Friday, 8 October 2021

نقابة المنشأة مفتت الوحدة النقابية؟ نعم ولا

نقابة المنشأة مفتت الوحدة النقابية؟ نعم ولا 


الثورة هي النفاج!

في ابريل 2020 نشرت الكاتبة الهندية  مقالا بعنوان (الوباء هو النفاج) ، قصدت أن حالة العجز والشلل التي ووجهت بها أنظمة العالم هي فرصة لبناء أنظمة ومفاهيم جديدة لعالم ما بعد الوباء. 

والثورة هي النفاج، الثورة التي وقفنا فيها على خرابة الوطن، هي فرصة لبناء أنظمة جديدة من الركام.


الصورة من صفحة تجمع تصحيح واستعادة العمل النقابي بالفيسبوك


نقابة المنشأة مفتت للوحدة النقابية؟ نعم ، وهي نعم الخوف والتوجس لا غيرها.

مفهومة هي المخاوف التي يطرحها المعترضون على نقابة المنشأة وفكرة الجمع بين نقابتين (منشأة وفئوية)، وهي مخاوف مرتبطة بإنفلات سلطة اتخاذ القرار في حالة تحول نقابة الفئة إلى تحالف نقابات منشأة، فالخوف من يتم اختراق نقابات المنشأة من قبل مصالح خارجية (رأسمالية أو سياسية أو أييولوجية) عبر الرشوة، والحشد المضاد ويؤثر ذلك تبعا على وحدة نقابة الفئة. هذا وارد. ولكن ليس هناك ما يقول أن نقابة الفئة حصرا هي محمية من الإختراق والإستقطاب السياسي. بل تاريخ الحركة النقابية في العالم يعج بأمثلة الإستقطاب لنقابات الفئة واستخدامها كسلاح في المعارك السياسية حتى ضد مصالح العمال والفئة التي تمثلها. ولم تكن حركات الإصلاح والتنظيف للنقابة إلا من خلال ضغط العمل المنظم للعمال من داخل أماكن عملهم (=المنشأة).

كما أن الرد على هذا التخوف لا يكون بالردع! ففرض قانون نقابي موحد يستخدم القانون كأداة لقمع العمال النقابي الحر هو اخر ما يتوقعه المرء من رواد العمل النقابي، لأن تاريخ الحركة النقابية ظل دائما حركة شرعنة الواقع الحي على القوانين المتجمدة، وفرض الشرعية القاعدية المباشرة على شرعية (التمثيل) بالقوانين والبيروقراطية.


الصورة من صفحة تجمع تصحيح واستعادة العمل النقابي بالفيسبوك

إذا فلا ، ليست هذه المخاوف سببا مشروعا لرفض فكرة الجمع بين النقابتين كمفتت للوحدة النقابية. ولأن ما يحمله الجمع بين نقابتين من إمكانيات لتعضيد الحركة النقابية يستحق تبنيها. ذلك أنها ستحول نقابة الفئة من جسم إداري صفوي، مكون من منسقين ومناديب ، يعمل عبر الترهل البيروقراطي،  إلى جسم عمالي قاعدي حيوي من عضوية فاعلة في أماكن عملها وواعية بقضاياها اليومية وقضاياها العامة.

ليس هناك أدنى شك أن المكاسب التي ننعم بها اليوم مثل ( الحد الأدنى للأجور، العطلة الإسبوعية، الحوافز والترقيات، اجازة الوضع وساعة الرضاعة، ساعات العمل المحددة) هي من مكاسب العمل النقابي الموحد، وهي مكاسب حققتها النقابات الفئوية. بل وفي بلدان مثل التي أعيش فيها (أستراليا) فتشمل المكاسب أيضا النظام الصحي الأساسي المجاني الذي ينعم به كل مواطن أسترالي عامل وغير عامل، صغير وكبير، والذي هو ثمرة العمل النقابي الفئوي الموحد.


نعم ، صحيح، أن التغييرات الجذرية وإصلاح السياسات العامة، لا يأتي إلا خلال من الوحدة النقابية، وتحديدا من العمل النقابي الفئوي. 

وصحيح أن تجربة نقابة المنشأة السابقة هي محدودة، و كانت مرتبطة بالأنظمة السياسية التي تسعى لقمع الحركة النقابية والسيطرة عليها وقطع الطريق أمام وحدتها. 

إلا أنه على الجانب الآخر ، فإن نقابة الفئة كجسم تمثيلي كان ثقيلا وبطيئا في استيعاب التغيرات أو الإنتباه للفجوات وسط الفئة العمالية لولا همة العمال وتنظيمهم لأنفسهم في أماكن عملهم وإجبار نقابة الفئة على استيعابهم، مثال لذلك تأخر النقابات الفئوية في أمريكا من استيعاب السود في صفوفها، و تذبذبها في استيعاب فئة النساء العاملات في المكاتب ضمن اتحادها في أمريكا.


بالإضافة لعيوب أخرى سآتي على ذكرها، أرى أن حلها يكون في تدعيمها بالإنتماء لنقابة في المنشأة. وإني أؤمن أنه كما استطاعت الثورة السودانية أن تقدم نماذجا فريدة غير مسبوقة للمقاومة السلمية غير المركزية، أن لديها القدرة على تقديم تجربة فريدة ونموذج ساطع للعمل النقابي الحر.


الصورة من صفحة تجمع تصحيح واستعادة العمل النقابي بالفيسبوك




التمثيل النقابي الفئوي يعتمد على انتخاب هيئة\ مكتب تنفيذي، واختيار ممثلين ليكونوا حلقة الوصل بين العمال ونقابة الفئة. قد يكونوا هؤلاء الممثلين منتخبين من قواعدهم، أو معينين من قبل نقابة الفئة للتنسيق بين النقابة والعمال في أماكن عملهم. يحتاج هذا الإمر إلى (تفريع) وتعيين منسق قبالة عدد من المنشآت ، ذلك أن تصعيد منسق من المنشآة يعني في بعض الفئات تصعيد آلاف المنسقين والذين هم بدورهم يحتاجون إلى منسقين يصلون بينهم وبين المكتب التنفيذي. فيصبح قوام نقابة هي مجموعة من الإداريين النشطين بعيدين عن نضالات الحركة العمالية اليومية، ويتحول الجسم النقابي الفاعل إلى جهاز إداري بيروقراطي.



كما أنه أصبحت هناك شكوى متكررة من النقابات حول العالم، وهو انحسار العضوية وكذلك ضعف التفاعل، برغم ازدياد توحش الرأسمالية واستغلالها للعمال وانحسار الضمانات الإجتماعية وزيادة الحاجة للعمل المنظم. والحقيقة أن سبب ذلك الإنحسار هو لذات السبب. فتوحش الرأسمالية وانحسار الضمان الإجتماعية زاد من حوادث استغلال العمال في أماكن عملهم بشكل يومي. فأصبح وجود النقابة والعمل النقابي اليومي ضرورة ملحة، لا يحتمل إنتظار التصعيد وتراكم الشكوى والمظالم. 


ولا ينحسر العمل النقابي في تنظيم الإضراب أو الضغط على الإدارة في التفاوض. بل يعني أيضا تنمية مهارات التواصل والتعامل مع الإدارة في تحسين ظروف العمل. وبناء عمالة واعية قادرة على الحشد والتنظيم في تحقيق مطالبها اليومية، مرتبطة ارتباطا وثيقا بمكان عملها بقدرتها على ادارة مناخ العمل. ومهارات العمل اليومي المكتسبة تخلق عضوا نقابيا فاعلا ومميزا، قادر على مشاركة خبراته مع زملائه في النقابات الأخرى وبناء استراتيجيات وتكتيكات عمل متطورة تفيد نقابة الفئة الموسعة. 


كما أن هذا يعضد من التنسيق بين العمال في أماكن العمل المختلفة ليس فقط على مستوى القضايا العامة بل على مستوى القضايا اليومية بتبادلهم للخبرات وخلق شبكات عمل مختلفة يصعب فضها بواسطة السلطة المركزية القابضة. وهو ما أحب بتسميته خلق غابة من الشرعية المتشابكة والمتفرعة.


وبمواكبة خطاب العدالة الإجتماعي، الذي أصبح يبتعد عن المركزية التقليدية، نجد أن فرض قالب واحد للعمل النقابي بالقانون أصبح بعيدا عن روح العصر، الذي تبرز فيه الحركات المحلية التي تنتظم في أماكن العمل والسكن ويكون لها القدح المعلى في الشرعية على الإدارة المركزية بل تقوم بتوجيهها، كما أنها أيضا بعيدة عن روح ثورتنا التي كانت نواتها العمل غير المركزي في الأحياء والذي يظل أقرب لتحقيق آمال الثورة من الحاضنات السياسية والنخب المركزية. 


وعافية العمل النقابي الموحد لا تأتي عبر سلطة القانون القابض، بل لا يمكن أن تتحقق أي نوع من المعافاة تحت قسرية القانون، بل عبر التضامن الحي الواعي بأشكاله المختلفة حول قضايا موحدة.


هناك أمر آخر يعلي من قدح من التنظيم النقابي القاعدي اللامركزي، وهو أنه يعطي القضايا اليومية المباشرة والملحة الأولوية و يستعيد مكانتها في الخطاب السياسي العام وتكون بالتالي رهن الشارع ورهن لغته وتجاربه وخبرته وأدوات عمله، ذلك وقد ظل الخطاب السياسي العام في السودان يترفع عن القضايا ويقوم بتتفيهها بوعي أو بدون وعي لصالح قضايا عامة تملك ادواتها ولغتها نخبة ضيقة ذات امتيازات مشتركة عبر التاريخ، وبقصد أو بدون قصد، يكون حتى الحديث  عن القضايا العمالية والقضايا القاعدية لا يتم إلا من خلال قالب (الإنسياب إلى أسفل) trickle down وهو نموذج يأنف اليساري عن تبنيه.


لا يعني أن العمل النقابي اللامركزي لا يحمل تحدياته، خاصة أن مساحات العمل في مناطق عديدة في السودان تصطدم بالمصالح القبلية أو السيطرة الذكورية على مساحات العمل، غير أن جر هذه النزاعات نحو اليومي والمباشر يضعف من هيمنة المصالح الكبرى على مساحة العمل ويغيب التحالفات التي تنشأ خارج مكان العمل. كما أنه يضعف من قدرة تحالف الرأسمالية أو اصحاب العمل من لعب لعبة فرق تسد بإستغلالهم لثغرات القبلية أو الأسرية أو الذكورية في مكان العمل. مثال لذلك أن النضال اليومي في مكان العمل سيستدعي بشكل متكرر إشراك النساء بدلا من تهميشهم، أو وضع الإستعلاءات الإثنية جانبا من أجل تحقيق مصلحة مشتركة.


نأتي لمسألة أخيرة، وهو جمع نقابة المنشأة بين فئات مختلفة، كالعمال والموظفين، أو بين المهني والفني. أولا من أجل فإن المطلب ليس : هذا أو ذاك، نقابة أم منشأة؟، بل الحشد نحو الجمع بينهما. هذا من جانب. من جانب آخر ، هذا يفترض أن العلاقة بين العامل والموظف الذين تجمعها (علاقات قهر واحدة) هي علاقة صراع أو تضارب مصالح. وقد ذكر مهتمون بالشأن النقابي من قبلي عن تاريخ النضال المشترك بين الفئات العمالية و المهنية في فترات مختلفة من تاريخ السودان. بل إن نقابة المنشأة تعمل في عملها اليومي في الوحدة على تحسين استراتيجيات وتكتيكات العمل في التحالف تستطيع نقل خبراتها وتجاربها في العمل النقابي الفئوي في خلق تحالف عريض. 

كما أنه للمفارقة، تجد في المنشأة أن علاقات القهر ليست بالضرورة من مهني على عامل، بل تتعقد، بحيث يجتمع الطبيب والعامل الصحي والفراش ضد إدارة المستشفى التي قد يكون على رأسها طبيب فيكون ما يجمعها أكثر من ما يفرقهما. كما أن هناك قهر من العامل على العامل، كقهر العامل على يد العامل مدير الوردية، والذي تشتبك مصالحه مع ادارة المنشأة بعيدة عن مصلحته مع زملائه العمال. فنقابة المنشأة تعمل على تمحيص علاقات القهر هذه بشكل لا تقوم به نقابة الفئة التي قد تجمع بين العامل المدير والعامل، وبين المهني صاحب المنشأة والمهني المعين في المنشأة.

لذا فإن الجمع بين النقابتين يقوم بوزن علاقات القهر بمواجهتها في مستوياتها المختلفة.


أرى أنه لا بد من إعادة النظر في طرح شعار (قانون نقابي موحد) يعمل على قسر الحركة النقابية (بسلطة القانون الإداري) التزام شكل عمل موحد. خاصة وأن نماذج النقابات الفئوية المتعددة في السودان التي تنشط في العمل السياسي وتدخل نخبها في صراعات سياسية تخصها ولا تخص عضويتها، وضعف أدائها في تحسين أوضاع العمل اليومية لعضويتها ، وكذلك ضعف قدرتها على خلق تحالفات تتجاوز ضيق الأفق السياسي في مخاطبة قضايا ملحة مثل السلامة المهنية والسلامة في مكان العمل هو أمر غير مبشر.

 





Monday, 21 December 2020

أهل البيت، أنصار الطيرة

أهل البيت، أنصار الطيرة


إنما مثلنا كمثل أهل البيت مع الحاوي صاحب الطيرة

يحكى أن رجلا حباه الله ببسطة في التدبير و وسعة في الحيلة و فرصة في اكتساب المعارف لم تتح لغيره، وهمة في تتبعها حتى وصل بها إلى بلاد ما وراء البحر، فتعلم لسان أهلها وكرس كل تلك المعارف لصقل موهبة التدبير وتوسعة الحيلة.

عكف على حيلة بارعة. صقلها ونمقها ورتبها وصففها حتى استقامت له ولاحت له فرصة ذات ظهيرة، فمر على صاحب بيت يستظل به ذات قيلولة.

اتسعت ابتسامة الحاوي الساحرة وناداه : يا..يا أخينا، هههه.. يا هوي.. يا صاحب البيت.

إنتبه صاحب البيت من نعسته: حبابك الحاوي! تعال جاي

تقدم الحاوي بخطوات ثابتة نحو صاحب البيت، ومال بوجهه قريبا من وجهه وهمس ضاحكا: أسمعني.. أنا بقدر أقلب ليك بيتك دا كله… طيرة!

احتاج صاحب البيت بضع دقائق ليفهم الكلام الذي بدا له غريبا، بيت؟ طيرة؟ ثم مال للوراء مقهقها: طيرة؟ يا زول؟ تقلب لي بيتي دا كله لطيرة؟ " وضم أصابع كفه كناية عن الضآلة والاستحالة.

اعتدل الحاوي وهز رأسه مجيبا وأضاف بثقة مبهرة: "أيوة طيرة"

اتسعت  عينا صاحب البيت وتأمل الحاوي مفكرا إن كان فقد عقله، أو أنه فتح عليه، وفي حيرته ضحك قائلا " اقلبه كان بتقدر تقلبه"

ثم أضاف بصوت عال ليلفت انتباه أهل بيته والمارة وكأنه يحاول أن يؤكد لنفسه إن كان هذا الحوار الغريب يحدث فعلا:

" تقلب برنداته ومنافعه وغرفه وديوانه وحيشانه وبهمه وشدره وعناقريبه وحلله لطيرة؟ طيرة؟"


هز رأسه ايجابا وخطى خطوتين إلى الوراء، متفحصا للبيت، وشمر كم جلبابه عن ذراعيه. متمتما لنفسه هامسا مستغرقا غير منتبه لأهل البيت الذين خرجوا لرؤية الحيلة ، ولا الأولاد الذين تركوا لهوهم لمتابعة هذا الحدث الخطير، ولا لطنطنات الحبوبة التي مصمصت شفتيها استهجانا لهذه الملهاة.


انتبه الحاوي فجأة وامتلأ سرورا للجمع الغفير الذي التف حوله مترقبا، كاتما أنفاسه، اتسعت الابتسامة في وجهه، فضاقت عيناه الذكيتان، جر نفسا وصاح فجأة:

"شرررم بررررم هيللا هيللا، هيلللا هيللا، هيلاااا هوب!"

فإذا الأرض أسفل منهم تهتز وتمور ، انتفض البيت الكبير، وتقوست جدرانه وصرت صريرا فزعا وكأنها تولول، فارت حيشانه وماجت، هوى السقف مرة واحدة والتقت الأعمدة في عناق شره حتى اختفت الواحدة في الثانية. و…!

وأمام أعينهم التي لم ترف للحظة وقد تسمرت رعبا لما يحدث أمامهم، حسا البيت حسوا حتى صار طائرا صغيرا جميلا، رقيق الهيكل، يداعب النسيم ريشه اللطيف.

فغر الجمع فاهه، مدققا ناظرا في الطيرة، وقد ابتلعت الدهشة لوهلة كل مفردات اللغة وتعابيرها فامتنعوا عن الكلام. مرت لحظات صمت حائرة بينما الحاوي يتأمل بإعجاب شديد حسن تدبيره، مرر أصابع يده اليسرى على كفه الأيمن مداعبا مستحسنا.

كان الأولاد أول من قطع الصمت، صفقوا دفعة واحدة، تقافزوا فرحين حول الحاوي، صائحين فرحين "بيت قلب طيرة! بيت قلب طيرة! طيرة طيرة، طيرة طيرة!"

ضحك أصحاب البيت وتلفتوا حولهم عجبا محدثين بعضهم البعض " يا حولااا! شفت الكلام دا؟ البيت انقلب طيرة!" "يا حاوينا يا ساحر يا عظيم، علي بالطلاق سواتك دي ما سواها زول"

هشت النساء لقسم الطلاق المغلظ فخف ارتباكهم وأطلقن الزغاريد والضحكات.

ربت الرجال على ظهر الحاوي، تدافعوا بالكلام سوية ، كيف فعلتها؟ شفت سوى كيف؟ قال شنو؟

ردد الأولاد وكانوا الأقدر على الحفظ " شررم بررم هيللا هيللا هيللا هيللا هيلاااااا هووووب" 


نقلت الجدة ثقل جسدها المتكئ على رجلها نحو رجلها الأخرى، زفرت متأففة، وقد أعياها الوقوف.

عندها فردت الطيرة جناحيها الرقيقين، كتم الجمع أنفاسهم. و… فت فت فت فت فت رفت الطيرة نحو السماء. 

هتف الأولاد خلفها "طيرة طيرة، طيرة طيرة"

وانضم إليهم أهل البيت مصفقين مهللين " طيرة طيرة، طيرة طيرة"

مدوا اصابعهم ولوحوا بأيديهم نحو الطيرة.

طيرة طيرة! 

طيرة طيرة!

طييييرة طيييرة!

ط..طيرة طيييرة

طيرة!

طير!

طي

ط

واختفت في جب السماء.

 تنفس الناس الصعداء وخرتوا بواقي الضحك عن وجههم والتفتوا نحو الحاوي.

"أها؟"

فرد الحاوي مبتسما " أها!"

ضحك صاحب البيت مرتبكا "شنو يا؟ اها؟"

تساءل الحاوي مندهشا "أها؟"

تلبس صاحب البيت القلق " اها؟ شنو؟"

تبين الحاوي اخيرا معني ال "أها" هذه، فرد مبتسما:

"بس كدا"


هذا ما تمثل لي وأنا أشاهد وثائقي الجزيرة عن شيخ حسن الترابي، استعرضوا سيرة في غاية الإبهار، سيرة من الإصرار والثقة والتدبير. تحدث اخوان مسلمون من القطر العربي عن الهمة وحسن التنظيم اللذان كانا في تنظيم الأخوان السوداني. علق الغنوشي عن الدور البارز للمرأة في المكتب وعلل أن لعل هذا الأمر دون غيره هو الذي مهد لبروز تنظيم الأخوان السوداني من بين التنظيمات الإخوانية الأخرى في المنطقة، وأضاف حين شاهدت عملهن في مكاتب التنظيم عرفت حينها أن الاخوان المسلمين السودانيين سيكونون الأوائل من بين التنظيمات الإخوانية الأخرى للوصول إلى السلطة.(بغض النظر عن كيفية الوصول)

اتكأ أمين حسن عمر في الكرسي الوثير وحدثنا عن زيارة حسن الترابي إلى أمريكا وتجواله في حي الزنوج ولقائه بقادته المسلمين وجلوسه إليهم واستئناسهم به. تحدث عن اللقاء الذي نبه فيه الترابي الإنتربول الذي كان يطالب بتسليم الإرهابي كارلوس وأشار بضلاعة فقهه القانوني وبفرنسية فصيحة أنه ليس بين السودان وفرنسا معاهدة تجعل من تسليم كارلوس ممكنا، وكيف تلا ذلك تقاربا قانونيا بين البلدين انتهى إلى تسليم كارلوس بما يرضي القانون الدولي.

اقتضب وجه الاخواني من موريتانيا لخروج الترابي عن التنظيم العالمي ، وسرعان ما انبسط وجه كوز اخر شارحا كيف أنه انفض عن التنظيم الإخواني الضيق ليكون المؤتمر الشعبي الإسلامي العالمي والذي كان طفرة في حد ذاته وقد ضم المسلمين من بلاد الهند والسند والسلاجقة اخواننا في القارة الأم ، كما ضم أيضا مسيحيون وذميون ويساريون من أحزاب بعثية وقومية في بوتقة جامعة تنقل سنويا على شاشات تلفزيون السودان لأهل البيت الذين هم لا يزالون في دهشتهم حائرون.

تحدث ذلك الكوز الشارح عن أن الترابي كان قد ضاق بانقسام السودانيين وتفرقهم قبائلا وطوائفا، وأراد أن يجمعهم جميعا في مظلة الوطن الواحد وها نحن اليوم- اضاف الكوز الشارح- لدينا قرابة المائة حزب سياسي! معبرا عن التنوع السياسي السوداني.


ثم في شريط متسارع ختم الوثائقي في أقل من ثلاث دقائق سيرة المفاصلة وتكوين المؤتمر الشعبي، ومقطع للترابي محدثا عن شر العساكر، ثم مشهد يتسالم فيه الترابي والبشير وقد استكانوا على ما يجمعهم لا ما يفرقهم.


تراءى لي مثل الحاوي وأهل البيت، وقد تابعت هذه المقدرات وهذه الحركة الدؤوبة الهميمة من مبتداها إلى منتهاها (؟) وأنا في سكرة المتابعة والإنبهار انتبه فجأة لسؤال متململ كململة الحبوبة في قصة الحاوي .. "من أجل ماذا؟"

وهنا راحت السكرة وجاءت الفكرة، مدهش كل هذا، مدهش انقلاب البيت طائرا، لكن من أجل ماذا؟ ليتحقق ماذا؟ بل وماذا تحقق؟

ما الذي جنيناه من همة أخوات نسيبة في المكاتب التنظيمية وبروز المرأة فيه سوى أن حصلت المرأة في عهد الإنقاذ "أوضع الأفضال" كما صرح الرئيس المخلوع. ما الذي جنته السودانية سوى تفرق دمها بين مليشيات التقاتل والتنازع في جنوب ما قبل الإنفصال وفي دارفور وجبال النوبة؟ ما الذي جنته سوى محاكم الإذلال وكشف الحال بيد شرطة النظام العام؟ ما الذي جنته مع تصاعد حالات الإغتصاب و الامتهان اللفظي والجسدي وتزويج الطفلات وترويعهن بمباركة علماء السلطان.


ما الذي حصلناه من التضامن الأممي لمؤتمرنا الشعبي الإسلامي سوى فاتورة الضيافة السنوية وخطابات بألسنة عدة تطل علينا في شاشات تلفاز غافلة عنا. ما الذي استفاده السودان من هذا المؤتمر الشعبي؟ ما الذي حققه وحصله؟


ما العبرة التي نقلها الترابي وهو ينصت باهتمام لحديث سود أمريكا وحملها للسودان؟ ما الذي حصلناه لهذه الاستنارة القانونية الفرنسية التي لم تشرق منها أي ملامح في قوانين السودان المدنية؟ ولا حتى في تمثيله الدبلوماسي ؟


ما الذي حصلناه في أيدينا من ضيق الترابي من تفرق السودانيين، وهو الذي مع أول بوادر الخلاف مع "شرار العسكر" خرج من جلبابه التفرقة المسلحة وأشتعلت نيرانها في غرب السودان كما في الجنوب من قبل. ثم ما الذي حصله السودان من هذه المائة حزب وهذا التنوع السياسي وحتى وقت قريب كان أركان النظام يقمعون حق الحزب السياسي في التظاهر؟ أين ملمح التعدد السياسي وقد كانت وما زالت بيوت الأشباح مترعة بضحايا مشروع الإقصاء الكيزاني؟


ما الذي حصلناه من انتباهته الحصيفة لشر العسكر سوى أن مات ويده في يدهم وصية من بعد لخلفه في المجلس العسكري.


تساءلت عن هذا وأنا أرقب حالة الحنين والجزع والألم في أنصاره، ما العهد الذي هم باقون عليه بعد رحيله (سوى الحنين إلى مسامرة ليالي الإجتماعات التنظيمية القديمة)، ما السكة التي سيمدونها من عند نقطة رحيل شيخهم.


هل فعل الترابي ما فعله سوى ليثبت أنه بوسعه أن يفعل. وثائقية قناة الجزيرة نعت لنا الرجل الذي لم يخلف قصورا ولا ضياعا، وكأنما أطماع المرء تقتصر على هذين المغنمين، ألم يقرأوا دكتور فاوست.  لم تكن للترابي من غاية سوى إبراز القدرة. فالوسيلة هي غاية الغاية، حسن التدبير ووساع الحيلة هي كل المراد والمرمى.


هكذا نحن أهل البيت ضاع منا كل شيء طيرة من أجل ماذا؟ 

هاذا حالنا مع صبية الحاوي الذين تعلقوا بالحيلة لا مرماها، الحيلة هي التي أخذت بلبهم وجنانهم. هم أنصار الحيلة، أنصار الطيرة التي ظلوا يرددون خلفها 

" هيللا هيللا...لا للسلطة و للجاه"


 

Saturday, 2 May 2020

العمدة



العمدة

تمنيت لو أنني عمدة، لكنني لا أجد أيا من المهارات اللازمة للعمودية. لا أقصد هنا المنصب الإداري، إنما ذلك الإنسان الذي لا تخلو عائلة منه. الإنسان الذي يتخطى حد الكرم والضيافة المعروف ليستحيل إلى شيء في غاية 
الندرة والجمال.

هذه هي الخاطرة التي تمر ببالي كلما تأملت في خالتي رجاء. ما الذي يجعل لبيتها كل تلك الألفة؟ ليس معمار المكان بكل تأكيد، فالإنسان أيضا يمنح المكان معماره (هل مرت هذه الخاطرة على المعماريين يا ربي؟) فالألفة والحميمية لا تنفص مللي ، سواء في بيتها القديم في سنجة، أو في البيت الذي رحلت إليه ريثما تجدد بيتها القديم، ثم عودة إلى بيتها القديم وقد ضحكت غرفه كاشفة عن سناميكو (سيراميك) ناصع البياض، تتوسط صالته عمود متباه يستعرض مرآه في أوجهه الأربعة و نوافذ مصقولة بالزجاح الأصفر الرائق والأخضر الرويان، ثم بعد صراع طويل مع القحط الإنقاذي الذي اجتاح المدينة وهجر أهاليها، توضب حقائبها أخيرا تجاه شقة صغيرة ببانت 
أمدرمان.

بانت امدرمان، شقة على السطوح، هي نصف مساحة منزلها الواسع بسنجة، ومع ذلك يتقاطر إليه الناس زرافات 
ووحدانا ويساع من الحبايب ألف.




تعرفوا ، القصة المروية عن السيد المسيح عليه السلام، لما أطعم الاف من البشر من كسرتين خبز وسمك ما مدهشة لي على الإطلاق، لأني رأيتها عيانا بيانا في بيت خالتي رجاء، معجزة يومية تتحقق!
وكنت في حالة اعجاب بتأهب بيتها في اي وقت وفي اي زمان لإستقبال أي عدد من الناس ولأي فترة، دون أن تقوم بمجهود لذلك، دون أن تغير اي شي لا في بيتها ولا في مشتروات المنزل، الجود بالموجود الذي لا ينضب. وقد رضع ابناؤها وبناتها جميعا من تلك الألفة، يستحيل أن تجد كدرا عابرا من زيارة. الزيارة والضيافة أهون ما عليهم في الحياة، زي الهوا الداخل ومارق في صدرهم.

مرور الناس صباحا وظهرا وعصرا ومساءا ومبيتا في بيتها لا يقع فيه شيء من نفسها، تمر كالسحابة في منزلها لا يعيقها شيء.

وتعتني عناية فائقة بكل زائر، سواء كانوا اصحاب زوجها من أعيان السوق او زملاء ابنها الصغير محسن في الخلوة، نفس الترحيب والعناية تخيلوا؟!! عناية لا تخطئها العين ولا النفس، لسة بتذكر منظر الصغار يحملون ألواحهم وقد أدخلتهم للصالون، وحيتهم بإبتسامتها اللطيفة، ثم حالة من العجالة والانهماك في اعداد الصينية واهتمام بكل تفصيلة فيها.






بعد مرور اكثر من شهر على وفاة زوجها كنت أنهي العمل واستعجل الخروج "عن اذنكم يا جماعة انا لازم احصل بيت البكا" فعلق المدير "انتي تعالي بكاكم دا اصلو شنو، ليه اكتر من شهرين هسي؟!!"
شهرين والضيافة فيه كأول يوم تماما!! حتى اصبح ملتقى لمن انقطعت عنهم سنين عددا، وكان الترحيل يوصلني واستحلفهم بالنزول معي فيقولون "سولارا انتي جنيتي، كيف يعني ننزل في بيت بكا ونحن ما بنعرفهم" ولم يكن لدي ادنى شك انه برغم زحام الضيوف هناك دوما سعة للمزيد. كيف؟


اهو كيف دي التي حاولت أن اسعى وراءها بالتحليل والتجريب.

المهم بعد عدة تجارب تأكد لي أن ليس للأمر علاقة بمساحة المكان، او توفير معينات الضيافة. ما عنده علاقة بيها اطلاقا.

بل أساس (العمودية) هو أن تخلق في نفسك مساحة تسع الاخرين، والباقي بيتدبر.

أخيرا كشفت طرف من سر معجزة بيت خالتي رجاء، كشفته عن تجريب، وهو ان تصب اهتمامك كله في الرحابة، بدءا من بشاشة الاستقبال، في السلام والنظر والابتسام، ودع هذه البشاشة تجد طريقها إلى قلبك لتهزه فرحا. وبس الباقي براه بيتدبر.

وتأكد في اللحظة التي يخالجك سؤال من شاكلة "الأكل بيكفي؟" او "المكان بيشيل؟" زالت البركة وانتفت المعجزة.

عن تجربة شخصية بقول ليكم ما تسألوا من الضيافة. الضيف رزق، وبرضو الضيف بجي برزقه. فالواحد ما يقطع الرزق من بيته، ولا يشيل هم رزقه. الله يرزقهم واياكم.

ايوة، والضيف..هو كل طارق بالباب.




دا طرف من عموديتها،

ثم طرف اخر، هو انه ما إن تطأ بيتها، صرت بمعيتها، وصار همك همها، كدرك كدرها، سعادتك سعادتها! والله!..الله يسألني يوم القيامة في الكلام دا.

عمدة بجد، كم من عاملة منزلية خرجت من بيتها عروسا، بعد أن حفلتها وزينتها وحننتها، وقضت شهورا تلملم معها في عدتها و فرشها، ثم توصي العريس عليها. قبل كم كنا في هذه الحكوة مع حفيدتها وهي شابة رقيقة عن أن عبء المساواة وحسن المعاملة ليس فقط الكلام اللطيف المنمق، فهل نقدر على جنس كلام رجاء دا!!
صار أمر عاديا أن يمر أصحابي على خالتي حتى في غيابي، تحفظهم وتعرف احوالهم، وتحزن لحزنهم وتفرح لفرحهم. ياخ وحاة الله الحاجة دي صعبة ما بقدر عليها أنا.




 أهون ما عليها أن تجهز  عمودا للزيارة، اي زيارة. (صدقوني انا جربت حكاية العمود دي، الشغلانة دي دايرة تخطيط) أنا ما بعرف كيف لما فجأة في نص اليوم يقولوا ليها ارح نمشي ناس فلان بكل سهولة صنفت عمودها من العمود وخرجت به.

الموضوع صعب، لكن صدقوني الحياة بمثل هذه النفس السخية تستحق السعي من أجلها.

اللهم ببركة هذا الشهر الفضيل، تديها الصحة والعافية وتبارك فيها وفي بيتها واولادها واحفادها، ولا يقطع عنها عادة ولا عبادة.


Tuesday, 5 February 2019

بشارات الثورة ١

بشارات الثورة١

من بشارات الثورة، مبادرة اساتذة جامعة الخرطوم. الفيديو القصير الذي تم فيه قراءة نص المبادرة اظن عدته مية مرة
المبادرة  فصلت خطوات العملية الإنتقالية على اختلاف مستوياتها بدءا من مجلس السيادة وحكومة الكفاءات والجسم التشريعي


 الفترة الانتقالية مدتها 4 سنين قبل قيام انتخابات وانا شايفة المدة دي لو ما قليلة فهي مناسبة لأنه العملية الديمقراطية مش انك ترمي صوتك في صندوق وبس. بل في مؤسسات تتكامل جميعا لضمان العملية الديمقراطية. مثلا إعادة بناء الشرطة وتفصيل مهامها، عودة العافية للنقابات، ياخ حتى الأحزاب الحتشارك في العملية الإنتخابية محتاجها تبني داخليتها، الأحزاب دي كانت بتقيم مؤتمراتها في جو من التربص والتوجس والحذر بيخليها تكلفت الشغل كلو. محتاجة تعيد تنظيم نفسها وتراجع برامجها بما يناسب المرحلة ما بعد الإنتقالية، والفترة الانتقالية فترة مناسبة تعيد فيها ترتيب اوراقها وتجرب ممارسة العمل السياسي بأذرعها بدون خوف
الصحافة، بوابة الديمقراطية، ما محتاجة اعادة تأهيل لمؤسساتها من تاني وانها تشم نفسها؟

لكن دا ما موضع البشارة، موضع البشارة هو في الثواني الاخيرة للفيديو، المبادرة حددت الفترة الانتقالية 4 سنوات قبل الانتخابات لكل مستويات الحكم دي ما عدا... ما عدا ، على مستوى الحكم المحلي والذي ستقام انتخاباته بعد سنة فقط وذلك- حسب ما ورد في البيان- ليتسنى للشعب مباشرة حكم نفسه بنفسه في أسرع الوقت

النبي دي ما بشارة؟ هذا الإنتباه بشارة كبيرة

ومستوى الحكم المحلي اللي هو اهم مستوى مش بس المحافظة والبلدية بل وايضا
اللجان الشعبية
واللي هي اسمها هسي لجان المقاومة
اسمها هسي لجان المقاومة لأنه نحن في ظرف طارىء بيحتاج لجان مقاومة

لكن قفل واحتفل، تقفيل الشوارع بالحجار وحفر الخنادق دي ياها لجان الأحياء والمقاومة
توزيع الثوار على البيوت دي لجان مقاومة-واللجان الشعبية
تقسيم الدور في المظاهرات بين صيادين بمبان وقفالين والناس البيراقبو الشوارع دا تقسيم بتاع لجان مقاومة ولجان شعبية
البيوت البتطلع منها السندويتشات والعصاير والموية
دا لجان مقاومة ولجان شعبية

انا بقول الكلام دا لتوسعة الخيال
بحيث اننا ما نظن لما يجي دور تكون اللجان الشعبية اننا لازم ننتظر زول لاوي عمته وكارب شاله، نحن اللجان الشعبية
انا الشاب القاعد على لستك قدام الدكان بعرف اكتر من ابو عمة انه الركشات البتجي داخلة بواحدة من دروب الحلة بتعمل غبار كرهنا القعاد قدام الدكان.ويجي في بالك انه الركشة ما تخش لجوة في الشارع.. طيب انا ما انسب زول للجنة الشعبية

او انا البت البجي راجعة من الجامعة كلو يوم والحافلة بتنزلي في الشارع وبمشي مسافة ٤ كيلو حتين اصل البيت، طيب محتاجين خط مواصلات يدخلني جوة شوية، يمكن محتاج نص زلط، يمكن محتاج ركشة. انا كدا انسب زول للجنة شعبية

ست البيت الأولادها بيمشو اكتر من ٣ كيلو للمدرسة، بتعرف اكتر من غيرها انه محتاجين مدرسة اقرب. دي انسب زول للجنة شعبية

وزمان حتى بعد دخول الإنقاذ والناس لسة فيها عافية العهد الديمقراطي القبله كانوا نسوان حلتنا بيتدخلوا حتى في سياسة المدرسة. لو جات مدرسة معروفة بالقسوة او بسوء التعامل كانوا النسوان ديل بيقيفوا وقفة واحدة لمخاطبة الأمر دا

كانت ادارة المستشفى بتخاطب نساء الحي ببعض الاحتياجات ونساء الحي ورجال الحي بيمرروا ملاحظاتهم لإدارة المستشفى، مثلا انه ملايات العنابر بقت قديمة لازم تتغير، انه مستوى النضافة بقا سيء، مرات النساء بيترتبوا يوم للنضافة. الحاجة دي ما شغل بتاع صدقات ولا شارع الحوادث دا كان من صميم عمل اللجان الشعبية
الفرق بينها وبين المنظمات الطوعية انه بيشمل المتابعة والمباشرة وحماية مكتسبات العمل الجماعي والذي لا يتوفر للعمل الطوعي. لأنه بيقدم الخدمة وبينتقل لحتة تانية

لجان المقاومة البيدعوا ليها الناس بالفعل قايمة، وما عندها شكل واحد ولا طريقة عمل واحدة. وبتتكون بالضرورة ما بالدعوة. انا كلامي دا بس لكي يتأكد الشاب القاعد على جردل فيه بمبان أنه في قعدته دي هو جزء من لجنة مقاومة في الوقت الحالي، لجنة شعبية في مقبل الأيام

انا كنت بطلب من الثوار يقدموا دعوات للجنة الأطباء يقيموا يوم صحي مثلا: ساي قياس ضغط وسكر،، ونحنا شعب نحب قياس الضغط ساي. الدكاترة بيعرفوا الحاجة دي، بتجيك خالتك في البيت تقول ليك انت دكتور؟ تعال قيس لي الضغط
لكن ممكن الاطباء يبادروا بالحاجة دي

اذا مرقت بالعود او مرقتي بدلوكة قدام باب البيت انتي قدا بتقدمي في برنامج ترفيهي من صميم عمل لجان المقاومة واللجان الشعبية

كان عندنا مرة في حلتنا عاملة سبيل بشكل مختلف، وهو كل يوم جمعة بتشد بليلة صدقة لروح زول ميت من اهلها، وما حصل يوم تخلفت عن شد البليلة، وكان بيجوا الشماشة والمساكين بكورهم يشيلوا
هي صدقة واي شي، لكن في الحقيقة الشماشة والمساكين ديل سكان الحي، ما عندهم بيوت لكن ضمن سكان الحي واي خدمة بتقدم ليهم هي من صميم عمل اللجان الشعبية

والمجد والخلود لشهداء الثورة السودانية من ٨٩ حتى يومنا هذا
المجد والصمود للمعتقلين والمعتقلات في زنازين النظام وبيوت أشباحه ومكاتب الأمن
المجد والصمود للثوار والثائرات الذين يتعافون في عنابر المستشفيات وفي البيوت
المجد والصمود للثوار والثائرات في المواكب وفي الميادين في الحلال والفرقان على مد مدن السودان وقراها

Wednesday, 27 June 2018

إله صغير

قبل دقائق من اجتماعنا في المكتب ، فتحت التلفون وشفت بوست لسلمى داوود مبينا جزعها من فيديو الراعي المجلود وسط ضحك
جلاديه.
فيديو جديد من بلادي، لم أجرؤ على فتحه، أعرف الأحوال التي سأدخل فيها تماما، مهما حاولت أن أعقلن الأمر. عاينت للوشوش
الحولي في
الإجتماع والهموم اليومية للعمل والتي حاولت أن أرجحها على الحزن الوطني الغلاب دون أن أفلح.
الحاجة دي غريبة! حقيقية رغم اني بحاول أقلل من شأنها وأقول إنها فزلكة متفزلك. اوكيه يا ميسون! اهتمي بالشأن الوطني، لكن
انه يبقى جزء من حزنك الخاص، دي حركات مثقفين ساي.
عبثا.
جا في بالي طوالي مقطع من رواية إله الأشياء الصغيرة لأروندتي روي. هنا حبيب البطلة يحاول أن يفسر عيون راهيل.
نظرتها التي تستفزه:
((حينما يكونان وحدهما سويا كانت تستفزه عيناها. كانتا تتصرفان وكأنهما عينان لغريب. غريب يرقب البحر من النافذة،
يرقب مركبا أو نهرا، أو عابر يرتدي قبعة في الضباب.
كان مغتاظا لأنه لم يكن يدري ما الذي تعنيه تلك "النظرة". صنف نظرتها في خانة بين اللامبالاة والاستياء. لم يكن يدرك أنه
في بعض البلاد، كالبلد التي جاءت منها راهيل، تتنافس عدة أصناف من اليأس لتحتل الصدارة. ليس بوسع "اليأس الشخصي"
أن ينافس، إذ أنه لم يكن يائسابما يكفي. شيء ما يحدث عندما يمر اليأس الفردي عند المزار الشاسع العنيف المحيط الفوار
السخيف المجنون المتعسر للخراب الوطني.إله اليأس الوطني الأكبر يزمجر كريح حارة آمرة بالخضوع.
 إلتسع منها اله اليأس الفردي الصغير (الحميم، المنضبط، الخاص، المحدود) فانتفض مستسلما ضاحكا من خفته.
بالتكرار تتأكد لإله اليأس الفردي تفاهته، فيصبح مرنا ولا مباليا. لاشيء يعني له شيئا، وكلما قلت أهميته ، قل اهتمامه.
ما من شيء مهم بما يكفي. لأن أشياء أكثر سوءا حدثت. ففي ذلك البلد الذي أتت منه، المحشور أبدا بين رعب الحرب
وفظاعة السلام، أشياء اسوأ تحدث.

لذا ضحك الإله الصغير ضحكة جوفاء، وتقافز مرحا كولد ميسور لابس ردا. صفر، وركل الحجارة. والسبب في بهجته الفجة
هذه هو التفاهة النسبية لحظه المتعثر. فتسلق في أعين الناس وأصبح نظرة إعياء))



But when they made love he was offended by her eyes. They behaved as though they belonged to someone else. Someone watching. Looking out of the window at the sea. At a boat in the river. Or a passerby in the mist in a hat.

He was exasperated because he didn't know what that lookmeant. He put it somewhere between indifference and despair. He didn’t know that in some places, like the country that Rahel came from, various kinds of despair competed for primacy. And that personal despair could never be desperate enough. That something happened when personal turmoil dropped by at the wayside shrine of the vast, violent, circling, driving, ridiculous, insane, unfeasible, public turmoil of a nation. That Big God howled like a hot wind, and demanded obeisance. Then Small God (cozy and contained, private and limited) came away cauterized, laughing numbly at his own temerity. Inured by the confirmation of his own inconsequence, he became resilient and truly indifferent. Nothing mattered much. Nothing much mattered. And the less it mattered, the less it mattered. It was never important enough. Because Worse Things had happened. In the country that she came from, poised forever between the terror of war and the horror of peace, Worse Things kept happening.

So Small God laughed a hollow laugh, and skipped away cheerfully. Like a rich boy in shorts. He whistled, kicked stones. The source of his brittle elation was the relative smallness of his misfortune. He climbed into people’s eyes and became an exasperating expression.”

Monday, 1 January 2018

حبة بازلاء في مخدة الحكي

حبة بازلاء في مخدة الحكيحبة بازلاء في مخدة الحكي



كنت عاوزة اكتب مقال نقدي رصين حول روايات حجي جابر لكن ما قدرت. في عجز حاصل. المهم. احسن الواحد يكتب بالبلدي. بالمشرمحي زي ما بقولوا الشوام.
انا شاكرة لأخوي مراد زيادة حمور الأوصاني بقراءة الروايات بإصرار منه وتشجيع من سيما الجاك. ومن حسن حظي لقيت الروايات التلاتة عندي في البيت. والله! حظ من السما.



خلصتهن مرة واحدة وبمتعة حاضرة. بعد داك قبلت على فيديوهات لقاءات وحوارات معاه على اليوتيوب. وعجبني ذكاؤه، ونباهته تطالعك في الحوار. وكمان بتلاحظ عنده ثقة واحاطة المجوّد. يعني الزول البكون كارب مشروعه تمام بيكون عنده القدرة على الإحاطة بيه والإجابة على كل الأسئلة الفيه. يعني مثلا في الحلقة السجلها مع برنامج المشاء وضح الفرق بين سمراويت ومرسى فاطمة٫ انه في الأولى كان في نظرة سايح عشان كدا يمكن الجو أكثر رومانسية (رومانسية بمعنى ايمان بالسرديات الكبرى) بينما في مرسى فاطمة الكاتب كان استقر وخفت النظرة الرومانسية وبقا في تعاطي للهموم وخيبات الأمل والألف ألف طريقة البيقدر الوطن يخذلك فيها. برضو اتكلم عن السبب البيه تعمد اعادة ترتيب جغرافيا المكان في مرسى فاطمة في الرواية عشان تلائم الرمزية. يعني الحاجات الزي والتكنيكات تخليك تقول: معقولة دي تجارب أولى للكاتب؟


 لقاء مع الكاتب حجي جابر على برنامج المشاء


بالنسبة لينا نحن السودانيين بشكل خاص٫ افتكر الرواية أحكمت الرابط العملت على مد حباله أجيال قبلنا من الشباب والشابات السودانيين والإرتريين خاصة إبان فترة الثورة. لكن الرواية عندها القدرة زي ما قلت على الإحكام. قربت لينا اريتريا شديد من خلال شخوص الرواية واحلامها وامالها وطريقة تعاطيها للحياة. بعدين في وصف جميل بحيث تحس بكراعك بتدب في شوارع أسمرا وتستنشق وتتذوق لسوعة ملح بحر مصوع. وطبعا يفرح قلبك بالقرب العجيب بين الشعبين في العادات اليومية.

كل رواية كان عندها بروز او ميزة خاصة تبقيها أحسن من التانية. يعني في سمراويت بتلاحظ الفرق حتى في اللغة لما يتكلم عن إنتماء الكاتب لجدة القديمة وحنينه ليها وضياعه في التحول الحاصل للمدينة. او حالة السولستالجيا- المصطلح الذي يعني الحنين للوطن الذي يتغير حولك وانت فيه حتى تختفي ملامحه السابقة. بتلاحظ الفرق في لغة السرد وهو بينتقل بين الحيرة والحنين والحب الجارف للمدينة المتلاشية. حاجة جميلة خلاص. وبتلاحظ خفوت "المحسنات البديعية" في اللغة. وهنا تتنفس الرواية في الحتت دي بلغتها الخاصة.

مرسى فاطمة، أنا لو علي، كان فرضتها في منهج المدارس الثانوية (ليه؟ لأنه المرحلة الثانوية هي المرحلة الأخيرة الممكن تعمم فيها ذائقة أدبية بشكل واسع خخخخ) . هنا بتظهر حرفنة الصحفي لما يتحول للعمل الروائي . أنا بفتكر في ميزة خاصة للروائيين البيحترفوا الصحافة في فترة من حياتهم. في حرفنة كدا لا يسعني المقام هنا الإسهاب فيها. هل الرواية اترجمت للغة تانية؟ أنا بفتكر دا وقت مناسب المنظمات الانسانية تستثمر في ترجمة والترويج للرواية دي. رواية مهمة في زمنا دا مع الأحداث الحاصلة. مع التهجير الكوني الجماعي الحاصل في كل أركان العالم. مآسي التهجير واللجوء وقلة حيلة اللاجىء في قبضة المنتفعين من هذه المصائب.
بعدين الرواية فيها فضح لإنسانيتنا بشكل عجيب- نحن السودانيين يعني. معسكر الشجراب الغايب عن خطابنا السياسي والثقافي شي مخجل لينا كناشطين ومثقفين. قضايا مهم نتكلم عنها.  (هو طبعا الغايب كتير والخجل قاعد بالكوم)

ثم لعبة المغزل رواية فيها دراما لطيفة كدا. وتنفع فيلم. والله! لو فكر فيها شبابنا صناع الأفلام بتعمل فيلم سمح عديل. وأفتكر ما بحتاج ميزانية إنتاج كبيرة.

لكن زي ما إنه الرواية فيها حتات بتتكلم بلغتها الخاصة بيها. في كثير من المرات بتلقى في لغة جمالية مقحمة إقحاما في السرد. يمكن دي الحتة البتظهر لي زي المطب في سهل درب القراية . بتوقف تسلسل القارئ. زي انفلات وتر ناشزا عن موسيقى السرد. الحاجة دي بتطالعك بشكل طفيف في سمراويت و أيضا في بعض المواضع في مرسى فاطمة لكنها بتتكثف في لعبة المغزل. زي الكاتب بقا واعي لخاصية الإقتباس من الرواية. يعني افتكر الكتابة في زمن الفيسبوك بتخلي الكاتب أكثر حرصا على خلق لغة جمالية تخلب لب القارئ ويستطيع بسهولة أن يجتزئها من الرواية ويختها كإقتباس في الفيسبوك. أنا بقول بسهولة لأنها هي أصلا ما راكبة في السرد. تقدر تمرقها بسهولة. لغة الرواية لغة عضوية- إذا جاز هذا المصطلح. موجودة عشان الرواية. وفي نفس الوقت: الرواية كأنها اتخلقت كي تنطق بهذه اللغة. كيف الكلام دا؟ دي ما حركات مثقفين مني في عكس العبارات خخخخ زي لما يقولوا ليك أزمة الثقافة وثقافة الأزمة . أنا بتكلم جد! زي ما في لغة للرواية. في رواية من أجل اللغة. والاتنين أفتكر بيحصلوا مع بعض. المثالين البيطالعني هم الطيب صالح وأرونداتي روي.

في مشروع الطيب صالح في ثيمات متكررة في رواياته وفي مقالاته وفي حواراته. مسألة الإنتماء والهوية والتنقل والاقتلاع من الجذور والعودة. في هذا المشروع بوسعك أن تصنع دالة لغوية تخص الطيب صالح. بتفهم لماذا يستخدم تكنيك التفصيح للغة بالدارجية . لأنه اللغة ذاتها هي ضمن مشروع  استقصاء السؤال حول الجمع بين حالين. اللغة مش مجرد وسيلة أو مركب لأحداث الرواية. اللغة هي زاتها "الأكشن" ودراما الرواية.

لغة أرونداتي روي أيضا هو جزء من مشروعها في إعادة فحص مفاهيم العالم الحديث الذي نعيش فيه ٫ إعادة فحص كلمات زي "عدالة" "ديمقراطية" "نمو وتنمية" "وطن". اللغة جزء حيوي من الرواية التي تسخر من التناقض المريع الذي أصبحت تحمله هذه الكلمات. حاجة بديعة وأنا طولت.

بالنسبة لحجي جابر القدرة على منح مساحة أكبر للغة الرواية العضوية والسماح لها التكلم بلغتها موجودة عنده ما محتاج يطورها. إنما بفتكر في رأيي المتواضع جدا. إنه محتاج يكبح الجماح شوية وأن يقاوم غواية اللغة. واللغة غوايتها غواية صعبة. التخلص من العبارات الألمعية الفائضة. لأنه كمان المشكلة في تقصي تراكيب الجمل الألمعية ذات الطبيعة الاقتباسية إنها بتاخذ مجهود من الكاتب وبتخليه يهمل السرد في حتت تانية وممكن يقع في التكرار بسبب الإجهاد اللغوي. مثلا تلقى في لعبة المغزل أنه الفتاة "كشفت عن بهاء ساقيها" مرتين تلاتة كدا.

ودا بيجيبني للكرضمة الثانية في مديدة المشروع الروائي الدسم للكاتب حجي جابر. ألا وهو المرأة في الرواية. تحديدا المرأة الحبيبة. تلقى المرأة سهلة التكهن بها في سرده، تغار في موضع الغيرة، وتغضب في موضع الغضب، وتفرح في موضع الفرح وتخاف في موضع الخوف. لا تجد تعقيدا واحدا في الحبيبة فهي نقية صافية وعكارتها عكارة سطح لا قاع (كدر خفيف كدا) بالمقارنة مع تعقيد شخصية البطل. في براءة طفولة في تصور المرأة عند الكاتب. يمكن بشوية تحليل أنثوي مني أقول أتاري البطلات طوالي لابسات فساتين. طوالي نحن في حالة لبست فستانها الأصفر او لبست فستانها الأحمر والبسي لي فستانك الأبيض. (والله يا ربي بنات اريتريا موضتهم فستانية؟)
طبعا مع تفهمي الكامل لرمزية المرأة/الوطن٫ التي ربما تتطلب شيئا من هذا التجريد والنقاء٫ لكنه والله صعب البلع. إذا الواحد فكر في ثنائيات درويش أو صلاح جاهين للوطن الحبيبة ، تجد المحبوبة تحمل تعقيدها الناضج دون أن يؤثر ذلك على سلامة الرمز.
يمكن أستثني أم وجدة الراوي في سمراويت حيث أخيرا أنت أمام أنثى ناضجة بتعقيداتها وتناقضاتها وحيرتها وأسئلتها.
يمكن الأستاذة أماني عبدالجليل التي ألفت كتابا نقديا جميلا بعنوان "تمرات من نخلة مريم" قدمت فيه قراءة نقدية جندرية لكتابات الطيب صالح. لعلها تجد هنا في مشروع حجي جابر مادة أكثر وضوحا لإعمال النقد الجندري فيه.


أنا كان قلت قبل فترة في حاجة خفيفة بتضايقني في كتابات حجي جابر وقد أثار ذلك حفيظة بعض الأصدقاء في الفيسبوك. وحفيظتهم في محلها. لأنه أنا ضيقي هنا استثناء من جملة استحسان لمشروع حجي جابر الروائي. الواحد بيقدم الحال العام قبل الإستثناء. مش يخت الإستثناء كقاعدة براها كدا. مش كدا يا ميسون؟ كدا والله
وأنا انبسطت بتحفظ الأصدقاء، خاصة مع موات القراءة وسط أجيالنا فالواحد بيسعد لما تنشط حالة القراءة بينا، والواحد يحس بنوع من الخوة. خوة القراية. وتذكرني بحكاية بديعة حكاها لي عمار جمال لما قال إنه كان في جمبه واحد في الحافلة منهمكا في قراءة المصحف. وقد أحس بشيء يربطه مع هذا الشخص في حالة القراءة.

في انتظار الرواية القادمة للكاتب الواعد . لا أكذبكم أني قلقة شيئا من تكاثف وتيرة اللغة الزائدة فيها. لكنها إذا تجاوزت هذه "الإفاضة اللغوية" ستجد قارئة متحمسة مخلصة.