Thursday, 26 November 2015

هل ينبسط الخروف بعيد الضحية؟

في الحقيقة دي مقاربة للعنوان الحقيقي للخطاب الطريف جدا القدمته ارونداتي روي واسمه:
"هل يبنسط الديك الرومي بعيد الشكر؟" 

وقد رأيت ان محاولة ترجمتي له هنا مناسبة مع صور اوباما "الكيوت" وهو-حسب التقاليد الرئاسية- يعفي ديك رومي من الذبح في يوم عيد الشكر




ارونداتي روي في بورتو اليقرا- البرازيل في منتدى الإجتماعي العالمي مع نعوم تشومسكي ٢٠٠٣

ارونداتي روي


روحي يا شيخة وانتي حلوة كدا -اضافة من المترجم 

(للناطقين بالإنجليزية تجدون مقتطف الخطاب في هذا اللينك)






هل ينبسط الديك الرومي بعيد الشكر؟

تماما كالامبريالية القديمة تعتمد الامبريالية الجديدة في انتصارها على شبكة من العملاء، نخبة وطنية فاسدة لخدمتها. لكن بعكس الامبريالية القديمة، لا تحتاج النسخة الجديدة منها للمجازفة في احراش المناطق الحارة وتعريض نفسها للملاريا أو الاسهال او موت الفجاءة. بوسع الامبريالية الجديدة ان تنجز أعمالها عبر الايميل.

عنصرية الامبريالية القديمة الفجة والمباشرة اصبحت موضة قديمة، اليوم حجر الأساس للامبريالية الجديدة هي العنصرية الجديدة. 

إن التقليد الرئاسي لإعفاء الديك الرومي من الذبح في عيد الشكر هو استعارة مناسبة لما اقصده بالعنصرية الجديدة. ففي كل عام منذ عام 1947 ، يقدم اتحاد الديك الرومي الفيدرالي ديكا لرئيس الولايات المتحدة الامريكية بمناسبة عيد الشكر، وفي كل عام يقام حفل مراسيمي فخيم، يقوم فيه الرئيس بالعفو عن الديك الرومي، ثم يتوجه لحفل العشاء ليأكل ديك روميا آخر. 

بعد انتهاء المراسيم، يُرسَل الديك المختار إلى حديقة (طاسة القلي) في فيرجينا ليعيش حياته في سلام. بقية الخمسين مليون ديك الذين يتم تسمينهم كل عام لاحتفالات عيد الشكر تذبح وتؤكل في يوم عيد الشكر. 

شركة (كورن-اقرا) وهي الشركة التي فازت بتعاقد الديك الرئاسي صرحت أنها تقوم بتدريب الديك ليكون اجتماعيا، وودودا مع المسئولين ومع اطفال المدارس الزائرين والإعلام (ولعلهم قريبا يتحدثون الإنجليزية!)

هكذا تعمل العنصرية الجديدة في عصر المؤسسات الذي نعيشه. مجموعة من الديكة الرومية المُسَمَّنة والمُختارة برعاية، نخبة وطنية من عدة دول ، صفوة من المهاجرين الأثرياء، اصحاب بنوك الإستثمارية، نسخة هنا من كولن باول، او هناك من كوندوليزا رايس، بعض المطربين والكتاب (مثلي)، هؤلاء يتم العفو عنهم والسماح لهم بدخول حديقة (طاسة القلي) . اما الملايين الباقية تفقد وظائفها، يتم طردهم من منازلهم، يتم قطع خدمة الكهرباء والمياه عنهم ويموتون بالإيدز، بإختصار : هؤلاء للسلخانة.

ولكن الاف الديكة المحظوظين في حديقة طاسة القلي بخير، بعضهم حتى يعمل في صندوق النقد الدولي أو منظمة التجارة العالمية ، فكيف بوسعنا أن نتهم هذه المنظمات أنها متعنصرة ضد الديكة؟ بعضهم يعملون في مجلس إدارة اختيار الديكة. كيف بوسعنا أن نقول أن الديكة ضد احتفال عيد الشكر؟ وهم يشاركون فيه. كيف بوسعنا ان نقول أن الفقراء ضد سياسات العولمة الإستثمارية؟ هناك تدافع مهول للدخول إلى حديقة طاسة القلي. فماذا إن مات بعضهم دهسا في طريقهم إليها؟ 

وضمن باقة العنصرية الجديدة، نحصل أيضا على الإبادة الجماعية الجديدة. 

الإبادة الجماعية الجديدة في عصر الترابط الإقتصادي العالمي الجديد يمكن انجازه عبر سياسة الحظر الإقتصادي. الإبادة الجماعية الجديدة تعني : خلق أوضاع  معينة تؤدي إلى الموت الجماعي دون الحاجة لأن تقتل الناس بيدك. 

دينيس هاليداي، منسق الأمم المتحدة للشئون الإنسانية للعراق في عامي ١٩٩٧ و١٩٩٨(أو برنامج النفط مقابل الغذاء) والتي استقال فيها من منصبه متقززا، استخدم كلمة "الإبادة الجماعية" لوصف الحظر الإقتصادي على العراق . ففي العراق، تفوقت هذه الحظورات الإقتصادية على جرائم صدام حسين بعد أن تسببت في مقتل نصف مليون طفل .

في عصر الإمبريالة الجديد، الأبارتايد (أو سياسة الفصل العنصري) اصبحت تعتبر سياسة قديمة وغير ضرورية، الوكالات والقنوات العالمية للتجارة والمال تُشرِف على نظام معقد من اتفاقيات التجارة الدولية والعقودات المالية التي تحرص على ابقاء الفقراء في عشوائياتهم . غرض هذه القنوات الأساسي هو: موسسية الظلم وتقنين عدم المساواة. 

وإلا فلماذا تقوم أمريكا بفرض ضريبة على قطعة ملابس مصنعة في البنغلاديش هي ٢٠ ضعف لتلك المصنعة في انجلترا؟

 ولماذا الدول التي تنتج ٩٠٪ من محصول حبوب الكاكاو في العالم تصنع ٥٪ فقط من شوكلاتتها؟

ولماذا عندما تحاول دول منتجة لحبوب الكاكاو كغانا وكساحل العاج ان تصنع شوكلاتتها يتم ضربها بالضرائب حتى تخرج من سوق المنافسة؟ 

ولماذا الدول الثرية التي تصرف أكثر من بليون دولار يوميا على دعومات لمزارعيها تطالب دول فقيرة كالهند أن تسحب كل الدعومات على الزراعة بما فيها دعم الكهرباء ؟

لماذا إذا الدول المُستَعمَرة التي ظلت عرضة للنهب لأكثر من نصف عقد من مُستعمِرِيها هي غارقة في ديونها لنفس هؤلاء الناهبين وتدفع لهم ٣٨٠ بليون دولارا سنويا؟ 

****************************************

المحاضرة كاملة:

Saturday, 14 November 2015

هذا يغير كل شيء! (الحلقة الأولى)

-الرأسمالية في مواجهة التغير المناخي- هذا هو العنوان الجانبي للعنوان الرئيسي لكتاب ناومي كلاين الجديد، والذي لا أجدني أبالغ إن قلت، أنه ربما يكون "مانفيستو" عصرنا هذا، فكما كان المانفيستو الشيوعي زهرة توحش الرأسمالية الأول في عصر الثورة الصناعية. فإن هذا الكتاب هو زهرة توحش الرأسمالية الثاني في عصر الثورة "الاستخراجية" *
* ما اصبح يسمى بالإقتصاد الاستخراجي الا وهو النشاط الاقتصادي المعتمد على استخراج مصادر الطاقة من باطن الارض والبحر(الفحم-نفط- الغاز الطبيعي- بيتومين (او الزفت) ..الخ)

 المعركة الأولى بين الرأسمالية ومناهضيها كانت ضارية وحامية لكن ناومي ترى ان هذه المرة فإن المعركة وصلت الى حلبتها الاخيرة والحاسمة. هنا الرأسمالية ترتدي قفازات المواجهة في قبالة التغير المناخي. لا بد لواحد ان يطيح بالاخر. لا مكان للاثنين بعد اليوم. اما ان تنتصر الرأسمالية وتهزم قضية المناخ وهذا يعني تغير كل شيء (في افضل السيناريوهات لو لم تعني انقراض البشرية، فإنها تعني وجودها بشكل مجهجه خلاص، في انفاق تحت الارض ولا حاجة كدا)
او ان تنتصر قضية المناخ وتهزم الرأسمالية (وهزيمتها ايضا تعني تغير حياتنا عن كل ما الفناه وتعودنا عليه بشكل مباشر في الثلاثين سنة الاخيرة 

هذا الكتاب لم يثر سخط انصار الرأسمالية والنيوليبرالية -بالعكس!  الكتاب ازعج مناصري قضية البيئة ذات نفسهم! اذ انهم رأووا ان الكتابة اقحمتهم في "عركة" جديدة هم في غنى عنها خالص!!. وانهم غير ناقصين معركة جديدة اضافة الى معاركهم مع شركات النفط ومناجم الفحم ومع القوانين والحكومات. لا يحتاجون فوق كل ذلك العنت، عنت الصراع الايديولوجي.

ناومي كلاين ترى ان اكثر الناس وعيا بقضية المناخ في وقتنا الحالي هم اليمينيون. صرح احد المشاركين في المؤتمر السنوي المنكر للتغير المناخي "ان قضية البيئة ما هي الا حصان طروادة اخضر يتخفى من خلفه الراديكاليون الحمر"

تقول ناومي : يا ريت لو فعلا الراديكاليون كانوا واعين وتخفوا وراء قضية البيئة، الا انهم في وادي تاني خالص*
*طبعا هي لم تقل كدا بالحرف انا بلخص في الكتاب


كما كل كتابات ناومي كلاين، لازم تشيل نفسك وانت بتقرا، لانك تحس انها تجك بك عاطفيا وفكريا، ولا تفرق بينهما - وهذا في رأيي- اجمل واجود انواع الكتابات- لا تلك التي تدعي برودة الموضوعية، فالموضوعية جياشة يخوانا. 



اعتقالها من امام البيت الابيض احتجاجا على خط انابيب كي ستون الذي يمر من كندا الى امريكا وعبره يضخ النفط المستخرج من الرمال النفطية اخطر انواع الوقود واكثرها اضرارا بالبيئة- مشروع الانابيب الذي ظل اوباما ملكلكا امامه -تقول ناومي: اوباما يقول "نعم" للبيئة دوما ما نحتاجه ان يقوله هو "لا" للوبي الشركات النفطية


(جدير بالذكر للناس البحبو الحاجات دي، انه عندها كتابين : لا للوقو، وعقيدة الصدمة تصدرا قائمة الكتب الأحسن مبيعا في العالم، كتابها الذي اصدرته عام ١٩٩٩ وكانت في ال ٢٩ من عمرها :نو لوقو  صنفها ضمن اهم الكتاب في العالم دون سن الأربعين)

عندما قمت بنشر خبر انني استلفت كتاب ناومي كلاين من المكتبة عن البيئة، كان هناك تعليق ملفت حول ما اذا كانت قضية البيئة هذه مجرد حملة "بيضاء" اخرى لانقاذ الأرض- ولعلها منذ الثمانينات لم تكن الا كذلك. قضية تخص "اهل شمال الكرة الارضية" يريدون ان يجعجوا بها ويصدعوا بها رأس اهل جنوب الكرة الأرضية الذين هم ما ناقصين وجع راس.

الكلام دا صحيح، لكن منذ تفاقم ازمة المناخ بشكل واضح انقلبت الموازين تماما. بوسعي ان اقول انها اصبحت قضية ملح الأرض. بل- ملح ملح الأرض- اذا كان في حاجة بالشكل دا. ولعلي لا أبالغ إن قلت أن الانتصار فيها هو انتصار المستضعفون الذين يرثون الأرض حقا. 

في الفلم* الوثائقي الشاعري الجميل المعنون بلغة حريفة تجمع بالانجليزية بين كلمة "السد" و"الخراب" . فيه ارونداتي روي تتابع نضال السكان الاصليين في الهند ضد سد النارمادا الضخم، والذي تقف خلفه شركات استثمار ضخمة والدولة بكامل عتادها.  تقول ارونداتي :ها هنا افقر من في الأرض وأبأس من في الأرض يعيدون تعريف معنى "السعادة" لنا جميعا. ما هي السعادة؟ ما هو الرخاء؟ ما هي الطمأنينة؟ ما هو الأمان؟
هنا بشكل واضح اكثر من اي وقت مضى في تاريخ البشرية. يجلس المثقفون والمفكرون على الدكة، بينما يمسك البسطاء بالطبشورة. 

*الفلم أهوه انصح به تماما

في حوار توجه المذيعة سؤالا لناومي كلاين: من اين تأتيك نبرة التفاؤل هذه؟ التي تبشرين فيها ب"حركة الحركات" -كما اسمتهاـ وهي حركة توحد جميع حركات العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية حول العالم، تحت راية البيئة. فترد ناومي انه تفاؤل الواقع، وهي ترصد التحول الكبير الذي جعل النساء والسود والفقراء والعمال والمزارعين المأجورين والسكان الأصليون وسكان القرى هم اكثر الناس وعيا بقضية البيئة وفي الصفوف الامامية في معركتها لأنها اصبحت تمس حيواتهم بشكل فاضح. 

سأحكي بعض الحكاوي المفصلية في الكتاب، كأفضل وسيلة للتلخيص، حكيت من قبل قصة جداد الوادي ،والتي ترصد المراحل التي مرت بها حركة مناصرة البيئة من حركة شعبية حقيقية ثم تطوعنت وتأسست وفقدت بوصلتها، لكنها الان تعيد جذوتها من جديد مع حركات التغيير الاجتماعي الشعبية حول العالم.


قصة الرجل الإيطالي الأنيق:
في مقاطعة اونتاريو الكندية، تحاور ناومي كلاين ايطاليا انيقا، افتتح مصنعا للألواح الزجاجية المولدة للطاقة الشمسية- الألواح الشمسية. ينظر بحسرة الى مصنعه كما قبطان نبيل يشهد غرق باخرته.
مقاطعة اونتاريو كان قد اعلنت عن مشروع تحويل المدينة للعمل كلية بالطاقة الخضراء. احتفى العالم بهذا المشروع الطموح. يقول الايطالي: " كانت شركتنا الام تشرع في التوسع بتجارتها في امريكا. كنا قد رسينا على نقل المصنع الى كاليفورنيا أو تكساس أو هاواي حيث الشمس المشرقة والمناخ المناسب للإستثمار، لكن اعلان حكومة اونتاريو قلب موازيننا تماما، رغم برودة المدينة، وشمسها الضنينة، الا ان مشروعها الطموح شجعنا على نقل استثمارنا هناك. فهذا يعني ليس مجرد توزيع الواح زجاجية، لكن الحصول على بيئة عمل مستقرة وزبائن دائمون."
وما جعل المدينة تحتفي بمثل هذا الإيطالي وغيره هو شراءه لمصنع سيارات كان قد انهار بعد الأزمة المالية الأخيرة وتشرد عماله، فقام بفتح المصنع من جديد وتوظيف عمال تركيب السيارات والذين كانت لديهم الحرفة والخبرة في التعامل مع التركيب الآلي. ما يقدمه المصنع ليس فقط طاقة خضراء، بل ووظائف خضراء ايضا. تحمست المدينة للمشروع وقامت بفرض حوافز من شاكلة : اشتراط ان تكون هناك نسبة ثابتة من اجهزة وقطع الطاقة النظيفة مُصنّعة في المدينة ذاتها (لكن تشجع العمالة المحلية) وايضا تعريفة التغذية (دي عشان افهمها قعدت ساعة، والفهم قسم يا عينيا) - وهي تعرفة تدفعها الدولة للشركات التي تولد الطاقة النظيفة بجعل اسعار الشراء منافسة لشركات تولد الطاقة بالطرق التقليدية، مما يضمن استمرارية هذه الشركات. و كذلك عبر توقيع عقود طويلة الأمد. كما قامت بوضع بند يمنع الاحتكار ويفتح الباب لشركات التوليد المحلية (وليست فقط الكبيرة) ببيع الطاقة للشبكة (سواء كانت شركات تابعة للمحليات، او التعاونيات او للسكان الاصليين)- شرط ان تكون نسبة من عمالتهم وادواتهم المحلية تصل الى ٤٠٪ و٦٠٪- الذي حدث ان مقاطعة اونتاريو اصبحت اعلى مدينة مولدة للطاقة الشمسية في كندا ، وبحلول ٢٠١٣ كانت هناك شركة واحدة فقط تولد الكهرباء بالفحم، كما انها قدمت حلولا للعطالة التي شهدتها المقاطعة بسبب اغلاق مصانع السيارات والتي كانت تعتمد عليها، حيث قامت بتوفير ٣١ الف وظيفة محلية بحلول عام ٢٠١٤

لكن.. وآخ من لكن.. ما قامت به هذه المدينة هو مخالف لقوانين منظمة التجارة العالمية، فإن فرض نسبة من الصناعة المحلية للمعدات والالواح الشمسية يعد اخلالا بروح وقوانين المنافسة للشركات العالمية التي تورد هذه المعدات من الخارج، فإن قانون التجارة الحرة يمنع ما يسمى ب"المحاباة الوطنية" اي ان تحابي الدولة النشاط الاقتصادي الوطني ضد الاستثمار الأجنبي (سواء كان بتشجيع العمالة الأجنبية، او العقود المحابية للشركات المحلية، او تشجيع الصناعة الوطنية الخ).
ومنذها انسحبت اونتاريو من حوافزها، مما جعل كثير من الشركات تغلق اعمالها في المدينة. اخرهم الايطالي الأنيق الذي قلص من عمل فرع شركته، إلى حين انتهاء عقودات الضمان على الالواح التي اشتراها عملاؤه

ترد كلاين على المدافعين عن "روح التجارة الحرة" ان من جانب فإن قوانين التجارة هذه لا تنطبق على الحوافز المدفوعة لشركات الطاقة النفطية والتي تصل الى ما يقارب ٧٧٥ بليون دولار و الترليون دولار سنويا (نفس هذه الشركات لا تدفع نكلة مقابل الضرر البيئي المهيب الذي تسببه) 
من جانب اخر فما يجعل شركات الطاقة النظيفة هذه ناجحة ومُشَجَّعة من قبل المواطنين والحكومات هي قدرتها على خلق الوظائف عبر تشجيع الصناعات المحلية والشركات المحلية والحوافز الحكومية. صحيح! استيراد الالواح الشمسية من الصين قد يكون ارخص وفي متناول المستهلك، لكنه لن يساهم في خلق الوظائف ولن يشجع من خلق بيئة اقتصادية تسهم في مقايضة الطاقة التقليدية بالطاقة النظيفة (كما انه لو حسبنا الضرر البيئي من الباخرات الناقلة للالواح النظيفة فالموضوع بايظ اصلا)

-- هنا تتحدث ناومي كلاين عن احد اعداء قضية البيئة، وهي اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية (ك نافتا) او الجماعية (كمنظمة التجارة العالمية)، التجارة الحرة هي احد ركائز الرأسمالية العتيدة.. ان هبشتها فإنك في الحقيقة تهبش الرأسمالية. 
>>>>> في الحلقة القادمة قصة الانجليزي المجنون صاحب المنطاد




Tuesday, 3 November 2015

دراما جداد الوادي-قصة مؤثرة خلاص

أنا ضحكت غايتو -لكن من حال البشر أفتكر. 

القصة دي من كتاب ناومي كلاين الأخير، حعمل عنو ملخص في اليومين الجايات -لكن هي هنا جايبة مثل عن كيف حركة الحفاظ على البيئة لما بدت في الستينات بدت كحركة حية وعارمة تضم قطاعات مختلفة من المجتمع (محامين وعلماء وسياسيين ومواطنين مهتمين وناشطين) وكانت بتواجه الشركات البتلوث البئية بشراسة ونجحت في إقتلاع تشريعات بقت شبه ثابتة في معظم دول العالم. أها في التمانينات الحصل إنه الحركات دي تطوعنت وبقت منظمات طوعية ومع صعود نجم الريغانيزم، والنيوليبرالية. قامت المنظمات دي اتبنت وجهة نظر تانية ، إنه بدل ما نواجه الشركات دي ونقاضيها ونمرمطها ما نجي نتعاون معاها، ونعمل أجندة مشتركة ها؟ ونحقق اهداف سوى ونتبع القاعدة الفقهية لا ضرر ولا ضرار.و جابت القصة دي:


يحكى أن فصيل نادر من دجاج الوادي أو دجاج البراري والذي كان يجد في سواحل تكساس ولويزيانا مرتعا أصبح مهددا بالإنقراض بسبب أعمال التوسع الصناعي والسكني. ذلك الفصيل البهي الطلعة والذي كانت تشكل طقوس تزاوجه مزارا للمهتمين. حيث يقوم بدبكة تحفزية على الأرض و ينتفخ الكيسين على جانبي عنقه ويبدو وكأنه ابتلع بيضتين ذهبيتين. 
وحدث إنه أخر موطن باقي لهذا الطير هو في مكان في تكساس يبلغ سعته الفين فدان. وقد عزمت منظمة الحفاظ على البيئة أن تحتفظ بهذا المكان للطير دا. لكن في مشكلة!


أنظر رقصة التزواج في الفيديو أدناه:


الأرض دي مملوكة لشركة موبيل النفطية. صحيح هي لسة ما نزلت المعدات لإستخراج الغاز والنفط إلا كان في كذا بئر "نشطة" على اطراف الأرض وقريب من مراتع توالد جداد الوادي. لكن في العام ١٩٩٥ حصلت مفاجأة. شركة موبيل تبرعت بالأرض كلها لصالح منظمة الحفاظ على البيئة على أمل في إنقاذ واحدة من أندر فصائل الطير في العالم كما وضحت الشركة سبب تبرعها. وسعد الجميع بالخبر دا، وأعلنت المنظمة إنه الآن هي عازمة على الحفاظ على نسل الطير دا، واحتفلوا بالنموذج الناصع والساطع لما يحدث لما نتنبنى سياسة شراكة لصالح البيئة بدل سياسة المواجهة.

لكن وبعد ٤ سنوات حصل شيء غريب. منظمة الحفاظ البيئة شرعت في القيام بنفس الشيء الذي ظن الجميع أنها بتسعى ضده: ألا وهو منع إسختراج النفط والغاز من المحمية. أي نعم بحلول العام ١٩٩٩ كانت المنظمة قد أوكلت شركة تقوم بحفر آبار لإستخراج النفط والغاز - بحيث تعود الملايين من دولارات الأرباح إلى خزانة المنظمة. وبعكس الآبار القديمة الكانت على حدود المحمية ، الآبار الجديدة كانت أقرب وأقرب من مكان توالد وتجوال الدجاج. واستمر الحال في صمت مريب لحين ظهور مقال في لوس أنجليس تايمز عام ٢٠٠٢ كاشفا عن ما يحدث في المحمية البعيدة. وكان الأمر بمثابة الصدمة لأنصار منظمة الحفاظ على البيئة، اتخيل مثلا لو إنه إكتشفت إنه منظمة العفو بتدير زنازين خاصة في سجن قوانتانامو- أها هكذا كان وقع الصدمة على الأنصار.

ثم ظهر مقال صحفي تعمق أكثر في ما يحدث في المحمية والذي أوضح أن واحدة من أبرز منظمات الحفاظ على البيئة أصبحت تتباهى بكونها شركة تعدين للنفط.

المسئولون في منظمة الحفاظ البيئة وكأنهم استعاروا أصوات ونبرة سلفهم من شركات النفط قالوا:" بوسعنا أن ننقب عن النفط دون أن نضر بجداد الوادي. " ولكن كان ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة.

فإلى جانب أعمال الحفر والخبط والرزع والحفر والضوضاء والكشافات المشرعة ليلا والتي أقلقت مرقد الدجاج. كانت هناك عدة حوادث أضرت مباشرة بحياة الجداد.

مثلا، بسبب حالة الدجاج الحرجة والآيلة للإنقراض كان هناك مشروع شراكة حكومي أهلي يعمل على حضانة فرخ دجاج الوادي لمدة قبل إطلاقه في البرية. ولكن في إحدى المرات بسبب عطل في إحدى الأنابيب النفطية تأخرت عملية إطلاق الفرخ في البراري لمدة ثلاثة أشهر، وعندما تم إطلاق الدجاج، كانت لقمة سائغة لموسم الطيور الجارحة المهاجرة في هذه المدة بالذات في الأنحاء. 
إطلاق الطير كان كارثة في تلك السنة، السبعتاشر فرخة التي أطلق سراحهم قتلوا جميعا في فترة قصيرة. 

بحلول عام ٢٠٠٣ منظمة الحفاظ على البيئة أعلنت أنها تحتضن الآن ١٦ دجاجة فقط وهي أقل من ال٣٦ دجاجة الكانت موجودة قبل عمليات التنقيب والحفر. 

بعد هذه الفضيحة أعلنت المنظمة أنها لن تقوم بأي أعمال حفر أو تنقيب جديدة في المحمية. لكن عند الكشف عن تواصل عمليات الحفر، عللت المنظمة أنها ملزمة قانونيا بمواصلة أعمال الحفر القديمة بحسب العقد الملزم بينها وبين شركة التنقيب، أي نعم في آبار جديدة اتحفرت، لكن دي مجرد آبار تعويضية للآبار القديمة التي حصل ليها تلف أو غمرتها المياه بما أضرت بمصالح شركة التنقيب.

ورغم إنه المنظمة تملك صلاحية إيقاف أي أعمال تضر مباشرة بحياة الدجاج ، فقد واصلت المنظمة أعمال الحفر معللة أنها قاعدة تستشير في خبراء يؤكدون أن لا خوف ولا ضرر على حياة الطيور النادرة. 

وبرغم الضجة التي أثارتها القضية في كون ليه واحدة من منظمات الحفاظ على البيئة متورطة في عملية إستخراج طاقة مضرة بالبيئة من أساسه، إلا أنه الضجة كلها خفتت وذلك لأنه بحلول نوفمبر ٢٠١٢ كانت منظمة الحفاظ على البيئة قد أعلنت عن إختفاء آخر الطيور من فصيلة دجاج أتووتر البري وأن ليس لديها أي علم بوجود أي من هذه الطيور على المحمية التي تديرها.


"جدير بالذكر أن الموقع الإلكتروني للمنظمة لا يزال يباهي بمقدراتها الإدارية في مجال المحميات الطبيعية والتي هي على استعداد لمدها وإعارتها للمحميات الأخرى كي تستفيد منها"

مقتبس من كتاب ناومي كلاين ( هذا يغير كل شيء: الرأسمالية في مواجهة التغير المناخي) 





Wednesday, 30 September 2015

انقلاب ضد الأمومة

مستهل: هذه الكتابة لعصمت الدسيس في والدته، أمنا، العينة الأمين- بتصرف مني
منذ معرفتي الأولى بعصمت كنت أستغرب انصرافه عن حكي تفاصيل حوادث اعتقاله ، أو حتى مجرد الإشارة إليها، في وقت كان الكثيرون يستعرضون نياشين اعتقالاتهم بفخر (فخر يستحقونه والله) . حتى التقيت والدته رحمها الله لاحقا واخوته، وعلمت أن كل حادثة إعتقال كانت تحمل ذكرى تؤذيه- "اعتقال صباح العيد وكنا قد فرشنا لتونا الملاءات الجديدة" "مطاردة في حفل قران أختك الصغرى منى" "اعتقال تبعته اغماءة الوالدة في المشفى" .
ومع ذلك يلزمك وقت لتكشف عن فخر هذه الأسرة الشريفة بإبنهم. وهي حكاوي كنت تلتقطها من بين ونساتهم التقاطا. كلهم يرونه الواجب ..الواجب.. لو أنك من الريف فإنك نادرا ما تسمع عن أب يباهي بحفر ابنه مجرى امام باب جيرانه ابان فيضان ما. يرونه الواجب. بذات النبرة التي يحكون فيها عن بذل ابنهم للوطن ، يحكون عن أول مولود له، يحكون عن عرضة في عرس احدى البنات، يحكون عن غرفة شيدوها في المنزل.- اسرة عزيزة وحميمة بحق.



أربعين يوما من الشوق ... الفقد

أذكرك و انت تَبسُطين طرف ثوبك لأخي طارق -ثاني ابنائك- ليدخر فيه حلمك - حلمك به عريسا. عاندتِ به يد صرَاف الحكومة المغلولة و رقة الحال ببسطك يد التفاؤل و الخير "اللازم ينتم " فإذا بك تصبحين و الشر يضحك في وجهك وقد أحيل طارق للصالح العام فاحتميتِ بعودة عباس-بكريك- من زالنجي " هكذا انت لا يعرف القنوط لك باباً" ثم صادرت كدح عباس ليتوزع على حلمين له ولأخيه  بقولك " كلو خير"،  و لكن أمي أين الخير و الشر في ارضك و سماءك؟  فهاهو عباس يأتيك 
ذات ظهيرة و صفعة الصالح العام تشوه وجه عودته إليك  ليتناثر ما في صُرة ثوبك على كِسرة اليوم و الهم .


أذكر لوعتك عند إعتقالي الاول و دموعك التي َحَجرتها الحيرة و السؤال حتى جاءتك الإجابة و إنجلت الحيرة بسلسلة الاعتقالات و المداهمات الليلية ، عرفتِ حينها أن الانقلاب كان و مازال ضد الأُم ، وتفجر دمعا فوق طاقة قلبك فزاحم نبضك وضَيَّق شرايينك ،و السُكّر الذي غاب عن شاي الصباح سمم دمك . 


 و بينما ثوبك مبسوط ليستر ضيق أسرة أُحيلت للصالح العام جئتك بقرار فصلي من الجامعة فشددتِ ثوبك ليمسح دمعك . الآن تمزق قلبك و إنكشف الستر عن الخوف فرضيتِ أن أبتعد عنك ليكون طرف الأمان عندي و طرف اللوعة و البكاء عندك . 


أُمي إختلط عليّ بٍرّك ببر الوطن و ما عناك فض اشتباكهما عندك،  فأنتِ الكل في مقام العطاء و البعض في مقام 
الشُكر تطعمينا لحمك  شبعا ، يميل هواك حيث نميل و تستقيم يدك حين نطلب يا سيدة العطاء يا أُم.


حين جلسنا حولك بخيبة الوطن رضيتِ أن تدفعي عمّن خانوا فقطعتِ جزءا مما تبقى من قلبك و حزمتِه بتأشيرات خروجنا ثلاثتنا -انا وطارق وعباس -من البلد ،من فؤادك، فأصبحت كأم موسى تنتظرين على جحيم الشوق أن نهاتفك لتعرفي أين رست سلتك و أنتِ أعلم الناس أن لا مرسى لنا الا حضنك.




و إستفرد بك الشر بعد أن نجيتنِا منه وقد رميتنا  في اليم ، فسلط عليك شياطين المرض و شياطين الطب حتى غرق مرضك الى أذنيه في يم الاخطاء الطبية، فدرنا بك الدنيا و قرأ أطباء الدنيا عليك كل تعاويذ الطب و لكن يد الشر غاصت عميقا في قلبك


الآن انا مثلك أدركت متأخرا أن هذا الانقلاب كان و مازال ضد الشرعية ، الشرعية الإلهية لحق الام في الحياة و الحلم .

Friday, 4 September 2015

نضالٌ نبيلٌ -نحن عنه معرضون


هناك سلسلة من المقالات في غاية الأهمية تنشر تباعا على صحف: الميدان- الجريدة- الأيام - التيار وعلى الصفحة الشخصية للدكتور نبيل أديب. لا بد من متابعتها

علي أن أقول أن بي قليل خجل يمنعني من المبادرة للتعرف على أناس بعينهم، سوى أشخاص بعينهم لم أجد بدا من تجاوز هذا الخجل للقائهم وذلك لإعجابي الفائق بهم. أحدهم الدكتور نبيل أديب والذي أخذت عنوانه وقصدت مكتبه العامر بالعمارات دون سابق معرفة، سوى مقالاته والحوارات واللقاءات الإعلامية التي كنت أتابعها له بحرص بالغ والتي كنت أحس أنها تعبر عني تماما.

ظل في رأيي منذ بداية إهتمامي بالعمل العام، أن هناك فجوة عميقة في الخطاب والعمل النضالي لم يخاطبها بشكل بارز وعلى ارض صلبة من المعرفة والخبرة كما خاطبها الدكتور نبيل. وهي مجادلة النظام في الزمن الفعلي. معظم إن لم يكن كل خطابنا السياسي والنضالي يركز على مخاطبة النظام في زمن مؤجل "حين سقوط/زوال/ذهاب النظام" و "بعد سقوط النظام" أو في حالة الحوار "حين تفكك النظام" . وهذه نقطة المماحكة فلنقل- لأنها ليست نقطة الخلاف- بيني وبين زملائي في العمل العام. هناك خوف كما ذكرت أكثر من مرة من قبل لدى المناضل من مخاطبة النظام في الزمن الفعلي، خوف من أن يسقط النظام فجأة ويجد المناضل نفسه مورطا في خطاب تسوية ومساومة ومرحلية. لكن هذا الأمر ضروري حتى مع هذه الإحتمالية (التي تتأخر يوما بعد يوم) ، فما بعد النظام يلزمه هذه الخبرة في مجادلة السلطة ومحاورتها والتنازع معها. لن يأتي نظاما جديدا ونخلف ساقا على ساق للننتظره كي يصلح من نفسه .
هناك معلومة تغيب كثيرا وسط زخم الإحتفاء التاريخي بسيرة المبجل مارتن لوثر كنق وروزا باركس وحادثة دمج الباصات في مدينة مونتغومري، والتي سمحت للأسود أن يجلس في مقعد على الحافلة دون أن يضطر أن يتنازل عنه لصالح الأبيض. ما يغيب عن الكثيرين هو التسوية التي قدمها مارتن لوثر كنق مع المدينة لصالح ذلك، ففي تفاصيل الإتفاق، فإنه أكد على السود أن يشغروا المقاعد الخلفية أولا ثم ملئها نحو الأمام!! كل ما أقصده بالتسوية هو مجادلة النظام تتطلب منا أن نضع في الإعتبار أنه (دي فاكتو). نظام فرضه الواقع المعاش. ما أقصده هو النضال "أيضا" من أجل انتزاع ارض للنضال. فمثلا انتخاب نقابات بديلة فاعلة شبه معترف بها لم يكن ابدا نهاية نضال، بل بدايته، انتزاع أرض صالحة للنضال.
 ما يعيق هذا هو عشقنا للبرافادو- الهتافية. فنحن نفضل أن نهتف: تهيئة المناخ من أجل الحوار!!! أو اطلاق الحريات!!! أو ضد النظام العام!!! ضد قانون الأمن ٢٠١٠!!!! ضد تعسف الشرطة!!! أطلقوا سراح!! لا للإعتقال السياسي!!!  بدلا من تفكيك هذه الشعارات. وعمليه التفكيك هذه مهمة جدا. لأن ما من أحد أكثر سعادة بالهتافية هذه من النظام نفسه. لأنه في كل مرة يرد على هذه الهتافات المعممة بتصريحات مبهمة ك: هامش الحريات أو ٢٠١٦ نهاية أزمة دارفور أو لا يوجد معتقلين سياسيين أو لقد أخطأنا في حق الشعب السوداني أو الأسوأ من ذلك اقامة تحقيقات مبهمة وانشاء مفوضيات عاطلة واجراءات قانونية ومحاكمات فاسدة.

قبل يومين كنت اقلب في تطبيق "حدث في مثل هذا اليوم" على الفيسبوك، وفاجأني أنني قمت قبل عام بنقل بوسترات : المجد لشهداء سبتمبر!! القصاص لشهداء سبتمبر!! لن ننسى شهداءنا!!! تفاجأت لأنني كنت متأكدة أن هذه هي الذكرى الأولى لهبة سبتمبر وليست الذكرى الثانية!!! وها قد عدنا من جديد بنفس البوسترات لترد السلطة بذات الشكل المبهم والمكرر والذي كان من قبل ب: فتح التحقيق في شهداء سبتمبر ثم ها هي الآن تتحدث عبر لسان وزير العدل بشكل مبهم أيضا عن : "تعويض شهداء سبتمبر" لنهتف من جديد "ما دايرين تعويض دم شهداءنا لن يذهب هدر!!"
واحدة من معيقات التنمية والديمقراطية في افريقيا هي أن المسئولين لا يحملون المسئولية. ولا أجد ابلغ من الهتافية واختصار النضال في شعارات مجملة كأحد ادوات اخلاء المسئولية التي نركن إليها كمناضلين وكعاملين في الحقل العام.
أنا لا أتحدث اطلاقا عن التخلي عن هذه الشعارات المجملة، فلتكن السماء التي نرمق إليها ولنرمي الأساسات واللبنات اللازمة لبلوغها. فإذا اردنا حقا أن نسترجع حق الشهداء يكون ذلك عبر عدة مطالب ، واحدة منها السعي أن لا يهدر دم كريم بعد اليوم ولا يحبس حر ولا يجلد عزيز. فالقصاص لشهداء سبتمبر لا يكون عبر كباش فداء، فالقاتل الحقيقي هو مؤسسات السلطة متمثلة في جهاز الأمن الوطني وقانونه، وجهاز الشرطة وقانونه. ومن هنا أنتقل بكم إلى سلسلة مقالات د. نبيل والتي أود أن ننظر إليها جميعا نحن العاملين في العمل العام وجمهور الناشطين والمناضلين وأن نصيغ منها خطابنا سواء في "المخاطبات العامة" أو "الندوات" أو "التصريحات الإعلامية" أو"البيانات الإلكترونية" أو "البوسترات" أو "الهاشتاقات".

في الآونة الأخيرة على من جديد صوت : نشر الوعي ، نشر الوعي هو أحد وسائل النضال. ولكن للأسف يتم اختصار هذا الهدف النبيل في "لكشرة" للمواطن بما يعرف ولا ما لا يعرف. تم اختصارها في تسميع حقوقه عليه. بينما نشر الوعي يعني تذليل سبل العمل والتضامن من أجل هذا الوعي. الوعي قول وعمل.



هذه مقتطفات من المقالات الثالثة وما زلت أتابع صدور مقالات د.نبيل التاليات. لكن التحدي يكمن هنا في أن نعمل سويا نحن الناشطين في العمل العام في صياغة كل هذا في حملة تشغل الرأي العام وتحرك المواطنين نحو هذه البنود المفككة والمفصلة. سيقول البعض : الشارع لا يتحرك.. نعم الشارع لا يتحرك بما هو مبهم وبالشعارات. ويحضر هنا في البال حملة غاندي لتأميم الملح ابان الإستعمار البريطاني للهند، إذ كان يرى انه يمكن تحريك الناس وحشدهم حول أمور محددة تلامس حياتهم الشخصية بشكل مباشر، بدلا من شعار عام كالتحرر من الإستعمار أو الحرية، كما يحضر في البال كيف أن حركة الحقوق المدنية ظلت تفصفص هذه الحقوق فصا فصا بدل أخذ الشارع الأمريكي خلف شعار مبهم كالمساواة والدمج. بدءا من فرص العمل المتساوية، لحق الدمج في المطاعم في المدارس في الباصات المحلية والباصات السفرية،مرورا بالمسيرة الشهيرة التي كانت إلى واشنطن والتي خطب فيها بخطابه : لدي حلم. هل سيفاجئكم أن هذه المسيرة لم تكن تحت شعار : المساواة والحرية، بل كانت تحت شعار الوظائف والحريات. وتلخصت تحت ٥ مطالب مفصلة ومحددة. وهناك مقولة شهيرة لمارتن لوثر كنق يقول فيها أنا على استعداد لأن افاوض مؤجر مؤجر في أمريكا من أجل تحقيق حق السكن للسود! 
 إلى سلسلة مقالات دكتور نبيل أديب

المقالات تتحدث عن دعوة وزير العدل لإصلاح قانون الإجراءات الجنائية وعن عزمه لتشكيل لجان لإصلاح قانون الإجراءات الجنائية  وهو ذلك الشق من القانون الذي نعاني منه القسط الأكبر من البطش كمواطنين عاديين -اكرر كمواطنين عاديين ماشين في الشارع.
لأنه هو ذلك الشق القانوني الذي يعطي صلاحيات موسعة للشرطة لتعمل بموجبها. ويأتي في البال تلك الصيحة التي اطلقها ياسر عرمان في أيامه الأولى اثر عودته للخرطوم حين قال :" إن الشرطة السودانية مسلحة حتى أسنانها". وهو هنا لا يتحدث عن الكلاشينكوفات ولا الغاز المسيل للدموع ولا الرصاص المطاطي ولا الكومرات . بل يتحدث عن السلطة التي بموجبها تعمل الشرطة السودانية. وهو ما يركز عليه مقال الدكتور نبيل أديب "الهام جدا" 

حتى الآن صدرت ثلاثة مقالات من السلسلة تحدثت الأولى عن : سلطة القبض. وهي التي نعاني منها الأمرين. تحدث شق من المقال عن المادة ٦٨-٣ التي منحت لأي شخص سلطة القبض والتحفظ إلى حين حضور الشرطة دون وضع ضوابط لسلطة القبض هذه. أي يمكن لأي شخص حرمانك من حريتك لأي سبب يراه. ويرى المقال أن في هذا استهانة من القانون بحريات المواطنين. بل يذهب المقال إلى امر من شدة ما اعتدناه حتى اننا نراه طبيعيا. وهي سلطة القبض بواسطة الشرطة، حيث يذهب المقال إلى أنه لا بد من وضع ضوابط لأمر القبض بواسطة الشرطة والتي حتى الآن تكتفي بمجرد فتح دعوى جنائية ضدك. والدعوى الجنائية في أكثر من خمسين في المائة من حالاتها لا تحتاج لرجوع إلى وكيل النيابة بل تكتفي بالشرطي المناوب في القسم (دون تحديد رتبة هذا الشرطي!!) ويفصل المقال لكي يصدر أمر القبض لا بد من وجود بينة "معقولة" للإشتباه في المقبوض عليه وعلى الدولة المدعية حينها أن تقدم أمام المحكمة الأدلة والملابسات التي أدت للإشتباه. ونوه أنه لا تكفي "حسن النية" في عملية الإعتقال وفي الدولة لكن نسلم بها، "حسن النية" هذه الكلمة التي تخفي بها الدولة كل ما يريب.
فكل هذا ليمنع ما نراه الآن مما يمكن وصفه بالقبض "التعسفي" أو "النزقي" الذي تمارسه السلطات. والذي يعمل على عقاب المتهم قبل محاكمته وحرمانه من الدفاع عن نفسه في فترة القبض عليه.



الإحتجاز رهن التحري. فالقانون الحالي يبيح للشرطة حجز المتهم لمدة ٢٤ ساعة. يمكن لوكيل النيابة أن يجدد الحبس لمدة ثلاثة ايام بغرض التحري. ثم اذا اراد ان يحتجز المتهم لأكثر من ذلك ان يرفع الأمر للقاضي المختص والذي يتيح له احتجاز المتهم لمدة اسبوع قابلة للتجديد حتى مدة ستة اشهر (على ان لا تتعداها) - يمكن بعد ذلك ان يتم حبس المتهم لمدة تفوق الستة أشهر بموافقة رئيس الجهاز القضائي.
ويرى د. نبيل أن المشكلة في هذه المادة أنها لم تضع محددات لكلمة فضفاضة مثل "أغراض التحري" كما أن تجديد الحبس فوق الستة أشهر لم يحدد بسقف زمني إنما اكتفى بموافقة رئيس الجهاز القضائي. مثل هذه المواد تؤكد ما أراه أن الدولة تستخدم "التحفظ" و"التحري" كوسائل لمعاقبة المواطنين لا لتحري العدالة . وقد شهدنا حالات مشابهة لذلك ولعل ابرز ما يجيء للبال هو احتجاز السيدة جليلة خميس كوكو لمدة ٩ أشهر على ذمة التحقيق قضتها بسجن كوبر بعيدة عن بناتها وأسرتها عانت فيها من التعذيب المعنوي والنفسي.

ويذكر مقال الدكتور نبيل أديب ان المبرر الوحيد لإحتجاز المتهم لمدة طويلة كما تقرر هو أن اطلاق سراحه قد يؤثر على مجرى سير العدالة. لكن في المقابل يذكر الدكتور نبيل أن احتجاز المتهم لمدة طويلة من العناء النفسي والمعنوي هو ايضا تأثير على مجرى سير العدالة بواسطة السلطات!
وعوضا عن ذلك يرى الدكتور نبيل أن الأفضل وضع المتهم تحت الرقابة أو منعه من مزاولة نشاط ما أو مغادرة مدينة أو منطقة بعينها لحين استنفاذ أغراض التحري. وأيضا لا بد من ربط "مدة الإحتجاز" ب"خطورة الجريمة" التي يتم الإحتجاز بموجبها ، إذ لا يعقل أن يتم احتجاز متهم لمدة ستة أشهر مثلا في جريمة لا تتجاوز عقوبتها شهرين مثلا. وقد أوضح مقال الدكتور نبيل أديب أن ذلك مخالف لأعراف القوانين والمواثيق الدولية التي تكفل حقوق وكرامة الإنسان
حقيقة المقال جميل وتحفة في البيان ،حرام انقله كله هنا لكنه من الأهمية بمكان.
برضو في القانون الحالي يشير الدكتور إلى مسألة رفض الإفراج مسبقا عن المتهم بضمان. وذكر شواهد من القانون تجعل من هذا الأمر مخالفا للأعراف القانونية التي تضع في بالها براءة المتهم. فما يحدث حاليا أنه يتم رفض الضمانة دون حضور المتهم أو من يمثله قانونيا ودون سماع وبينة.
ويقترح المقال أن تمديد مدة الحجز بغرض التحري لا بد أن تحدث بعد حضور المممثل القانوني عن المتهم أمام القاضي لسماع البينات والدفوعات والحجج التي تبيح اطالة الحجز أو الغاؤه.
واخيرا يعرج المقال الى النقطة الأهم وهو انه مقابل تمديد الحجز لا بد أن يكون هناك اسراع في اجراءات المحاكمة - وليس مماطلة كما نشهد الآن فعلا- دون ذلك يظل قولنا مؤكدا أن السلطة تستخدم الحجز والإعتقال كوسيلة للعقاب والتأديب بدلا عن المحاكمة والمحاسبة.


المقال الثالث يركز على : حق المتهم في أن يتم تنبيهه لحقوقه. ويعمل المقال في تأكيده على تنبيه المتهم لحقوقه هو أن لا يجبر على تقديم بينة ضد نفسه. وهي ممارسة مكررة عندنا كثيييييير في ردهات اقسام الشرطة وقاعات المحاكم. حيث كثيرا ما يتم انتزاع اعتراف من المتهم دون أن تتاح له فرصة الإستعانة بجهة قانونية أو الأخطر كما يشير المقال أنه "حق الصمت" يفسر عندنا بالإقرار . قبل فترة اذكر حادثة السيدة التي فتحت فيها جارتها بلاغا بالزنا ، وكانت متزوجة وزوجها غائب، فتم نزع اعتراف منها ابان تحقيق الشرطة معها أنها مارست الزنا وحكم القاضي عليها بالرجم . وهو ما يخالف كل شيء، يخالف التشريع الإسلامي الذي يضع ضوابط صارمة في البدء لإثبات الزنا (ليس واحد منها على الإقرار والجبر على الإعتراف- انما يأتي الإعتراف عن تطوع) فكما ذكرت كان أولى على الشرطة ان بمجرد ان فتحت الجارة البلاغ ان تلزم ببينة الأربع شهود أو تجلد من فورها وتستاهل زاتو. ويخالف ذلك المبدأ القانوني في أن لا يجبر المتهم بتقديم بينة ضد نفسه، ويرى الدكتور نبيل أن حضور المحامي لإجراءات ما قبل المحاكمة لضروري لكفالة هذا المبدأ، إضافة لتنبيه المتهم لحقوقه. ويشير أيضا إلى مسألة هامة جدا وهي "تقديم اليمين في غير المسائل الحدية" التي في المادة (٤) من قانون الإجراءات الجنائية حيث يرى د.نبيل أن هذا يقع في مخالفة صريحة لنص المادة ذات نفسها المسبوقة ب "لا يجبر المتهم على تقديم دليل ضد نفسه". فالمادة تخالف نفسها بنفسها !! 
ويشير المقال أيضا إلى المادة ١٠ من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة والذي يقول : " لا ترد البينة لمجرد أنه تم الحصول عليها بإجراء غير صحيح متى أطمأنت المحكمة إلى كونها مستقلة ومقبولة" وهو أمر يقع في مخالفة من المادة السابقة للقانون نفسه، المادة ٦ والتي تلزم المحكمة القانونية من تجاهل الأحكام والمواد القانونية المخالفة للدستور والتي تقع المادة ١٠ من ضمنها بلا شك. خاصة وأن دستور السودان يقر بالإعتراف بالمواثيق والأعراف الدولية التي يوقع عليها ومن ضمنها المادة ١٤ من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والتي تمنح المتهم حصانة من أن يكره على أن يجبر على تقديم شهادة ضد نفسه أو الإجبار على الإعتراف.  ويرى د. نبيل أن ما من سبيل إلى ذلك سوى ان يتبنى قانون الإجراءات الجنائية حق تنبيه المتهم لحقوقه والغاء المواد التي تجبر المتهم على إدانة نفسه. وحتى ذلك الحين يرى ان يتبنى المجلس التشريعي الغاء المواد المخالفة للدستور وأن تتجاهل المحاكم هذه المواد حتى ذلك الحين.

Thursday, 23 July 2015

الفكاكة! (حالة سودانية)

تحدث البعض قبل فترة اثر  واقعة اختطاف الأستاذة ساندرا كدودة عن "مزية الشك" أو كما تترجم باللغة الإنجليزية : The benefit of the doubt
والتي تعني ان لكل قصة طرفان، وان نمنح الطرف الآخر ايضا احتمال أن تكون روايته صادقة - الطرف الآخر هنا هو جهاز الأمن "الوطني".
ولكن لماذا نفعل ذلك؟ الا يعتبر هذا "بزارا" كأهون وصف له؟ لماذا تمنح تصديقك لمن لا يريده؟
لقد سن جهاز الأمن الوطني لنفسه قانونا مخصوص يغنيه عن مثل بزارك هذا أخي المواطن، أختي مواطنة.  قانون يجعله يعمل دون رقابة- ثم بعد  أن يعمل دون مراقبة- أن يخرج دون محاسبة.   اي انه جهاز يعمل تحت قانون الشبهة والإشتباه. بل العكس: إن من انصافك ان كنت تريد انصافا أن تشك فيه- هو عاوز كدا

إذا اراد جهاز الأمن مثل هذا التعاطف الفائض (وهو لا يريد) اذا كان لا يريد ان يتبلّى الناس عليه (وهذا الموضوع حقيقة لا يشغل باله)  لجعل جهة "رقابية" تشرف على اوامر الضبط والإعتقال- كالسلطة القضائية أو لتقاسمها مع سلطة أخرى تعمل ضمن الإطار العدلي ألا وهو "مكتب النائب العام" . ايا كان، تقوم هذه الجهة الثانية بتقييم طلب جهاز الأمن والمصادقة عليه.

لكن الواقع أن امر الضبط والتفتيش والإعتقال يخرج من جهاز الأمن ذات نفسو، يعني زيتنا في دقيقنا. ورقة ممضاة من مدير جهاز الأمن يثبتها متى شاء وينفيها متى شاء

إذا كان جهاز الأمن يتحسس حقيقة لسمعته (وهو لا يتحسس) لجعل بابه مشرعا للمحاسبة، لكنه منح عضويته (واشباه عضويته-نعم له اشباه عضوية) حصانة من ملاحقتهم قانونيا، واستعاض عن ذلك بمحكمة جهاز الأمن حيث المحكامات سرية.   المرات الوحيدة التي يمثل فيها جهاز الأمن امام جهاز القضاء هو حين يجر خصومه لاتهامهم بتهم لم تثبت ولا واحدة  حتى يومنا هذا أو لرد تهمة "اساءة السمعة"- شي عجيب! يعني يتَتَملك ويتمسح بالشبهة وكل ما يريب ثم يزعل إن شاور أحدهم نحوه. علماء السلطان ما وروهم حديث درء الشبهات؟


لو كان حريص على ان لا تمسه الألسنة (وهو يريد) لما وضع مادة تسمح لعضويته (وشبه العضوية) بارتكاب "جريمة" في المعتقلين -ايوة هو سماها كدا بالنص: جريمة- طالما ان ذلك تم بحسن نية. وهي مادة عجيبة لا احتاج لتفصيل فداحتها.



لديك جهاز مريب ومشبوه بالطبيعة وبالفطرة، سيبك من كل الكلام بتاع السوابق بتاعتو ، أنا هنا لا اتحدث عن افعاله بل عن طبيعته وتكوينه بحسب قانونه (اذا صح ان نسميه ذلك)


لديك جهاز امن دون رقابة ودون محاسبة يمكن لعضويته (او اشباه عضويته-والذين يسميهم القانون متعاونون)  أن يشيلوك من بيتكم ويحبسوك لحدي اربعة شهور. يفعلون بك ما شاءوا دون حسيب أو رقيب سوى حسن النيه ثم ان فتحت خشمك تتهم بإساءة السمعة. مفروض القاضي لما يمثل قدامو الجهاز يقول ليهو يا ابني سوء سمعتك دي ما تهمة دا مجرد وصف ليك وسرد حقائق. يعني زي يقولو ليك الزرافة رقبتها طويلة، موية البحر مالحة، جهاز الأمن سيء السمعة، علم السودان فيهو اربعة الوان. وهكذا- بل اقترح ان يتخذه جهاز الأمن لقبا فيقول : انا ضابط في جهاز الأمن أو ممكن تناديني بأبو سمعة سيئة


لكن دعوني أتحدث عن الفكاكة- ورغم أن الصفة تأتي من شمال الوادي- إلا انها تنطبق على حالة متفشية بيننا والتي تعني التحاذق لا لشيء سوى ان توصف بالحذاقة. اذ بعد "اعتذار" ساندرا خرج بعض منا يقرعون المتضامنين مع ساندرا على استمرارهم في وقوفهم معها،الذين رأوا شيئا وراء "اعتذارها" .  المتضامنون الذين استخدموا الوقائع لتحليل الإعتذار.  فمنحوا ساندرا مزية الشك . بينما الفكيك فقز إلى النتيجة "الإعتذار" وتجاهل كل الوقائع التي تبيح تماما للمتضامن مزية الشك.


لا بأس، أن يشك الفكيك ما شاء الله له من ما حدث لساندرا، لكن أن تنكر على الناس شكهم بما هو أهل لشكهم ، هذا كثير والله. بل هذا ما أسماه الشاعر محمود درويش ب: غطرسة الوضيع حين قال



أن نكون ودودين مع من يكرهوننا وقساة مع من يحبوننا
تلك هي دونية المتعالي
وغطرسة الوضيع


للفكاكة أسبابها، فكما النظرية الفيزيائية الأشهر، لكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومضاد له في الإتجاه

تأتي الفكاكة كردة فعل للهتافية الجوفاء التي زحمت فضاءنا العام، والذي يُوازَى فيه النضال(مثلا) بالفضيلة ، أي أن مجرد توصيفك بالمناضل تعني أنك ممسك بأطراف الفضيلة وترفع المساءلة عن ما تفعل وتقول. وازاء هذا التعصب يأتي الفكيك ألا وهو المتخلي والمتحلل من كل شيء.
والفكيك يركن إلى حذاقته (أو ما يسميه هو عقله) دون أي شيء اخر (لا ضمير ولا مبدأ  ولا موقف ولا حتى وجهة نظر يمكن أن تؤاخذه بها) فليس للفكيك طرف يمكنك أن تمسك به، ود موية
يذكرني حاله بمقتطف في رواية "اناقة القنفذ" للماريال باربري تقول
 " كثير من الأذكياء يعانون من جرثومة، حيث يظنون أن الذكاء غاية في ذاتها. وتسيطر عليهم فكرة واحدة: أن يكونوا أذكياء- وهو أمر في غاية الغباء. إذ أننا نجد أن الذكاء حين يتخذ نفسه كغاية، فإنه يعمل بشكل غريب: فإن الدليل على وجوده لا يكون في فرادته أو بيانه، بل في اللبس الذي يعبر به عن ذاته"
وحقيقة أن كثير من الفكيكين أذكياء بالغباوة الموصوفة أعلاه (بعضهم وقعوا من قعر القفة فهم أغبياء ساي) 
ومن دلالات الفكيك على مواقع التواصل الإجتماعي أنه يفك جملة مبتسرة في الإسفير ويترك لك خيارات تأويلها، ما راق له من التأويلات أدخلها في عبه وما لم يرق له يرده عنه أيضا بعبارة مبتسرة من شاكلة : ليس ذلك ما أعني

والفكيك أيضا في مخيلتي يجلس أمام الجهاز يلوك قصب سكر وحوله من تفاف القصب أكواب، ثم يخطر في باله فلانا (فلانا شخص فكّر وجوّد وعمل على نشر فكره أو عمله فسعى له- وإن اختلفنا مع فكره أو عمله) فيخلف كراعا ويقول:

فلان داك ببالغ ياخ أو فلان داك سطحي أو فلان داك عامل فيها مفكر وهو قاعد ساي أو دي شنو الخرمجة العاملها فلان (أو ما شابه من عبارات التقليل) 
 طبعا حق النقد مكفول للجميع، لكن كيف تميز الناقد الحصيف من الفكيك. بأن تحاول مناقشة هذا الرأي ، مثلا فلان بالغ في شنو؟ أو ليه شفت فلان سطحي؟ إما أن يسقط الفكيك في يده، أو أنه بمنتهى الفكاكة يرمي عبء البرهان عليك فيقول: خليك مني الأنا شايفو سطحي إنت شايفو عميق ليه؟ (عزيزي المناقش لا تتعب روحك مع الفكيك، سيسل من كل برهان تلقيه أمامه كلمة مبهمة يفكها في الهواء مثل : (الكلام دا ما صحيح) أو (لا) أو (انت منحاز) أو (انت لا تستخدم منطق العقل)

والفكيك يعترض ساي، ويختلف ساي، وإن اتفق فيحرص على غز شوكة في عين من يتفق معه- ساي برضو. والفكيك يمرمط أم اللغة باللبس والإبهام ما يظنه "مكرا" وتحاذقا، ويصيبك بالدوار. ثم بالخبرة تخليه لله والزمن.



 بالنسبة لموضوع ساندرا ،يقيني أن قانون الأمن هذا لم يصمم من أجل المناضلين أو الناشطين في الشأن العام (مثل هؤلاء لا يحتاج النظام لقانون تصفية لهم) كما يقيني أن قانون النظام العام لم يصمم من أجل إذلال المرأة بشكل حصري (الحاجة دي جات فوق البيعة) لكنهما قانونان وضعا بشكل خاص كي يتحكم النظام في جموع المواطنين المحايدين حتى لا ينجروا عن حيادهم. لكن من منا بمنجى من قانون الأمن الوطني ٢٠١٠ أنا؟ أنت؟ ابنك؟ ابنتك التي لم تبلغ بعد سن الرشد؟ أمك؟ ابيك؟ فكر ثانية.
كما ذكرت في  مقالتي السابقة  حول توقعاتي لفترة البشير القادمة أن الجهاز سيتجه نحو المزيد من الضغط على الناشطين والمحتجين كما سيتبنى سياسة الإغتيالات المفتوحة بشكل أوسع تحديدا مع طلاب دارفور .

قانون الأمن الوطني وكذلك قانون النظام العام (أو قانون ضبط الأخلاق العامة) ليسا قانونين فريدين ابتدعهما نظام الإنقاذ، بل هما قانونان يخرجان من "دليل الأنظمة الديكتاتورية للتحكم في شعوبها" ، تماما. 

سبق أن ذكرت قبل زمان بعيد أن ليس في وسع نظام الإنقاذ -والذي هو شبيه بالإنظمة الملكية في القرون الوسطى- أن يوزع ثروات واقطاعيات ليغري بها اتباعه وليشتري ولاءهم. لكن بوسعه أن يمنحهم نفوذا و صلاحيات. وجهاز الأمن الوطني وأفراده ما هم إلا كذلك- أداة في يد "أهل الولاء" للنظام. وأهل الولاء ديل يبدأون من أعلى السلسلة ويصلون حتى ادناها لأن يكون سيد دكان له نفوذ في الحلة أو غفير في مستشفى من أهل المحاباة. (أنا لست أحكي أمورا لا معقولة كلنا نعرف هذه الحاجات تماما واختبرناها) 

أما عن دواء الفكيك؟ الفكيك لا دواء له، وتكاثره لا نجاع له، كل ما يمكن أن اوصي به أن تعيذ نفسك من الفكاكة، أن تقرأ وتجود القراءة، لا تقرأ لتترصد (هذه احدى سمات الفكيك يقرأ ليترصد ويتربص) اقرأ لتتعرف، الإختلاف والإتفاق لا يصطنعان اصطناعا بل هما أمران يأتيان من مجرى ما تقرأ وتطالع وتعاين وتسمع، فأترك نفسك على سجيتها. وأوصي أن حين تعمل رأيا تجوده، أن تشرك في قولك أوعملك قلبك وضميرك، أن تجعل لنفسك موقفا من الأشياء (تصلحها هنا وهناك لا بأس) . ثم أسألوا الله العافية لكم ولأحبابكم وذريتكم من بعد.






Tuesday, 26 May 2015

عمو ابوبكر

الف رحمة ونور تتنزل على مقامك.  ذكرنا ابنه محمد ان اليوم يصادف ذكراه السنوية
يوم أن سمعت بخبر رحيل العم أبوبكر، تجسدت أمامي خاطرة من الأمس البعيد : في ثمانينات الكويت:
انا و اخي الصغير أحمد نركض تجاه الباب لنرى من القادم، نطل من العين السحرية فتكشف عن رجل نحيل سمح المحيا والطالع، نفتح الباب بسرعة وقبل أن نتم اداب السلام نهرع إلى غرفة والدي.،نتسابق لنزف له بشرى قدوم عمو أبوبكر ،  فيهب من مرقده مسرعا لاستقباله وابتسامة تعلو وجهه.   منظر والدي مرتاحا في جلده امام صديق دون كرمشات لمجاملة وثقالات التظاهر.
كانت طلته في البيت تملأ يومنا بالإبتسام.  تخرج والدتي لتسلم على قريبها فيتبادلان الأخبار والنكات والقفشات فهو من ذلك الجانب من الأسرة (الجانب الدمو خفيف). ياخ البيت كلو بيكون بيتكشم.  
ثم تلك الحركة التي اذكرها تماما : عمو ابوبكر مستلقيا بأريحية على الأريكة ، يتونس، ثم يعتدل فجأة في جلسته ، ينظر إلى النافذة، يراجع الساعة في يده، يؤرجح ركبتيه في قلق متنامي، ويكشكش سلسلة المفاتيح في جيبه.  
أعرف حينها أن مواعيد الصلاة قد أزفت. "نمشي المسجد يا محمد؟"

بشبه لي الصحابة المرضيين، وغالبا لما يقال سيدنا ابوبكر، يختلط علي الأمر. اذ هكذا اتخيلهم، قوم ايمانهم لهم ، فتشتهي حالهم. لا يعذبونك ليل نهار بالواتسابات والمواعظ والرسائل واذكر الله يذكرك والشيخ قال والشيخة في الدرس قالت.  لا يشاقون على الناس. 

هكذا هو عمكم تبسم طويل، وخفة ظل فطرية (اورثها ابناؤه وبناته)، استقامة لا يشوبها ميل. 
نذكر الرحلات الى شاطىء البحر التي كان ينظمها، والتي لم يكن لها معنى دون وجوده، الشواء، الضحك، الرحابة، الملاءة التي يتحلق الصحاب حولها للعب الكوتشينة في خشوع ظاهري، الاطفال يحلقون حوله يناديهم بأسمائهم ، تعرفون؟ لم يكن من اعمامك ديلاك البيجتهدو عشان يونسوا الاطفال: ما كان بيغير صوتو لصوت كائن فضائي عجيب، ما كان بيحشي جيبو بالحلاوة والرشاوي، ما كان بيعمل فيها انو من سن اصحابك ويلعب معاك ويسألك اسئلة طفولية. كان بيعمل حاجة الاطفال بذكاءهم بعرفوها وبقدروها. كان لما يتكلم معاك بيعاين ليك ويسمعك، تماما زي ما بعاين لأصحابو الكبار ويسمعهم. كان بيحسسك انك موجود وانك مهم. (الحاجة دي لحدي هسي بلقا فيها صعوبة مع اولاد الناس التانيين، انك تأخذ طفل على محمل الجد)

اذكر يوم أن تجمعنا لرؤية سيارة عمو ابوبكر الجديدة، باجيرو كحلية بخطوط لامعة ذهبية(ظلت حتى وقت طويل سيارة احلامي) كنا سعيدين بها جنس سعادة -بعدها بقليل كانت حرب الخليج. 
استقرينا في الخرطوم عام ٩٤ وكان الكيزان بدءوا ينفرزون كيمان واضحة.  كوم يرى ان هي لله، ذهبوا جنوبا. وقوم نفضوا ايديهم من الدين ولعقوا اصابع الدنيا، فعجت الطرقات بسيارات اللاندكروز السمنية ذات الخطوط الحمراء. ما ان تمر عليك احداها في الطريق حتى تشيح بوجهك عن منظر الحرام الفاجر.  ثم تبصر عربة عمو ابوبكر تجتاح الطريق في تناقض واضح، صحيح أن الباجيرو الكحلية تعفرت، انسهكت خيوطها اللامعة، لكنها صلبة ، قوية، لم تتضعضع أمام جور الزمان. لا اخفيكم اني كنت اراها وكأنها بشارة، ان الحق سيغلب يوما ما .

تتجه العربة نحو مغلق اليف في الرياض "مغلق الكابتن"
بطبيعة الحال، الكل كان يعرف مغلق الكابتن، يعرف صاحبها الموصوف في حديث سيدنا النبي "رحم الله رجلا سمحا إذا باع واشترى وإذا قضى وإذا اقتضى"   يعرفون مداعباته الطريفة. وعمو ابوبكر هو من ذلك الصنف النادر الذي يحلو من فمه الكلام، تحكي نفس الطرفة وتستغرب كيف تخرج منك ماسخة وتطلع منه طاعمة؟ (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)

ابتلاه الله بمصاب كبير، جزعنا جميعا لرحيل ابنه فهد ، الذكي النجيب، صحيح ما يقولون لم يكن فهدا ابن هذه الدنيا، كان رحيله مفجعا، اثقل من ان اصفه هنا رغم مرور قرابة العشرين عاما عليه، الكل نسي المواساة وذهب بحزنه للعزاء، والكل رجع يحكي عن مواساه عمو ابوبكر لهم في رحيل ابنه.  يا الله، هذا هو الامتحان. هذه هي كلمة التوحيد التي يصفها الاستاذ محمود محمد طه أن لا يشغلك شيء من هذه الدنيا يجعلك تنحاز لزينتها. ان تدرك حقا أن الأمر كله لله - لمن الأمر اليوم وكل يوم؟ لله الواحد القهار

هل احكي بنماذج من فضله على الناس؟ تلك الشهامة النادرة؟ اغاثة الملهوف والضائق؟ لا لن افعل شيء من ذلك، فلا أريد وانا اسرد سيرته أن يستشف الناس شيئا من المن، وهو ابعد ما يكون عن ذلك، فهو الذي كان يبذل الخير ويفر منه وكأنه يخشى أن يعلق فيه شيء من شكر الناس

تماما كما يرحل الصالحين من هذه الدنيا... خلعها عنه، نفض يده منها ورحل.   
نسأل الله أن يرحم عبده الصالح ابوبكر عبدالله السعيد، وأن ينعم عليه في دار البقاء بصحبة النبيين والشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا- امين