Wednesday, 29 May 2013

أنحنا -بالصلاتو على النبي – ما بنتخوف

أنحنا -بالصلاتو على النبي – ما بنتخوف

مع أنباء دخول مليشيات إلى أم روابة، وقوات الجبهة الثورية من بعد في اب كرشولا، طرأ على المجتمع شيء من "الهيبرة"،نشاط مفرط في تناقل الأحاديث عن تحركات الجيش والمليشيات، وتفاصيل هروب الوالي ونائب الوالي، والتحليلات العسكرية و سيناريوهات توغل قوات الجبهة الثورية في البلاد وصولا إلى الخرطوم.
وقد اخطأ بعض أصحابي هذه الحماسة بأنها نوع من "الهلع"  وتناقلوا أحاديثا على شاكلة "تلك الأيام نداولها بين الناس" و "كما تدين تدان" و "حبة فوووء وحبة تحت"..بأختصار تستاهلون يا أهل المركز هذا الهلع بعد سكوتكم على ما كان ولا يزال يجري لأهل الهامش..خموا..وصروا.
إلا إنني أرى انه ما من هلع..بل شيء من الحماسة. روى أحدهم في قديم الزمان، أن أثينا في زمانها بلغت من الكمال مكانة حتى أصاب أهلها الغثيان، حتى أن الجنود الرومان عند اجتياحهم لإحدى القرى الحدودية وجدوا قصيدة طويلة ملقاة على قارعة الطريق، بث فيها الشاعر أمانيه في أن يغزوهم الرومان وينقذونهم من هذا الملل. نحنا حاجة زي كدا... لقد بلغنا من البؤس مكانة حتى ما عاد يثقل علينا بؤس. نحن- وأعوذ بالله من كلمة نحن- متنا
فنحن وأعوذ بالله من كلمة نحن- صرنا نبصر رجالا يلقطون طعامهم من الكوشة ويلتهمونها طوالي دون صرها في أكياس كما في سابق العهد
نحن وأعوذ بالله من كلمة نحن- ابصرنا طفل المدرسة بزي المدرسة داخل قمامة بقالة التسامح يتشمم  خبزا ثم يأكله متسترا بالتجاهل المصطنع بيننا وبينه
نحن وأعوذ بالله من نحن زاااتنا- أبصرنا المستورة تبلمت كي لا يرصدها احد فجرا وهي تقلب أحشاء الوساخات تسد به جوعها
نحن وأعوذ بالله من نحن – ابصرنا الشيخ متعمعما ، يجوب شوارع الخرطوم يضب تحت ابطه باكو بسكويت بركة..قادرين تتخيلوا شيخا ثمانينيا من البلد يعافر في باكو بسكويت؟
نحن وأعوذ بالله من نحن- نمر في أزقة شارع الحوادث بين العيادات والمستشفيات دون أن يحدثنا أحد "بالأرض الخراب" نرى موتى يعودون موتى.
أخبرتني صديقتي بحماسة لم تحسن دسها في نبرة الهلع المصطنع ، أن المصيبة تكمن في السلاح المنفلت في الخرطوم، وأنها لا تعني فقط البنادق والمسدسات، بل الأسلحة البيضاء أيضا..ثم أضافت بشيء من الإعتيادية أنها تفضل الموت بعيار ناري على سلاح أبيض.
لم ينفذ الوقود في طلمبات الوقود، لم يكدس أحدنا سكرا أو عدسا أو شموعا (وقد كنا نفعل ذلك ابان الإجتياحات القديمة- إذ ان هذه ليست أول مرة تساسق فيها قوات غير نظامية داخل المدن والقرى- كان ذلك حينما كان في جسمنا مضغة حية)
"يا عمو؟ سمعت بناس الجبهة الثورية دخلوا ام روابة، ويمكن كمان يحصلوا الأبيض ويجونا هنا في الخرطوم"
"أحسن- والله والله يجوا علي بالحرّم أسوط ليهم كركاديه"
تبادلت أنا وسائق الأمجاد حديث الحماسة حول مآلات دخول القوات الثورية الخرطوم ، ورأى أن الحل هو لجوءنا إلى الجزيرة العربية...ثم نظر إلى دهشتي في المرآة وانفجرنا ضاحكين.
أطلقت الحكومة شائعة عن عودة كشات تعبئة الشباب يحملونهم إلى مناطق القتال، تثاءب الشباب وخرجوا زرافات ووحدانا إلى شوارع الخرطوم يقطعون الطريق أمام أي دفار يقلهم إلى جحيم مختلف
أرسل أحدهم اليوم في شريط التلفاز "أنا بحب القوات المسلحة" م.ع 
نحن- باختصار- نعاني من حالة كآبة وطنية... ناشونال ديبريشون. تتجلى في انفجارات غضب غير مبرر (من منا لم يتحسس لأمر تافه) و الكل يردد الحديث ذاته أننا نعاني من فقدان شهية مزمن نعالجه بشيء من النهم للتنفيس، تناتبنا فجأة حالات انتشاء غير مبرر فيسكسك كبيرنا قبل صغيرنا، أغاني وأغاني (!!).. كل فينا أصبح داخل غرفة مهجورة في قلعة معزولة  من منا لا يمشي ساهما يحدث نفسه كلنا طششنا شبكة ونظن الحل في اخر موديلات التواصل (لنقول ماذا؟ الجيش دخل مرق أب كرشولة الجبهة الثورية)
فلا يتوعدنا أحد بالموت... سننتظر الموت كي يطرق أبوابنا..ولن نندهش
ويشهر في وجوهنا سيفه...ولن نندهش
وسيغرس في أحشائنا رمحه...ولن نندهش
ثم سيستل أرواحنا على غفلة منا ونحن ننظر في ووجهه ببله..ومع تلك الشهقة الأخيرة.....سننتبه!

"الناس أموات حتى إذا جاءهم الموت...انتبهوا!"
صدق الحبيب عليه السلام









Tuesday, 12 February 2013

مشروع التحسين البصري

                                مشروع التحسين البصري
"جبل الكحل هدنو المراويد"
أنا من الناس البتأثروا وبيتفاءلوا بالمبادرات الصغيرة والهادئة ، أكثر من تلك المبادرات الصاخبة التي "تظن" أن بوسعها حل المشكل السوداني مجملا. ذلك بأن المبادرات الصغيرة تنشأ من ضرورة ملموسة ومحسوسة وبفكرة ومنهج تنفيذ كامل ومكمل، لا كالمبادرات الكبيرة التي تنشأ من "افتراضات" و لأنها كبيرة تقوم بسحق الصغير ووتقيم نفسها على النقائص الذي يفرضه الاتساع والصخب.
يا سلام على مجموعة التشكيليين المعماريين ...مجموعة أنشئت في عام 2010 من طلبة وخريجي المعمار، أقاموا أول معارضهم بكلية العمارة والهندسة جامعة الخرطوم قبل اسبوعين.
أنا من زمان عندي علاقة وطيدة بكلية المعمار، بحكم إنو خليلة الروح ""هناء طه" بتدرس هناك، فكنت أتابع محاضراتهم واستديوهاتم وأتنشن معاهم أيام تسليم المشاريع ، وتقدر تقول إنو كنت تقريبا بدرس المعمار. وكلية المعمار الخرطوم عرفت بتخريج أجيال من المعماريين المتميزين، يمكن كلية العمارة هي المكان الوحيد الكنت بحس فيهو إننا في جامعة ..عوضا عن كوننا في مدرسة كبيرة... إذ كنت بتدخل وبتلقى الناس بتتكلم عن اخر ما توصل إليه فن المعمار (رغم إنو ما موجود في المقرر)، كانو بيربطو مباشرة بين نظريات المعمار وعلم الإجتماع وعلوم البئية والجيولوجيا والتكنولوجيا والتشكيل والفن المنحوت وإرثنا المعماري السوداني (برضو من خارج المقرر)..حاجة فنانة جد!
لكن.... الجميل فعلا كان تجميع كل هذا الحديث المنثور في اروقة المعماريين ليشركوا فيه المجتمع عبر مبادرة التشكيليين المعماريين ، ولعل النقلة المهمة في هذا الأمر هو أن الكثير من خريجي المعمار اصطدموا لدى خروجهم للحياة العامة بمتطلبات السوق في المعمار الإستهلاكي الذي يلهث وراء البراق والجاذب دون مراعاة جماليته أو تناسبه مع البيئة المحيطة، واكثرهم يجلسون خلف مكاتبهم يتبرمون ويتذمرون، لتأتي هذه الجمعية وتكون أول لبنة لخلق حوار جمالي مستمر بين المعماريين أنفسهم وبين المعماريين والمجتمع بحيث يعمدون من خلال مشروعهم على تحسين الذائقة البصرية.
وأجمل ما في الأمر لما دخلت معرضهم الأول إنو خالف توقعاتي لما اتخيلت إني أشوف خرائط أو مجسمات معمارية ، لكن كان الجميل أن تستقبلني كانفاسات من الألوان والبورتريهات والتشكيل، وفنون التصوير الفوتوغرافي والنحت. ويقيني أن هذا الربط بين المعمار والفنون البصرية والفنون مجملا (إذ كان الشعر أيضا والنثر والموسيقى جزء أصيل من المعرض) ، سيحدث تغييرا قويا ومهما في فن المعمار القادم في السودان، الذي نرى ومضاته هنا وهناك بمحاولات فردية، لكن ما قامت به المجموعة هو بمثابة حرث التربة لإنبات تيارات ابداعية وفكرية وتطبيقية في المعمار...لا والله جد!
لفت نظري تلك الجرأة في معظم أعمال معرض التشكيليين المعماريين  الأول المتمثلة في اختيار الألوان واستكشاف الخامات والtextures   والإندفاع نحو التجريب
.
يا رب الخطوة الجاية تكون مجلة يا معماريين يا تشكيليين ...حتى ذلك الحين نتصبر بما يجودون من فعاليات ، وبعض أعمالهم التي يسوقونها على صفحة في الفيس بوك تدعى ارت مانياArt Mania-Sudanese Modern Art Shop  وبحلم يراودني تتهدم  فيه الواجهات الزجاجية الشظيعة ذات المجسمات الأشظع لمباني القوات المسلحة البرية والبحرية والجوية..ما ضروري بفعل فاعل، يكفينا عشمنا في رأفة السماء من هذا القبح المتفشي
ويوم تطير فيه قبرة السلام المعشعشة جمب جامعة الخرطوم (تطير ما ترك بركة النبي)، وتنكسر فيه اصبع النحاس لليد المرفوعة بعلامة النصر (وكأنو المباشرة الفجة ما كافية اتبعوها بيافطة النصر لنا..وويني إن شاء الله) ، وتتهدم فيه نافورة بزيانوس وزجاجة مياه الوابل!!! شكيتكم على الله (قالتها ثلاثا)...لا خلاص.. سأتمالك نفسي ..المقال أصلا خلص
لا تفوتو لا تموتو يا جمعية المعماريين التشكيليين ومشكورين على ردت الروح
 
 
 
 
 

Sunday, 10 February 2013

سيندروم المنقذ (حمانا الله)

                                       
لم تكن حادثة فريدة من نوعها حين أطل علينا أحد كتاب الأعمدة المرموقين ساخطا ، صابا لعناته، رافعا راية التسليم، معلنا أن هذا فراق بينه وبين القلم إذا كان ذا القلم لا يحرك فينا ساكنا. يفتح دفاتر الفساد ويدق أكثر من ناقوس للخطر والفوضى... ونحن..كما نحن. لم تكن حادثة فريدة من نوعها، إذ أنها تكررت في أكثر من عمود صحفي، وفي أكثر من استيتوس لناشط أثيري، وفي أكثر من تنهيدة حسرة لسياسي مرموق أو غير مرموق...ولا يحق في هذا الحال إلا قول واحد :       خد لك سنكرز
والحق أقول..مثل هذه الحالات تنتابني أنا شخصيا، غير أنها –والحمدلله- لا تتجاوز موجات قصيرة من الأكتئاب ..قصيرة جد..بالكاد تستمر لساعة زمان، سرعان ما أفيق منها : يا ميسون قولي بسم الله...مالك ومال الناس؟ ، غير أن هذه حالة طبيعية تنتاب كل من سولت نفسه أن ينخرط في الشأن العام، حين يظن أنه يخدم غيره (هه!)... عن نفسي، أنا انزلقت إلى مسارب العمل العام  من أجل بنت أم روحي...أي من أجلي، لإصلاح حالي المائل شخصيا، فإن خرجت دائرة الإصلاح الشخصية لتمس غيري فما ذلك إلى محض صدفة ..أو كما يقول المتصوفة فهي غواية وفتنة.
والشعب - تلك الكتلة اللحمية الصماء- كما خبرته، إن استدبر لسياط الذل والهوان وإن استلذ تزوير أقواله وأحلامه، فهو لا يكره قدر ما يكره وخزات المنّ التي تطل علينا بين فينة وأخرى.
ولعل هذا ما "قد" يطيل نفسي في العمل العام، حين أستيقن أنه ليس عاما على الإطلاق... بل هو شخصي وذاتي، وهو كذلك... فالكتابة والموقف السياسي وإعلان السخط على الدولة والسلطة هي أشياء أحب ان تكون في وعلي، مثلها كمثل اختياري لملفات الموسيقى أو مزاجي في القراءة أو استطعامي لبعض الحلي، كلها personal enhancers محسنات شخصية، هي من ذات طينة الأشياء التي تجعل وجودي في الحياة ممكنا ومحتملا. أفعلها لأني إذا لم أفعلها "استبيض" نفسي جدا!
ليس ما أقوله "خفة"...إذ ما من "خفة" حقة كتلك التي تنتاب ذلك الذي يظن أنه يرتدي بزة المنقذ تحت ردائه، فسرعان ما ينشغل عن "حملة الإنقاذ" ليصب لعناته على "الضحايا".
قم بما تفعل لأنك "تريد" أن تقوم بما تفعل، ولأن لا حياة لك إن لم تفعل ما تفعل...ولا تنتظر.
 "اعطف" لأن العطف يجملك...كوصية سيدنا النبي لذلك الراجل الشكا من قسوة قلبو فأوصاه النبي أن يمسح على رأس اليتيم ،يعجبني ذلك..مكسب شخصي!
أنا لا أريد أن افرض مزاج عمل على الناشطين في العمل الخيري أو الحقوقي...بل العكس ، أريد أن أشير إلى باب الخروج..أن ارفع رتاج الحرية (يا محلاها الحرية)... للأستاذ محمود محمد طه مقولة جميلة جدا ..يقول : الحر هو الذي يقول كما يفكر، ويفعل كما يقول، ثم لا يكون عاقبة عمله إلا خيرا على الناس.... ايييه يا استاذ..وينك ووين أيامك. إذ أنه يحز في صدري "الفنان" الذي يثقل عليه إنشغال ريشته عن الشأن العام ل"يهرينا" بفن رسالي رديء، وتثقل علي أزمة الفنانة التي ترى أن ترفع صوتها بأناشيد الحماسة الفوارة (الغنا الكعب أصلو كعب..ولو تدثر بالصواب)، والغنا السمح سمح...ولو كان سادة ، وأظن ذاك الذي يحركنا في أغاني منير ومصطفى...ليس "الصواب" والعياذ بالله .
 ومن باب حب لأخيك ما تحب لنفسك ، إني ارى عبارة "الاحساس بالواجب" ثقيلة ومضنية، ما لم تربطها وللأبد بنفسك...أحسن إلى نفسك ...ودع الخلق لسيد الخلق.
هل أربي في نفسي أنانية مفرطة؟ ...مهما يكن ...فهي أخير من "المن والأذى"..ولكنه يقيني بأن احسانك إلى نفسك كما يقول الأستاذ، بشكل أو بآخر سيعود بالخير على غيرك (على أقل تقدير..فإنه سيكف اذاك عن الناس..دي براها ما هينة)
نجي لقادتنا السياسيين..  بداية انخراطنا في "النشاط الحزبي"  الواحد بيدخل بيقين أنو في كبسولة الصواب..مش؟ كلنا رأى ذلك أول دخوله في تنظيم سياسي، أنه يسير خلف قيادة رشيدة....ثم الأمر لا ياخذ له يومين يزيدوا أو يقصروا- بحسب فطنتك، لكتشف التاريخ الأسود للتنظيم..ولم يقلقني ذلك الأمر كثيرا، تخيلوا؟ لم يفزعني أن أكتشف أني كنت أسير خلف منقذ لأكتشف أنه يهوذا، طالما هو يدرك ما الذي يفعله...لكن الهلع الأكبر حين خطر لي خاطر...لعل القيادة ليس لديها أدنى فكرة ما الذي تفعله، لعلها تنبل في الهواء خبط عشواء آملة أن تصيب أحد السهام مرمى أو هدفا. كان ذلك بحق الهلع الأكبر...طيب إذا القيادة ما عندها فكرة...العندو فكرة منو؟ أنا؟؟ كان ذلك هلعا مدبلا (دبل يعني).
والحقيقة أننا نحمل قادتنا السياسيون فوق طاقة تقديرهم لأنفسهم، هم ليس لديهم أدنى فكرة ما الذي عليهم ان يفعلونه...دعوني أختها ليكم على بلاطة... ما في وسعهم سوى أن يجلسوا كقيادات، وأن يقفوا كقيادات، وأن يتحدثوا كقيادات وأن يلبسوا زي القيادات...الباقي علينا أن نتحمله وحدنا، أذكر في واحدة من مغامراتنا السياسية، كان علينا ترشيح قيادة عمل ...ولم نرشح القوي الأمين ولا حاجة...رأينا أن نصعد للقيادة من يبدو أكثر هيبة بالجلابية والعمة، ومن تبدو خطة عملنا السياسي أجمل "بنبرة" صوته.
 أنا لن أقول :فلينزل قادتنا السياسيون من صهوة خيلهم العالية وليستمعوا إلى صوت الجماهير...أقول للجماهير: هو في حصين غيرنا؟ نزلوا القيادات عن ظهوركم وهلة، املوا عليهم رغائبكم، ثم ارفعوهم من جديد على ظهوركم، لأن رغباتكم تبدو أجمل بحس الزعيم...الزعيم ليس سوى "حس" جميل لرغائب الغوغاء. دعوني أكمل قصة "قيادينا الجميل"، أنه بعد أن عمعمناه وألبسناه ..دخل في الدور...وانقلب علينا وصار يملي علينا ما "ينبغي" أن نريده..وكانت الكوميديا أن بعضنا استحسنه بالجلباب والعمة وصدق زعامته بالفعل...نهايتو، فرضنا عليه سياسة العزل، فكان يأمر ولا يأتمر له أحد، وينادي لإجتماعات لا يحضرها أحد، حتى رضخ أخيرا وكانت علامة رضوخه أن جاء للإجتماع بالشبشب والبنطلون.
وذاك هو العنصر المفقود في كل دراسات التحليل والتقييم حول أسباب فشل تجربة "التجمع الوطني الديمقراطي" أننا لو توخينا الأمانة والذمة، فالعلة الأساسية للأمر هو ظن "القيادات" أن بوسعهم استباق صوت الجماهير. والتجربة يتكرر فشلها مع متاهة "التحالفات" التي دخلتها التنظيمات السياسية منذ عودتها للبلاد، تحالف الأمة الاتحادي الشعبي، بعده كان في تحالف الاتحادي والشيوعي ثم الأمة، بعده كان تحالف الامة الاتحادي الشعبي الشيوعي، بعده كان تحالف القوى الديمقراطية الصغيرة..ثم كان ذات التحالف مضافا إليه الأمة، ثم كان دخول الحركة الشعبية في المتاهة..وأصبح التحالف شيوعي اتحادي حركة وقوى حديثة، ثم انضم إليهم الأمة، ثم الشعبي من بعد، ثم تحالف جوبا، ثم قوى الإجماع، وكاودا والفجر الجديد...سنخرج من تحالف لندخل في تحالف. والسبب: استباق صوت الجماهير. ثم نحن مع العلمانية..لا بل العلمانية المرشدة..لا بل دولة مدنية ترضي طموحات المؤمنين، نحن مع المقاومة السلمية، لا بل نحن نتعاطف مع القوى المسلحة، لا بل نحن نرى ضرورة الحوار مع القوى المسلحة...لا بل القوى المسلحة لا يمكن تجاوزها، فنحن قوى مدنية تنسق مع القوى المسلحة..ولن تنتهي الدوامة...نحن مع الخروج إلى الشارع لإسقاط النظام، لا بل نحن نرى النظام حقيقة لا يمكن تجاهلها...نحن سنصل إلى اتفاق أدنى مع الحكومة وأخيرا ..مظلة الهبوط الآمن.
بعض التنظيمات السياسية ومطبليها يخفون هذا الفشل تحت دثار "الحراك"..دا لا حراك لا يحزنون..دا خبط عشواء..ونبل الأماني السياسية (يعني الواحد يخت أمانيهو في نبلة ويفنها ومحل ما تقع تقع). وطبيعي أن يحدث ذلك لأنو في الحقيقة القيادة السياسية ليست سوى بوق لطيف ومنظم لرغائبنا نحن..غير ذلك..ولا حاجة!
مهام القيادة السياسية هو أمرين، أولهما: أن تجلس كل صباح بعد أن تشرب القهوة و تعدل الراس، ثم تمد اذانها في البلاد، ستسمع لغطا كثيرا : بعضه شكوى، بعضه حيرة، بعضه تساؤل، بعضه أماني، بعضها سرحان في ملكوت الله، ثم تقوم بتصفيف كل هذا اللغط في شكل لحن لطيف ومفهوم ومسموع ثم تتدوزن أذرعها التنظيمية و..تعزف.
الثاني هو أن  القادة عبارة عن استثمارنا الشخصي، فإننا إذ صدرناهم لذلك الموقع اتحنا لهم ما لم تتح لنا من موارد معرفية ومالية ومعلوماتية، فما قصرنا عن طلبه، لإنشغالنا بالماثل أمامنا، كانت مهمتهم أن يضعوه لنا في سياق نستطيع استيعابه، فنستوعبه...وبعد أن نستوعبه نثير حوله لغطنا المعتاد من أماني وشكاوي فيعيدوا صياغته من جديد بحسهم ونفسهم في هذه الدنيا.
أنا عارفة أن ذلك يحز في نفس القيادات السياسية، لأنهم يظنون أنهم بيعرفوا أحسن مننا... جايز الكلام دا صاح، لكنو ما مناسب لعقد العمل عندنا.
تخيل لو أن حزب الأمة أعلن عن نقل قيادته الرئيسية إلى نيالا لمدة عام (قول ستة شهور على أقل تقدير). ما يعمل أي شي بس يمشي هناك، ويترجم صوت غرب السودان!  فما تستطيعه أزاء نيالا من الخرطوم...تستطيعه إزاء الخرطوم من نيالا..والبركة في وسائط الإتصال الحديث. تخيلوا كيف أن نيالا ستتصدر موقع الأخبار والتغطية بعد أن ينتقل "الثقل" السياسي إلى هناك..شكل التداول اليومي السياسي سيختلف من نشاط يومي هامشي إلى محوري مؤثر..ليس لحزب الأمة فحسب، بل سيجبر التنظيمات الأخرى هناك ان ترفع مستوى تمثيلها من قيادات هامشية، إلى قيادات فاعلة ومؤثرة. مجرد وجود حزب الأمة القيادة الرئيسية في نيالا، سيجبر القبضة الأمنية أن تعيد النظر قبل البطش. سترخي قبضة الإعلام الحكومي المسيطر على الأخبار الواردة من هناك حيث ستتوجه الأسماع حينئذ إلى حزب الأمة كمصدر صلد للأخبار . ثم إن في رمزية هذا التوجه ما يثلج الوجدان السوداني....تلك الرمزية التي تقول نيالا زي الخرطوم.... لكن ذلك لن يحدث.
تخيل لو أن الحزب الشيوعي..وهو الحزب الوحيد الذي أعرف أن لديه "أدبيات" يقول ليك "أدبيات الحزب الشيوعي"..ونريد أن نستفيد من هذه الأدبيات. في أن يحيي من جديد ثقافة وأدب العمل النقابي، لو أن الحزب انشغل عن مماحكات قوى الإجماع جاية..قوى الإجماع ماشة..قوى الإجماع مسافرة...قوى الإجماع جات من السفر، بالتجمعات التي هي الان اللبنة الأولى للنقابات البديلة (ذلك الخطر الماثل الذي لوح به غندور قبل كم يوم كدا) ، لو زوده بالأدبيات اللازمة، لو بث فيه روح الحياة (لا أقصد فقط بالتنظيم السري)... أعني بجعله لغة دارجة ويومية في سياق نستطيعه نحن الشعب. حبذا لو صاغ لنا الحزب الشيوعي ما يحدث للمناصير بشكل يمسنا جميعا، تخيل لو أن الحزب الشيوعي لم يكن له شغل شاغل سوى المناصير، وتحليل ما يحدث هناك وإعادة تحليله، وإقامة الليالي السياسي خصيصا للمناصير، ونرى في الأخبار رئيس الحزب الشيوعي في زيارة تفقدية للمناصير (إن شاء الله يشرب معاهم شاي ويرجع)، كان نفسي ومنى عيني أن يكون الحزب الشيوعي هو الصوت الصادح والمنفلت إزاء العمالة الأجنبية غير المقننة في السودان..يعني كونها ما مقننة دا ما معناتو ما عندها حقوق... يا ريت لو كان الحزب الشيوعي زي ما وخز ضميرنا بغناهو للفئات المهمشة، لو أنه وخز ضميرنا إزاء هضم حقوق العاملات بالمنازل (لا إجازات، ومقاولون يمنعون عنهم الماء والهواء ويقبضون عنهم المال أول بأول) ..يا ريت.
(أعلاهو ديل مثال لشكل التعاقد المفترض بيننا وبين قياداتنا السياسية)
خلاصته... نحن لا نريد قيادات سياسية تلبس لباس خادم الشعب ومن تحت منها بزة سوبرمان...لا يخوانا..الله يرضى عليكم، نحن ما صدرناكم إلى القيادة إلا لأنكم شكلكم أظرف في هدوم القيادة... ألبسوا لبسة سوبرمان من برة مثلوا دور المنقذ، من جوة خلوكم في مكانكم الطبيعي (الخادم- المترجم لرغائب الغوغاء)
ثم على جنب كدا...في حركة بيض...حقيقة بيض من شباب التنظيمات السياسية، لاحظتها أيام التظاهرات الشعبية في يونيو...عندما عاب بعض الناس على تنظيم بعينه عدم تحركه إلى الشارع وعدم انضمامه إلى الشباب، فكان رد التنظيميون بعد أن أعياهم الدفاع عن فعل تنظيمهم، والله دا قرار حزبنا السياسي والما عجبو يمشي حتة تانية...لا يخوانا صلوا على النبي... إنت ما حزب "علينا" إنت حزب "لينا"، كوني لست منظمة في تنظيم لا يمنعني من حق أن أملي عليه ما يفعل وما لا يفعل (أهااا من هسي بدينا في حركات الكوزنة؟)...بل أن لي حق في أن أقول أين يذهب وأين ما يذهب، ويجيب قروشو من وين، ويصرفها في شنو...من حقي ، طالما إنت ما مرقت للعمل التنظيمي إلا عشان تكون صوتي..إني أقول ليك والله صرفك على بند الإدارة الداخلية للتنظيم زيادة عن اللزوم، زيد الصرف بالله على العمل الإعلامي.
وقبل فترة خرج شباب منشقون بشكوى عن احد التنظيمات، فكان رد أحد قياداته، إنو كان الكلام دا يتلم جوة البيت...الله؟ كيف يعني... من حقنا نعرف ونقول رأي..ونقول يا حزب ما ترفد فلان...الشعب يريد فلان ما يترفد..ولا على كيفك...مش الحزب دا شغال عند الشعب ولا أنا داخلة غلط.
فكذا الحال في بلدان العالم الأول...الحزب دا يرجف من فوق لتحت وهو يقدم بيان عن "عمله التنظيمي"، ويقدم كل ايات التزلف والرجاء للشعب وهو يطلب منه أن يقبل بفلان كقيادة تنظيمية له.
والله حركة الحزب حزبنا وانحنا على كيفنا دي حاجة عجيبة...وحقو تقيف بالله

Monday, 4 February 2013

قوانين الأخلاق...ضمور القلب السليم

"إلا من أتى الله بقلب سليم"
وغيرها من ايات القران وأحاديث السنة التي تشير إلى أن الشرائع ما وضعت والعبادات ما فصّلت إلا لأمر واحد...أن يبلغ القلب رشده.
ولعل هذا ما فات على الدكتور الترابي (وخلفه) وهو يؤسس لدولة المؤمنين "الراشدة"، والتي ظن أنه بوسعه أن يسلم قاطنيها يدا بيد إلى باب الجنة ..ديليفري يعني! فغرز في عظم الدولة المؤمنة "الراشدة" قوانين مراقبة الأخلاق،قوانين منع الرذيلة قبل وقوعها،القوانين التي تحول بين المرء وقلبه!.. فمن ناحية هذه القوانين لا تستقيم إلا على ميكانيزمات كارثية  زي"الشبهة والإشتباه".."الأخذ بالظنة"، "إشاعة الفاحشة بين المؤمنين" ،"منع التوبة".
ومن ناحية أخرى تعمل هذه القوانين على ضمور الضمير، أي لا تتيح له مساحة النمو، فالضمير المحال على الخوف من القانون، هو ضمير محال على الردع فحسب، لا على "مقصد القانون" ، يعني مثلا: قوانين منع البنات من الإنفلات الأخلاقي، بتربي البنات على الخوف من شرطة النظام العام..ما بتربي عندهم "العفة" ..اللي هو مقصد القانون مش؟ والمشكلة في هذا النوع من القوانين إنو ما بيعمل سوى إنو الإنسان يكتشف طرق لتجنب القانون أو يمشي تحت الأرض. دا طبيعي...مش "الغريب" زي ما الناس بتقول..طبيعي في الأنظمة "البوليسية" دينية كانت أو غير دينية أن يتفشي فيها الفساد والرشوة والإنحلال الأخلاقي المجتمعي (أي الإنحلال البيضر المجتمع) .
بيقولو الديمقراطية: هي حكم الشعب الراشد لنفسه بنفسه
وفي نفس ذات الوقت بيقولو: الديمقراطية هي (حق الخطأ)
والحديث: " لو لم تخطئوا وتتوبوا لاستبدلناكم بقوم يخطئون فيتوبون"، مش بس للإستدلال العظيم على رحمة ربنا ومغفرته، مجرد إعادة النظر في الحديث وكلمة "استبدلناكم"..والنظر إلى الفعل المضارع ل "يخطئ" و "يتوب" (والمضارعة هنا تفيد الإستمرارية) يفيد أن هناك كمالات ورشد يتحقق ب"حق الخطأ"
يتفق معظم المجددين في الفكر الإسلامي : أن هناك عهدا أوليا في الإسلام ما عادت تصلح معاييره وضوابطه مع عصرنا الحالي، جميل! تظهر الوكسة عند تعاملهم مع عامل "التأريخية" و"الزمن" في المرجع الإسلامي. كان في محاولات جادة لحل المشكل دا..ومحاولات غير موفقة للأسف هي مرجع الأنظمة الإسلامية الحالية، وهو أن المعايير الاولية هذه "ظرفية" ودي كانت حركة حريفة منهم في الهروب من سؤال (هل النص متزامن ولا سرمدي)..معنى الكلام دا إنو المشرّع ليهو حق إنو يشيل من معايير العهد الأول وينزلها قسرا في الزمن المعاصر لتقديره أنه الظرف حكم..والظرف لا يمكن أن يحكم! لأنو ببساطة الزمن ما بيرجع لورا لنقطة سابقة. فالحركة "الحريفة" للتزويغ من سؤال الزمن في النص ليهو توابع "كارثية" لما ينزل على أرض الواقع.
لكن لعل المحك هو السؤال الذي يجب أن يوجة لدعاة الدولة الرسالية...الدولة الدينية.. إنتو عاوزين شنو؟ مجتمع الواحد فيهو يخاف ربنا ؟ مش؟ ربنا ولا القانون ؟ عشان هي بتفرق
لكن..
كديه تخيل ابنك الصغير أو ابنتك الصغيرة... تخيلها في أول خطواتها...حيكون في تسنيد كتير من ضهرها من يدينها، حتحاول تحمي راسها ، حتحاول تخفف من وقعاتها...هل بتقدر تقول ساعتها إنو مشت ؟ لا لسة
حيكون في منع ..حيكون في ردع...ولدك حيمشي على الكهربا حتجرو غصبا عنو..حيكون عاوز ينط من السلم ما حتخليهو حتى لو بكى...هل بتقدر ساعتها تقول إنو مشى؟ لأ لسة
لما تقعد ورا وتعاين لطفلك بيخطو أول خطوات مهزوزة...أول خطوات ملعبكة...وتشوفو وهو بيقع وما تلحقو... تشجعو من بعيدلأنك واثق إنو حيقوم تاني..ويقع تاني..تحذرو وتكورك ليهو من بعيد..ويفهم براهو ليه هو وقع فيقوم تاني ويعمل حسابو..ساعتها تقدر تقول طفلي بيمشي..ليه؟ لأنك خليتو يمشي....طيب لو فضلت مسندو طول عمرك..حتقدر تقول إنو مشى؟
شفت المرحلة الأولى من مشي ابنك؟ او مشي بنتك؟ المنع والردع والتسنيد في كل خطوة؟ ممكن نقول دي دولة الإسلام في أول عهدها... "قالت الأعراب امنا..قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا..ولما يدخل الإيمان قلوبكم!!" أها؟! ...يعني المحك هنا "القلب"..القلب لسة كان بيتعلم المشي...لسة لم يبلغ الرشد
طب دولة القلب الراشد؟ هل نقدر نفك التسنيدة؟ لازم نفك التسنيدة...لازم عشان القلب يمشي لأنو دا المراد...الله قال عاوز القلب السليم.
أنا متفهمة تماما لخوف المسلمين جدا على سلوك غيرهم المسلمين...أنا عارفة كان ليهم مراد يوصلو المسلم دا لحدي باب الجنة ويسلموهو لله يدا بيد!!! للأسف دفيرك لأخيك المسلم لن يوصله إلى باب الجنة..لازم تزح يدك ويخطو أول خطواته براهو.
طب بالنسبة لدولة المؤمنين في عهدها التاني الإحنا مطالبين نمشي ليهو...هل دايرين ندي ناسها فرصة إنو قلبهم يمشي (في زول ضامن قلبو حيمشي وين)؟ إنو يكون عندو حق يقرب من حتة الخطأ؟ هل دايرين كدا؟  ..ولا على كيفك يا سيد...ولا على كيفك يا أخت.....دا مراد الله....إلا من أتى الله بقلب سليم
بالنسبة ل"خطر" التنصير.... سيبك من إنو في ناس بتغري ناس بالقروش عشان يسيبو دينهم وبيستغلو في الضائقة الإقتصادية...مش هم ديل ذات الناس الربوا في العشرين سنة الفاتت في دولة الإسلام...الله؟ مش هم ذات الناس البتحفظوهم في المدارس الأولية فوق طاقة استيعابهم ايات الذكر الحكيم؟ مش هم ديل البيقروا في القران ايات من يستبدل دينو بعرض من الدنيا؟ هم زاتهم؟ عشرين سنة والدين محاوطهم من فوقهم وبجنبهم وبين ايديهم ومن خلفهم...ولسة بنقول "خطر التنصير"...
لكن بنقول خطر التنصير...عارفين ليه؟ طفلك..قلبك ...فضل متسند لحدي ما كرعينو رخرخت وبقا ما عارف يمشي
 فكو السنادات...خلي القلب يمشي...كورك من بعيد...شجع...بس خلي القلب يمشي
ما هي الإحراجة الصحي لما الواحد يقيف قدام ربنا ويطلع شهادة حسن سير وسلوك من الدولة وربنا يقول ليهو: "إلا من أتى الله بقلب سليم"
 
 
 
 


من ديك...وعيييك

كما قلت من قبل هناك أشياء احتاج أن أحكيها لنفسي...ليس لأهميتها...لكن لأرد على سؤال: حصل؟...يبدو إنو فعلا حصل
الزمان؟ كان قد مر شهر على "نجاحنا" في تنفيذ محاولة اغتيال "فاشلة" ضد حسني مبارك في أديس أبابا يونيو 95 ياااه..زمن!.ظهر سيادته –انذاك- على شاشة تلفزيون جارتنا صاحبة دش الحلة الذي نوصف به بيتنا،
 "طعرف دول شوية رعاااع...عياال...لما هاجموا العربية أنا أولت للسواء إحود يمين" ..ثم نظرة متعاطفة من نيكول تنوري التي انتقلت إلى حدث اخر
 المكان : في مدرسة حكومية ثانوية بالخرطوم. وعلى حين غرة منا ...وبينما نحن جلوس في أمان الله في الحصة الأولى ، اقتحم الباب وفد مرسل من الإتحاد (يعني من الأوضة التحت الجمب مكتب المديرة) "الليلة عندنا مسيرة...كل المدرسة لازم تمشي!" ..ثم التفتت احداهن إلى الأستاذة منال المذعورة (مذعورة من الطالبات من الوكيلة من الفأر في المكتب من وسوسة الزميلات من كل شيء)
 "الدفارات حتجي بعد ساعة كل البنات لازم ينزلو تحت"..هزت المذعورة رأسها بأن نعم.
"تؤ"
 "يا الله!"
 "هوي أنا مزوغة! بتلب بباب الفراشة"
 "كرهونا المسيرات"
 "أنا زاتي عندي صداع من الصباح"
 "تؤ" "تؤ" "تؤ" "اوففففففف"
 ..ولم يسأل أحد عن المسيرة.. لم نسأل قط عن أي مسيرة قبلها فلماذا الان؟
أنا أخذت الأمر بروح رياضية عالية...كيف لا؟ والمديرة صاحبة ماما...وسأفطر في بيتنا و.. ؟ و لا شيء اخر فالتلفزيون لم يكن يعمل حتى ساعة متأخرة، ولا توجد أماكن ترفيه أخرى، ولم يخترع أحد الموبايل بعد ولا الإنترنت ولا ايس كريم في البقالة قبالتنا..فالبقالات كانت مستهدفة ضمن الحظر الدولي واقتصرت أرففها على : بسكويت بركة وكمبال، زبادي ريرا، شمع، حجارة بطارية وبكمبودر ..ولا اي حاجة...المشروع الحضاري بدأ يؤتي أكله بعد خمس سنوات من التمكين.
جلست في الفصل شامتة على خروج البنات تواترا ...ساخطات مزمجرات- بعضهن مزوغات- إلى الدفارات. وجلست وحدي أتأمل الفراغ البهي.... ثم مدت احداهن رأسها من باب الفصل...الحقيقة لم تكن مجرد احداهن، كانت ابنة القيادي الثاني وقتها في التنظيم،
"يلا أرح!"
 قلت لها بأن لدي عذر شرعي (تأكيدا على ولائي لمشروع التأصيل)... اقتربت مني وقالت بهدوء
 "الما حيمشي المسيرة حيترفد من المدرسة"
أنا لم أسائل نفسي عن سلطة تملكها فتاة في الصف الثالث الثانوي من رفد طالبة معها في نفس المدرسة، لم أسائل نفسي إن كان هذا التهديد ممكنا أم لا، لم أسائل نفسي ما إذا كان يعنيني حقا إن كنت سأرفد من المدرسة أم لا (أحلامي وطموحاتي لم تكن تتعدى مرقة يوم الخميس) ..فكل شيء وقتها كان معلقا على حائط العبث، جايز ما يكون عندها سلطة زي دي وفي نفس الوقت جايز جدا يكون عندها سلطة...كل شيء كان جائزا ويجوز.
انشغلت –والحالة عبث- بوجهها، الفتاة كانت جميلة، بها صفرة رائقة وعينان نجلاوان تستطيل رموشهما وفم أرهفت زاويتاه من كثرة الوعيد، وكانت من النوع داك من الكوزات...والكوزات كن ينفسمن إلى صنفين..اللائي يزممن الطرحة بدبوس أسفل الحنك، واللائي يلففن الطرحة ويحكمنها بدبوس ابرة أعلى الأذن. وكانت من النوع الأخير وللامر علاقة بإستطالة الوجه أو استدارته وتربيعته. كما إن الكيزان كانوا نوعان في ذلك الوقت..النوع أبو شنطة، والنوع أبو ساعة سوداء كبيرة ناطة ديك.
نادتها زميلتها (والتي بالرغم من أن والدها كان سيد الشي زاتو لكنها كانت تحتها في السلم التنظيمي وهذا مما يحمد للإسلاميين..الحكاية ما أبوي وأبوك...لأ والله هي أبوي وأبوك لكن ما بنختلف في السلم)...وهي من النوع الأول من الكوزات.
المهم كبرت عقلي...وخرجت معها ، وفي محاولة يائسة أخيرة عرجت على مكتب المديرة..صاحبة ماما..
"يا ست المديرة"
 قالت دون ترفع رأسها عن طبق من الخبيز أخرجته من درج المكتب
 "امشي ساي يا ميسون"
... اللعنة!
وركبت باخر دفار ذاهب إلى المسيرة..ولحسن حظي..كان ذاك دفار بنات الإتحاد، بعد أن انجزن مهمة متابعة المتفلتات والمتهربات، احداهن حملت ورقة قالت أن بها أسماء كل من زوغن من المسيرة، نظرت إليها النجلاء بذات الهدوء والاتزان والفم المتعب وهزت رأسها بأن "لا".. جايز قررت أن تسامح، جايز رأت أن العدد الخارج للمسيرة مرضي ولا داعي للإلتفات إلى الصغائر، جايز كان عندها صداع..كل شيء في ذلك الوقت كان جائز وكل شيء كان يجوز...دست الفتاة النسناسة الورقة في جيبها، بينما أنا برعمت عيني لهذا الشمار الطازج الذي سأقصة بلا ريب للبنات المزوغات كي أدخل رعب الله في قلوبهم.
ودورت الحافلة، مررت عيني سريعا في أعين الفتيات، بالإضافة إلى الكوزات كان هنالك "الرايحة ليهن" ..لا تخلطوا الأمر لم أكن منهن..أنا كنت عارفة "حاجاتي"..وحاجاتي ما مع حاجاتهم.. الرايحة ليهن كن يرتدين النقاب أو بنات جمعية الصلاة على الرسول او القران الكريم...وهؤلاء باختصار كانت رايحة ليهن..من بينهن كانت بنت لطيفة جد لطيفة..كنت أناديها كيتي إذ كانت تشبه فتاة في مسلسل أمريكي..وكنت أضحك كلما ناديتها "كيتي" فترد خجلة "سبحان الله!"..!!
ما إن استقرت على الطريق ، حتى انتظمت البنات في "ترانس" غريب، والترانس يا أعزائي هو نوع من الغيبوبة تجدها في حفلات التكنو و الهيفي ميتال وموسيقى الرزع الأمريكية، بعدها بأعين شبه مغمضة بدأن في الغناء
 "في حماك ربنا في سبيل ديننا لا يروعنا الفناء فات ولى نصرنا ..فات ولى نصرنا ..فاهدنا إلى السنن"
 ..هي بالطبع كانت (فتولى نصرنا) لكن القافية حكمت وكذا المليشيات المسلحة والموقف الدولي..وكان هذا النشيد هو بديل نشيدنا الوطني رغم إنو نشيدنا الوطني ما كان محتاج. ثم ميلت صديقتي الحميمة من كنبة ورا وهمست في أذني بالنسخة البديلة للنشيد الحماسي (!!!) يمنعني حيائي من ذكرها...لكن لا يمنعني لدرجة أني ما أقول (إنو حيائي يمنعني من ذكرها)
يبدو أننا اقتربنا إلى النقطة المجهولة علينا (طير ساي) ، فقد أشارت إليهم النجلاء بيدها فوقفن في الدفار (ما تعرف ليه) وبدأنا في الهتاف
"أن ترق منهم دماء ..أو ترق منا الدماء...أو ترق كللللل الدماء"
وبرعمت عيني للمرة الثانية في ذلك اليوم فزعا (ما في خيارات تانية؟ كانت تلك الجملة الأشهر في تلفزيوننا الوطني..وكأنها لسان حال الشعب..ما في خيارات تانية؟)....ثم بحماسة أكبر وبإبتسامة ساخرة موحدة..يبدو أنها تنظيمية.. هتفن
"ما قلنا زمان ...الحلبي جبان...ما قلنا قبيل..الحلبي عميل"
وكانت بين كل هتافة واخرى يطرقعن بأصابعهن بشكل مثير. والحلبي لم يكن إلا رئيس جمهورية مصر العربية حسني مبارك –سابقا..وتلك الأيام نداولها بين الناس..حبة فوووء وحبة تحت.
توقف الدفار ونزلنا...أعرف هذا المكان!! ليس غريبا علي!!..لو فقط زحوا الناس شوية لأتضحت الرؤية...وكنا ناس من فوقنا ناس من فوقنا ناس...إذا أخرجت يدك قطع شك حتطبز ليك زول. ثم استبان العلم المصري...أها! نحن أمام السفارة..وقد أحطنا بها هاتفين..طرح مدرسية بيضاء، موظفات مكاتب استظللن بفايلات مصالح المواطنين، ابتسامات شمسية كشرة لأناس ببدل صيفية بمروحة خلفية، هرمونات مضطربة لطلبة مراهقين، وعمم بيضاء ناصعة انتظمت في الصف الأول...كان يقف على سطح السفارة رجل بكرش وقد ربع يديه وبدا مستمتعا بالمشهد كله..من أمن الدولة (ما دولتنا).. ولم أكن وقتها أعي تلك الإبتسامة..فهمتها الان طبعا ..كانت ابتسامة لو ترجمناها بدقة لقالت "دقستوا مئانا يا مؤفنين".
وتصاعدت هتافات الصف الأول
 "ألله أكبر! خيبر خيبر ال سعود جيش محمد سوف يعود"
وكانت مصر والسعودية حاجة واحدة
" "الله أكبر"
 وما كنت تعي وأنت في الصف الاخير ما كان يموج به الصف الوسطاني...أنا كنت في الصف الوسطاني والذي كان يعج بناس "شفتي؟ ...لقيتها ليك مارقة ساعة قالو لينا امرقو للمسيرة، أشرت ليها بيدي: ثريا؟ وين قروش الصندوق؟"  و
" اي ولدت...مرتو ولدت..والجماعة قالو بيمشو بعدين على السماية" و
"جيبو شير نشتري باسطة من عمك فلان"
و صديقتي تعج بصداع فظيع وأنا أهببها بالكراس و أخرى تسأل في الوقت الضائع عن شربة ماء..والجو فظيع! والشمس قريبة قريبة لاسعة.
وفجأة... بدأ الناس في الانقشاع...بسرعة جنونية ركبت الكوزات والكيزان دفاراتهم وانطلقن إلى جهة تنظيمية مجهولة...وتركونا في منتصف الساحة...حركة جبانة..بصراحة يا كيزان..كل اللي فات حمادة..والعملتو دا حمادة تاني خالص...وفي ذلك الوقت لو ...لو...لو معاك قروش مواصلات ..ما كان في مواصلات من أساسو!!! لأنو الدولة ما كانت فاضية..كان عندها اغتيال! كعكعت الموظفات بكعوبهن إلى بيوتهن (يحليلهن يصببن اللعنات على الحكومة..لو كانت تفيد)، واستظل الرجال بصحيفة الإنقاذ لا ريب (وكانت الوحيدة التي تصدر بالبلاد) و نحن؟ ويممنا صوب أول شجرة في أي شارع كان..وكان ذاك شارعنا...نتسكع تحت الظل..ثم نهرول نحو ظل اخر..شمس ..هجير..مسيرة..كيزان..تكبير...لعنات..حر...شمس... زلط ...زير! يا بنات هناك في زير !...قطعنا تلك المسافة كلها من الخرطوم ثم شقينا المقابر(يا كبرياء الجرح..مقابر بري) و أنا على بداية شارع أوماك  ، أنهمر شلالات من عرق ...توقفت عربة...اولاد جيراننا سارقين عربية أبوهم لاريب، معبأة ببنزين سوق أسود وقد عرفت ذلك من المكيف الشغال.. ركبت...وانطلقت السيارة...وشيئا فشيئا غرقت في الحرج…ورويدا انزل الفتيان زجاج السيارة
منك لله يا حكومة!!!منك لله...لو كان بيفيد...صبيحة اليوم التالي قرأت خبرا : مسيرة عفوية حاشدة منددة..مرفقة بصورة لأرتال بشرية...تتوسطها لعنات


Wednesday, 30 January 2013

أفلام بالملوخية

أحب أوضح إنو سؤال "شنو هو فيلمك المفضل" بيختلف تماما عن سؤال "شنو أجمل فيلم شفتو؟" ... أنا بحب أوقع هذا السؤال لنفسي بمقاربته بالأكل يعني سؤال "أكلتك المفضلة شنو؟" ما هو نفس "أحلى أكلة أكلتها شنو؟" أحلى اكلة كانت في سنة كم وتمانين في مطعم باستانبول أكلت طبق دولما باشا ملوكي أكسبني تعاطفا أبديا تجاه الأنظمة الملكية رغم موقعي كبرجوازية أصيلة وحارس دائم للطبقة المتوسطة (ولا دائم غير وجهه). أما اكلتي المفضلة فهي الرز بالملوخية، ممكن اكلو الليلة وبكرة وبعد بكرة وبعد بعد بكرة..ولي معه شئون كإني بعد ما ألخبط الرز بالملوخية أقوم أبططه بطرف المعلقة على الصحن ومن ثم تقسيمه إلى مثلثات أو مربعات متساوية  و...لكننا لن نسترسل في ذلك الحديث.
وأظن أن اختيار الفيلم المفضل لا يخضع إلى معايير جمالية بقدر ما أنه يفصح عن جوانب ما في شخصيتك، فالبالنسبة لي هذه المقالة هي رحلة استكشافية. ويخضع اختبار فيلمي المفضل لسؤال بعينه..لنفترض أني قد أكملت لتوي فيلما ولسبب ما قلبت القناة لأجد ذات الفيلم من جديد يعرض في قناة ثانية... هل أشاهده؟ أو أن قرص الدي في دي أعاد تشغيل الفيلم هل سأواصل متابعته؟ عند الإجابة بنعم أكون وجدت فيلمي المفضل...وكل هذه الأفلام التي سأذكرها بدون ترتيب قد خضعت لذلك الإختبار. وكم من فيلم ظننته أثيرا لدي سقط من قائمة الهوى (قصة الحي الغربي؟؟ عمر المختار؟؟ سيدتي الجميلة؟؟ كما كنا لباربرا سترايسند وروبرد ريدفورد؟؟ التنين الخفي والنمر المضطجع، أفلام وودي الن.. وأنا من ظننتكم أثيرون لدي)
1
صوت الموسيقى. لماذا؟ لماذا يا رب؟ كما أقول دائما عن نفسي : ما من شيء يفسد علي صورة المثقفة الغامضة سوى عشقي غير المبرر للأفلام الغنائية والاستعراضية (أفلام الأسود وأبيض، بوليوود، افلام الخمسينيات والستينيات الأمريكية و..احم ..الفيديو كليبات الغنائية..أعتذر تماما لنفسي عن هذه الهفوة الأخيرة) ... لكن صوت الموسيقى هو الفيلم الاستعراضي الذي يستحوذ علي تماما، بدءا من لقطات الكاميرا البانورامية العريضة ، أظن يسمونها الwide shots التي احتضنت منظر جبال الألب الخلابة وحدائق سالزبورغ الوريفة وقصر الكابتن المتألق. كل شيء مترف وباذخ، بدءا من فساتين البارونة التي عشقتها كلها من صغري وتمنيتها لسبب ما، إلى حركة الأحذية اللامعة على الرخام والكمنجات التي تندلق بسبب وبدون سبب...ثم الفالتزات..الفالتزات! و ذلك المشهد الذي ترقص فيها "ماريا" والكابتن "كيورغ" على الشرفة رقصة اللاندلر..يا لقلبي المسكين..يا لتلك النعومة والرشاقة والخفة التي لا تضاهيها خفة..كذا الحب في الجنة بين الأخيار والحور العين..أفلاطوني!
او مشهد ليزا وهي ترقص مع حبيبها ساعي البريد في الحديقة تحت المطر...وذلك المكس الرهيب والصراع بين الفالتز العريق والجاز الفتي (شفتو حس الفنان لما يعمل موسيقى تصويرية لفيلم؟ في فكر..في فهم..مش مجرد مزيكا ظريفة).
ثم ان عبرتي لا تفشل ابدا في الانحشار في حلقي عندما يغني الأطفال فقدهم للمربية ماريا التي سرعان ما تفاجئهم قادمة من بعيد مكملة للأغنية ! وهذا قليل من أشيائي المفضلة في الفيلم
 
من اللطيف الذي اكتشفته عن الفيلم أنه مخرجه روبرت وايز هو أحد أقطاب جدل سينمائي برز في الستينيات حول صناعة الفيلم بين رؤية المخرج وبين التزامه بالنص المكتوب، فمخرج فيلم صوت الموسيقى يرى أن المخرج المحترف هو من يستطيع أن ينفذ ما على الورق مباشرة على الشاشة.. أن يواجه تحدي الخيال...بينما يرى رواد المدرسة الاخرى و(ومنهم الفرنسي تروفو) أن على المخرج أن "يؤول" ما على الورق و أن يخرج برؤيته هو ..فها هنا الإبداع..وليس المخرج مجرد حرفي أجير عند كاتب النص..فسحقا لتحدي الخيال! تحيا الرؤية!
2
الماتريكس بأجزائه الثلاثة..يا ما أنت كريم يا رب أن خلقت لنا الأخوان واتشوسكي (أفهم أن احداهم قلب جنسه وأضحى انسة- معلومة غير مهمة)... أستطيع اللف والدوران حول الفلسفة الكامنة في الفيلم والرسالة المضمرة..لكن لأكون صريحة معكم..فالكافوتي !الكافوتي! ونسمة أفلام هونغ كونغ التي باركت هوليوود بلمساتها البديعة في فن القتال. أنا كالملايين من مهووسي الماتريكس أعشق مشهد المصعد في الجزء الأول...عندما تخرج ترينيتي ونيو من المصعد يحملون معهم أرتالا من الأسلحة والذخيرة...ومشهد الرصاص يستاقط على الرخام رشيقا كزخات المطر أو عند اصطدامه برخام المبنى محدثا ثقوبا وخرابا هندسيا فتاكا، وتلك المشية الواثقة للبطلين التي تزود ادريناليني الشخصي بكل ما احتاجه لمواجهة العالم الشرير (والعالم شرير كما نعرف). الجزء الأول هو المدلل عندي ..وفيه يتضح مزاج الاخوة واتشوسكي ورغبتهم في صناعة فيلم مصمم على هيئة مجلات الكوميكس البطولية (الحوار واللغة ذات الكلمات الرنانة المبالغ فيها بعض الشيء- المشاهد واللقطات والتصوير الذي لسبب ما يبدو مستطيلا كما في تقسيم المجلات- تعابير الوجه الكارتونية والمرسومة)
 
3
بما أننا جئنا إلى سيرة الكافوتي فلا بد أن أذكر فيلم "اسطورة المعلم السكران" legend of the drunken master وهو من أوائل أفلام جاكي تشان التي دبلجت طريقها إلى هوليوود (الدبلجة ردئية كما ينبغي لها أن تكون، فهي تحافظ على ذلك الإرث العظيم لأفلام الكونغ فو القديمة في السبعينات التي كنا نستهلكها في طفولتنا دون هوادة). الجميل في الفيلم هو الطابع الشرقي غير المتأثر ببهرج الغرب في التصوير، والأهم من ذلك، كان ذلك الفيلم من أول الأفلام الذي جعل القتال جزءا أساسيا (لا مكملا) من الحوار...أقصد أن القتال هو حوار بين طرفين، وكان القتال سابقا أشبه بوصلة استراحة بين مشهدين حواريين... لكن مع جاكي تشان يصبح القتال حوارا كوميديا بديعا كتلك المواجهة الأولى بين معلم كونغ فو والفتى المغتر بنفسه أسفل أحد القطارات أو يصبح القتال جوهرا يلخص حكمة الفيلم في الصراع ما بين الحديث والأصيل عندما يتقن جاكي شان فن الشجار السكران.
 
4
Good night and good luck لجورج كلوني، أذكر في ليلة احتفال الأوسكار عندما فاز بجائزة أفضل ممثل عن فيلم سيريانا كانت قد كست وجهه لمحة من خيبة الأمل وقال معلقا "أظن أن هذا يعني أني لن أكسب جائزة أفضل مخرج"! أحب جدا الأفلام التي تجري أحداثها في كواليس المسرح  أو محطة تلفزيونية أو إذاعية أو مكاتب تحرير صحفية، لكن ما من أحد من الأفلام سوى هذا الفيلم استطاع أن يعكس ذلك التوتر الكامن والحيوية الذي يكون في المنافذ الإعلامية، ذلك الصراع الحي..الحي والدموي حقا (دعك من كل أفلام الدمار الشامل...ها هنا أحشاء تتلوى ودماء تتقاطر!).. الفيلم أشبه بكبسولة مضغوطة وقد نجح كلوني في اختيار القالب الزمني الملائم لأحداث الفيلم، إبان فترة الماكارثية وأول مواجهة متلفزة بين الحرية والسلطة ...ذلك التناطح الأول والقوي الذي يخلف شهداءا وأبطالا ومهزومين..تلك المناطحة التلفزيونية التي تمت بين الصحفي الأمريكي الأيقونة أدوارد مورو و السيناتور الطموح ماكارثي. والممثل دايفيد ستراذيرن بالغ في التمثبل عديل كدا. الفيلم عبقري حقا، لأختياره الصادق لحدث تاريخي يجد صداه في كل حين..في كل وقت من زمننا المعاصر..تجد نفسك تلقائيا تقارن بين كل عبارة ولفتة في الفيلم وما نطالعه الان في اعلامنا الحديث. كل ذلك التوتر ينساب بنعومة بين أنغام الجاز الصادحة وألق الستينيات الساحر...صراع دموي بقفازات حرير بيضاء.
 
5
طالما نتحدث عن الصراع مع السلطة، فبطبيعة الحال فيلمي الأثير JFK لأحد مخرجي المفضلين أوليفر ستون. يقول عنه مارتن سكورسيزي أنه حضر دورة تدريبية كان يزامله فيها ستون وقد عاد لتوه من خدمته العسكرية من حرب فيتنام، فتى منطوي على نفسه..كان لا يراودك شك أنه شاهد الكثير وتألم أكثر..يقول أنه رقيق..رقيق جدا. وأظن أن معظم أفلام ستون تكتب ألمه واعتراضه على هذا العالم لا بصخب وضجيج ولكن بشكل رقيق وانساني شفاف نادرا ما تبصره بين البشر (اعني انظر فيلمه وول ستريت والجنة على الأرض). مشهدي الأثير في فيلم JFK هو ذلك اللقاء الذي يجمع بين السيد أكس وبطل الفيلم كيفين كوستنر وفيه يكتشف البطل أنه لا يهز سوى خيط رفيع بعيد في زوبعة عنكبوتية مهيبة تنسجها السلطة والمال والقوة(وأعترف أن مرجعي في ترجمة وتأويل الصراع العالمي هو ذلك الحوار في الفيلم). وأيضا مشهد المحاكمة الاخير..يا لتلك الملحمة..دعك من الأوديسا والإلياذا..دع عنك أخيليس وهوميروس و ...ها هنا يواجه المدعي العام جيم قاريسون في محكمة أنيقة في الجنوب الأمريكي الهة التعنت والقدر (يا الله يا امين أبلع العبرة في ذلك المشهد الذي سهكته من كثر ما كررته)...ثم أن الفيلم جمع كل الأحبة: تومي لي جونز، كيفن بايكون، جو بيشي، دونالد ساذرلاند. القطع/المونتاج في الفيلم نظيف وخادم جدا لأحداث الفيلم وتصاعد الحبكة (وهي حبكة صعبة ومعقدة  لا تنحل سوى بين يدي صانع ماهر كأوليفر ستون..فالرجل كان يعرض بين يديكم نظرية مؤامرة لم تجد لها سندا في المحاكم لكنها وجدا سندا عريضا على الشاشة السينمائية)..والمزيكا كانت (أوسوم! Awesome) لسة بتخلع قلبي في المشهد الذي تنحل فيه (أو تنعقد فيه بالأصح) أول خيوط المؤامرة...المزيكا عجيبة وقابضة للأنفاس
 
6
جبنا سيرة مارتن سكورسيزي...السبب الذي يجعلني متعلقة بفيلمه "عصر البراءة" محير لي حقا، فالقصة المملة التي تمتد لثلاث ساعات متواصلة تدخل في صراع عنيف مع أعضاء جسدي المتململة..الفيلم بديع..ودعوني أقول لكم شيئا ...المخرج بيبان من فيلمو...فلو حصل إنو مارتن سكورسيزي عزمك على العشاء..اقبل الدعوة فورا، فالرجل سخي بالكاميرا...سخي حد البذخ والإسراف (في المقابل لو عزمكم كلينت ايستوود اتصبر من بيتكم)..مشاهد المعمار البوستوني (من بوستن) في منتصف القرن التاسع عشر ، والتصميم الداخلي لغرف منازلها حيث تفرد الكاميرا مساحة كبيرة لكل تفصيلة لكل زخرف على الحائط لكل نقش على الكراسي الخشبية، لكل ثنية فوطة عشاء حريرية مطرزة لهو تحد عظيم..عظيم حقا، فأمريكا في ذلك العهد كانت تحاول أن تعكس شئيا من الرخاء الأمريكي السوقي وتروضه بألق أوروبي عريق..خلطة عجيبة كدا غايتو خلقت ذلك الأرث النيويوركي (كما تعرفون نيويورك حاجة براها كدا..كما اسكندرية حاجة براها كدا) . وسكورسيزي المفتون بنيويورك وتاريخ عصاباتها الدموية- فأفلامه بالكاد تخرج عن هذه الدائرة -يصف هذا الفيلم الرومانسي الرقيق بأنه أكثر أفلامه دموية!!! أنا أضع علامات التعجب مجاملة لكم..ولكن الحق الحق أقول لكم هو كذلك...ما من مشهد أكثر دموية من صراع الروح الذي جسده دانيال دي لويس ببراعة بين التقاليد والأعراف وبين الانقياد وراء العاطفة الجياشة واتقاد القلب.هناك مشهد يذبحك من الوريد إلى الوريد ، يقف فيه دانيال دي لويس تعصف به الهواجس بين زواجه الوشيك للبريئة الجميلة (ماي-وينونا رايدر) وعشقة المتقد لإبنة عمها ( أيلين-ميشيل فايفر) ..كانت تقف على المرسى ويقف هو على مبعدة منها والدنيا غروب ذهبي بديع، ويمر قارب شراعي فيهمس في نفسه إن التفتت إلي قبل مرور القارب الشراعي أمام المنارة..سأذهب إليها وأعترف بحبي..وإن لم تلتفت عدت إلى لجام حياتي السابق...ويمر القارب...ولا تلتفت ..تلك اللحظات القدرية التي نصنعها نحن العشاق بالاعيب الهوى الطفولية التي نتقنها. المهم الفيلم جميل..فشل في جمع الأيرادات ولا غرابة في ذلك ...ولم يفز بحظوة كثيرة لدى النقاد..لكن أنا ومارتن نحب هذا الفيلم.
 
7
ديسبيرادو؟ لا أعرف سر اعجابي بهذا الفيلم المسرف في الدم والقتل..خاصة وأنني بت أمقت أنتونيو بانديراس وقد فشل في مقاومة اغواء الهوليودية وانسياقه في دور العاشق الاسباني النمطي (ربي احمي خافيير بادريم من هذا الإغواء..رب اترك لي لاتينيا واحدا سليما) ..ما من فيلم يفسر محبتنا لروايات كتاب لاتين أميريكا كما هذا الفيلم (دعك من الحب في زمن الكوليرا وبيت الأشباح..ما عجبوني نهائي الإتنين..وكان فيهما عنصر الخيانة..خيانة الرأسمالية والأمركة) ...ففيه ما أحببناه في تلك الروايات..فيه ترادف الأضداد وكأنهما حبيبين قديمين... الموت رديف الحياة (كلاهما صاخب) ، الأمل رديف اليأس (كلاهما ساخر) ، الحب رديف العنف (كلاهما حسي) ... جميل مشهد أنتونيو بانديراس يتقطر دما وهو يوجه طفل صغير كيف يعزف الجيتار، جميل مشهد سلمى حايك تبحث عن فردة حذائها بينما الرصاص ينحدر عليها من كل صوب..ثم تنفذ قفزة مستحيلة من أعلى بناية بذات الحذاء !! (كما قلت علامة التعجب للمجاملة)...ثم أنني أحب أغنية البداية وأحب المخرج روبرت رودريغز
 
8
غاندي..أنا حافظة حوارات الفيلم..ورغم إنو "ما هندي" فهو رؤية غربية لما هو "هندي" ورغم إنو لم يكن دقيقا في نقل الوقائع التاريخية، إلا أن الفيلم مؤثر حقا وجميل. الحوارات فيه جميلة بسيطة وعميقة والمشاهد كما ذكرت مؤثرة...مشهدي المفضل بالطبع هو مشهد "مولانا أزاد" (برجاء قوقلو هذه الشخصية وتكسروا فيها كما تكسرت أنا) وهو يؤمم بنفسه مصنع دارسانا للملح وبردائه الأنيق وعصي الشرطة تنهال على الأنصار ومارتن شين يلهث على التلفون مرسلا برقية لصحيفته صائحا "كل ما كان يحمله الغرب من أسبقية أخلاقية على العالم قد سقط اليوم- قف- لقد تحملت الهند كل ما يمكن تحمله ولم تنكسر –قف) الله أكبر...النصر لنا (نحن منو؟ نحن المستضعفون في الأرض طبعا..المستنيلون والمتدهولون على عينا)..اللقطة أدناهو أيضا من لقطاتي المفضلة
 
 
انتهى...همممم ما الذي تكشفه هذه الأفلام عني؟ أوعى يكون؟؟؟ أنني من نوع البشر الذي لا يجد حياة إلا في الصراع!!! سجمي!