Friday, 22 April 2011

أفيون


وحدهم الذين ينشدون خارج الجوقة يتسللون عبر ثقوب النسيان، ويغطون انفسهم –مكرا- برمل لذيذ ناعم، فتقوم عبثا ونشوة بنفض الغبار عنهم، لأنهم ابدا المنشدون خارج الجوقة

خارج الجوقة 2
أفيون

أن تسبح خلايا عقلك في سحابة قطنية. أن يسيل أنفك...ويسيل...ويسيل دون انقطاع. ان تدغدغ قدميك مكعبات ثلج زرقاء...حقا ما الأفيون؟ أن تسحقك بحة في صوت نصرت فتح علي خان. صوت متخم بالجسد وجسد متخم بالروح. وصوت يأخذك عبر ليال كازبلانكية، و قوم شقر يتدثرون عراة بجلابيب من حرير، يتقاسمون الحشيش وينطقون بتفاهات الحكمة الأزلية.

أفيون

سيأتيه والده في الحلم فيضع يده على حنجرته ويقول...ستغني.

رياح الجبال المثلجة تخدش حنجرته وتسهك صوته، حتى تخنق منه الحشرجة ويبقى ذلك الصوت المثلج الأفيوني.
الصوت! أمره هين... كيف ينفخ الروح؟ كما بوذا، سيثقل على كاحله، ويطوي قدمه تحت مقعده، سينتظر الخدر يسري في ساقه، ثم الاف الطعنات القلقة، نبضات الخلايا التي تصر على اعلان بقائها، لكنه سينتظر حتى يحلق فوق ساقيه فيطفو على ذاته.

هو يقبض بالحيرة على مستمعيه بالطفو بين السماء الأرض. فبينما تلقي أعينهم المرساة على جسده الثقيل المثبت إلى الأرض، يحلق باذانهم على كف الرياح الجبلية.
يطفو بين السماء والأرض... إذ كيف بوسع الناس أن يتفهموا أن هذا القوالي-التراتيل الصوفية العميقة- لا يخرج إلا عبر صيحات بربرية من عمق الجسد، من النبع الذي ترتوي منه الخطيئة. لكنه يسلبه من الشوائب في نقاء خيط أزرق رفيع .
هو بالذات- لم بكونوا معدون له، عندما حملوه إلى موطنهم كآلة مصاحبة. فرياحهم القارسة هو المناخ الذي يزهر فيه صوته وما دروا ذلك. لذلك حين جلس مواربا قرب الالات، كان يدرك أنه سيسرق العرض كله وينشل كل الاذان، لأن أباه اتاه في الحلم، ولأن الخدر يسري في جسده، ولأن الرماح تطعن حنجرته. ومن أجل ذلك لم يستغرب عندما نصبوه بقيثاراتهم الكهربية :جوبيتير.
وعندما يلمح الأطفال في بلده- القديم- ملصقا يدعو إلى حفله، جالسا على الأرض، محلقا فوق قدميه سيذكرون :كريشنا.


Pics from :http://withfriendship.com/user/mithunss/nusrat-fateh-ali-khan.php  

(راسبوتين المفرق...راسبوتين الملتقى)


ميلاد سعيد يا غريغوري العزيز
(راسبوتين المفرق...راسبوتين الملتقى)
نشرت في 22 يناير



((عيناي المحمرتان من الشراب المحلى بالسيانيد رأيتهما على الصليب المفضض، الغجر يغنون يا ابتي.. لو أرقص ...))

أنا الأمير يوسبوف...فيليكس فيليكسوفبيتش يوسبوف... للحظة احسست أن ثلوج سيبيريا هطلت على مفاصلي، تصلبت ذراعي وسرى الخدر حتى أطراف اصابعي. صوبت تجاه قلبه ...اطلقت الرصاص. صاح كحيوان بري ثم ارتمى على سجادتي...سجادة من فرو الدب الفاخر . كم هو صعب قتل رجل! كم هو سهل قتل رجل! رعشة من اصبعي وماكان حيا يتنفس لثوان خلت، صار مرميا أمامي كدمية خرقاء. أنا الأمير يوسبوف... أنا قاتل راسبوتين..الموجيك (الفلاح) القذر.



راسبوتين؟ راسبوتين تعني المتمرد... لقد اختار ان يكون ذلك الشخص الذي يزحف تحت جلدك، إن لم تبغضه فهو لا يجعلك تشعر بالراحة أبدا.

لا لا لا...راسبوتين تعني مفترق الطرق، بوكروفسكوي قريته تقع على مفرق الطرق بين توبولسك و تيومين، لم يفترق الناس في حاضر ماضي أو مستقبل احد كما راسبوتين ؛ أقديس هو أم شيطان، تقي أم فاجر، المبجل ام المغوي.

في الأصل راسبوتين تعني ملتقى الأنهار...وراسبوتين ملتقى للنقائض، خليلاته هن تابعاته التقيات، يفيق من عمق سكرته ليلبي حاجات المؤمنين.دينه لم يفرق بين الجذب و النشوة. هو غجري وهو فلاح. الأعلى وثبا في ساحات الرقص والأطول ركوعا امام تمثال عذراء كازان السوداء. حتى اولئك الذين تجمعوا حوله كانوا ملتقى للنقائض: نيكولاس الثاني-القيصر، كان شديد الرقة فائق العنف...اعني من غيره يشاهد من شرفة قلعته الشتوية مقتل مئتين من رعاياه كانوا يحملون صوره  و أيقونات الرب، ليسهر بعدها في حفل معد على شرفه.والتزارينا زوجته الكسي! فأرة في الحفلات الملكية والمناسبات العامة،و في الخفاء تمسك بخيوط الدوما تعزل من تشاء وتولي من تشاء.



دعونا لا نخلط الامور ببعضها...راسبوتين من راسبوتنيك...التي تعني الانحلال و الدعر...وهذا تماما ما كان عليه، كنت مكلفا بمراقبته بأمر من العائلة الملكية، ولم يكن ذلك بالأمر الصعب! فهو الصاخب الأكثر صخبا في الحانات، الماجن، المتمادي في مجونه في الحمامات العامة. طارده الأزواج المغاضبون والعشاق الغيورون.

يا لتنطع أهل المدن ، نحن الموجيك -الفلاحون- نزجر صغارنا ، نقول يا "راسبوتا!" و الاب غريغوري لم يكن سوى طفل كبير بقلب كبير، كنت من أقرب أتباعه، اتذكرينا يا آنا ، أتذكرين عينا أبيك الزرقاوين الوديعتين.

عيناه فظيعتان، اصبت بالدوار وهو يداعب شعري، خرج منهما نور أخضر فظيع، حلّقت حولي دائرتين من نور، سرى شلل في يدي، و تجحر لساني في فمي ولم يخرج من حلقى سوى هواء ثقيل يباركه!ثم توقف قجأة قائلا:يكفينا هذا القدر يا فتى،عد الينا في مرة أخرى!

((ماتوشكا! ماما الصغيرة ! انت ستذكرين عيناي! تذكرينهما إذ أنا أواسيك.كدت أن تقتلي نفسك ذنبا. قلت لك تلك الأشياء لا تعني شيئا لدى الرب؛ لوثرية أم كاثوليكية.الخطيئة؟ افتحي ذراعيك للخطيئة..اقبليها وقبليها، كما تقبلين ابنك اليكسي. اففففف! قلت لك أكثر من مرة...سيعيش! سيعيش!))

تحريفي ..مجدف...لقد حكى لي بنفسه-كان يعد نفسه صديقي كما تعرف- حكى لي انه ترهبن لدى راهب خليستي! تجديف! يظلون يدورون ويدورون في نشوة ثم يجلد الكاهن أكثرهم شهيقا، فيسقط ويتساقط الجميع من حوله في نشوة جسدية وجماع جماعي... باسم المسيح! فليحمنا الرب!

والدي لم يكن خليستيا...لقد درس الخليستية نعم .كان يحب فيها ذلك الدرب المفتوح إلى الرب الذي لا يمر عبر الكهنة والقساوسة الثقيلون. كان يحب فيها أن الرب موجود بداخلنا. حقا إن الراهب ايليدور يخلط الأمور ، فهو لم يكن يحب أبي و أبي كان يحبه... كان يحب كل الناس حتى اولئك الذين قتلوه.

((أووه عزيزي ايليدور! قلت لك اكثر من مرة، لا تتلوث بالخطيئة بمنع عقلك عنها !    تقبلها واقبل عليها! أنظر الي! (انت سكران يا غريغوري) أنظر! ليس سوى الرب في عقلي وقلبي وروحي! (ضحكة ماجنة :راسبوتين دع الثرثرة مع القس الثقيل وتعال إلي!) ايليدور كلانا نعرف أنه ليس في عقلك سوى صور النساء العاريات))

لقد قتلته!....قتلت المسيح الدجال!....قتلته بخنجري هذا!

" اييييه! ايليدور! انك تحسن الصلاة! ولكن كف عن مضايقة الرب بصلواتك! فحتى هو يحتاج إلى الراحة أحيانا!هيا انهض فهذان الرجلان لديهما شيئا يقولانه لك!"

هذه المرأة جوزيفا مجنونة ! بابا لم يكن دجالا! لم يكن سوى المسيح نفسه!إنني اقول الحق، لقد اريق دمه لأجل البشرية.لقد قتل هو والدوق فردناند في نفس اليوم.بل في نفس اللحظة! وبعدها اندلعت الحرب. واريق دم كل الرومانوف، وسالت دماء كثيرة في كل العالم.

برقية إلى التزارينا : راسبوتين أشبه بصندوق باندورا، يحمل بداخله كل شرور وخطايا الروس.ما ان ينكسر حتى تندلق اهواله على روسيا كلها.

(( يوسبوف الجميل...الأمير يوسبوف له فم جميل، وعينان وديعتان، اختارك انت! ولا احد غيرك! بثلاين شيخلا فضيا، اغرز خنجرك في عميقا...فكل شيء يؤلم)).

انحنيت لأتأكد من موته. الملعون شرب سبع كئوس مطعمة بالسم، وكعك مرشوش بالسيانيد الأبيض كالسكر...لم يمت! لذا اطلقت عليه النار،من أجل القيصر،من أجل روسيا.ظل ساكنا.وفجأة! ارتعش جفناه، ثم وكأنني مقيد إلى كابوس، خنقني بيديه الخشنتين.ظل يردد بصوته الفظيع...يوسبوف!يوسبوف!يوسبوف...لن أنسى ذلك ما حييت!

وجدوا جثته في بحيرة جليدية، كان يرسم الصليب على صدره بثلاث أصابع، رأسه مهشم، ذكره مقطوع (يقال أنه عند امرأة انجليزية مسنة تملك وقتا ومالا وفيرا)، ثلاث رصاصات تخترق صدره ، وسم كاف ليقتل اسطبل خيول قوية...ومع ذلك مات غرقا!



نعم أنا راسبوتينية، دعني أعلمك تميمة قواه الخفية. لن تكون غريبة عليك.ان اقتبس من انجيل مرقص عندما ابان الرب نفسه للاحدى عشر، ومنحهم ألسنة التبشير وقوى الشفاء..ردد معي.

((عندما أتتني عذراء كازان السوداء..سيدتنا ..وهي التي قالت من قبل "أنا سوداء يا بنات أورشليم ولكني جميلة".ولهذا السبب أتت إليّ ،وأمرتني بالمسير،فبلغت المقدس راجلا. حين يسألونني يا ماتوشكا -يا ام روسيا- ما التقوى؟ أقول: قدمان قويتان))

جلالتكم تفعلون حسنا إذ تصغون إليه. أرض روسيا تتحدث بلسانه.نعم لقد أخطأ كثيرا.خطايا سوداء سوداء.لكن توبته صادقة ومحمومة.ويعود كل مرة كطفل نقي...انه بين يدي الله.
"انا لست سوى موجيك...فلاح قذر! بحذاء اخرق!... يتبختر على بلاط القصر"


Wednesday, 20 April 2011

نثار حول أبيض ... تأرجُح بين زمنين

"الصفار لمحة فارس...الخدار أقعد جالس" تجامل جدتي سمرتي و"نثار حول أبيض" كتابُ شعر كلما تفرست فيه تجلَّى. فيه يفارق الشاعر أنس مصطفى مجايليه في كتابته الزاهدة في التنويع اللفظي وفي قدرته على خلق عبارات قوية ومتماسكة بحفنة الكلمات  يدور الديوان في فلكها كالحنين، الغربة الأبيض، الخضراء...إلخ

كتابة كالحوى، فالكلمات الرقيقة تبدو هشة ومتفلتة ومائعة عن المعنى، لكنها في الحقيقة مثبتة في المكان المعني لها وبالشكل المقدر لها، وربما هذه الخاصية تحديداً هي التي تكمن فيها الحرفة الشعرية لأنس مصطفى، فسلاسة العبارات ورقتها تخفي تماماً الإحكام الذي صيغت به
لماذا نثار؟ حول؟ أبيض؟ الذي عنونت به المجموعة، فلنأخذ كل كلمة من العبارة على حدة، فهو نثار وليس نظم..كلمات تتفلَّت من صياغاتها وسياقاتها من جمل أو أبيات، ثم هو نثار حول، ليس على أبيض، لا تشير حول إلى معنى الهامش، بقدر ما هي الكلمات متفلتة عن سلطة المكان المفترض لها، واخيراً هي نثار حول أبيض مجهول غير معرَّف، وهذا ما يفصح عن الديوان، هو العجز عن وطء البياض، وإثبات (بالكتابة) ما ليس مثبتاً لدى الشاعر، وكما قلت في أن هذا الديوان محبوك على التفلت ومغزولٌ على التنصل، فلا ثبات يجب أن يمنح إلى العنوان.
كل قولي السابق عن تفلت المعنى له مغزى يعبر عنه الشاعر في قصيدة "عن الله ونواحي الحبيبة

كيف النصوص
مرهقةٌ بالكنايات
ولا تقولنا أبداً

جدل الفن والفنان منذ الأزل هو بلوغ الكمال أو التوحد فيه، فأن يكون فنك كما تريده، أو أن يعبر عنك و يقولك تماماً هي مأساة الفنان، وهي في الوقت ذاته حبل الحياة الذي يمنحه الإستمرارية، المقتطف أعلاه من قصيدة مهداة إلى الأستاذ محمود محمد طه، كما أن الديوان يفتتح بإقتباس من قصيدة محمد عبدالحي يرثي فيها التجاني يوسف بشير: (هل أنت غير إشارةٍ لمعت على طرق الصحارى). وللأستاذ محمود محمد طه حديث عن لحظة الآن التي تقع بين زمني الماضي والمستقبل يتارجح بينهما الإنسان كالبندول أبداً، من يستطيعون أن يوقفوا حركة التأرجح للمكوث في هذه الوهلة بين الزمنين يدخلون في زمن الحضرة وتتكشف لهم الحقائق...وهي كما يقول الأستاذ" وهلة"، ولأن حركة الزمن تنعدم فيها فهي تساوي أزل، والشاعر محمد عبدالحي عندما أراد أن يقارب من شخوص قصائده من زمن الميثولوجيا أدخلهم في زمن الحضرة التي فيها تتكشف الحقائق وتنعدم فيها الثنائيات وتحتفظ الأشياء بأسمائها الأصلية، وفي قصيدته العودة إلى سنار فإن هذه اللحظة يرمز لها بتوقيت زمني ضئيل:

رمز يلمع بين الغابة والأبنوس
وكانت الغابة والصحراء
إمرأة عارية تنام
على سرير البرق في إنتظار ثورها الإلهي
الذي يزور في الظلام
            قصيدة محمد عبدالحي ، العودة إلى سنار

أنس مصطفى يوقِّت قصائده على الزمن المتفلت عن اللحظة الحاضرة، فهو يتأرجح دوماً بين الحنين/الغياب، بين (آخر ما يخص وطن/أو بدء المنافي...من قصيدة ثمة حزن، ثمة مريم)، وبين المريمين التي يتكرر إسمها كثيراً في الديوان: مريم الميلاد ومريم القيامة، إيقاع الديوان حزين، وقلق، ومرهق بالبحث ومحمل بالسفر...ويستجدي تلك اللحظة "الآن" التي لا تأتي:

مخزونةٌ أنت حد الهطول
ولاتمطرين
ولاتمطرين

يبذل الشاعر جهده مع النصوص كي تقوله، معبراً عن ذلك -بعيداً عن الكناية-برسم الكلمات، فما الذي حقاً يفصح عن إحساس الوحدة في هذه الكلمة، سوى أن يقول:

كم أخَّاذ
أن تكون وحيداً
و
ح
ي
د
اً
تماماً
وتجدون أمثلة تعبر عن العمق أو البعد أو الوسع مثلها في الديوان، وليس هذا مثال الإيقاع الوحيد في الديوان، فهناك تجانس مصنوع بإسلوب المرجع  ، فالقصائد تشير بعضها إلى بعض، الأبيات تخرج من سياق القصيدة لتربط نفسها بسياق آخر، والإسلوب سهل وفعال وذلك عبر المجموعة المختارة من الكلمات التي حيكت منها النصوص، فلا يكاد نص يخلو من حنين/غياب/غربة، فيصبح لديك من السياق الذي تورد فيه الكلمات مجال من الدلالات والمعاني التي تفسر معنى "الخضراء" أو "البياض" أو "الحنين" ومن ثم (أعني بالإحساس الذي يتولد لدى القارئ) تصبح الحبيبة المخاطبة هي ذاتها في كل القصائد.
الحقيقة المائعة هي ما تطارده الكلمات، وقد أحسن الشاعر في أن يمنح القارئ إحساس الرهق بمطاردة الحقيقة، فهو يرسم كل صورة للقارئ بكلمة "كأنَّ" كي لا تكتمل صورة في ذهنك، فتشارك أنت الشاعر أيضاً ظمأ الإكتمال

:
كأنَّ المكان هروب
المكان
كأنَّ البيوت إنحسار
البيوت
كأنَّك أنتِ تمام الحبيبة

يحاول أن يوصل إليك أنَّ الأشياء ليست هي الاشياء:

وتمرُّ بيوتٌ
مثل بيوت
(حين هذا الليل مطفأٌ مثل ليل)

وتنتهي معظم القصائد إما بتساؤل أو بعبارة مبتسرة، مؤرقة ومتوترة، تمنعك عن الشعور برضا الانتهاء أو الإكتفاء من القصيدة.
التكنيك المستخدم في الكتابة بالغ الصعوبة، هو أشبه بالبوح عبر الكتمان، وهذه الكتابات المكبوتة عن الحكي أعطت القصائد أثر مضغوط كما الماس، إلى حد ما مثل كتابات إيميلي ديكنسون، فالمسكوت عنه يخلق في حد ذاته قصائد أخرى.
أنا لم أتحدَّث عن الثيمة هنا، فالديوان كما ذكرت في البداية كلما جلست إليه كشف معانٍ وأبعادٍ جديدة، ولكن ما يمكنني أن أقوله أنَّ الثيمات رومانسية المنحى، رغم القلق في الديوان، إلا أنها فكرة القلق الباحث عن "الشيء" الباعث للسكينة تخالف ما أتى بعد ذلك من ثيمات شعرية تسخر من فكرة البحث وتنفي السكينة.
آخر قولي وبلغة المعلقين على الكتب، "نثار حول أبيض" ديوان للإقتناء والتوريث



الصور: غلاف الديوان وصورة الشاعر منقولة عن صفحة الشاعر على الفيس بوك
https://www.facebook.com/#!/pages/%D8%A3%D9%86%D8%B3-%D9%85%D9%8F%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89/134800896534066

Friday, 15 April 2011

أنشودة الصخر لأحمد (ثلاثية


كبسولة الشعر

أو...السبيل لمقاومة غواية الشعر
الغموض، والصنعة، والتذوق، والرؤية، والرؤيا، والحيلة..نعم الحيلة أيضا..وكل ما يشي بالشعر و ليس بشعر. فأنا لا أكتب الشعر، وفوق ذلك..أنا لست بشاعرة ..ولعل اصحابي هنا ارادوا انزالي ذلك المنزل من باب البر، وذاك جائز بين الصحاب. كنت قد شرعت قبل فترة في كتابة منفستو اللاشعر، وكان الأمر بالغ الصعوبة، فيلزم نفي الشعر أن تثبته في الأول.. وكيف ذلك؟ والشعر يتفلت أبدا ويتنصل عن التسمية، فكل ما اردت أن تثبته في الشعر كان الشعر غيره. سوى قولين في الشعر لزمتهما وما أراني أنزل عنهما أبدا. الأول لعاطف خيري يقول: أن شرط الشعر هو تسميتك له بذلك، فتنتخب ما تراه من كتابة وتسميه شعرا، وتعين نفسك شاعرا، فهو اسم لن يخلعه عليك أحد. وقد يختلف الناس بقولهم: شاعر مجيد، أم شاعر ركيك...و شعر حسن وشعر رديء..لكنهم لن ينوبوا عنك في تعيينك شاعرا.والثاني تي إس إليوت... وتي اس اليوت كان قد رصع المجلات الأدبية والصحف الإنجليزية بنظم رصين قبل أن يقلب الطاولة على الرصانة بقصيدته : الأرض الخراب ... وقد سعد المتوهمون أيما سعادة بالنظم الحر، حتى أصاب اليوت الهلع فكتب سلسلة مقالات نقدية يضرب بها يد من سولت نفسه اتخاذ (الحيلة وحسن التدبير اللغوي) شعرا، وأكثر في التغليظ والتضييق على متوهمي الشعر حتى ظننا أن لن يترك لغيره مدخلا إليه. لكن هي صفة واحدة اجد فيها الزبدة ... يقول إليوت: الشعر تقليد، والشعراء قبيلة. فليس بشاعر من لم يمد له نسبا في نسل الشعراء الكوني، ليس المنبت بشاعر! نعم! هناك أبناء الشعر الضالون... نكروا اباءهم وبددوا ميراثهم الشعري... فكثير من الشعراء قطعوا وشائج الدم بينهم وبين عمومتهم وخؤؤلتهم من الشعراء...لكن في البدء كانت الوشيجة.....فمن لم يجد له صلة رحم مع التراكم الشعري السابق...من لم يجد له رابطا، ولو كان رابط الرفض والكراهية والقطيعة، فليس بشاعر.



1

أرُو
أنا القابع في مريء الغيظ
حمض التوتر
دبيب عجالة في الدم ولا مستقر


جسد يجثم على أطراف الأرض
يكشف ذراعه لوخز ميت
لا يتفصد، لا يرتوي


عجوز يبس لسانه من لعق الرجاء
ايس! يتوسد الخروج على مرقد الخلود


أخض دمي في زجاجة  أريدلأسدها بإبهام لا يكترث
أنا إذا في حيرة اقرأ ما أقرأ
لا يردني وحي ولا تدثرني خديجة


أكن عند نقطة انكسار
الله اكسرني...الله اكسرني
ألن عظمي...قلب بصري
مزقني كل ممزق
 نادني
ردني
أهش على وجهي
ببشارة من ...قصب
!




2
أركولوجيا العذاب






و إليك يسعى كل معقود
يجر أثقال غربته
يلقي بكاهله عليك
فتقيمه هيكلا
التفوى ها هنا يا بطرس
التقوى
 ..
* * * *
ها أنت مرصد الليل
ساجدا ترقب قافلة الشوق
يضرب حاديها بكعبه
فيصعد
ككلم طيب
* * * *
من شرفة اليقين
تقلب قلبك بأصبعين
وتلقي به في التجربة
ومن القلوب ما يهوي في الله بالله لله
* * * *
سبحانه
!
الذي شد ألف ألف قمر على جلده
سبحان الذي أرساه قدرا في فلكه
يبث ذبذبات الأنين
* * * *
ضربنا بعصي السؤال على جنبك
فانبجست مدامع من حنين
يا رب، اما ان لهذا الصلد أن يمسك مشربا من حنين؟
* * *
ابكيك وتبكيني
تنفلق ستون شظية من جلد
أحد أحد
قد خلقت في كبد
* * *
ضع فمك على فمي
واستل سخيمة تكلست بالقلب
واشهدك يميني الرخو
فأشهد لي بيميني الرخو
واستودعك
* * *
حبيبي؟
بَرِيّة بَرِيّة
!
3
حجتي بفمه




أتنازعني شلوا
مضرجا بالهزيمة
مزعا تناهشتها المسام
في أزقة المحتوم


والحلو؟-أبدا الحلو
كسارة الذات؟
فر به نمل الصيف إثر نزهة قدرية


قضمت أصابعي يأسا
إذ ما عاد واحد منها يشير إلي
وما عاد منها واحد
وما عاد واحد


إذ هل أخطك
أم أقرأك؟
أحدثك
أم أسمعك؟
تتوهمني
أم أتوهمك؟


ليس سوى قطب
يتمغنط قلقا
يذوب في حامض حيرته
تلوب ذبذباته فزعا
مضغة تضوع في حلك
الله لي..أم الله لك؟


….for those days when people ask me what its like to be me……
http://www.mondolithic.com/?p=1117


لا يمكننا أن نستوعب ما الفصام دون  مفهوم القنوط

جنوبا نحو الشمس


 
المدهش أن ما كان راسخا مستمرا في ذهن فنسنت فان غوغ لم يكن له بزغ ولا نبت في الواقع . لم يكن له سوى "وجود مبعثر" في أذهان مجموعة من الضائقين بالذوق السائد للفن
مدهش، لأن هذا "الوجود الذهني المبعثر" هو من القوة والثبات لأن يضبط ايقاع هذا الفنان حتى نهاية عمره. مدهش، لأن قضبان الفن الراسخة في تلك الفترة كان للإنطباعية التي كانت ما زالت في أوجها ..لكنها تثير التثاؤب لدى فان غوغ وحده.
الفكرة بسيطة (بسيطة بالنسبة لفان غوغ بالطبع) فن جنوبي ، تميل الشمس فيه على دوائر عرضها، لتفصح عن الألوان كما هي أو بأكثر مما هي عليه. للشمس ضرورتها فهو في الحقيقة يريد أن يحاكي التصاوير اليابانية التي امتلأت بها القارة الباردة في تلك الفترة، ذات الخلفيات الحمراء الوقحة والخطوط البارزة. وتفسير فان غوغ لمثل هذه الرسومات العجيبة واضح: الشمس!
يحزم حقائبه، ويتجه جنوبا إلى مدينة ارلز الفرنسية (أقرب ما يستطيعه من الشمس). أخوه ثيو سيتكفل بالدعم المادي، بينما سيعمل فان غوغ بساعديه الهزيلين على حرف قضبان قطار الفن العنيد. يستأجر منزلا، ليكون ملجأ له ولرواد هذا الفن الحديث (الذي بالمناسبة لم يبزغ بعد حتى يصبح له روادا) يؤثثه بما يناسب توجهه ، يؤكد على صفرة جدرانه المطلية.
"إنني بحدسي الذي اتلمس به العالم الجديد، أؤمن بقوة في امكانية نهضة عظيمة للفن ،كل من يؤمن بهذا الفن سيتخذ من الإستوائيات مأوى له. نحن لسنا سوى وسطاء لهذا الفنووحده الجيل القادم هو الذي سيزهر فيه" (عن غوح بتصرف مني في الترجمة)
ويبدأ يفكر بمن سيشاركه هذا المجد، يقع اختياره على غوغان، لماذا ؟ لوحة (موعظة على الجبل)

 بالنظر إليها لا يحتاج الأمر تفسيرا. يشرع فان غوغ في مراسلة غوغان شارحا فكرته، غوغان الرائع يستجيب وتبدأ سلسلة مراسلات محمومة بينهما، و يرسل كل منهما رسما لنفسه يشرح فيه ذاته. غوغان يرسم (ويصف في رسالة) أنه كجان فالجان بطل رواية البؤساء لفيكتور هوغو ، فكرة (الخارج النبيل) ترون في ورق الحائط البادي في اللوحة زهورا رقيقة أشبه بتلك التي تكون في مخادع الفتيات، ويرى -مؤلف كتاب البيت الأصفر ؛مارتن غايفورد-أن غوغان يريد أن يصف عذريته و توحشه في ان.


فان غوخ يرسل لوحة أيضا لا يذيلها بوصف، ولكنه فيها مفلطح الوجه، تتباعد عيناه وتنسحبان على جانب وجهه وتعلوه صفرة، فان غوخ "شرقي الملامح" ، فان غوخ هنا يلمح إلى بوذا.

الغرس الديني في الفنانين كان عميقا مؤثرا، يتجلى في نظرتهم إلى الأشياء وإلى الفن تحديدا كرسالة انسانية. وكاتب كتاب البيت الأصفر يذكر ملاحظة ذكية في ذلك ، يلخص فيه تلك الأسابيع التسع العاصفة التي جمعت بين فنانين لا يتشابهان إلا ليختلفا تماما(!!)، يقول عن المنحى الديني، أن تربية غوغان الكاثوليكية تجعله أكثر فحصا للروح و سبر أغوار "معاني الأشياء"، بينما تربية فان غوخ البروتستانية عملية في طابعها ، ترى أن الحركة هي التي تعطي للأشياء معناها. وشكل هذا التدين بدوره ينعكس على طريقة عمل هذين الفنانين المتشابهين المتقابلين، فبينما مبدأ "اللون" واحد (اظهار اللون بنقيضه) فإن التعبير عنه مختلف، فغوغان (الذي يعجبه أن يوصف بالبربري) ثابت في رسمه، خطوطه المنتظمة والكثيفة أشبه بالنسج، بينما فان غوخ المنزوي نحو دواخله الهادئ الطباع، يرسم وكأنه في مبارزة بالسيف بتلقائية وفجائية، ويصف النقاد الأثر الذي تخلفه "ضربات" فرشاته، بالأثيرية ، كأن كل ما في لوحاته على وشك الطيران والتلاشي في الدخان أنظر(لوحة: رجلان يمشيان،عربة،صنوبرة،نجمة و قمر هلال )
 أو لوحته الأكثر شهرة (ليلة ذات نجوم).

الكاتب مارتن غايفورد كان ذكيا في ترتيب كتابه، يصف الشخصيتان بهدوء ليبرر لاحقا الأحداث العاصفة التي أدت لأن يفر غوغان من فان غوخ دون أن يودعه أو يلتقيه بعد ذلك أبدا. فهما كما ذكرت لا يجتمعان إلا ليفترقا. بل كل منه في ذاته تجتمع فيه عناصر التناقض. غوغان الذي يرى نفسه كثور صاخب منظم الفكر والطابع، وفان غوخ الهادئ الوديع تضطرم العواصف في داخله. لذا سيهتدي كل منهما في اخر الامر إلى الجنون .
أكثر ما يعجبني في السيرة الذاتية لهذين الفنانين، أن أحلامهما تبحث دوما عن موطئ قدم في الواقع. فالسؤال :كيف يستوي هذا الفن الجديد على ساق الواقع؟- يشغلهما بقدر ما ينشغلان بفنهمافان غوخ يرى أنه يقوم فنانون مخضرمون كـ "مونيه" و"ديغا" بالتبرع بالكانفا وادوات الرسم للفنانين الجدد ويتقاسمون الربح بعد ذلك عن ريع لوحاتهم . أما غوغان فيعتمد على خبرته العملية في المضاربة في البورصة، فيرى ان يقوم  سماسرة الفن بإغراق السوق بلوحات هذا الفن الجديد.ويستثمر المضاربون بالسوق في هذا الفن الجديد، وبعد ان ترتفع أسهم الفنانين الجدد ينال أولئك المضاربون حظهم في الأرباح.

ماذا حدث؟ سبعة أشهر بعد حادثة مطاردة فان غوخ لغوغان بالة حادة، ثم حادثة قطع أذنه وأهدائها إلى مومس، يخرج فنسنت فان غوخ إلى الحقول ويطلق النار على نفسه. كان قد خرج لتوه من مصحة عقلية. يقول غوغان: لست مفجوعا لموته، علمت أن هذا سيحدث ،فالمسكين عانى في صراعه مع جنونه.لأن يموت في هذا الوقت هو سعادة عظيمة له، فهو ينهي عذاباته، وإذا ما عاد في الحياة القادمة فإنه حتما سيجني ثمره الطيب الذي زرعه في العالم ". ويموت بول غوغان بعد أعوام من موت فنسنت فان غوغ ،وسط اكوام من المورفين وقناني الخمر في منزله الإستوائي في جزر ماركيزاس النائية، بلغ الهذيان في رأسه (بسبب مرض الزهري) حد الجنون ومات كصاحبه وقد تحولا إلى اسطورة بين الفنانين الناشئين .
الفن من حيث هو لا يبزغ من فراغ ولا ينتهي إلى العدم (هذا في رأيي)...ومهما بدا لنا أي فن ثوريا وعاصفا فالنسائم المثيرة له تسبقه دوما، البداية كانت للفنان سورا Seraut وتطبيقه لنظرية درجات اللون، فهي التي فتحت الباب لفناني مرحلة ما بعد الانطباعية والتي تتركز ثيمة أعمالهم أو تعبيرهم عن الثيمة على فكرة اللون (لا يوجد أزرق دون أصفر أو برتقالي كما يقول فان غوخ) ، وامتد أثرهم فيما بعد في الفن لبيكاسو وماتيس.

حاتم على شفرة الثامنة


مساء الخير يا تلك اللهفة تتقلب مع كوب الشاي، وتتقرفص على الأريكة أمام المعلّم، فيستعرض ما يباغته من الحكمة وما يصطدم برأسه من الرؤى.
يا تلك الغمامة تمطر القلب كل ثامنة بمناخات لم يعهدها؛ بمظلات المقاهي، وأحذية الشتاء، وأذرع تتأبط أذرع.
حاتم أول ما رأيناه في مسلسل "دائرة النار". احدى نفحات السلطان التي عرضت على تلفازنا  اوائل التسعينات، فقبلنا يده ولعقنا الأصابع من بعد. كان اسمه عبدو صبي الفران، الذي يدس يده بين ارغفة الخبز الحار ويمسك بأصابع سميرة المذعورة. الذي يتقلب على فراشه المهترئ كل ليلة "كيف نام والحارة مليانة صبايا؟". الرغبة، لا تحتاج أن تجسدها سوى بنظرة هنا وايماءة هناك.
حاتم علي ابتدع فن الكومبارس المجيد، فتشبث مع ابطال العمل في دائرة العقل ولم ينسى. بدايته خلف الكاميرا، وأنا أتحدث هنا عنه خلفها.عن المخرج.
حاتم علي فكك شفرة وجدان الثامنة، المزاوجة بين الإستهلاكية و الإبداع. الإستهلاكية هي تلك الحاجة الماسة، لمن هن مثلي- اللائي يتجولن بلفافات الشعر، ويتعطرن بأبخرة اليوم، وتتقن وجوههن ألف ألف ايماءة وعيد لشيطان يتجول في قمطه_ لساعة من أبد (!!). وكما سندريلا، تدق الثامنة، وقد هدهدنا الشر في خدره، فككنا اللفافات، وتفككنا على الأريكة أمام المعلم، لنبحث عن المفقود، الذي هو ليس إلا، ذلك الوقت المبذول بيسر على مقاعد المقاهي، شعر ينسدل عند الغضب، كلمات من ذهب لا يقطعها سهو أو تمتمة ، أظافر براقة و أدمع مرئية، وعيون تنضح بكل ألوان العاطفة ولم تكتفِ بالألوان الأساسية الثلاث: الضجر، السهو، التعب.
هذه اللمسات الدرامية المتكررة لا تخلو منها أعمال حاتم علي، يزاوجها بقصة لا تخاطب الوجدان وحسب، بل تتخطاه للعقل، يتحدث عن تلك الأشياء التي عادة نتثاءب منها، قضية فلسطين، تاريخ العرب في الأندلس، قانون الأحوال الشخصية بسوريا.
والأهم من ذلك لمساته الفنية كمخرج. الكل لاحظ الإختلاف في أول أعماله الفضائية "الزير سالم"، عن تيار مسلسلات القبلية العربية التي اجتاحت التسعينات كالجوارح والبركان. رغم ما يتخلل العمل من هنات مريعة،(أعني بحق السماء...هل تذكرون جوقة الاطفال المغنية: كليب كليب! فشل ذريع!)
تناول حاتم علي في ثلاثيته التاريخية: صقر قريش-ربيع قرطبة- ملوك الطوائف، وأيضا صلاح الدين الأيوبي، ليس السرد التاريخي فحسب، الذي كان الكاتب البارع وليد سيف أمينا مدققا فيه، ولكنه نفذ إلى روح السيناريو، تخطّى تفاصيل التاريخ المملة كـ: من فعل ماذا وأين، ليتحدث عن جدل الفكر والسلطان، لا بتمثلهما في شخصين منفصلين، بل عندما يصطرعان في ذات واحدة: المفكر السلطان/السلطان المفكر، وما يتداعى من ذلك، إثر صراع المبدأ مع الضرورة، أو بشكل أوضح، عندما يتبدّى في موطن التخيير، ماذا تختار؟ ثبات الدولة على شلو المبدأ، أم تختار الثبات على المبدأ ومن بعده الطوفان؟ ويصنع لك خط شك رفيع في هذه القراءة التاريخية، أنه ربما ليس هناك موطن اختيار، فهي حيلة من السلطان ليبّين وكأنه في موضع المضطر(!!). ترون ذلك في صعود صقر قريش إلى سدة الحكم ، متعضدا بالنسب والعصب والموالي، مستنفرا لتلك الوشائج، ثم إذا ما استقامت له الدولة، تنكر لذات الروابط والوشائج الواحدة تلو الأخرى بدعوى الولاء للدولة. أو هي في انقلاب محمد بن أبي عامر ، الذي أعطى لنفسه حق الحلم بالسلطة، حق استمدّه من يوتوبياه التي يرسمها في خياله، واستمده من ما يراه في نفسه من صلاح واستقامة وخلق، إلا أنه وفي الوقت نفسه، يتسلق إلى سدة الحكم، راكلا عوارض الأخلاق التي تحول بينه وكرسي الملك، ثم ما ان تستقيم له الدولة، يضعك في موطن التخيير، اليوتوبيا أم ثبات الدولة المتربص بها؟
لا بد وأن حاتم علي يتأمل واقع الحال السوري الحرية والديمقراطية أم ثبات الدولة المتربص بها من العدو الصهيوني؟
ونحن جمهور الثامنة، نتكئ على ذاك وعلى لمسات المخرج في قدرته على عرض بذخ الأندلس، و على صيحات عشق أندلسية شاء المخرج بذكائه (وذكاء انتقائه) أن تنطلق بين طيات السرد التاريخي
لقد كتمت الهوى حتى تهيمني
لا أستطيع لمثل هذا الحب كتمانا
لا بارك الله في الدنيا إذا انقطعت
أسباب دنياك من أسباب دنيانا
دار حديث كثير حول الدراما المصرية والسورية والفروقات بينهما ، لكن لعل ابرزها هو ما سمعته في حديث للمخرج السوري نجدت أنزور أن لامركزية البطولة هي ما يميز الدراما السورية، وفي الغالب تكون نواة العمل فكرة، لا شخصية. وهذه الصفة تظهر اكثر ما تظهر في أعمال حاتم علي، فحشده لأسماء لامعة في طاقم العمل، أسماء عهدناها في دور البطولة "المركزية" ، هي لصرف المشاهد عن البطل الأوحد، لينحاز إلى ما تمثله هذه الشخصيات.
التغريبة الفلسطينية، ارى أن القضية الفلسطينية هي الفخ الذي يقع فيه كل الدراميين العرب، لأنها عرض متكرر ومكرور على برامج الاخبار وساحات النقاش، وهي قضية قتلت بحثا وأدبا وغناءا، فيبدو وكانه لا جديد تقدمه الدراما. لم ينج من هذا الفخ سوى المخرج يسري نصرالله في فيلمه باب الشمس و حاتم على بتعاونه الفريد مع الكاتب الفلسطي-سوري د. وليد سيف في التغريبة الفلسطينية. والمسلسل ينأى عن التركيز على سرد الأحداث وتاريخ القضية الفلسطينة، لتسخدم هذه الأحداث وهذا التاريخ كمفتاح لفهم "الفلسطيني" ، المتنقل من الإنتماء الكامل للأرض الفعلية إلى الانتماء الكامل للأرض المجاز، ومابينهما من خواء اللاانتماء، فلسطيني الفكر و السلاح، كيف يقبض على جمريهما، فلسطيني التشبث -إذ أنه كل ما تبقى من إثبات الهوية، وفلسطيني المضي قدما واللحاق بركب العالم. المسلسل بلامركزية البطولة استطاع أن يستعرض صراع هذه الثنائيات في "الفلسطيني"، بحوار بصري ولغوي اكثر من رائع

.
وحاتم على أيضا من المهتمين بشدة بقضية تطوير قانون الأحوال الشخصية بسوريا وبالعالم العربي عموما، وواضح أنه لا يطرحه في إطار ليبرالي ، إنما في إطار العرف والتقاليد والدين. كما في مسلسل "عصي الدمع" و الجزء الأول من الفصول الأربعة .
ولكني إن اردت أن أتحدث، فعن نكهته البصرية في الإخراج، فهو حريص كل الحرص على أن لا يتخلّى عن "ترف" اللغة البصرية، أقول "ترف" تهكما، إذ أن ضجيج الدراميين العرب ضرب اذاننا بدعواهم للتركيز على المحتوى والمضمون بعيدا عن الشكل. فأنا أرى أن "الشكل" هو كل شيء.
الترف: يحرص حاتم على على التفاتة ما في كل عمل درامي لهففي مسلسله على طول الأيام و هي قصة رومانسية عادية(خيانة وعودة الخ مما تعرفون) وفيها يعلو صوت العاطفة والتداعي الداخلي للعاشقين. استخدم طابع تقسيم الشاشة الذي تعرفونه في مسلسل 24 ، وهو مسلسل حركة وإثارة، يبدو غريبا أن يستخدم في هذا الإطار الهادئ، ولكنها جاءت على هذا النحو  إما لتنفي للعاشقين أن في العالم اشياء أخرى بأهمية حالة العشق التي تستهلكمها، كدقات الساعة، كرجل يجلس ساهماأو أن الشاشة تنقسم إلى شاشات مصغرة لتركز على اشياء لها مدلولات لدى العاشقين، كإطار صورة، أو رسالة على المحمول، فكأنما تتنفس حياة لوحدها تستمد أوكسجينها من حالة العاشقين. نعم سيناريو القصة ساذح، استطاع
حاتم علي بترفه البصري أن يحيله لحالة فنية، لا تعيق مزاج الثامنة!!
صراع على الرمال" مسلسل بدوي ووجه بالكثير من الهجوم والنقد، مرده في رأيي أنه تحالف بين مبدع كحاتم علي، وبين خلطة قاتلة : 1-أمير 2-نفطي 3-ثري 4-شاعر(؟!) (شهقة! ) هو الأمير محمد بن راشد أمير إمارة دبي. وعيب على العمل أن الحبكة فيه ضعيفة وليست إلا استعراض لأشعار الأمير. وهي كذلك، الحبكة ضعيفة أتخمت بترف حاتم علي البصري محولا إياها إلى لوحة فنية رائعة، جافت النمط البدوي التقليدي "المكرور" فجاءت في شكل ملحمي، وهي استعراض شعري، هي  استعراض شعري في شكل درامي، نعم الشعر هو البطل الرئيسي في المسلسل، شعر ينشد ببدوية فصيحة للفنان حسين الجسمي، فتطلق في الثامنة صافرات الحنين(!!). أجمل التفاتات حاتم علي، هو طريقة سرد المسلسل، فالحكاية (بعكس تقليد الدراما العربية) مروية بلسان "الشرير" وهي شخصية رقيط، الذي ينتقل من الديالوج الدرامي، إلى مونولوج مفاجئ ليخاطبك أنت المشاهد...أها! بمن تذكركم هاتان اللفتتان؟ (الرواية بلسان الشرير، والانتقال من الديالوج إلى المونولوج؟) نعم ! احسنتم! بدراما شيكسبير.
وحاتم علي أيضا يركز على الجانب اللين في البدوي البادية والتي نادرا ما تستعرض، والمتمثلة في شعره، في ترجيله لشعره، في تزينه.
ينطلق الحادي بلحن بدوي شجي :
زينه هي الموت والمنعوت والنجوى
من زينة القلب ذاب وعذبه شوقه
سوت بقلبي الذي ما أحد قبل سواه
وثياب صبري من الهجران مشقوقة

أو
ابغاها شعرها طويل مثل ليل الشتا حيران
في غابة من سواد الشعر في ليل الدجى الجاني
بنية من حلاوتها إليها تنظر العميان
ولو مرت على ميت حيا ورمى بالأكفان

عصي الدمع كما ذكرت انفا، هو مسلسل يركز الضوء على قانون الأحوال الشخصية في السورية، ولكني أتحدث عن اللفتات البصرية، ينتهي المشهد المرتكز على شخصية أو شخصيتين بظهور شخصية ثالثة هي التي ستنتقل إليها الكاميرا في خلفية المشهد، كشخص يعبر الطريق لا يمت بصلة إلى الشخصيتين السابقتين وفجأة يصبح هو محور اللقطة التالية، وذلك بدلا عن انتقال اللقطات التقليدي إما بالخفوتأو النقلة المباشرة.
لعلني ، كغيري من جمهور الثامنة العصي، منحازة إلى هذا الفنان المبدع، أولم يقل الطيب صالح ( أجمل النقد ما صدر عن حب) ؟