Tuesday, 18 October 2011

الحمدلله أنني لم أعطس


صبيحة اليوم التالي... اغتالوه

في اليوم الذي سبقه، في ممفيس، و هو يتلو موعظته الاخيرة تذكر ذلك الخطاب الذي جاءه قبل عشر سنوات من تلميذة في المدرسة.

كان في نيويورك، في حفل توقيع كتاب صدر له. تقدمت نحوه امرأة سوداء، تحمل في صدرها سؤالا وحيدا

"انت مارتن لوثر كنج؟"

 ثم اخترقت صدره مدية باردة.

اتكأت المدية على طرف الاورطة، قرب شريانه، "لو أنك عطست لأنتهى أمرك" قال طبيبه

انهالت عليه الخطابات من كافة ارجاء العالم. خطاب من رئيس الولايات المتحدة "ايزنهاور" لكنه لا يذكره. خطاب من نائب الرئيس "نيكسون" و لا يذكره. خطاب من حاكم ولاية نيويورك لم يذكره. يتذكر الان فقط خطاب من تلميذة في مدرسة كتبت اليه:

"عزيزي الدكتور كنج

أنا تلميذة في الصف التاسع  من مدرسة وايت بلاينز.

وبرغم أن هذا الامر لا يجب أن يعني شيئا:أود أن اذكر أنني بيضاء.

قرأت في الصحيفة الحادث المؤسف الذي جرى لك، وعن معاناتك.

وقرأت أيضا في الصحيفة أنك لو عطست ..لمت.

إنني أكتب إليك فقط لأقول شيء واحد...

انني سعيدة جدا أنك لم تعطس "

 

خطاب : لو أنني عطست 1968

Saturday, 1 October 2011

استغفر الله العظيم!رقصت



هذه القصة ليس وراءها شيء ..هي حادثة تافهة أحببت أن أحكيها كما هي، ان احكيها لأثبتها في الذاكرة إذ أنها تتنصل منها وكانها حدثت لشخص اخرغيري. هي حادثة عابرة اضعها بين يديكم كما هي ، أجدها ألطف هكذا دون زيادة أو نقصان.

كانت سنتي الأولى في الجامعة...حرية!
 وأعني بذلك انني تخلصت أخيرا من الزي العسكري البغيض الذي كنا نرتديه في المدرسة.لم تشأ الحكومة أن تثبت وجهة نظرها إلا عبر فتيات كنا يتبرعمن للتو من طور الطفولة، ويقبلن على الحياة..كأنه لم تكفنا الهرمونات تنهش فينا يمنة ويسرة.
أي وجهة نظر؟
الجمع بين الشرعية المدنية والعسكرية في آن. كنا نسميه تأففا "المبرقع"! لطخ عسكرية موحلة على ارضية زرقاء حالمة حيكت من خيوط صارمة تخمر عصائر الجسد.

بس! هذه هي كانت الحرية..لا غير

اقف على شارع النيل أمام جامعة الخرطوم، انتظر "الترحيل". نعم كنت من "اولئك" الذين من الجامعة إلى البيت ومن البيت إلى الجامعة. المهم! كنت على الرصيف أنا وصديقي (ج) وصديقى (أ.ع) ننتظر.

ننتظر و نثرثر ...عن ماذا؟ لا شيء حقيقة وكل شيء...لا شيء فالخرطوم لم تكن تمنحك شيئا تثرثر حوله.. وكل شيء إذا كنا نردم هذه الهوة بالأحلام: عندما أتخرج سأفعل كذا وكذا..وسأسافر إلى هنا وهناك . كانت احلاما مرتبة وموثقة ..يقول انه سيدرس في جامعة بأمريكا، ويعرف بأي سكن سينزل، وبأي كلية وما الدراسات التي ستقدمها. أحلام أحلام.

الانترنت!كان صرعة (كما يقول الشوام)... لديك حساب بالياهو؟ إنه افضل من الهوتميل... اليوم جاءني ايميل من فلان قال فيه سلاما وكلاما... انظر بحثت عن اغنية لورين هيل وطبعتها..يلوح فخورا بورقة.

حفلة اليوم؟
 ستأتين؟ ديسكو نابغ يا مان؟هل نمر عليك؟يوجد مكان بالعربة أنا وخالد وسمولي ودينا وزينب واحمد وفهد وابراهيم..يوجد مكان!
! ومع من سأرجع؟ يومها لم تكن الطرقات تتكاثر بالمواصلات كما هي اليوم...كانت الناس لم تطمئن بعد إلى رفع حظر التجول، وتنتظر أول فدائي يتحقق من الامر بنفسه.
الديسكو..لا يستدرجنكم الاسم... هي حفلة تدار في منزل، بميكسر اسطوانات كبير كتب عليه بقلم الفلوماستر: ديييسكووو نااابغ وماكينة شاورمة تنحل عن جلدها شرائح لحم هزيلة و خالتو وعمو يجلسون في الحديقة يرشفون...الشاي!
 سأحضر معي كعكة وأنت؟ أمي ستعد لي بعض الفطائر؟ هل تعرفين تلك الحركة في أغنية "جست كروزن" ؟ أية حركة؟ هذه!


آآآآا هذه.

مرت ثواني..صوت احتكاك اطارات سيارة، دارت عربة "بوكس" دورة بهلوانية كما في افلام المطاردات وعكست سيرها في اتجاهنا. توقفت العربة أمامنا. قرأت على الباب: شرطة النظام العام. كان يجلس قرب السائق رتبة...لا أدري ما الرتبة لكن يبدو من الاسبلايتات أنها رتبة لا بأس بها. وتكدس على ظهر البوكس بعض العساكر كانوا يشعون بمتعة خفية..اعني أنها كانت خفية علي.
مد الرتبة رأسه من النافذة
"انتي! كنت ترقصين!"
"انا؟ ..ابدا"
"بلى...كنت ترقصين"

حاول "ج" التدخل..

"يا جنابـ..."
"قلت لك لم أكن ارقص"
"تغالطيني...كنت ترقصين"
"لم أكن ارقص"
"رقصتي...الم ترقص يا شباب؟ "
"بلى رقصت"
"لم أرقص"
"كلهم قالوا رقصتي"

هززت كتفي وقلت بصدق عميق
"لم ارقص"
كان الرتبة بدأ يمل هذه اللعبة، استعدل في جلسته في اشارة على اثرها انتظم العساكر على ظهر العربة بما يسمح بركوب شخص واحد. (علي أن أشير هنا ان سبعين في المائة من ميزانية الدولة تصرف لمثل هذا)
ثم للحظة انتبه الرتبة لأمر ما، نظرمليا في عيني... رأى شيئا لم يكن فيهما، لو كان يعرف القراءة لقرأ عليهما الحيرة...حيرة صافية، كمن يتأمل مسألة حسابية معقدة.
استدرك الرتبة وسألني
"إنتي بت ناس منو؟"
رأيتم؟ ....رأيت أيها القارئ العزيز

قمت بحساب الوضع في ثوان، وقررت الامساك بخيوط اللعبة
قلت بثقة وشيء من الاستعلاء
"بت ناس النجومي!"
قلب الامر في رأسه...النجومي ..النجومي....الاسم ساطع ولامع...لعله..فهذه الحكومة لم تترك بابا لم تطرقه..هل أعرف نجومي من العليين؟...هل..هل؟ أم هل؟

لو عرف الرجل..لو عرف حقا... فالحكومة لم تطرق باب النجومي.. ولم يطرق بابهم احد من قبل..فهم كما تركهم جدهم وهو يشق طريقه شمالا بجبتة متروزة وحربتة المركوزة. لم يخلف لهم لاسلطة ولا نفوذ ولا جاه. بل وليته ظل الامر كذلك فقد اشفعها بدعوة تمتد إلى اخر نسله أن لا "يغنوا يفوتوا ..ولا يفقروا يموتوا"
وكانت هذه تثير حنق اخوتي وابناء عمومتي من ارادوا المكابسة في السوق
 "وهو مالو ومالنا؟"  "أما سمع :اللهم اتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة؟" أو "غايتو..!"
لم يخلف لنا سوى اسمه...وهو اسم.... موحي

جرب حظه من جديد
"أبوك شغال شنو؟"
رميت بااااخر كرت لدي في هذه المقامرة
"في وزارة الخارجية"
 فخمت الخاء أكثر مما يجب..وأبي أيضا ، كثر الله خيره التحق بوظيفة موحية. يعمل بالخارجية نعم..لكنه التحق بالعمل في منظمة نفطية بالخليج منذ اكثر من ثلاثين عاما، مخلفا وراءة حياة الدبلوماسية ومكاتفة الوزراء والرؤساء ليحصرها في احاديث السمر مع من طاب له من اصدقائه. لم يكن من تلك القطط البدينة التي خلطت قدر الدبلوماسية بالسمسرة والتجارة.  لكن من سيعرف بذلك؟ الرتبة؟!! يكفيه مني هاتين الكلمتين ولن أزيد :النجومي والخخخخارجية

قلب الامر في رأسه من جديد...كان عنيدا هذا الرتبة...الأمر لا يستحق المجازفة...فعلا لا يستحق
أحكم اغلاق باب العربة وهمهم دون ان ينظر إلى
"تاني ما تعملي كدا"
غيمت سحابة من خيبة الأمل على وجوه العساكر وتبعثروا من جديد على ظهر العربة
هززت كتفي مصرة أني لم افعل شيئا.
وانطلقت العربة...وانا انظر إليها في حيرة ...في حيرة حقيقية

وبعد دقائق تذكرت
آآآآآ...الحركة!...هي!! صحي والله ..رقصت!


في الديسكو..وهذه الحركة على الأرجح




Tuesday, 27 September 2011

السوسة اكلة الحقائب المدرسية

الحلقة الأولى من سلسلة: البديل شنو
السوسة أكلة الحقائب المدرسية
إلى مها الجعلي

(لسا بتسأل البديل منو؟
ما تسألني البديل منو
أسألني البديل شنو)
 أحمد محمود – دزا المنشق أو زولترون

هذا المقال يطرح حلا لمشكلة التعليم الـ "هسي"، الحالية في السودان
لن أتطرق لتعداد مشاكل التعليم في السودان، إذ لا يكاد يمر يوم دون الحديث عن ذلك ودون كتابة مقال عنه.
هذا المقال يطرح الحل ..الحل الواحد، الذي سيكون له تأثير الدومينو، ليطرح حلول أخرى لمشاكل أخرى

منتهى الصلف أليس كذلك؟ اظن ذلك أيضا. إلا أن هذا الامر يشغلني منذ اكتمال ملامح الوعي لدي (اي قبل بضع سنوات في الحقيقة)، ويستهلك كل حاسة في، فلا استطيع مقاومة احساس التأكد الفظيع الذي يعتريني بحيث لا يفسح مجالا لأشكك فيما أقول.

أنا اطرح الحل الاني، الحالي، ذو الاثر المستقبلي، اي أنه حل للمشكلة الانية في التعليم-الهسي- وسيعمل على حل المشاكل المستقبلية للتعليم

وأنا معكم في تساؤلكم: ماالذي يجعلني مؤهلة لأن أفتي في هذا الامر، دعك من طرح الحل له؟ أهي سنوات عجاف قضيتها في التدريس في المعاهد وبعض المدارس الخاصة؟ لا درجة في التعليم، ولا سنوات بحث في معهد عن البحوث والمناهج. أهذا المقال يعتمد كلية على هذا الشغف بكل حديث عن التعليم، كل ما كتب عنه وكل ما قيل فيه؟
بس؟

لا ليس هذا فحسب، هذا المقال هو خلاصة أكثر من عشرين عاما من تجربتي وخبرتي كـ    طالبة! قضيت ثلاثة أرباعها دراسة تحت ظل/هجير نظام الانقاذ. تستطيع ان تستنتج أني تعلمت "كفاحا". ففاقد الشيء أدرى بتحسس مواطن الفقد

إلى جانب ذلك فإني أجيب على تساؤلكم:
Why?
`بـ
Why not?
إلى الحل

الحل ايها القراء الكرام يكمن في.... الغاء امتحان الشهادة السودانية الثانوية العامة.
امتحان الشهادة الثانوية العامة يكلف الدولة مليارات الجنيهات في كل مراحله بدءا من تحضيره، طباعته، توزيعه وتأمينه ثم حمعه وتصحيحه. وهو في النهاية ليس اداة تقييمية حقيقية. فما الذي يقوله امتحان الشهادة حقيقة؟ أن الطالب يستطيع أن يتخاطب وأن يكتب وأن يقرأ الانجليزية؟
أن الطالب بوسعه أن يدرك العلاقات الرياضية بين الارقام، وأن يتعرف على تطبيقاتها من حوله؟
أن الطالب ايقظ فيه الفضول اللازم ليغوص في عالم الأحياء الدقيقة؟
ان الطالب بوسعه أن يكتب خطابا بسيطا باللغة العربية إلى جهة رسمية دون الوقوع في شنيع الأخطاء اللغوية والنحوية؟
ان الطالب يعرف من هو هتلر؟

ونستمع إلى تقرير وزير التربية والتعليم يذيع علينا أن نسبة النجاح في الرياضيات بلغت سبعون بالمائة، وأن نسبة النجاح في الانجليزية بلغت ثمانون بالمائة. ما الذي يعنيه ذلك؟ لا شيء.
 هذا إذا حصرنا الهدف من اكمال مراحل التعليم ما قبل الجامعي في التحصيل الاكاديمي لا غير.إن امتحان الشهادة الثانوية اداة تقييمية ضعيفة لا تعكس مقدار ما حصله الطالب من علوم.

أصبح التحضير للامتحان أشبه بالتحضير للمشاركة في برنامج مسابقات، يعتمد على السبوتينق، وهو جلسات توقع لما قد يجيء به الامتحان تعتمد على خبرة الاستاذ الطويلة في المشاركة في هذه المسابقات. أو بعض الحيل التي يبتدعها الاساتذة والطلاب على السواء: إذا وردت "تو" في الجملة، اختر الاجابة التي تحتوي على "اي ان جي"، وحيل أخرى ومهارات عجيبة.

 أحكي لكم حادثة، كنت أدرس في معهد للغة الانجليزية، وكان ضمن من ادرسهم طلبة في الصف الرابع اساس، كنا نتسكع في اللغة ونتذوقها، ونقارب ونسدد فيها حتى تقر في الافئدة فيصبح التحدث بها اشبه بالفطرة. هكذا درسوني في ما مضى. جاءتني والدة أحد الطلاب، سيدة فاضلة هميمة، من اولئك النسوة اللائي كرسن وقتهن وجهدهن في تعليم ابنائهن. نحتني جانبا وأخبرتني أنها تفضل لو أنني درست ابنها ما يفيد... تعجبت وذكرت أني ملتزمة بالمنهج المقرر، فأخبرتني أن هناك أجزاءا كبيرة من المنهج المقرر لن تدخل في امتحان الشهادة. قلت: ما زال هناك متسع من الوقت ، 4 سنوات اخرى للتحضير لامتحان الشهادة، وأن ما أقوم به سيسهل عليه كثيرا ويجعله متمكنا من اللغة. صححت قولي بأنها تعني امتحان الشهادة الثانوية لا الأساس، وأن الأولوية لديها هو ان يجتاز ابنها الامتحان، وسيكون هناك متسع من الوقت للاهتمام باللغة فيما بعد. ابني هذا كان يبلغ من العمر 8 ثمانية أعوام

وكلنا ندرك أن هذا مثال يتكرر كل يوم، فقد اختزلت المسيرة التعليمية في هذه اللحظة التي نجلس فيها لامتحان الشهادة الثانوية امام ورقة اختبار نرسم فيها دوائر عشوائية حول ما يسمى "بالاجابة الصحيحة".

صورة مأخوذة من قوقل


الحل هو الغاء الشهادة الثانوية العامة واستبدالها بأمرين: شهادة اكمال المرحلة الثانوية. وامتحان قبول للجامعات. نعني بذلك:

شهادة اكمال المرحلة الثانوية:

ما الغرض الذي من اجله كانت المرحلة الثانوية، والتي هي اعلان لاكمال التعليم المدرسي؟ هل هي مجرد جسر للوصول إلى الجامعة ؟
ما الذي نأمل أن نراه في طالب أكمل تعليمه المدرسي؟

في رأيي ما نأمل أن نراه هو انسان ناضج، تم تدعيمه بما يفي من معارف ومهارات لأي قرار يتخذه فيما بعد، سواء كان ذلك القرار الحصول على درجة جامعية، أو الالتحاق بمعهد تقني او امتهان مهنة أو حرفة أو كان هذا القرار أن يتدرب في مؤسسة أو مهنة ما قبل أن يكمل حياته.
أي نمنحه القدرة على اتخاذ قرارا صائبا، والقدرة على الايفاء بمتطلبات هذا القرار.

سنرفع الضغط عن المدارس الثانوية التى ضحت بالكثير من برامجها الضرورية وكرست نفسها لتصبح مجرد الة تحصيل لأعلى النقاط في امتحان الشهادة (مرة كنت في زيارة إلى مدينة سنار، وجدت يافطة اعلان لمدرسة كتب عليها الاتي: الصف الاول الثانوي: 100.000- الصف الثاني الثانوي:150.000 – الصف الثالث الثانوي: 250.000 وقد اعجبني هذا المختصر المفيد جدا) . سنحمل هذا العبء عن المدارس، فشهادة الاكمال لا تؤهل الطالب لدخول الجامعة ما لم يتجاوز امتحان القبول. فلن يكون هناك سباقا محموما للمدارس في ان يذاع اسمها في نتيجة امتحان الشهادة المتلفز والذي على اثره تخلصت المدارس من البرامج الرياضية والتربوية والمعرفية التي تحول دون ان تذاع نسبة الناجحين بأنها مائة بالمائة. سنسحب بساط العظمة والاهمية من تحت ارجل المدارس الثانوية. لتصبح مجرد مدارس تعليمية تربوية معرفية. سنرجع قيمة الاستاذ، سنخلع عن رأسه قبعة الحاوي والساحر، ويعود مربيا كما كان، إذ ما عاد له سوى مهمة واحدة، أن يكمل الطلبة هذه السنة على خير ويسر وبركة، وأن يمنحهم عصارة ما يعرف ويملك في هذه الحياة.
شهادة الاكمال تقوم على اختبارات تضعها المدرسة نفسها وتجيزها الوزارة أو ادارة المنطقة التعليمية، وهي اختبارات توضح أن المدرسة قامت بدورها في تدريس المنهج للطالب كما هو. بالاضافة إلى هذه الاختبارات فإنها ستحتوي على شهادة من المعلمين والمشرفين التربويين على اداء الطالب المدرسي طوال فترة دراسته الثانوية(مجدا كان أم كسولا، طموح ، أو أنه طالب واعد، تتحدث عن ميوله واهتماماته وما يرجى منه). وتكون هذه الشهادة وفق ضوابط ومعايير ليست صعبة، بل اظنها كان معمول بها قبل تثوير التعليم.
هذه الشهادة ذات أهمية خاصة لامتحان القبول للجامعة الذي سنأتي إليه بعد قليل، إذ انه يوضح ما إذا كان هذا الطالب ملائما للكلية التي تقدم إليها.
وهذه الشهادة ايضا ذات أهمية لمن أراد أن يتحصل على عمل(او التدريب على عمل) فهي أشبه بشهادة التوصية التي نشفعها بسيرنا الذاتيه عند التقديم لوظيفة. فقد يهم النجار أو الميكانيكي ان يعرف ميزات المتدرب لديه.

أدرك تماما بقولي هذا أني سأقطع وسيلة (أكل عيش) للكثير من الاساتذة الخصوصيين، والمعاهد المسائية الخاصة، ادرك ذلك تماما وقلبي معهم. إلا انني أرى أن يوجه المال الذي كان مكرسا لامتحان الشهادة العقيم، إلا منفعة الاستاذ وخدمة البرامج المدرسية. لا اعني نقدا فحسب، فأنا أرى أيضا ان يكافأ الاستاذ ببدائل معيشية (تخفيض خاص في المواصلات والبنزين، تخفيض في المرافق الصحية والمستشفيات-وأظن أن هذا الامتياز معمول به، اعفاء ضريبي) لنجعل حياتهم معقولة، لنحمل عنهم القليل من العبء، ونمنحهم راحة بال تمكنهم من التوجه روحا وعقلا لابنائنا وبناتنا. أعرف أن الكثير من الاساتذة يفضلون ذلك كثيرا على حياة الحرمان الاجتماعي والروحي التي يعانونها وهم يتنقلون من منزل إلى منزل، ومن معهد إلى معهد ليوفروا سبل عيش كريم لأسرهم.

امتحان القبول الجامعي:

كما ذكرت فإن امتحان الشهادة الثانوية لا يعكس المحصل الاكاديمي الحقيفي للطالب، ونعرف تماما أن الكليات اصبحت تخصص السنة الأولي فيها لإعادة تأهيل الطالب ليكون "اكاديميا" يليق بالجامعة. وهذا ما يسمى الان في الجامعات (بالمتطلبات: ويدرس فيه اللغة العربية والدين والثقافة العامة)
امتحان القبول لن يكون نسخة مكررة عن امتحان الشهادة الثانوي...إطلاقا! هذه سيرة وانتهينا منها
امتحان القبول سيوضح للكليات أن هذا الطالب أو الطالبة مادة خام طيبة للالتحاق بالكلية وأن ترفد فيه من معارفها.
امتحان القبول هو امتحان مهارات اساسية يستعرض الاتي:
* ان الطالب يستطيع ان يفهم المعلومة التي أمامه وأن يحللها، اي أن الطالب يملك مهارات البحث العلمي
* ان الطالب يستطيع ان يعبر عن نفسه تماما بشكل واضح لغويا ومنطقيا
* ان الطالب لديه القدرة على تحليل المسائل وحلها
نعم هي اشبه بامتحان القبول الجامعي الامريكي الـ
SAT
هذا الامتخان يتم وضعه بواسطة مجلس امناء الجامعات السودانية (بالطبع لا يوجد شيء كهذا..العلينا ليس بهين) وفيه تحدد الجامعات ما تريده وتتوقعه من الطالب الجامعي لديها ، اضافة لشهادة الاكمال الثانوية
أي أن هذا الامتحان لن يدخل في تفاصيل المنهج إلا فيما يعرف بالامتحانات المتخصصة، وهذه للكليات التي تطلب أن يكون للطالب معرفة متخصصة في الرياضيات او العلوم (كالاحياء والكيمياء والفيزياء) وهي أيضا تتركز على معرفة الطالب الاساسية والتي يمكن ان تتطور بدخوله للجامعة.

ميزة هذا الامتحان على امتحان الشهادة الثانوية هو كالاتي:
* أنه  يعطي سعة لطلاب حالت ظروفهم دون الالتحاق بالجامعة في السنة ذاتها، فيجلس لامتحان القبول دون الحاجة لأن يعيد السنة الدراسية كلها كما هو الحال الان
* انه مرتبط بجدول الجامعة الزمني، إذ كثير ما تحدث ربكة بين سنة الاكمال المدرسي وبداية الجامعات بسبب تأخر هذه أو الاخرى
* أنها ستخلصنا من معضلة أبناء المغتربين ومعادلة شهادتهم، فيكملون شهادتهم أينما هم ، ثم يجلسون لامتحان القبول
* أنها ستخلصنا نهائيا من مسألة القبول الخاص، والدراسة بالجنيهات والدولارات، فهو امتحان اساسي يوضح إن كان الطالب لائقا للدراسة او لا (دعك من الشروط الغريبة للقبول الخاص التي تسمح للدراسة لمن هم دون النسبة اللازمة لدخول كلية ما، إذ ان هذه النسبة تمثل الحد الأدني...الأدني للدخول للكلية، فصاحب القبول الخاص هو دون الحد الادني لدخوله الكلية، باختصار هذا يعني أنه غير لايق للالتحاق بها)
* ستخلص الجامعات من عبء ومنصرفات "المتطلبات" واعادة تأهيل الطالب الجامعي، لتخصص السنة الاولي لما صممت له.
* لأن الامتحان امتحان مهارات وقدرات، فلن يكلف الوزارة ما تكلفه امتحان الشهادة في التحضير، والتأمين والسرية. حتى إن ضرب الامتحان وكشف قبل وقته فإن ذلك ليس كارثيا ويمكن تداركه بسهولة
* مهما كرست معاهد للتوقع أو السبوتنق أو معاهد ومعلمين خصوصيين للتحضير لامتحان القبول، فان هذا لا يعني من أن يكون الطالب بالفعل لائق لدخول الجامعة لكي يجتاز الامتحان.

وتعرفون امرا اخرا، سيخفف هذا كثيرا من احد اسباب النزوح الرئيسية من القرى إلى المدن، فأنا أعرف اسرا كثيرة رحلت إلى المدن ليدرس ابنائها في مدارس المدينة التي تتيح لهم فرصة أكبر في اجتياز امتحان الشهادة. لأن المدارس الثانوية لن يكون لها علاقة بالقبول الجامعي ، فإن مدارس القرية كمدارس المدينة بالضبط لها القدرة على منح شهادة اكمال ثانوية دون مفاضلة.

نأتي للمنهج والسلم المدرسي وشح الموارد بمعظم مدارس الدولة. هذا الحل الذي اقترحته هو مفتاح الحل للمشاكل الاخرى. فكما أني كنت ضد التثوير في حل النظام التعليمي السابق، فأنا ضد التثوير في حل النظام التعليمي الحالي، لا بد من فترة فطام، تيسر لأبنائنا الانتقال إلى نظام أفضل، وإلا فإن للتسرع والتثوير نتائج كارثية.

في محاضرة لمختص تربوي وتعليمي بارع، تحدث عن مثل للعملية التعليمية: قال إنه تذكر كاتب مسرحي مشهور سئل عن العناصر التي يمكن الاستغناء عنها دون أن تلغي وجود المسرح، فقال: يمكن التخلص من الستار، لا تحتاج إلى ستار ليكون لك مسرح، يمكن الاستغناء عن الموسيقى، عن مبنى المسرح، يمكن الاستغناء عن الاضاءة ، يمكن الاستغناء عن الازياء والمكياج، يمكن الاستغناء عن الديكور، يمكن الاستغناء عن النص فهناك مسرح مرتجل، بل ويمكن الاستغناء عن خشبة المسرح، كل ما تحتاجه هو ممثل في مساحة ما ، وشخص يتفرج على هذا  الممثل ليكون لديك مسرحا. فذكر المحاضر أن الامر نفسه يعود إلى التعليم، يمكننا الاستغناء عن كل شيء ، كل ما نحتاجه هو معلم وطالب، وهذه العلاقة التبادلية التي تنشأ بينهما وانه يجب تكريس كل الحهود لتدعيم هذه العلاقة، لا اعاقتها.

وهذا تماما ما يحدث الان في السودان، كالمناهج العاطلة التي تجعل الاستاذ في وادي وطالب في وادي
كهموم الحياة وصعوباتها التي تجعل الاستاذ منشغلا عن الطالب
كقلة تدريب الاستاذ وقلة تأهله التي تجعله غير قادر على التواصل مع الطالب، كما أن طالب اليوم يملك معارفا ليست في متناول الاستاذ وليس له القدرة على ادراكها أو تخيلها.
السياسات الادارية التي تكبل من العلاقة بين الطالب والاستاذ (كدفع المصاريف الدراسية، الجداول المزدحمة، البرامج التي تحصر العلاقة بين المعلم والطالب في مساحة الفصل الضيقة، اكتظاظ الفصول)
تحدث كثيرون عن سياسة الضرب في المدارس وكيفية ضبطها، وكان هناك جهد كريم من بعض المختصين السودانيين الذين صمموا منهج وساطة بين الاستاذ والطالب. إلا أن كم الاحباط والضغط المكبوت الناتج من عدم اكتمال العملية التعليمية والتي تمنع شرطها الاساسي في وجود علاقة في الأصل (دعك من سيئة أو جيدة) بين الطالب والاستاذ

لأن شهادة الاكمال المدرسية ليست موحدة، فهي تتيح للاستاذ أن يعتمد على موارد أخرى في سد نقص المنهج بدل تكريس الوقت في اقناع الطالب بهذا المنهج العقيم . مثل هذا شرحه لي ناظر مدرسة بأتلانتا في الولايات المتحدة الامريكية، واعجبني جدا.

لأنه في نهاية الأمر ، الان والحال أن العلوم تتطور مع كل دقيقة، ليس في مهمة الاستاذ أن يملك الطالب المعلومة، لأن في عصر التجدد المعلوماتي، هذه المعلومة التي تعطيها للطالب في ذلك الماضي الزمني تصبح بلا قيمة، لكن مهمة الاستاذ أن يعطي الطالب شيئا ذو قيمة متجددة ولا متناهية وهي : التعطش للمعرفة ومطاردة ومتابعة المعلومة (الفضول المعرفي) ، القدرة على تقصي المعلومة ومعرفة مكان تقصيها، القدرة على التصرف بالمعلومة والاستفادة منها. هذا الجانب الاكاديمي

فالاعتماد على المصادر المتعددة لا يربط المدرسة بتوفر الكتاب المدرسي أو عدم توفره، ولا يربط المدارس "الان" برداءة مناهج الوزارة
أما الجانب التربوي الحديث فيه يطول...لكنه لن يتاح له المجال، ما لم نقوم بالغاء امتحان الشهادة الثانوي

الاهم من هذا أنه سيعيد الاهمية لكل المراحل المدرسية ومدرسيها. فالسنة الرابعة أساس هي في أهمية السنة الثامنة أساس
والسنة الأولى ثانوي هي في أهمية السنة الثالث ثانوي. لكل دورها واهميتها المخصصة لها، لا تتعجل احداهما على الاخرى، كل تريد أن تحقق الغرض الذي وجدت من أجله فجسب. أعتقد- لا بل أؤمن- أن هذا سيكون له أثرا بالغا في العملية التعليمية في السودان.

إذا فعلنا ذلك ستعود البرامج الرياضية والثقافية والاحتفالات والرحل المدرسية تلقائيا، هذه الجهود التي كثيرا ما كانت تعتمد على الموارد المجدودة للمدرسة ذاتها وكانت تقام بأقل تكلفة، والتي الان تعد ترفا حتى في المدارس النموذجية والمدارس الخاصة.

Wednesday, 24 August 2011

يوم أن ارجعوا لي القمر المسروق-عقد الجلاد


1994
الخرطوم
اتذكرون الخرطوم اوائل التسعينيات
تذكرون ذلك اللظى؟
فكيف بمن شب فيه ولم يعرف سواه
كيف بمن ليس له ذكريات زمان أجمل يستجير بها كلما استعرت

أذكر جيدا أنني لم أكن اتطلع إلى السماء أبدا، لم يكن هناك ما أرجوه من السماء، أعني لم يكن هناك وقت لذاك، إذ كان يستغرقنا العناء والشقاء في ادق تفاصيل حياتنا. الماء، النور، المدرسة، المواصلات،الخبز، الفراغ الذي يلفنا ويهدهدنا في حجره، الضجر الضجر الضجر، المستقبل رهين الغيب

كان الثامن عشر من فبراير، كنت أتحلل من طوق الطفولة، كنت في جحيم البين-بين في لظى الخرطوم 1994
أنا وابراهيم وزينب واخي أحمد كنا كعادتنا نعلك تفاهة الحياة كل خميس في دار المهندس، وهو تجمع للتائهين من ابناء الطبقة الوسطى العليا. إلا ان ذاك حديث اخر
  لم أكن ادرك أن الغد هو الثامن عشر من فبراير، وهو يوم بلا معنى حقا. مجرد يوم اخر يتكرر كل عام، قد يصدف فيه حدث جلل كأفول نجم، كرفع القلم عن كتاب علقناه على رقابنا تميمة، كموت الطيب صالح.  لكنه في العادة يرتبط بحدث تافه في ذاكرتي..كيوم ميلادي..يوم أن نبتت على وجه الحياة زائدة بشرية اخرى
القيت جسدي على الفراش ملبية احتياجه البيولوجي للراحة. اغلاق- كما في الكمبيوتر- لحفظ ملفات حيوية أخرى

ليلة الثامن عشر من فبراير، رأيت زينب وابراهيم واحمد يحفرون عميقا في منجم جيوبهم، أخرجوا لفافة من الجنيهات، مع همهمات أثارت في الريبة، ولما تسكن الريبة عقلي حتى أشاروا إلى قفص حديدي، سندخل هنا. وكان الامر كله غريب، الحرس على الباب   استلموا الجنيهات، دخلنا عبر ممر طويل، صعدنا درجات.. افضى بنا إلى مدرج روماني قديم يطل ويحيط بساحة ،نبت منها نصب حجري قالوا له: كن مسرحا فكان
وبإشارة منها احتوت زينب المكان في كفها الصغير وقالت: الليلة ...كل هذا لك ..عيد ميلاد سعيد

اهدوني ليلة...هل اهديتم ليلة من قبل؟..لحظة يسخر فيها الكون كله لك..من أجلك

جلست اعلى المدرج على عتبة قاسية، لكن ليلتي كانت حانية

اضاءوا المسرح، وهاجت الجموع..على مهل دخلوا، بقمصان خضراء وخطوات مرتبكة يحملون الاتهم الموسيقية.  من خلفهم لوحات خشبية لجنود بقمصان خضراء وخطوات مرتبكة يحملون الاتهم النارية

نفخ احدهم في الميكرفون -وشمننا جميعنا في نفس اللحظة صوت مسدس يتم حشوه- قال على عجل: بعض عوائد الحفل ستكون لدعم القوات المسلحة.
صمت
ثم
جهدية الاورطية..جهدية الحلقونا...شدوا جمالهم جونا..جلبنا ليهم سمسم..السمسم ما كفاهم..جلبنالم سعية

قالوها...يا ربي قالوها
قالوا (هناك امر عفن في الدنمارك) يا ربي وذلك الامير الصغير الذي أيضا  يقول (هناك أمر عفن في الدنمارك) يا رب قومه بالسلامة


مصطفى
!

وكلنا نعرف ان السعية ما كانت ستكفيهم أيضا، وكلنا نعرف أننا من بعد شددنا لحمنا الحي

غنوا
 وانت في اللالوبة مشنقة الوليدات ناس نجومي ومحبس النفس الرهيف.
 والتفت الولد المرسوم في اللوح الخشبي ونظر إلينا لوهلة..لم يكن جنديا..كان ولدا

وأطلقت صفيرا يليق بفتاة يتفلت من رأسها العنيد غطاء شعرها، يليق بفتاة حارت منها ثيابها..قالوا ناس نجومي وكانوا يشيرون إلي. كانوا يقولون سنة حلوة يا جميل

وفي تلك الليلة اقول لكم يا سادة...في تلك الليلة رفعت رأسي إلى السماء..وتدلى القمر..ونظرت إليهم...وهمست شكرا



  
   

ثم تفرق العقد الفريد ولم ينظم . و تدلدل القمر من مشنقته.

 نعم سمعت بما جرى اخيرا، إلا ان ما جرى لعقد الجلاد جرى قبل سنوات عدة منذ اخر البوم لهم (في رأيي) حاجة امنة  
وأظن أن السبب يعود في ان عقد الجلاد لم تكن مجرد تجمع لأصوات بديعة وملحن عبقري وعازفين بارعين. عقد الجلاد كانت رؤية وفكرة ومزاج..ونظرة في الموسيقى نفسها قبل أن تكون (صوت الشارع) فكان انتقاء الكلمات والالحان ضمن تلك الوجهة وتلك النظرة

كنا ننتظر خروج الجديد من عقد الجلاد بفارغ الصبر. يقولون
 أغنية غريبة لعقد الجلاد تقول الليلة جمعة بكرة الاتنين؟
هل سمعتم راب عقد الجلاد؟
يا اللوري؟
سارة؟
اب قرجة؟

نعم من بعد ذلك خرجت أغاني لطيفة، وطفرة هنا وهناك بديعة...لكن ليست كذلك الوهج الاول..هي كما يقول المحكمون في برامج الغناء..اداء واغاني (امنة) لم تعد فيها روح المخاطرة وتجريب الجديد..لا من ناحية الكلمات ولا من ناحية الألحان ..ومن قبل كان هناك التجريب والمغامرة في اختيار نص وعر للقدال وحميد وأصوات لم تغني من قبل كالشاعر محمد مدني واحمد محمد الغالي والشيخ فرح

ولا حتى في توزيع ادوار الغناء ولا حتى في التنغيمات التي تصدرها المجموعة خلف المغني الرئيس..فتجارب عقد الجلاد لشغر مكان الاستاذة منال بدر الدين كلها لم تكن موفقة. صوتها المضغوط والحاد كان ينسجم بشكل رائع مع اداء الفرقة ككورال، ويضيف تنوعا مثيرا حين يصدح منفردا. وصوت منال هي من تلك الأصوات التي لا تصلح إلا مع الفرق الجماعية، لذا لم تكن تجربتها في الغناء المنفرد ناجحة. يقال الامر معكوسا عند الحديث عن الاستاذه امال النور، فصوتها القوي كان طاغيا على اداء الفرقة لكنه لم يكن منسجما معها، وصوت امال هي من تلك الاصوات التي تدعى الباور فويسز..أي الاصوات القوية الطاغية، وهذه تصلح في الاداء المنفرد لا الجماعي، حقيقة كل ميسر لما خلق له. كذا تنوع أصوات الفرقة الذي لم يكن هباءا. طغى عليه شكل من أنواع التماثل في الصوت واللحن مع اعضاء الفرفة الجدد.
.

هل تعون ما أعنيه؟ نعم هناك المسدار، وفاجأني النهار وصباح الخير مساء النور..لكنها بالمقارنة ليست بالشيء الذي يذكر مع احتاج دوزنة، أو كولاج أمونة الرائع أونعمة أو ايدينا يا ولد أو تجارب فريدة غير مسبوقة كأغنية يالله هوي تعب اللسان من الشكية...فن...فن


لا اظن أن تجربة فرقة راي ستكون موفقة إذا كان الهدف منها خلق عقد جلاد اخر أو موازي. تلك تجربة كاملة ابتدأت واستمرت ثم أفلت، كل محاولات الاصلاح أو اعادة الانتاج كانت ضعيفة. ذاك مزاج خاص لوقت خاص لن يتكرر. أما إذا كانت تجربة مستقلة فحينها نقول ربما

أذكر وأنا ارهف لأنة العود في مقدمة (لأنك عندي كل الخير) كفتاه ترزح في البين بين وتبزع لتوها فتعجب ويعجبها، كانت تلك الأغنية هي دليلي فيما أريد أن اكونه لمن أريد

تذكرون يا ليلى ليلك جن...صوت عوض الله بشير ماله مثيل،  والحنين في صوت انور..كان حقيق الشرب بالكوب والدنة وكان كل من يغشاه تهنى


Saturday, 20 August 2011

ليلة اعدام ساندي/ماندي أو أيا كان اسمها..قصة حقيقية

القسوة فطرة في الانسان. ولكن لعله أيضا من الفطرة كبت الفطرة. وفي لغتنا الدارجة نربط الفطرة بكل ما هو نقي وأصيل ومتأصل فينا منذ الطفولة. وهذا حسن، إذ أن القسوة الصريحة(النقية) أكثر ما تتبدى في الطفولة

كان قد مضى على عيد ميلادي السابع ثلاثة أشهر، وكنت أرى كما أي طفل، أنها فرصة جميلة لأكل الحلوى بإفراط، وأن تجعل الكون يدور حولك لساعتين أو ثلاث وأن تتسلم هدايا ترى أنك جدير بها. 
وكنت أنتظر حضورها بشغف، كنت أنتظرك أنت -يا باربرا ميليسنت روبرتس، من مدينة ويسكونسون شمالي الولايات المتحدة الأمريكية. 
انتزعت عنها الورق اللامع المصقول بوحشية لا تخفى. كنت -كسائر فتيات العالم من شرقها وغربها ، شمالها وجنوبها، ننتظر الجمال مجسدا ومعلبا. انتظر شعرا ذهبيا وخصرا مستحيلا وعينان كسماء صافية وابتسامة لعوب. الجمال السلعة. الجمال كما قررته شركة ماتيل الأمريكية. كنا نناديها دون كلفة "باربي" . في العام الماضي فاجأتني يا باربي بفستانك الفخيم، تخفين تحته زي راقصة باليه حالمة. والليلة انتظرك، من أنت اليوم يا باربي؟ تطايرت نتف الورق المفضض وانقضضت على الصندوق. 

ماندي؟!!!ساندي؟!!!
من أنت؟

لو ترون وجهي ليلة عيد ميلادي السابع..ترون خيبة -الأمل كما هي. عارية، لا تتدثر بخرق الكرامة و الكبرياء

الشعر قصير، يا الهي يا الهي...شعرها قصير.
اللعنة على حركات (الفيمينيزم) التي لم نجني منها سوى خيبات الأمل المعلبة. مجموعة من السيدات المشعرات البدينات ينادين بالجمال الحقيقي، أو الجمال العملي.  أنها نهاية العالم لا ريب. وإلى أين تذهبين يا ماندي ساندي أيا كان اسمك...إلى البحر؟ ليته يبتلعك ولا تعودين، أين حذاؤك العالي، ولماذا تفلطحين قدميك وتسيرين في الأرض؟ ولعلك تمشين في الأسواق وتأكلين الطعام...واضح أنك تأكلين الطعام، أين خصرك؟ سعيدة أنت بحالك فخرجتى تستعرضين جسدك  في (مايوه)؟ وفوق هذا عيناها!عيناها سوداوان. تذهب إلى البحر بعينين سوداوين؟

لا لم تكن خيبة أمل..كانت خيانة. إذا كانت تلك المشاعر متاحة لفتاة في السابعة. ولكن كما كنا نتجرع كوب الحليب كل صباح، ابتلعت خيبة أملي في جوفي الذي اتسع لخيبات أكبر فيما بعد، واستطعم حلقي من بعد مرارة "القناعة" ..ذلك الكنز الذي لا يريد أن يفنى

مضت ثلاثة أشهر على تلك الليلة العصيبة. دق الجرس وانتظم التلاميذ على الفراش. بابا سنفور بقبعته الحمراء، ولحيته البيضاء التي لا بد وأن الحياة قد عركتها، لكنها لم تعوزها الحكمة في أن تجلس وتتعلم أن الشمس تمدنا بالضوء والحرارة. و مصارع روماني لم يرى أي حرج في أن ينتظم في الدراسة وهو يلف فوطة تخفي "رجولته". ديريك (حبيب باربي السابق) وعازف روك اند رول بارع، ببدلته الوردية الصارخة وبنطاله الجلدي وابتسامته التي تفسح لغمازتين تذيب قلب باربي وام باربي ذاتها. وبالطبع باربي، بفستانها القصير وابتسامتها المشرقة وشعرها الذهبي. والرجل الالي: روبو كوب...وهو "كينتور" اغريقي حديث. استبدل نصفه الادمي برجل آلى. ونصفه الحصان بدبابة. بديهي أنه كان "الالفة" . ثم كانت هناك ساندي أو ماندي. ويل لك من الناس وويل للناس منك يا "ما اسمك؟" اعجزتني الحيل معك. بدءا من عدم التزامك بزي المدرسة. أكرر مائة مرة هذا فصل وليس شاطئ. وليت كل هذه الجرأة تصحبها فطنة. بالله عليك يا ساندي الا تعرفين أن تفاحة وتفاحة وتفاحة هي ثلاث تفاحات وليس خمس؟ أليس تحت هذا الشعر القصير عقل يفكر؟

إلا أن الغباء ليس عيبا، حتى وأنا في السابعة أدرك أنه قدر. ولم يكن سببا كافيا لتبرير البغض الذي كنت أكنه لها. وكم كانت مغيظة، كانت نظراتها تشيح أبدا، عبثا أحاول أن أجعلها تنظرإلي. كأن ليس في كلامي ما يثير اهتمامها، كانني أمامها مجرد..طفلة! وتبتسم بـ بـ ...لا ليس بمكر..ليس بخبث..بشيء أسوأ..كانت تبتسم بـ..بموضوعية

حسن! يا ماندي ساندي أو أيا كان اسمك، طالما طفحت مشاعرنا إلى السطح كما هي دون مواربة، وطالما أعلنتها حربا علي أبحتي فيها كل الاسلحة.استعدي

وشرعت دون خجل ألفق لها التهم، تارة شروع في قتل بابا سنفور الوديع من أعلى تلة الفراش، تارة سرقة الواجب من المصارع الروماني، الذي كان يكدح ليله مصارعا الاسود والوحوش ليلتحق بفصلي الدراسي دون كلل أو ملل. تحرش بديريك الذي صد كل تلك المحاولات بنبل إذ أنه كان أسيرا لحبه الأول. ولكن كانت القشة التي قسمت ظهر البعير هو تامرها على باربي. لا أدري ما الذي فعلته بالضبط، ولم يكن ذلك مهما، كل ما كان يعنيني هو قلب باربي الكسير، ودمعها الذي حاولت أن تخفيه خلف ابتسامتها المصقولة. أوصلت بك الجرأة يا ساندي؟ باربي الطيبة، ألم يكفك أنها معاقة؟.نعم باربي يا سادتي كانت كسيحة، كانت ضحية توتري الذي أفرغه بقضم قدميها المطاطيتين الرقيقتين.  كل هذا ارتكبته بدم بارد، وبجلد مطاطي...كل ذلك ارتكبته ماندي..بموضوعية

كانت تلك جريمة لا تغتفر. لا لن يفيد أن احبسها في صندوق الألعاب، لن يجدي معها ضربها بالحائط، لن يفيد لطمها أو كسرها أو أيا من ذلك. كان لا بد أن ادبر لها العقوبة المناسبة

جلست وتأملت، حتى اتصلت بذاك النبع الصافي لقسوتي..القسوة النقية الصريحة..فكان ما كان.

محاكمة علنية!!!.إذ لم يكن كافيا أن تعاقب، بل كان علي أن اجمع مع ذلك ذل أن تدرك أن عقابها هو للصالح العام. و"هوان" تقبلها لذلك الحكم. جمعت أطراف النزاع، ضحاياها السابقون (وإن كان علي أن اشير إلى أن حماستهم وسعادتهم بالمحاكمة أزعجتني قليلا). بالطبع دفاعها الوحيد المسموح به هو اقرارها بالذنب، واعترافها أن الخسة والخبث هو من معدنها أو مطاطها.ولأول مرة كانت ابتسامتها غير موضوعية، كان بها مسحة حزن لم تجد منفذا إلى قلبي

ناديت على روبو-كوب، تابعي الأمين، ساعدي الأيمن. وأعلنت: "حكمت المحكمة حضوريا على ماندي -ساندي أو أيا كان اسمها بالاعدام فعصا بالدبابة

وقفت ماندي بثبات تتقبل مصيرها، تقدمت إليها الدبابة ببطء، لم يهتز لها جفن. وابتسامتها كانت شجاعة. متحدية، ابية. واكتسى وجهها بمسحة جمال حقيقي، برغم شعرها القصير وخصرها المتسع وعينيها السوداوين.اقترب منها روبو -كوب يجر نصفه الثقيل. هتفت (بالطبع-فكلنا نعرف أن قرب النهاية يستبين الحق) هتفت ماندي بالشهادة قالتها بتضرع حقيقي (اشهد أن لا اله الا الله وأن محمد رسول الله) وارتجف قلبي لخطفة، ولكن..سبق السيف العذل..أو الدبابة للدقة. ماتت ماندي أو ساندي أو أيا كان اسمها
وتوارت للحظة باربي وانطفأ شعرها الذهبي، توارى الجميع، ولم يكن هناك سوى الساحة وجسد طاهر ملقى اسفل دبابة

وانهرت باكية


وجد الباحثون في جامعة باث البريطانية أن غالبية الفتيات بين سن السابعة والحادية عشر قد عرضن دماهن إلى التعذيب أو الحرق أو الكسر أو التشويه

في ذكرى ساندي/ماندي 1987-1987
 

Thursday, 18 August 2011

حكم ضميرك


ان أتحدث عن أبو داوود؟ذاك مقام أنا دونه، وتتكاثف علي فيه الحجب فيرتج علي.
إلا أنني ما زلت أقارب وأسدد،عسى أن يمدني الله بفتح . فأنا في حضرة صوته دون مقام الشهود والتحقيق، حالي كحال السالك ولم يصل...منجذب ومجذوب

لكني سأتحدث عن من سلك وشهد ورأى وحقق، رحمة الله عليه، (وعليّ فمن غفلتي...يا لطيف) عن الفنان عبدالله أميقو، وورده لأبي داوود (حكم ضميرك)!  أميقو لا مثيل له في التنقيب عن الموسيقى السودانية ومؤلف مقطوعات موسيقية بديعة(اسأل الله أن يسخر لها من هو أهل بها فيخرجها من بئر التناسي والجحود) وفي تنقيبه في أغاني داوود كانت عدته: كلارينيت بالطبع، فلوت، جيتار، ساكسفون والات ايقاع إن لم يخني سمعي فهي البنقز) و تخير من أغانيه (حكم ضميرك، سيبوني بس، لي زمن بنادي، البرهة القليلة،ام در، يا عيني،أوتذكرين صغيرتي) سبع أغاني..سبع

Portrait by : Emad Abdulla
.

أول ما لاحظه المنقب العبقري، هو أن صوت أبوداوود فيه لمسة جاز، وكان هذا أكثر ما جذبني إليه. ليس فقط صوته الذي يذكر بأساطين الجاز كلويس ارمسترونج أو دوك ايلينجتون أو نات كنج كول، وهم دون أبوداوود أقولها صدقا ومحبة لا تعصبا، ليس فقط في خامة الصوت، لكن ذلك المزاج المدهش الذي لا تجده إلا عند مطربي الجاز ،  مزاج يجمع بين المتعة والحسية واللهو والشجن والحزن وشيء من الثقة المفرطة، هكذا درجوا على وصفها في اللغة، الثقة المفرطة، وأظن أنها مجرد وصف لمن يقدر فعلم أنه يقدر

لذا استهل اغنية حكم ضميرك ب"فرشة" جاز. جيتار وايقاع يمسكان الزمن ويعدان المزاج، ثم سيل من الكمنجات المرحة، يتخللها فلوت لطيف. لذا كلما استمعت إلى الأغنية تمثل لي داوود بسترة داكنة وباهظة، يضع يده في جيبه ويطرقع اللحن بأصابع يده الاخرى.
وألطف ما في الأغنية هو أن اللحن يتوارى عندما يغني داوود، فإن صمت ردت عليه الأوركسترا قوله. خذ مثلا-يقول (بقيت أسيرك) فترد الكمنجات (حينا..أوشيء من هذا القبيل)  ويقول (ما عرفت غيرك) فترد (ها..وبعد؟) شيء عجيب





أما أغنية (سيبوني بس) فلم يوطنها على لحن جاز وحسب، إنما لحن جاز بدائي وسوقي جميل. ليس كذلك الذي يولد في قاعات الموسيقى أو استديوهات التسجيل، إنما ذلك الذي يولد سفاحا في خمارات متهالكة على بيانو متقطع الأوصال، غارق في الدخان والسعال. تنترررن تن ترن تن تن...لحن ينبع من فم المعدة
.
اوتذكرين حبيبتي؟ في هذه الأغنية توجد تنغيمة جيتار بديعة عبقرية أو هي ما درج الفرنجة على تسميته بال(رف) بكسر الراء، وهو
عندما يعمل الجيتار عمل الة الايقاع. وتجد التنغيمة متسارعة تحفز عند المستمع احساس اللهفة و(الصربعة) وخفقان القلب وكل ما يصاحب أول الحب من مشاعر هوجاء. ويصيح داوود (المنديل؟) وترد الالات (ياتو؟) فيقول (المنقوش جانبه أوتذكرين وتذكرين) وهذه الأغاني من أغاني شيل الحال (أجارنا الله منها)وهي ضريبة تدفعها المعشوقة من عاشقها المستهام.




أجمل تسجيل يمكن أن تستمعه لأغنيتي الأثيرة لي زمن بنادي هي من توزيع أميقو. فاللحن سريع وخفيف ولطيف. وممكن أن تتصور حقيقة كيف أن المحبوب 
نافر جعل من قلب المحب وادي، يبرطع فيه كيفما يشاء




أما "الشغل" ما هذا يا عمنا أميقو يا عبقري...رحمة الله عليك ...ففي أغنية البرهة القليلة.عندما استمع إلى جلسات "الجام" وهي جلسات تنساب فيها الالات على سجيتها، درجت عليها بعض فرقنا الموسيقية بالفلوت والجيتار والايقاع، أقول في سري عودوا إلى "فرشة" اللحن في اغنية البرهة القليلة، شيء بديع ما له مثيل. هنا يطلق أميقو الفلوت ليتخلل اللحن، مزاج رائق يدخلك إلى جو الاغنية حيث تلك الجلسة على "تلك النجيلة" في داخل الخميلة...والتي لم تكن سوى لبرهة قليلة.

أنا اكتب هذه الاغنية بذاكرة وجداني وأذني..إذ أنني لم أجد على الشبكة أي من أغاني داوود بتوزيع أميقو سوى حكم ضميرك الموجودة بالرابط أعلاه.للأسف. تجربة فريدة، لو كان بيدي لاستنطقت أهل الدراية بها. لكني قليلة الحيلة ليس لي سوى الرجاء أن يفتح الله على احدهم ببركة هذا الشهر الفضيل

هناك تجربة أخرى في التنقيب في صوت داوود، ليس فيها براعة وحصافة أميقو، وهي تركيب صوت الفنانة عابدة الشيخ على صوت أبوداوود، في رأيي الشخصي لم تكن محاولة موفقة رغم أن الفكرة جميلة. لكن ليس هناك توافق في الاصوات، فصوت أبوداوود يتميز بقدرة فائقة على التحكم في حسه، يضع فرامل هنا و"يهدن" هنا حرفنة جميلة،وصوت عابدة جميل وقوي لكن ينساب ويتدفق دونما ضابط ولا رقيب

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم...رمضان كريم


 


Saturday, 6 August 2011

كلثوميات (1(

أم كلثوم أم فيروز؟
لا أدري لماذا يكثر الناس من هذه المفاضلة ؟ 
وليس المقام مقام مفاضلة عند الحديث عنهما. كلتاهما حالة فنية مكتملة
في حديث لي مع صديق قال إن جئنا من ناحية الكلمات :فالست، أما الصوت: ففيروز
قلت له: يا اخي قد ظلمت الاثنتين، فكلمات الرحابنة  من عيون الشعر العربي، فهي تحمل رؤى فلسفية عميقة، وعبورهم بالكلمات  البسيطة لنقل معاني معقدة هو من ايات الاعجاز
أما صوت الست، فمن أين نبتدر الحديث عنه؟ ذلك الصوت الطلي الحلو، المشحون بطاقة حسية عالية ، يغمرك وينهمر عليك ولا تدري من أي المنافذ يكتسحك... ولا نجاة. ولا تريد نجاة

لكن وإن كان لا بد من مفاضلة، فهي مفاضلة للمنصت. وفي حديثي لصاحبي هذا، قلت: إن فيروز تحكي وتسرد فهي شهرزاد الأغنية، لذا يقبل عليها من تراوده أحلام العشق، هي لذلك الحب الأول : بحيرته ولهوه و ووصاله الحلو وخساراته اللطيفة. من منا لم يتخير لعشقه الأول أغنية من بين أغاني فيروز؟من منا لم ينهي عشقه الأول على صوتها الحنون؟

أما الست؟
قلت لصاحبي-فهي تغني في البرهة المعلقة خارج الزمن. لذا تعشقها أصحاب المزاج العالي. الست لا تحكي. الست تجتر. وهذا ليس للحب الأول، الست للعشق الوعر، المستحيل، الخاسر مذ مبتداه، للحب المعلول المعتل. للخسارات التي تربيها في دمك، تخبئها في الروح وتحرص عليها من الفناء.بل هي تغني للمفني لذاته.
لله درك يا ست. عظمة على عظمة على عظمة

يكمن سر أم كلثوم في أنها عرفت كما لا يعرف مطربو اليوم، أن الطرب ليس الصوت الجميل ، ولا هو الكلمة الخالدة، ولا اللحن البديع. هي ثلاثتهم سويا، ثم هي التوقيت والروح والمزاج
والست لها أحوال، وفي كل أحوالها هي الست
أعني حالها مع الملحنين الذين عملت معهم، فليست كلثوم السنباطي هي كلثوم القصبجي وقطعا ليست كلثوم بليغ ولا كلثوم وهاب ولا كلثوم زكريا. ولمن أراد أن يدقق فليست كلثوم السنباطي-رامي هي كلثوم السنباطي -بيرم. لكننا لن ندخل في ذلك

وأم كلثوم كالبحر وكل يرى في البحر ما يراه دون أن يسبر غوره.صوتها مع زكريا مجلجل طروب، وعند القصبجي حالم حنون وعند السنباطي رخيم وجليل، وعند عبدالوهاب ساحر وقادر وعند بليغ؟عند بليغ فيه دعة ودلال وحسية عالية...هذا وهي في السبعين من عمرها، ويعجب لذلك من لم ينخر العشق في عظمه، ولم يرى من أم كلثوم سوى المنديل وتصفيفة الشعر وهلال ماسي

 لمن لم يجرب الست بعد، أنصحه أن يتريث، فليست الأغنية التي سأبتدر بها سلسلتي اليوم لأصحاب الأذان الرخوة، هذه أغنية للأذن المدربة

القلب يعشق كل جميل
أم كلثوم وبيرم التونسي ورياض السنباطي. الثلاثة هنا أعملوا فنا لا يتقنه سوى العباقرة. فن الكبت. أو الضغط. 
The art of suppression
وهي القدرة على الامساك برسن الموهبة وتطويعها كما يشاء المبدع، هي المنع عن المستمع فيطلب المزيد، ودفعه دفعا ليرهف حواسه. وأرى أن السنباطي يلزم هذه الحالة في معظم ألحانه مع ثومة. فلحنه يتوارى  خلف صوتها، ولا تدرك بدءا ما الذي يشدك، حتى إذا ما أرهفت السمع، سمعت عجبا، انصت إلى مثال أغنية "حيرت قلبي معاك". أما بيرم، فهنا نفس هادئ ، منصرف عن ذاته إلى ذات عليا، وهذا بخلاف أغانيه الأخرى التي تحكي عن حاله تفضح عشقها أو تبث شكواها. و ثومة؟ فيمكن أن نسمي أداءها هنا "تقليليا" ميناماليست كما يقول أهل الفنون. هنا تخلت عن ما نعهده من الارعاش والمد والبح وما إلى ذلك من خصائصها في الغناء التي بها يعتلي المستمع ذروة التطريب أو ما يسمونه بالسلطنة. وكأن أم كلثوم بكبتها هذا لا تريد أن تطغى بل تريد أن "تخضع" وهذا من ذكاء أم كلثوم ورياض وبيرم، فأغنية القلب يعشق كل جميل، هي أغنية دينية ذات نفس متصوف، تتغنى في العشق الالهي. وفي مثل هذه الأغاني دوما يتوارى العاشق ويكون محور الأغنية هو المعشوق    

أجمل ما في يبرم أن روحه لم تتغير في هذا النص، كعادة الشعراء إذا ما غيروا مواضيع الغناء من وطني إلى ديني إلى أغاني الحب. 
بيرم  اتبع تقليد أشعار المتصوفة في عشق الذات الالهية أو التجلى الالهي أو قل الحضرة الإلهية، والتي تتيح للشاعر تناول مفردات العشق كما ترد في أشعار الغزل والعشق. مع الشرط الذي قلنا أن تتوارى ذات المحب مفسحة للمحبوب.
إلا أنها روح بيرم ذاته. لم يخرج عن نكهته في الغزل المتوقدة والمتوثبة، حتى إن اقتبسنا "واللي هويتو اليوم، دايم وصالو دوم، لا يعاتب اللي يتوب ولا في طبعو اللوم" يمكنك أن تتخيلها في سياق العشق المعهود

يبتدر القصيدة ب"القلب يعشق كل جميل" وتوافقه ، وبسلاسة ينتقل بك إلى تقلبات العشق وأحواله "واللي صدق في الحب ،قليل! وإن دام؟ يدوم يوم ولا يومين" مقارنا بين ذاك والعشق الالهي الدائم الوصل، الذي لا قلى فيه ولا هجر

لا أدري كلما استمعت إلى لحن هذه الأغنية، أتخيل سجادة فارسية معلقة في احدى أزقة خان الخليلي ، التي تبتلعك في زخم تفاصيلها. أو شباك أرابيسك عتيق تطيل فيه النظر ويحتويك بكليته. كذا لحن السنباطي. زخرف من الالات ليس عزف قطيعي ، كأنها مجموعة صولوهات. فيتبع أذنك تارة العود، وسرعان ما يلتقطه القانون وفي غمرته.. يأخذ بجماعك الدف لتجد نفسك تجري خلف أنين الناي.
هي كذلك: زخرف من النغم
افتتاحية من الكمنجات بلحن رصين، ثم يندلق القانون بلحنه المنفرد تتبعه بقية الالات،ثم الايقاع يؤمه الدف في لحن تصاعدي حتى يبلغك المكان الذي يشدو فيه صوت أم كلثوم
وتبدأ من نوته منخفضة عصية-لا أعرف سوى أم كلثوم تستطيع أن تفتتح من طبقة منخفضة هي والشيخ مصطفى اسماعيل والشيخ عبدالباسط عبد الصمد. 
والاثر رائع، هذا صوت يأتي من مكان عميق إشارة إلى الروح، وإشارة إلى الجذر الأصل وإلى الثبات، فكما أسلفت هذا هو العشق الذي لا يعرف تقلبا.

بعد افتتاحية القصيدة بالافصاح عن المعشوق، نأتي لوصف حاله مع العاشق. "كنت أبتعد عنو...وكان يناديني...ويقول مصيرك يوم..تخضعني وتجيني".... ثم؟؟؟؟

  طاوعني يا عبدي
طاوعني أنا وحدي

هذا العتاب الجميل من الصوت الالهي تجسده أم كلثوم بصوت مهيب ذي سلطان. واللحن والتكرار يجسدان لطف هذا العتاب  وسلطانه في ان. وكـأن الرب يجادل المرء عن نفسه ويعيد عليه ويزيد..نعم هكذا لطفه مع العبد اللجوج.  ((وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ))

ثم مذكرا، يمن على العاشق "أنا اللي اعطيتك من غير ما تتكلم." وصولا إلى "تشوف جمايلي عليك من كل شيء أعظم" يمن ولا يمن عليه 
ثم؟؟؟؟؟؟؟؟

يا الله، يا ذلك الصوت، وانقلاب اللحن الذي يتصاعد ويسري بالرعب والرهبة ليقول الصوت الجليل "سلم لنا..سلم لنا ...سلم لنا" 

"تسلم" تسلم تأتي بغنائية وتطريب. فهو تسليم لذيذ. تسليم يهنأ به المسلّم

 تنتقل الأغنية في رحلة إلى مكة يصف جبال النور والبيت المعمور والدخول إلى باب السلام، وبعد باب السلام مقطع بديع يصف تحويم الحمام المطمئن. وعندما استمع إلى هذا المقطع أرى  يدا تمتد إلى سماء تحلق فيها اسراب من الطير. فذلك في قولها "فوقنا حمام الحما...عدد نجوم السما..طاير علينا يطوف ألوف تتابع ألوف". وثومة تمد السماء مدا، دون تكلف دون ادعاء..وذلك فضل الله خصاه بها
وينتهى المقطع بتطريب عالي واصفا ما وجد ضيوف الرحمن من لذة العفو والمرحمة. وهكذا ينتهي كل مقطع بشيء من التطريب تخرجك من مقام الرصانة والاتقاء إلى مقام المحبة واللذة. يعجبني ذلك جدا

والكوبليه الذي يربط كل مقطع هو التذكير بأن حال السرور هذا هو منة من المحبوب إذ أنه هو الداعي وما المحب إلا ملبي، "دعاني لبّيتو لحدي باب بيتو وأما تجلى لي بالدمع ناجيتو" وهذا من صدق بيرم وحسن تأدبه في مخاطبة الله، فليس هنا عجب بايمان، أو تنطع بعبادة، بل حال العبد الممتن الشكور على فضل العبادة.

 زيارة الروضة وهذا مقطعي المفضل. وأحب فيه تكرير الهاء في مقاطعه كناية عن الترويح عن النفس. فبعد وصف الروضة ، نأتى إلى ذروة التطريب بـ "زفة" من الدفوف (لفتة عبقرية من السنباطي..ايذانا باكتمال الفرح) وهذا العرس أو المحفل فيه
 طرب وسرور
وفيها نور على نور
وكاس محبة تدور
واللي شرب؟
غنّى

وكلما استمعت إلى هذا المقطع تعتريني شفقة كبيرة على اصحاب المذاهب المتشددة في الدين على ما فاتهم من لذة الفرح والطرب بالمحبوب . أ و يعرف الله من لم يطرب؟ ربما. فلعل لهم فرحة تخصهم - والناس في حبها مذاهب. 

 ومن سوى بيرم يصف ملائكة الرحمن بندماء الشراب. لله دره

ثم كذا حال المحب الذي يدركه الفيض فيفيض. وهذا سبب اشفاق اخر على اصحاب المذاهب المتعنتة. فلا يضيّق الجنة إلا من لم يجرب سعة الرحمن. وهنا يقول بيرم "يا ريت حبايبنا ينولو..ينولو ما نلنا يا رب..يا رب اوعدهم يا رب..؟؟؟؟؟ يا رب واقبلنا. وقفلة هذه الجملة بـ(يا رب واقبلنا) تقولها أم كلثوم بخضوع وتذلل، فكما ذكرت أن هذا من أدب الخطاب، فالعبد لا يغتر بحاله أبدا ولا يدّعي الوصول، بل يظل ممسكا أبدا بحبل الرجاء.
 
لعلني أبالغ؟ ربما ؟ قليلا؟ هذا ما يراه الطيب صالح في النقد عن حب، يفتح النص ولا يغلقه. وإن شط؟ فهو الشطط المستحب المرغوب

خسارة! لم أجد رابط الحفل الأول الذي بدأت به ثومة هذه الأغنية. وكانت قد غنتها بعد صوم عشر سنوات عن الغناء لبيرم، حدادا على وفاته. وكانت الأغنية مناسبة.. لتذكر الناس  بأجمل ما في بيرم من صدق في المحبة

رمضانكم كريم