاله الملقاة على علاقات النسب والأسر كما في البحرين والعراق واليمن والسعودية. 

كان هناك حوار اجراه متوكل التوم إن لم تخني الذاكرة مع عاطف خيري (لم اجده على الانترنت، غطس) سأله عن الشعر السوداني في سياق الشعر العربي الحديث، واذكر (ان لم تخني الذاكرة) أن اجابته ذكرت أن الحركة الشعرية السودانية الحديثة وكأنها خارج السياق العربي، اذ ظلت حركة الحداثة العربية مثقلة ومكبلة بكثير من الأسئلة كان الشعر السوداني متحللا منها، ليس فقط في موضوع الشعر بل حتى في تراكيبه. أعتقد أننا هددنا العديد من الأصنام باكرا. 


ما أود أن اقوله أن هناك راحة وعلاج في التوجه جنوبا. اي والله، لدينا ما يكفينا من اليأس والتأزم دون حاجتنا لإثقال أنفسنا بيأس وتأزم ما حقننا. اقلع عن الجزيزة قليلا، واستهل صباحك بنشرة اخبار افريقيا من البي بي سي مثلا (تجدها على الإنترنت) 
اخبار افريقيا من البي بي سي
موقع قراءات يجمع اخبار افريقيا من عدة وكالات
الجزيرة العالمية اخبار افريقيا بالإنجليزي ما عندهم حاجة بالعربي
تابعوا من مرة لمرة مدونة طلال الناير
ومن مرة لمرة قوقل بلس لقصي همرور

ستجدون أن الحمدلله الفيكم مكفيكم، شاهدوا دراما كينيا، ونيجيريا، افلام المهرجانات الإفريقية - من مرة لمرة. 

جربوها، سواء كنت ربة منزل، أو "رجل الشارع العادي" أو ناشط سياسي او من المهتمين بالعمل الطوعي أو صحافي أو فنان أو مكتئب أو متفائل بصعوبة أو كبير أو صغير
مع النصح بالإقلاع أو التخفيف الشديد من (البرامج الحوارية على الجزيزة العربية والسي بي سي واسلام البحيري و برامج المسابقات الغنائية و الحاجات دي)

تيامنوا ما استطتم.. جربوا واحكوا لي حصل شنو بعد داك؟
في زيارة لإحدى ممثلي الكونغرس (افتكر عن جورجيا) هنا تم ضم افريقيا الانجلوفون والفرانكوفون(تشاد -سيشيلز، كنغو برازيفيلو، مالي، موريتانيا، سنغال وتاني ما متذكرة؟ تفتكرو أين أنا؟ :)

Thursday, 23 April 2015

طوعنة النسوية- تصبيرة

 هذا المقتطف  من خطاب ارونداتي روي- والذي هو أقل من دقيقتين-  يتحدث عن  "طوعنة النسوية" ولعل بعضكم قرأ ترجمتي لخطابها "طوعنة النضال"
بالطبع إنني أرى أن المنظمات والجمعيات النسوية السودانية تحديدا قد نجت إلى حد ما من عملية الطوعنة التي تتحدث عنها ارونداتي. فليس من الغريب أن جامعة الأحفاد في فعالياتها حول الختان والعنف ضد المرأة و الأمية أنها تستصحب أيضا قضايا النزوح والتحول الدستوري ونزع السلاح..الخ. ليس غريبا أن تلتفت احدى القياديات النسوية في تجمع ملاك مشروع الجزيرة السيدة زينب بت الشيخ الأمين وعضو الحزب الشيوعي إلى الصوت المفقود في النقاش الدائر حول المشروع (عمال المشروع الذين لا اراضي لهم -أي عمال الكمبو)- ليس غريبا أن تكون على رأس المتصدين لقضية سد المناصير هي الراحلة سعاد ابراهيم أحمد احدى قياديات الحزب الشيوعي. ليس غريبا أن المصادمين الأساسيين لقانون الأمن الوطني وقوانين الصحافة هن من النساء ،ليس غريبا أن القيادات النسوية في المنظمات النسوية يأتين من خلفيات سياسية واقتصادية واثنية متنوعة وحيوية أكثر من الأحزاب السياسية.
لذا فلنقل أن هذا المقتطف مجرد "لفت نظر"

تنويه ١: ورد في عنوان هذه التدوينة كلمة "تصبيرة" إذ أنني اترجم مقتطف من مقال ارونداتي حول هذه الظاهرة بتوسع (بضع اسطر ليس أكثر- لا داعي للقلق)
تنويه ٢: للناطقين بها اضغطوا الرابط ادناه، ولمن تطربهم ترجمتي تجدونها في الفقرة القصيرة أدناه واوصيكم من بعد أن تضغطوا الرابط فالمتحدثة بهجة للنظر ولذة للمستمع 


ارونداتي روي:

إن الفشل في ادراك أن المساواة بين الجنسين هي جزء لا يتجزأ ولا يتجاوز من عملية التغيير الثورية، وأنها ليست مجرد وعدا ينجز في مرحلة ما بعد الثورة، قد ساهم في تغريب العديد من النساء التقدميات ، وأقصت أعدادا كبيرة عن النضال التحرري.

الحركة النسوية التحررية في الهند وكذلك حركة "المنبوذين" قد اضحت مطوعنة بشدة . الكثير من هذه المنظمات قد أنجزت عملا مقدرا في الجندر، الجنس وعاملات الجنس،  الهوية الجنسية والمثلية، في الصحة ، الإيدز وكل هذه الأشياء. و طالما أن عملهم هذا لا يسائل الأسس الإقتصادية للإمبراطورية النيوليبرالية الجديدة، سيستمر الدعم المالي لهذه المنظمات.
لذا ترون؟ الناس الذين يصنفون بأنهم "نسويون" رسميون ، والمجموعات النسوية الرسمية ستظل بعيدة كل البعد عن قضايا نسوية راديكالية كالنزوح، حيث المرأة هي الأكثر تضررا ومعاناة.  لماذا لا نجد هذه المنظمات  عند اعتصام النارمادا (اعتصام ضد بناء سد يغرق اراضي المزارعين)  أو في تشاتيسورث (حيث تشن الحكومة حربا على السكان الأصليين لإخلائهم عن اراضيهم لصالح شركات التعدين ) ؟ لأن تمويل المنظمات الطوعية لا يسمح لمثل هذه الأشياء أن تكون ضمن أجندة عملها.
والان في هذه المرحلة التي تمر فيها الرأسمالية بأزمة حقيقية ، هذا الوقت يتطلب من اليسار أن يصنع خيالا جديدا ومرنا وأكثر شمولا