Saturday, 28 July 2012

يخسي عليك يا شعبي!!


يخسي عليك يا شعبي!!
(ماذا لو لم تجلس روزا باركس؟؟!!)



لا ريب أنها المحبة المفرطة التي حدت بالنخبة السودانية أن تتنهد بين الفينة والأخرى بهذا الذي أجملته في بعبارة  "يخسي عليك يا شعبي!"، فمن العتاب الرقيق "حضرنا ولم نجدكم" ، للحيرة التي تتساءل " لماذا لا يثور الشعب لما يجري في الجنوب ودارفور؟" إلى التنهيدة الحرّى مرددة في أسى "سيكتب التاريخ أن الشعب السوداني أخرجه الجوع لا التوق إلى الحرية ولا منازعة الظلم والأستبداد" . فيض إعزاز ومحبة لهذا الشعب ولا ريب .و كما يقول المثل عندنا "ما لامك إلا من  رادك"

أجل أجل

وطالما المحبة تفتح باب العتب، فلتسمح لي النخب الباكية بشيء من عتاب المحب...لهم!



 يقولون :سيخرج الشعب عندما يقرص الجوع بطنه، عندما لا يجد منفذا من ضيق الحال --طيب ،ولن يعيبه ذلك في شيء. فحاله عندئذ كحال شعوب الأرض ..لا يمايزه عنهم شيئا. فما  غازل مشاعركم من مشاهد لجموع تجتاح الشوارع مطيحة بطاغية أو منددة بأمر ما ليس ضربا من العفوية بل هو تدبير وتنظيم وحشد وتخطيط و تحفيز وتحريض إلى اخره مما تعرفون من عمل النخب. وهنا أقول نخبة في معنى "ذاك المتمايز عن الشعب" ومعنى "المبادر"



كنت قد ذكرت في مقالتي (الخروج من متاهة التحرير) العبارة التالية:" الجوع جوع والعوز عوز والشبع شبع والعافية عافية لم تتغير أبدا على مر التاريخ . فالسقم شر والعافية خير. هذه الضرورات أمّن عليها الانسان منذ نشأة الخليقة.

وتتحول مبادئ الديمقراطية من اللغو إلى الفعل حينما تتنزل للناس وتصبح ضرورة كالماء والهواء والخبز"

هذه واحدة أن تربط النخبة هذه المعاني المجردة والسامية بأرض الشعب، بقرصة الجوع..برعشة الخوف.

والثانية أن تذلل للشعب وسيلة احتجاج. أذكر أني مررت على تساؤل يقول : ما الذي فشلت فيه الأحزاب المعارضة تحديدا؟  والإجابة هي أنها فشلت في أن تُمَلِّك الشعب وسائل المعارضة والمطالبة وأن تشق له قنوات الإحتجاج. لقد حصرت أحزابنا وطليعتنا اليوم نفسها في دور المحلل أو المعلق السياسي أو الخطيب الأريب أو الركّاني المهيب. أو أنها لا تزال تتمثل الدور التقليدي في الوصاية على الشعب بالدخول بأسمه في مفاوضات مع النظام .



تظل حركة الحقوق المدنية حركة ملهمة للراغبين في التغيير على مر التاريخ. بدأت كمثل حالنا في هذه الأيام حبيسة الخطب الحماسية في الكنائس، رهينة المقالات النارية في الصحف والتصريحات اللاذعة عبر الأثير، أسيرة التحليل وإعادة التحليل من النخب.  ثم سمعنا  ذات يوم أن سيدة في بلدة تدعى مونتغومري في الجنوب الأمريكي العنصري ..جلست. كان اسمها "روزا باركس".


القصة كما نعرفها أن روزا باركس عادت من عملها يوما متعبة ، فاستقلت الباص، ولما كانت المقاعد المخصصة للملونين ممتلئة جلست متعبة على أحد المقاعد المخصصة للبيض ولما طلب منها القيام من الكرسي والوقوف كغيرها من الملونين. أبت روزا باركس وزج بها إلى مخفر شرطة مودية بنا إلى ما صرنا نعرفه بإسم "أحداث مونتغومري"

ماذا لو لم تجلس روزا باركس...ماذا لو أخذت مكانها مع الملونين وانتظرت حتى تفرغ الحافلة؟ هل كانت أول شرارة لحركة الحقوق المدنية الملهمة لتنطلق أنوارها في تاريخ الإنسانية؟ الإجابة.....نعم!!! بكل تأكيد

لعل قليلون منا يعرفون أن هناك العشرات اللائي جلسن قبل روزا وزج بهن إلى الشرطة ودروب المحاكم

ولعل قليلون منا يعرفون أنه كانت هناك نخبة قليلة من المبادرون..ثلة من المحامين ودعاة الحقوق المدنية يتربصون على باب المحاكم في انتظار كل روزا تقدم أمام العدالة. هدف هذه الثلة هو أن تقدم قضية من احداهن أمام المحكمة ، فيقومون بنقضها على أساس أنها مخالفة للدستور الأمريكي. الذي كان يحدث أن الشرطة كانت تخلي سبيل ال"روزات" قبل بدء المحاكمة أو التنازل عن الدعوى، أو ان تشطب المحكمة الدعوى قبل البت فيها. وظلوا على تلك الحال ينتظرون ويتربصون. وفي غفلة من مكر الشرطة والنظام القضائي. مثلت روزا أمام المحكمة. ولم يجد القاضي بدا من الحكم بلادستورية نظام الباصات في مونتغومري. هل غير ذلك شيئا؟ لا...ظلت الحافلات مفصولة عنصريا كما هي. لكن كان هدف تلك الثلة الماكرة الذكية بقيادة ذاك القس الشاب المثابر مارتن لوثر كنج.كان هدفهم هو أن يقر لهم الجميع بأنهم على الحق. يبرزونه للعالم الاجمع. ثم يبدأون الخطوة التالية.

في صبيحة  ذلك الأحد. بينما المؤمنون يستمعون إلى المبجل الكينج يحدثهم بأمر جديد. "أننا سنقاطع الشر...لن نركب حافلاتهم" . وحسب؟ تعتقدون أن الجموع الهادرة أنجلى أمامها الحق فجأة وخرجت هادرة مقاطعة لكل باصات المدينة قاطعة على نفسها سبل الكسب والعيش والسعي للرزق. فتلك هي الحافلات التي تقلهم إلى أعمالهم البعيدة. لا يملكون ترف العربات الخاصة. جلهم من الفقراء. هل خرجوا عفويا لنصرة الحق؟ دون أكل عيشهم؟ بالطبع لا!! من الحمق أن نظن ذلك.  ماذا فعل إذا؟ ملكهم القدرة على الاختجاج، قواهم عليه، أعانهم على نصرة الحق. ما فعله كنج سيدرس لاحقا في كليات الإدارة والتنظيم واصبح نموذجا في مؤسسات الخدمة العامة.

قام كنج بجمع كل الملونين والمتعاطفين مع الملونين. من يملك منهم عربة خاصة. أو يسعى على رزقه سيارة أجرة. وحولهم إلى أسطول مواصلات عامة . ما يعرف لدينا بإسم "الطرحة". أسطول منظم بجدول منظم سيأخذ المقاطعين في مواعيد منتظمة وبالغة الدقة إلى أعمالهم وإلى مصادر رزقهم. ولن يضطر أحدهم إلى ركوب الباص العنصري.



نجحت المقاطعة بنسبة مائة بالمائة. وتكبدت شركة النقل خسائر فادحة. أصبحت تستجدي الحل لإنهاء المقاطعة. ذاك أمر هين. فالشعب الملون في مونتغومري..شعر بأمر لم يشعر به من قبل. شعر بالقدرة. شعر بالقوة. وامتلأ عزما. حتى أن كنج يهمس لأمرأة مسنة أصبحت تأتي إلى كنيسته سائرة على قدميها من مكان بعيد "بوسعك يا سيدتي أن تستقلي الباص. فأنت متعبة" فردت "ساقاي متعبتان ولكن روحي قوية"



وأخيرا ترضخ الحافلة لذاك الشرط الوحيد. السماح للسود أن يستقلوا مقاعد البيض. كانت تلك الشرارة الأولى..شرارة التمكين. جعل وسائل النضال مبذولة وميسرة في يد العامة.


يوم الصيام. كذا سمى غاندي يوم الإضراب العام للخدمة المدنية في الهند لمقاطعة الشر المتمثل في الإستعمار البريطاني. شعب الهند المتدين يعرف الصيام . هو أمر قريب من نفسه. يعرفه. أمر يملك القدرة عليه. نجح الإضراب بنسبة مائة بالمائة وتوقفت دلهي عن الحياة مدة يوم كامل.

يكفيني هذا القدر من العتب...فالكثار منه يورث النفور. لعلي قد أوضحت مرادي.

Saturday, 26 May 2012

حول أزمة رجم السيدة


حول أزمة رجم السيدة



هذا المقال مقسم إلى ثلاثة أقسام

الأول حول الخلل في البلاغ الأصلي المفتوح من قبل الجارة

الثاني حول قرار القاضي

الثالث حول ردة فعلنا على القرار



كل قسم مظلل بلون..عشان كل واحد فينا يخش على راحتو محل ما يوجعه أكثر..والموضوع كلو وجع في وجع



قانون إشاعة الفاحشة

ورد الخبر كالاتي : تقدمت جارة ببلاغ إلى الشرطة تتهم فيه الجارة بممارسة الفاحشة. فتحركت الشرطة من فورها وقامت باستدعاء السيدة والتحقيق معها، وفي أثناء التحقيق ماتت الجارة المتهمة، إلا أن خيوط التحقيق طالت أخت المدعية التي انتهى بها الأمر أن أقرت بارتكابها الزنا ، لتمثل أمام القاضي مقرة بذنبها فيراجعها القاضي إلا أنها تتمسك بأقوالها وينتهي الأمر بأن يصدر عليها حكما بالرجم." انتهى

ظلمات بعضها فوق بعض..لا غرو أننا لا نرى ابعد من أرنبة أنفنا... نحن يا سادة نعيش في ظلمات متكاثفة..الحقيقة أن هذا الخبر وردة الفعل على هذا الخبر قد كشف كثيرا عن علل المجتمع وعلاته والتي نستطيع أن نرجع السبب فيها بكل بساطة وبكل وضوح إلى وجود هذا النظام.



سنحلل الحدث واحدة واحدة....أريد أن أبدأ بنقطة أثارت قلقي. وهو بلاغ الجارة ضد جارتها. ويجب أن يقلفكم جميعا..خاصة إن كنت من أولئك الذين علقوا على خبر الرجم بأنك متمسك بالدين ولا يهمك رأي الخواجات والنصارى. فاقرأ قوله تعالى : "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون". هل يحدث هذا في السودان؟ أفهم من كدا..أنه قد تكون أمك او أختك جالسة في أمان الله في بيتها، فتطرق الشرطة باب بيتها و تستدعيها للتحقيق في شرفها وعفتها وتسائلها من قابلت ومن لم تقابل؟ فقط لأن جارة ملسنة ضمارة بالسوء تقدمت بشكوى؟!! في مجتمعاتنا المحافظة إن مجرد التهمة في أمر كهذا يثير الشبهة ويكون وصمة تحملها مدى حياتك...لهذا شدد الله على الخائضين في الإفك. ما شأن هذه الجارة فيما تأتيها المرأة في ستر بيتها، وقد عصمها الدين من تربص الأعين الخوانة؟ والألسن الاثمة؟ متى فوض القانون الناس أن يكونوا رقباء على الناس؟ إن هذا لأمر عجاب. قد جاء هذا النظام ملوحا بالدين كأنه حفي به أكثر من كل من في البلد..فأفسدوا أكثر مما أصلحوا...كسروا مؤسسات سودانية أصيلة كانت تحل وتفض مثل هذه المشاكل دون تدخل للقانون. ككبار الحي. الذين كانوا يحلون هذه المسائل بهدوء وبحرص بالغ لا يهدد تماسك ونسيج المجتمع. إذا أردت أن تعرف علة المجتمع..إذا كنت متحسرا على أيام زمان..فاعلم أن السبب في هذا هي القوانين التي تدعي الحفاظ على الشرف والعفة.

و يحدث في الحي أن يكون هناك منزل ذو نشاطات مشبوهة، وقد يخشى المرء على عياله ، فيكون التصرف الأمثل كي لا يثار جوا من الريبة والارتياب والقيل والقال بين الناس في المجتمع، ونحن مجتمع محافظ كما يزن الناس في رؤوسنا ليل نهار. يكون الحل الأمثل أن لا تقبل الشرطة أي بلاغ من جارة أو ساكن في الحي إلا عبر لجنة السكن أو لجنة الحي. ما حدث يا سادة في هذا الامر أن الشرطة خرمجت أكثر مما أصلحت. الفاتحة على الشرطة. كنا نسمع الحكاوي عن الشرطة زمان وكيف كانوا "وسطاء" بين القانون والمجتمع. وليسوا مجرد يد صماء عمياء تنفذ دون وعي ولا عقل. خرمجة شديدة.



 الطامة الكبرى...قرار الرجم

قس على تلك الخرمجة..خرمجة الشرطة..نفس الخرمجة....خرمجة رجال القضاء والقانون

خاض بعض الخائضين في الحديث عن "اعتراف المرأة" و "إقرارها" وليس في الشرع أيضا "إقرار" بمعني الإعتراف تحت وطأة التحري والتحقيق.فالإعتراف المذكور في الشرع والإصرار عليه "كما تهيأ للقاضي" ليس كما جرى من أمره مع السيدة انتصار. بل هو ما جرى مع الغامدية، أن تأتي طائعة مختارة في غير تهمة موجهة إليها، وأن تطلب إقامة الحد عليها. فيتصامم عنها النبي ، ويتجاهلها. فتصر، فيمهلها النبي أن تضع وليدها. علما بأنها لو لم تأت لما راجعها النبي. فتعود الغامدية طائعة مختارة تطلب إقامة الحد عليها. فيمهلها النبي حتى الفطام،علما بأنها لو راجعت نفسها ولم تأت لما راجعها النبي. لكنها تعود من جديد وتطلب إقامة الحد عليها. فيقام الحد عليها. لو أردنا اجراءا قانونيا صحيحا، كان عند اقرار السيدة أن تتجاهل الشرطة ذلك تماما،  أو أن تواجهها في حدود سلطاتها بممارسة "الفاحشة" وليس الزنا. فالأمر بحسب القانون المقيد كالاتي: أن توجه الشرطة التهمة لها في وجود أربعة شهود عدول. أو..وركزوا بالله معي في أو هذه...أو أن تفتح المرأة في نفسها بلاغا تطالب فيه بإقامة الحد عليها. أي ان يتم إغلاق القضية الأولى أولا. ثم تتقدم السيدة بفتح بلاغ في نفسها. دا كدا الدين ودا كدا الشرع ودا كدا القانون. أما ما جرى من أمر القاضي والشرطة فهو استهتار و استخفاف بالدين لم يسبق له مثيل، وهو حط للقانون وإزراء به غير مسبوق. لا حول ولا قوة إلا بالله.




كالأنعام بل أضل سبيلا

نأتي إلى الأمر الثالث: وهو ردة الفعل من قبل المغاضبين للدين ..الغيورين عليه. مالكم كيف تحكمون. كيف صرنا كالأنعام بل أضل سبيلا ؟!!! يقول النبي عليه الصلاة والسلام:" إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق"...بمعنى لا تسارع في الإفتاء والإقرار بكل ما تعرف وما لا تعرف. أعوذ بالله ممن جعلوا الدين وكأنه جزارة..يقطع هنا ويرجم هناك.




تشابه البقر من جديد على حضرة القاضي وبعض السادة "المتفيقهين"، فظنوا إمهال النبي للغامدية نوع من الإجراءات القانونية. لكن إمهال النبي جاء ليوضح أن الغرض الأساسي من إنزال الحكم هو تنفير المؤمنين من مقاربة الفاحشة، وبيان عظمتها ومكانتها عند الله، وقد ورد في الحديث : "يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله، ان يزني عبده أو أن تزني أمته..يا أمة محمد والله لو تعلمون لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " وليس المراد الرجم في حد ذاته، وإلا فإنه ليس أغير على دين الله من الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس هنالك من هو أحرص منه على القيام بحدود الله. فلنتدبر من جديد إذا المغزى من تصامم النبي عن "اعتراف" الغامدية وتجاهله لها.  وكي نسهل الأمر عليكم نورد القصة المعروفة للرجل الذي أتى النبي في المسجد ورفع صوته قائلا "يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم" أي أنه ارتكب جرما يوجب ايقاع الحد عليه. فتصامم عنه النبي، فكرر الرجل نداءه "يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم" فيطلب منه النبي منه أن يقم الصلاة معهم، وبعد انتهاء الصلاة يعيد الرجل قوله على النبي ، فيرد عليه الصلاة والسلام بقوله " أليس قد توضأت حين أقبلت؟ قال نعم ، قال: وصليت معنا؟ قال نعم..فقال صلى الله عليه وسلم إذهب فقد عفا الله عنك " المراد من الحدود في الأصل هو أن يقيم الناس الحد على أنفسهم أولا، بمراجعتها ومحاسبتها ثم التحسر على مقارفة الذنب والندم ثم الأستغفار والتوبة. فإن الله لا يتعاظمه ذنب




رحم الله المجددين من أمتنا الذين نادوا بتجديد الدين واحيائه في صدور الناس وقد مات ، ولم يبقى منه سوى جعجعة هي ملء الفم والحنجرة. كانوا يقولون أن تفسير الدين مرهون بعدة أمور. معرفة باللغة العربية المنزل بها القران، ومعرفة أخبار العرب وسيرهم وأيامهم، وأحاطة بالتراث الإسلامي، والأهم من ذا وذاك الإلمام بثقافة العصر الذي يعيش فيه. فما يقوم به المفسر هو أن يستنبط من الدين ما يحل به مشكلات عصره بما يلائم عصره. وقد ضربوا بذلك مثلا بتفسير ابن عباس لقوله تعالى "إذا النجوم انكدرت" أي إذا وقعت في ماء البحر وانطمست...رغم أننا نعرف الان أن أصغر نجم هو أكبر من حجم الكرة الأرضية الاف المرات، لكن في زمن ابن عباس كان تفسيره ملائما لظروف عصره، عصر ما قبل المعرفة الفلكية. قس على ذلك أمر الرجم. فلا تظنون أن أمر الرجم كان وقعه شديدا على المسلمين في ذلك الوقت كما هو شديد علينا.فالمسلمون الذين رجموا الغامدية هم نفسهم من كانوا قبل سنوات قلة يدفنون بناتهم فلذات أكبادهم احياء. لا اظن أن هناك امرؤ سوي اليوم يقول أنه بوسعه أن يطيق رؤية شخص تطير شظايا مخه بالحجر قطعة قطعة، بعضنا لا يطيق رؤية حيوان يتعذب..وإذا رأي أحدنا شخص يتلذذ بتعذيب حيوان يسارع بإتهامه في صحة عقله. الحق أننا تلطفنا كثيرا وتغيرنا كثيرا عن ذاك الزمن بفضل الله وبفضل تطور المجتمع البشري. فواجب المفسر إذا ان يقرأ قصة الغامدية، وقصة الرجل الذي طالب بإقامة الحد على نفسه بشروط عصره..خاصة وأن المسلمين يرون دينهم قادرا على مجاراة كل عصر . على مفسر اليوم أن لا يركز على قصة الرجم بالحجر ، بل أن يركز على سبب تجاهل النبي لدعوى الغامدية ، التي كانت عندما تناديه يشيح بوجهه عنها فتقابلة بجهة أخرى، فيلتفت عنها مرة أخرى...ثم يمهلها عامين..هل بوسعكم أن تتخيلوا عامين كاملين تراجع نفسها فيها وكان بوسعها أن لا تعود ولما ساءلها النبي ولما راجعها. وعلى المفسر أن ينظر إلى أمر الرجل الذي أسقط النبي عنه الحد بالصلاة. وكما قلت ليس أغير على دين الله من الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس أكثر حرصا منه على قيام حدود الله.

فكان حقا على القاضي الجليل (سامي شبو) لا أن يأمر برجمها، بل أن يعينها على التوبة، أن يمهلها...مش يسألها في ساعتها أن تراجع أمرها ثم طوالي يأمر بالرجم. ماله كيف يحكم؟ أهؤلاء رجال القضاء؟ اهل الحكمة والحل والعقد؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. ياخي حتى لو عاوزين نلتزم بالشكل الظاهري لقصة الغامدية لكن نضعها في شكل عصري ان يهيء لها من يعلمها دينها ويوضح لها طرق التوبة. ثم يتركها ولا يسائلها أبدا(ثم إن شاءت تتقدم بفتح بلاغ في نفسها  ). فيكون كسب توبتها، وحفظ ابنها في كنف أمه. مالكم كيف تحكمون يا أهل الغيرة على الدين؟ مالنا صرنا كالحمير نحمل أسفارا..فلا نتدبر القران لا بالعقل ولا بالقلب..واختزلنا الدين في "جمعة مباركة" و"اكثر بلد يصلي على النبي" وأبواب البقالات الفاخرة التي تنادي "اذكر الله يذكرك ولا تنسى ذكر الله" و "شير في الخير" ودروس الموعظة وسحنة من المسكنة أسموها التدين!!! مه!! كما قالت السيدة عائشة "قد أماتوا علينا ديننا". فلا تفكر في الدين ولا تدبر فيه ونردد كالببغاءات "الإسلام دين الرحمة" ثم لا تراحم بيننا ولا رأفة. وما حديث النبي من اتباع سنن من كان قبلنا من اليهود والنصارى سوى وصف لحالنا الآن أن الدين اصبح عندنا مجرد طقوس وحركات لا روح فيها ولا تفكر، فما إن نقرأ في الجريدة اصدار حكم بالرجم على امراة، حتى نهلل فرحين لنصرة الإسلام. ولا نحدث أنفسنا إن نعيد النظر في ما قرأنا ولا أن نتبصر ما جاء في أمر ديننا منه. كالأنعام صرنا والله...بل أضل سبيلا.




غالبا ما سيخرج علينا بعض الممالئين والمدلسين من أهل السلطان ومن رجال الدين ويتحدثون عن التمسك برجم المرأة وإقامة شرع الله. ليتهم يستصحبوا حينئذ قول الرسول الكريم: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد. ويستدلوا على ذلك بأن هذه المرأة التي تكالب الناس عليها رياءا ونفاقا ومداراة بإسم الغيرة على الدين، نرى منهم من تحركت فيه تلك الغيرة مطالبا بقطع يد وزير الأوقاف الذي بتهمة الفساد، وغيرهم كثر.




هذا كل قولي في الأمر

Friday, 25 May 2012

كدا يا نادر؟






في أمان الله يا نادر.



يا نفس أجملي فزعا..إن الذي تخافيه قد وقعا.

فجعنا هذا العام برحيل التجاني الطيب ووردي ونقد وحميد…ثم جاءت الطامة برحيل نادر خضر. وأعرف أن هناك من يستغرب أن أجعل رحيله فوق رحيل من قد ذكرت. لا مفاضلة في الموت، ولكن المفاضلة تأتي في مكانتهم من نفسي. فالتجاني الطيب ووردي ونقد وحميد رموز وطنية جليلة، لكنها ملء ذكريات جيل غيري. أما نادر فهو ملء يد ذاكرتي. لا انفصام لحياته عن حياتي. وحياة كل من راهق في السني الأولى للإنقاذ. أحسب عندك الجيل المحصور بين مواليد 75 و 82 . يا للظى تلك السنوات. يا لضيق ذاك الزقاق الذي حصرنا فيه…بين حائطين.. حائط الجبهة الإسلامية يهصرنا ويعصرنا لنتشكل في قالب كتائبي، يملي علينا ليل نهار ما يجب أن نموت لأجله: الله !! ينعقون ويزعقون "وسفينة الإنقاذ جاءت لا تبالي بالرياح" و"أماه لا تجزعي".

 وحائط تجمع المعارضة يهصرنا ويعصرنا لنتشكل في قالب مليشي، يملي علينا ما يجب أن نموت لأجله : الوطن.و "اه يا نورا اه" و "في انتظار المجدلية"

الموت اخر ما يسعى إليه المراهق ..اللهم إلا بشكل مجازي ودرامي يعبر عن حالة وجودية ما. الأمر كما أراه هكذا ، كان مصطفى سيد أحمد وأبو عركي البخيت ووردي : الحصة والكراس والكتاب…نادر خضر كان شباك الفصل…. نسمة تهب علينا في ذاك الزقاق



"الساعة خمممممسة…يا حبيب ما تنسى…في شارع خمسة …مواعيدنا". العالم كان ينحصر في موعد مضروب نخف إليه. "حبيبي بريدو وأبقى ساعة في أيدو…أنا أنا…أظبط ليهو مواعيدو..وأحصلها"  أما الوطن والدين والأخلاق هذه اشياء كنا نسعى نحوها بتثاقل ولا تتاورنا إلا كوخز الضمير (منذ الغد سأبدأ في الصلاة) أو (نعم الحكومة بطالة والحال مائل وسأفكر في هذا الأمر مساء اليوم بعد المشوار)



فرضوا النظام العام وحظروا التجول وضربت علينا الذلة والمسكنة في الطرقات. اللباس الشرعي والحوامة الشرعية والكلام الشرعي والسلام الشرعي..وبعدت الشقة بيننا وبين الموعد المضروب..لكن الأفدح من ذلك انزوينا كذا شبر عن أجسادنا.لكن.. أتذكرون؟؟ نادر كان أول من حرر الرقص في الحفلات من طرقعة الأصابع والتصفيق إلى التحليق بالكتفين…وبدلا من الخطو إلى اليمين ثم إلى اليسار…صرنا نصعد ثم ننزل..نغطس ونطفو..ونحلق.



وقتها سيطر على أمسيات الشباب أساطين الغناء كعبدالعزيز بقالة وحسن صبرة، بأغاني الجيل السابق  تشوبها بدعة الأورغ..أغاني كنا نماشيها مجاملة..إذ من كان حقا يأبه بفتيات ثلاثة يذهبن إلى بيت الخياطة..ومن تسمي نفسها ابنة النيل..ما علينا! فجأة برز شاب حلو… يتقرفص شعره بالجل في حلقات لطيفة  يرتدي بنطال جينز وحذاء رياضي. وما إن يبرز على المسرح حتى يهجم عليك الأورغ بنغمة ثلاثية:( ترت تتت تيييو…ترت تتت تيييو…ترت تتت تيييوو) يتبعها ايقاع( تكتش تكتش تكتش)..ثم ما فتح الله عليه به من غناء. "وا ناري وا ناري …البريدو بلالي"
try to forget the video clip


كان ينادي الحبيب ب: حبيبو ..لا أدري ما السر في المد بالواو…شيء من الحميمية والخصوصية لعلها.


تنظر إليه يحمل المكرفون ويميل برأسه مع كل خلجة من صوته…تنظر إليه يلتهم الحياة التهاما. كان كل ما حولنا يشي بالموت: جهاد ونضال ووحدة نادر الحي.



يا ربي أنت الفنان الأعظم! ونحن مجرد مقلدون! يقولون هكذا صاح مايكل أنجلو ذات يوم وقد بهره مشهد عاصفة ليلية.

يا ربي أنت الفنان الأعظم..لكأن الحياة لوحة لRothko فالجبهة الإسلامية كانت كانفا سوداء ثم رمى بنادر عليها كلطخة  فاقع لونها..تسر الناظرين.

يقولون : كالكلمة الشاذة..كان كذلك. فالجبهة الإسلامية كانت قد أعدت المسرح جيدا. شوارع قميئة محروسة بالنظام العام وأكشاك بسط الأمن الشامل، الليل محظور على المتجولين، العاصمة تغوص كل ليلة في ظلام دامس، الأسواق خاوية على  عروشها –الحصار الإقتصادي، المسيرات المسيرات، الكوزات الكوزات، حقائب الكيزان السوداء، مواتر الأمنجية والنظارات الشمسية البلهاء، صفوف البنزين، دفارات الإلزامية، ومشهد الشباب يتلبون من شبابيك الحافلات ويهرولون فزعا، المذياع المجنون، التلفاز الأكثر جنونا، المذيعات على السليقة بلا مكياج، يافطات الوعيد في الشوارع (ومن يعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا)، الزواج الجماعي، فضل الظهر، العباءات والطرح ومشروع لباس العفة والنيل لابد لبدة عجيبة.كل شي موزون على لحن جنائزي يعزفه سلاح الموسيقى

و...نادر...رعاك الله يا نادر!!! بدلة بلمعة؟ وحذاء رياضي؟ وشعر يمرح فيه الجل؟ و"ايه اسباب غرورك والقسوة الفي عيونك..إيه إيه إيه اسباب غرورك والقسوة في عيونك؟ لا...لاللا...لأني حبيتك في شعري غنيتك"



يوم أحضروه في التلفاز...وكان للتلفاز فلتات لا أستطيع أن أبررها سوى ب"المندسين" كأن يطل عليك فجأة مصطفى يغني "والله نحن مع الطيور الما بتعرف ليها خرطة" .. وجلسوا لمحاكمته.. غناء هابط ..(وهو شنو الما هابط عليك الله).. لكنه يرد بصدق عميق: غنائي ليس هابط..يمكنك أن تقول أنه ليس هادف..ولكنه بالتأكيد ليس هابط...وما الضير في أن تغني غناءا غير هادف...لا ضير والله. فتى خجول يحرص على كوب من الشاي الأحمر قبل الغناء..يعرف أنه يريد أن يغني فغنى. ياخ في الوقت داك...دا النضال زاااتو...أن تريد فتفعل..وكنا نريد...فنفكر إن كان حلالا أو حراما أو جائزا أو مستحبا أو مكروها ثم نحسب العراقيل المضروبة أمامنا ونحصر الإمكانبات المعدومة..ثم نعدل عن الفكرة من أساسو  ويفضل الولد مشرور قدام عمود الكهربا الفي طرف الحلة.


Thursday, 12 April 2012

في وصف الهبشتاريا


الهبشتاريا هل أنت منهم؟

في وصف الهبشتاريا

قبل عامين قدمت صديقتي المهندسة هناء طه بحثا للدكتوراه عن الملامح المعمارية في مساكن النازحين من الخرطوم. وكانت دراسة مثيرة للإهتمام، فالنازح برغم السنوات التي يمضيها في بلد النزوح يظل مسكونا بعدم الإستقرار. واستطاع أن يبدل الإنتماء إلى البيت بالإنتماء إلى (الأشياء)، فلاحظت بشكل ذكي كيف أن منزل النازح لا يخلو من أدوات كهربية (رغم عدم وجود كهرباء في الحي كله)، لاحظت عنايته الفائقة بحذائه وحزامه وهاتفه النقال، المنزل فقد معناه، فقد قدرته على منح احساس الإنتماء، واصبحت له هوية متنقلة يحملها معه.

الإنتماء إلى ما هو غير ثابت ومتنقل أصبح سمة تشكل مجتمعات الهبشتاريا. وذلك لأنه مجتمع غير مستقر. واهم علامات المجتمع الهبشتاري أنه مجتمع استهلاكي، واقتصاده اقتصاد استهلاكي. فلأوضح أكثر.

الجنية (الدينار سابقا، ثم الجنيه قبل ذلك) فقد قيمته الزمنية، أي أن ما يشتريه جنيه الليلة لا يشتريه جنيه الغد. وشعبنا بحصافته ومعرفته الدقيقة بالأمور عرف أن فكرة "الإدخار" هي فكرة عبثية، واستطاع أن يحول كل طاقة الجنيه في تلبية الحاجيات الانية والحالية. فإذا (وهذا مجرد افتراض) فاض شيء من المرتب، صرف في الحال.

اسأل أي مواطن اليوم، ما هي التجارة الرابحة، سيجيبك على الفور "المواصلات والمأكولات" ، لأنهما تستجيبان للحاجة الانية للمواطن. والان هناك تجارة أخرى ؟ هل تعرفتم عليها؟

أذكر أني كنت أتابع برنامجا على قناة الشروق وأتابع في الوقت ذاته الشريط الإعلاني الذي يمر أسفل الشاشة (بطبيعة الحال عندما يمل المرء التكرار الذي أصبح صفة القنوات السودانية) وطالعني الإعلان التالي وجذب انتباهي:

فخر الصناعة الوطنية

لأول مرة في السودان

بأعلى المعايير الانتاجية وبأحدث التقنيات

بخبرات سودانية متمرسة

.......

مصنع هير فود لإطالة الشعر

(!!!)

وهي تجارة الهوية المتنقلة، لأن الإنتماء لما هو ثابت ومستقر أصبح غير ممكنا و غير ذي معنى، لذا يقوم الهبشتاري بإستبداله بما هو متنقل، يصبح انتماءك لمظهرك الخارجي، ما ترتديه، ما تستقله للتنقل، ما تأكله، هاتفك النقال. بل أصبح من العبث الاستثمار فيما يكرس الإستقرار، اليوم يمطرنا نقاد المظاهر الإجتماعية بما يسوءهم من التكاليف الباذخة لحفل العرس من فستان الزفاف إلى الزينة والصالة والفنان دون أن يحللوا الظاهرة اللإقتصادية المصاحبة لهذا البذخ، وهو أن الاستثمار في مقومات الإستقرار (من تدبير معيشة ، أو مسكن زوجية، أو أي ضمان مستقبلي) لا طائل منه.

وينعكس كل هذا على مظاهر النشاط الإقتصادي (البقالات، المطاعم، الملابس الجاهزة، مراكز التجميل، السيارات التي تفوق عدد الطرق) بل حتى الخدمات، كما ذكرت في مقالي السابق، المعاهد العلمية تقدم منتجات أكاديمية (شهادات) المراكز الصحية تقدم منتجات علاجية (عمليات، كشوفات عاجلة) لكنها لا تسهم في الصحة العامة، لا تسهم في التقدم العلمي بالبلاد. بل خذ عندك المراكز الثقافية في السودان التي تقدم أيضا منتجات ثقافية، لكنها ليست جزءا من أي خطة ثقافية مكتملة، أو رؤية مستقبلية لتشكيل الحاضر أو المستقبل السوداني، تقدم أمسيات ترفيهية أو ترويحية (والناس في ذلك أذواق ومذاهب) ، فبعض الناس يستهويه أن يروح عن نفسه بندوة عن دارفور، سلسلة من الندوات لا رابط بينها، ورش عمل منبتة. بل حتى العمل السياسي هو جزء من ظاهرة الانية والاستهلاك اليومي، فالعمل السياسي في السودان مبني على رد الفعل، وعلى (تلاقيط رزق اليوم) و ليس جزءا من رؤية مكتملة لمستقبل السودان. وهذا يفسر تماما ما يفاجئنا من تخبط المواقف للتنظيمات السياسية في تحالفات تحمل في داخلها سمات التناقض والتنافر أكثر مما تحمل من صفات التناغم. خذ عندك سؤال بسيط جدا (حدد ملامح اليسار في السياسة السودانية) وهذا سؤال مسلي ،إذ أن الإجابة عنه تفضي إلى نتائج مضحكة.

السوداني حوصر وانحصر في طاحونة تلبية الاحتياج اليومي في عمله وفي حياته. وفقد كليهما معناه. وفي دوامة المجتمع الإستهلاكي، وقيمة المال الانية، أصبح الانتماء للمستقبل مستحيلا!! لا أحد ينتمي إلى حلم مستقبلي لبناء منزل، أو حلم مؤجل لإبنه أو ابنته، او لمقومات حياة زوجية مستقبلية، أو مشاريع التقاعد الجميل. الكل أصبح ينتمي للاني. ومكانتك في المجتمع أصبحت تتحقق بمقدار ونوع ما توفي به احتياجك الاني.  بل إن التمايز الطبقى أصبح يقاس بمقدار ما نستهلك لما نقتنيه، فما كان يميز الطبقة المتوسطة في السودان هو : ضمان العمل المستقر، القدرة على إدارة الحياة ضد مخاطر المستقبل، القدرة على الدخول في خطط مستقبلية (كشراء منزل، أو التخطيط لحياة زوجية) ولكن الان ما يميز طبقة عن أخرى هو بمقدار ونوعية ما تستهلكه.

هناك مرمى وهدف لسلسلة المقالات هذه، وسيبدأ في الوضوح منذ المقالة القادمة.  وهو أننا لسنا وحدنا في صراعنا هذا. بل إن هناك ثورة كامنة هي أهم من ثورات الربيع العربي التي أطاحت بالنظم السياسية المستبدة. هذه الثورة إذا لم تتحقق لن يكون لثورات الربيع أي معنى أو جدوى. ما أرجو أن تحققه هذه المقالات هو أن تنير بعض الدرب نحو التغيير الحقيقي المرتقب.

في المقال القادم الذي منه يتضح وجهة هذه المقالات بعنوان (رسالة من الجنوب: لن يحكمنا البنك الدولي)

سلسلة المقالات مهداة إلى روح الشهيد الأستاذ علي الطاهر.

Wednesday, 8 February 2012

ليلى


للكاتب طلال عفيفي**


كان إسمها ليلى

عشقتها بصبابة ألف رجل 
ولسبع سنوات كان وجهها يحل علي كما الرحمة
 في البدء كان ضربا من الهوى العادي الذي تحول إلى وله 
كانت تطل عليً من صوت فيروز وبسمة سعاد حسني ومن دروب الشوارع القاهرية في وسط البلد 
 تعلقت أحلامي بجسمها الأسمر وشعرها المفكوك ( او المعمول كحكه )كانت ليلى أطول مشاويري، وسيرتها ، كانت ، أحب سيرة إلى الروح

وينضح عن جسدها رائحة لم تغادرني
 صوتها حين تغني لبلابه تتسلق روحي فترمي بخواتيم الأغاني في القلب
 أبحرت في دمي جنوباً بمراكبها ، سكنتني كما لم يسكنني أحد
لا أعرف  من أين جاءت البنت بكل هذا السحر... مذ أول يوم ، أدمنتها
صرت ألملم رمل خطوها من على الطريق ، وأحن إليها. أحببتها بعزم وقوة و...قلة حيلة
حضورها البهي كلفني عمري ، تضيع كل ملامحي ورجولاتي أمامها وأتحول لولد صغير يتعلق بفساتينها الهندية الساتان
كلما التقيتها فتنتني أكثر،وسحبتني تجاهها أكثر،إذ كان في أنوثتها دربة وحصافه،أنوثة عالية ومجيدة ترهق القلب

كانت ليلى بنتاً على مقاس قلب شاعر صغير : جسد مطلي بالكاكاو ، وجه نوبي ، شعر تفرقت خصله بين القبائل ، وضحكه تصفق لها الملائكه والعشرة المقربون . . كذا كان بالبنت ولعٌ بالغناء وحب للكتابه وقلب متحوف بالهزائم الخفيفة

مصريه، من المنصورة ...وفي معمارها الجسدي أسانيد جنوبية ، وفي روحها توقيت يحن إلى بحر الشمال
   أحببت ليلى  والكتابة عن ليلى والمشي مع ليلى
وكنت حين اشوفها ينفرط عقدي ويسيب جسمي 
تسألني ليلى : ساكت ليه يا ولد ؟
فأرد : انتي عارفه يا لولو لمن بشوفك بتخطف وما بعرفش أتكلم
قتقول لي : ما هو ده الحب يا حمار، ثم تمسح على رأسي وتغني لي أغنيه منومة
أنتظرتها كثيراً عند ميدان "طلعت حرب"،على طرف بسمة "عم مدبولي"وهويراقب مشهدنا اليومي

دائماً  تأتي من ناحية " جروبي " وتعتذر عن التأخير ،رغم علمها أني إنتظرتها العمر كله
 باذخا كان حضورها  و مشحوناً،إذ تأتي -ليلى - في كامل نضرتها وسمرتها وأغانيها ، على كتفها حقيبه من جلد وفي قدمها سوار من فضة ..  تتبعها الرياحين
حين نمشي سوياً ، كانت ليلى تبعثر على المشوار ثرثرة ونكات 
( وكنت أضحك بقلب العاشق )

تسألني عن الكتب التي قرأتها وتغني في همس حالما أبدأ الحديث
!! 



عدت للقاهرة
وكان أول خبر تلقاني : وفاة سندريلا الشاشه العربية ، سعاد حسني 
كنت في حزن لا راد له
طرق الباب
 ولما  فتحت كانت ليلى ، في بنطال من القماش الأبيض و فانلةٍ حمراء، بقبعةٍ على الرأس وضفائر مسدلة على الجانبين لحظتها ماعرفت من فقدت ومن جاء
 أغابت سعاد أم حضرت ليلى ؟
 كان يتدلى عن أذنيها قرطان على شكل هلال أهديتهما لها في ليلة بعيدة قبل موت سعاد
 إستقبلت ليلى - ليلتها - وكأنها آخر ما تبقى في صحراء الدنيا
 ليلى ، بنت أصغت لها كل حواسي وتنبه إليها جسدي


الآن يا ليلى! توحشيني كما لم تفعلي من قبل ، وتسكنيني كما لم تفعلي من قبل.. الآن تعبرني الصور والأحداث والتفاصيل و أتذكر الكثير و أفتقد الكثير

منذ ذلك المساء :مساء 1998على مشارف ميدان طلعت حرب القاهري ،ونوفمبر يبوح الى المدينه بمطر خفيف،منذ ذلك المساء تسرب إلي من تجاهك شيء غامض وعجيب وله رائحه في الروح
كنت أجدني متلبساً، فرحاً بقدومك أو رؤياك صدفة في مكان أو رصيف وكانت تأخذني قدماي إلى حيث أعرف أنك ستكونين،شارع شريف عند مقر فرقة " الورشه " ،"بيت الهراوي" خلف الجامع الأزهر ..و تعزفين عن مجالس الأصدقاء وليالي الخمر

كان حضورك غزيرا.. كأنك سندريلا بجد!!! الآن أذكر وجهك
جميل بهي، ينضح بلهجة مصريه فصيحة
ويلمع في عينيك حزن خفيف

 وبرغم تجوالي المفرط في بلاد الله وبقدر ما رأيت من سحن ووجوه لم يلقني كذلك اللون الذي يرتاح على جسدك الأحلى ... تلك السمرة الخفيفة الملاوعة ، سمرة تلاغي الضوء وتناوشه
كنت أتابعك وأتتبعك بشغف ، عرفت الوله
عشت بعدها سنين أصابني فيها الكثير وأصبت فيها الكثير ، وكان حظي لا يفارقني فتسير الأحداث كما أحب ، تغيرت الدنيا وتحولت. إختفى من الساحه ناس وإحتل الساحة آخرون
سكنت هنا وهناك . وترنحت بين بلدين
كان وجهك هو ظلي الذي يتبعني في كل مكان ، وكان عشقك وحده يتراكم
 عشقك تميمتي


مرت أعوام  منذ تلك الوهله التي خطفتني فيها عيونك في غفله من الدنيا
منذ أسرتني وشدتني إليك بهذه الصورة العجيبة والملحة يا ليلى

وددت  أن أحكي لك حكاية متماسكه عن الحب والغرام الذي يعتريني ،سوى أني كعادة العاشقين تهت
وضيعت مفاتيحي
أذكر كيف أقف مشدوهاً أمامك ،تبارك الله!هذه العيون الحية ! وجهك وجسدك ذلك الساحر
  صوتك يأتي بروحي من طراطيفها .. أحب صوت إلي في هذه الدنيا!! أفكارك المبعثرة وكلماتك وقصصك المليئة بتفاصيل التفاصيل ،خواتمك ، أقراطك،قلاداتك ،ألوان ملابسك ...    
وقعت في غرام كل ما يتعلق بك ويتدلى عنك يا صبية



سوى انها الدنيا وتصاريفها.... يا ليلى



Wednesday, 25 January 2012

مممم...يعني برضو ما في حاجة اسمها جهاز أمن


عنوان المقال يستلهم مقولة هنري ثورو
"إن قانونا ليس بعادل...لبس قانونا" ، وأنا هنا أتحدث عن قانون الأمن الوطني 2010 والذي بموجبه يتكون جهاز الأمن الحالي
القانون محير حقا، شرعت أصحح في مقالي السابق تفسيري الخاطئ لبعض النصوص القانونية ، لقانون الأمن الوطني 2010... إلا أن هذا البحث قادني نحو دروب الحيرة واللبس أكثر... وهذا أمر فادح، إذ أن القوانين تشرع أصلا لإزالة اللبس، ورفع الحيرة..لكن ماذا نقول في حال البلاد.
إلي مكامن اللبس...
محكمة جهاز الأمن:
بحسب قانون الأمن الوطني 2010 فقد تم تغيير الإسم من قوات الأمن الوطني إلى جهاز الأمن الوطني ، ويبدو أنه تغيير صوري لا أكثر. إذا هي قوات عسكرية أو ذات طبيعة عسكرية ، وفي هذه الحالة تكون شكل المحاكمات العسكرية فيه مقبولة، إذ أن الخروقات من قبل أفرادها في هذه الحالة تعد خروقات للوائح الخدمة تماما كما في الجيش وكذلك في قانون الشرطة السودانية الحالي لدينا للعام 2008.
الشرطة السودانية ايضا أصبحت تحمل الصفة العسكرية وذلك منذ الغاء تبعيتها للخدمة المدنية واصدار قانون قوات الشرطة السودانية في عهد نميري.
إذا حتى الان أجهزة انفاذ القانون على المدنيين كلها تحمل طابعا عسكريا، بعكس توجه كل الدول الديمقراطية في العالم، حيث الاتجاه الان نحو "تمدين" هذه الأجهزة أكثر. لكن طبيعي أن يحدث هذا السودان، فعسكرة أجهزة الدولة هو سمة الدول الضعيفة وغير المستقرة.
لكن دعوني أن أصب تركيزي على جهاز الأمن الوطني الذي حدود سلطته الداخلية هي على المدنيين في المقام الأول. هذه من الف باءات الدولة...لا تسليط للجهاز عسكري على المدنيين إلا في حالات الطوارئ (كالكوارث الطبيعية أو الاعتداء الخارجي) ومعلوم أن قانون الطوارئ تم الغاؤه.لا بد أن نخرج جهاز الأمن في صفته العسكرية ، فكما منحناه سلطة مطلقة في انفاذ القانون بدعوى حماية المدنيين (اعتقال دون توجيه تهم، مصادرة رأي عام، استخدام قوة)  لا بد كذلك أن نوفر للمدني (المحمي بالقانون) سبل الحماية من سوء استخدام هذه السلطة. ولا يوجد حتى الان في قانون الأمن الوطني أي ضمانات وقاية من سوء استخدام القوة سوى (حسن النية وسلامة الحس الوطني !!) .
أي "جرائم" يتسبب بها ضابط الأمن هي ليست فقط خرق للوائح والنظم بل هي أيضا جرائم في الحق المدني ، أوافق تماما على عقوبات مخالفة اللوائح على ضابط الأمن ، إلا أن هذا لا يوفي بحق المدني ، فلا بد أن يقدم الضابط للمحاكمة في محكمة مدنية، لا بد أن يجرد من كل حصانة تمنعه من المثول أمام المحكمة المدنية.
كما أجد أن أمر منح سلطة تنفيذية حق الحكم بانهاء حياة انسان أو حبسه أمر مقلق جدا وخطير، هذا بالنسبة لمحاكمة ضباط جهاز الأمن (وضباط الشرطة كذلك في ما يعرف بمحكمة الشرطة وهذا كله جزء من عسكرة الخدمة المدنية)


المادة 52 أو مادة: لا تعتبر جريمة:
وجدت أن هذا النص موجود كما هي في قانون الشرطة السودانية 2008 ، سوى أن هذه المادة في قانون الشرطة محكومة بقانون الإجراءات الجنائية... ولكن حتى هذا لا يكفي للشرطة ، فالدول التي تعلي من شأن القانون، تضع حق استخدام القوة المفرطة من قبل الشرطة تحت المراجعة والمتابعة الدائمة. مثلا في قوانين الشرطة لمعظم الدول استخدام الشرطة للقوة المعقولة يكون فقط أثناء الاعتقال و عند تعرض اخر لللإيذاء والخطر.
بالنسبة لجهاز الأمن فهذه المادة محكومة بقانون الأمن ذات نفسه (وتوجد جملة أو أي قانون أخر ساري المفعول التي أضيفت عرضا) عدنا مرة أخرى إلى فكرة القانون المغلق. فحقيقة لا يوجد قانون يمكن لجهاز الأمن أن يرجع إليه أو أن يستخدمه كمرجعية، فهو غير مرتبط بأي من الأجهزة العدلية الأخرى في الدولة...لا توجد مرجعية لقانون الأمن الوطني سوى في نص الدستور الذي يحدد تبعيته واختصاصه.
هل مادة قانون الأمن بشكلها المبهم هذا، تبيح استخدام القوة المفرطة  أثناء التحقيق مع المشتبه (إذ لا متهم في جهاز الأمن حقيقة...ليس ذلك من سلطات جهاز الأمن فهو جهة تحقيق)


بالنسبة لمقالي السابق...أتركه كما هو...يبدو أن اللبس ليس مني ...بل من هذا القانون الأخرق المبهم!!!