Monday, 13 April 2015

على خطى الرفاق في الغابة

ملحوظة هامة إذا كنت تتحدث الإنجليزية بطلاقة اقفز إلى الفقرة الأخيرة المكتوبة بالأزرق في هذا البوست اقرأ الإرشادات واضغط على رابط اليوتيوب من الدقيقة المعينة كما أن مقتطفت المقال موجود في هذا الرابط http://www.outlookindia.com/article/Walking-With-The-Comrades/264738) 

لست أدري لم انقل لكم هذا المقتطف من محاضرة وجدتها في اليوتيوب?، هذا المقتطف الذي استمعت إليه عدة مرات وكأنه مقطع موسيقي. ربما لصوت المتحدثة الشجي الجميل. وربما لأنني في العادة أفعل أشياء دون تفكير.

أرونداتي روي. لاشك أن هذه المخلوقة وضعت على ارضنا لسبب ما . فقد تكونت عناصرها بتجانس تام. جمال فائق يلفت النظر يتعتق مع الزمن (اوعدنا يا رب) وصِدق فتي لا يشيخ، ذكاء يتقد من عينيها، وحرفة بارعة تحترفها هي الكتابة: فالكلمات تخرج من بين نول يديها كخيوط من حرير ساحر. 
يعرفها الكثيرون من كتابها الحائز على جائزة البوكر "اله الأشياء الصغيرة" ، لكنها ايضا كاتبة مقال من الطراز الأول. الطراز الذي أحب والذي أضع فيه قلة قليلة من الكتاب كجيمس بولدوين و طارق علي و الطيب صالح (ايوة بحب مقالاتو عديل كدا) ،مأمون التلب ونائل الطوخي ومحفوظ بشرى ومعتصم أقرع (لما يسخى) وطلال عفيفي (رغم انكاره علي) واخرون لم يبدلوا لكن لما اتذكرهم حضيفهم

 في حوار بديع لها مع هوارد زن (رحمه الله الرحمة الواسعة) - بديع لانو كانت لابسة فيهو ساري زعفراني عجيب وقاصة شعرها محمد ولد تخليهو ليها (تجدونه في رابط على اليوتيوب اكتبو Arundhati roy howard zinn) ، تَعَجّب فيه الناشط الوسيم الراحل هوارد زن من قدرتها على صياغة ما ظل هو وصاحبه نعوم تشومسكي يحرثونه في ارض الصحافة بمحاريث اللغة ، لكي تفتله هي في خيوط حريرية تجذب القارئ. أنظر إليها تقول: -الأعلام هي خرق ملونة تستخدم أولا للف وغمط أدمغة البشر ثم كأكفان مراسيمية لدفن الموتى 


لغة عجيبة  سواء كانت تكتب عن اعلان انجاز القنبلة النووية في الهند أو أحداث ١١ سبتمبر أو عن مشاريع السدود الضخمة التي تجرف أودية الهند أو عن انتحار ملايين المزارعين الهنود بجرعة من المبيدات الفاسدة بعد أن كبلتهم الديون


هنا تقرأ ارونداتي من كتابها "المشي مع الرفاق" المسمى على مقالة لها كتبتها بعد أن قضت أياما في صحبة المقاتلين الماويين في غابات الهند، وكانت قد سربت نيتها في ملاقاتهم فوصلتها رسالة من المتمردين يدعونها لزيارتهم.....

ارونداتي في صحبة المقاتلين الماويين

الورقة المطبوعة بعناية والمصقولة في ظرف مغلق القيت أسفل باب غرفتي ، أكدت على الموعد المضروب بيني وبين "المهدد الأكبر والأوحد لأمن الهند". انتظرت لأشهر كي أحصل على ردهم. 
كان علي أن أذهب إلى معبد "ما دانتيشوري" بمدينة تسهاتشقرث. حددوا لي أربعة  مواقيت مختلفة ويومين للموعد المضروب. كان ذلك تحسبا لتقلبات الطقس أو حواجز الطرق أو لأي عطل قد يطرأ في العربة أو لإضراب عمال النقل...او لمجرد سوء الحظ. 
الورقة ذكرت الاتي: على "القادم" أن يحمل كاميرا، يضع "تيكا" على جبينه (النقطة الحمراء) وأن يحمل ثمرة جوز الهند، أما "المستقبل" فسيلبس قبعة، ويحمل مجلة "اوت لوك" الهندية و ثمار موز.
كلمة السر : سلام يا معلم
سلام يا معلم؟ لعلهم يتوقعون أن يكون القادم رجلا؟ فكرت أن اجلب شاربا مستعارا

هناك طرق كثيرة لوصف بلدة دانتيوارا، إنها ملتقى النقائض، بلدة حدودية مرزوعة في قلب الهند، بؤرة حرب، مدينة مقلوبه الأحشاء ، داخلها في خارجها وخارجها في داخلها. ففي دانتيوارا ترتدي الشرطة ملابس عادية بينما يرتدي الثوار زيا رسميا. حارس السجن يقبع في السجن بينما السجناء أحرار (لقد فر ثلاثمائتهم من سجن البلدة القديم قبل عامين). النساء اللائي تم اغتصابهن محتجزات لدى الشرطة، بينما مغتصبيهم يلقون الخطب في الأسواق. 
هناك عبر نهر الإندريفاتي، في المنطقة التي يسيطر عليها "الماويون" -المكان الذي تطلق عليه الشرطة إسم "باكستان"- القرى خاوية من أهلها، والغابات مأهولة بالسكان. الأطفال يركضون في الأرجاء دون رقيب، ففي قرى الغابة الجميلة يتم تفجير المدرسة الإسمنتيه لتهوي كومةً من تراب، أو يتم احتلالها من قبل الشرطة.

الحرب المميتة التى تتكشف فصولها في الغابة، هي الحرب التي تفخر بها الحكومة وتخجل منها في آن، (عملية الصيد الأخضر) حرب تم اعلانها وانكارها في ذات الوقت. بي. جي باندام وزير الداخلية (والمدير التنفيذي للحرب) يقول أن لا وجود لها، أنها بدعة من خيال الإعلام ومع ذلك فقد خصصت مبالغ معتبرة لتمويلها، وتم حشد عشرة الاف جندي من أجلها.

ورغم أن مسرح الحرب أعد في غابات الهند، إلا أن عواقبها ستطالنا جميعا في المدن.

إذا كانت  الأشباح هي عبارة عن الأرواح المعلقة لأشياء فنت عن الوجود، فلعل الطريق السريع ذو المسارات الأربع الذي شيده تجمع شركات التعدين الإستثمارية  هي نقيض لفكرة الشبح، لعلها نذير لما هو قادم.

الخصم في الغابة، يختلف تماما عن نظيره، وليس هو على كل حال بنظير له في أي شيء! فعلى جانب واحد يوجد حشد عظيم من قوات شبه نظامية مسلحة بالمال والعيار الناري وأجهزة الإعلام وغطرسة قوة عظمى وليدة.
أما على الجانب الآخر، قرويون بسيطون مسلحون بأسلحة تقليدية، يدعمهم مقاتلون منظمون تنظيما بارعا، وعازمون عزيمة لا تلين: هي مليشيات الماويين ذات التاريخ المدهش في المقاومة والتمرد المسلح. 

مقاتلات قرويات ماويات


الماويون والقوات الحكومية شبه النظامية خصمان قديمان، وقد تحارب أسلافهم مع بعضهم البعض عدة مرات : في تيليقانا وغرب البنقال وبيهار  في مطلع الخمسينيات، في سريكاكولم بأندرا براديش في أواخر الستينيات والسبعينيات، ثم مرة أخرى في أندرا براديش وبيهار و مهاراشترا منذ الثمانينات إلى وقتنا الحاضر. لقد ألِفوا تكتيكات بعضهم البعض، ودرسوا كتيب ارشادات قتال بعضهم البعض عن كثب. وفي كل مرة يبدو وكأن الماويون أو اسلافهم قد تم هزيمتهم، بل وفي كثير من الأحيان وكأنهم تم إفناؤهم عن الوجود. لكنهم في كل مرة يبعثون من جديد. أكثر تنظيما وأكثر عزيمة، وأكثر تأثيرا من ذي قبل.
اليوم التمرد قد انتشر عبر الغابات الزاخرة بالمعادن في تشاتيشقارث وأوريسا وغرب البنقال- موطن الملايين من السكان الأصليين القبليين الهنود (الأديفاسي) و أرض الأحلام للمستثمرين وأصحاب المال.


وصلت إلى (معبد ما دانتيشوري) في تمام الموعد (اردت أن اعطي انطباعا حسنا). حملت معي كاميرا، وعلى جبيني بدرة حمرا في شكل نقطة، وثمرة جوز هند صغيرة، تساءلت إن كان أحدهم يراقب منظري المضحك. بعد دقائق قليلة تقدم نحوي فتى صغير. كان يرتدي قبعة ويحمل حقيبة ظهر مدرسية، على أظافره بقايا طلاء احمر متكسر. لا مجلة أوت لوك هندية في يده، ولا ثمار موز!

"هل أنت التي ستدخل هناك؟" - لم يتفوه بكلمة السر "سلام يا معلم"

لم أعرف ما الذي علي قوله. أخرج الفتى ورقة معفصة ورطبة من حقيبته وسلمها إلي، كان مكتوبا عليها :( لم أعثر على مجلة أوت لوك)

سألته : والموز؟

"اكلتها، فلقد جعت" 

يا له من مهدد للأمن بالفعل! كان مكتوبا على حقيبه : (تشارلي براون- ليس مغفلك المعهود)!
ذكر لي أن اسمه منقتو، علمت لاحقا أن الغابة التي كنت على وشك دخولها مليئة بأناس يحملون أسماء عدة وهويات متنقلة، كانت الفكرة كالبلسم لروحي ، كم جميل أن لا تَعْلَق مع ذاتك، أن تصبح شخصا اخر لوهلة ما.

ذهبنا إلى موقف الباص على بعد دقائق قليلة من المعبد. كان محتشدا بالناس. حدثت الأشياء بسرعة البرق: كان هناك رجلان على متن دراجتين بخاريتين، لم نتبادل أي حديث، فقط نظرة تعارف، حركة من اجسادهم لإفساح المكان، وحمحمة دواسة الدراجة. 
لم يكن لدي أدنى فكرة إلى أين نحن ذاهبون. مررنا بمنزل رئيس الشرطة والذي تعرفت عليه إثر زيارتي الأخيرة للمنطقة. كان رجلا بالغ الصراحة هذا الشرطي (في الحقيقة هذا الرجل قد أقدم على الانتحار قبل عامين) قال لي :

" تعرفين يا سيدتي؟ بصراحة هذه المشكلة لا يمكن حلها بواسطتنا نحن الشرطة ولا بالجيش، المشكلة مع هؤلاء القبليين أنهم لا يفهمون معنى الطمع، ما لم يصبحوا طماعين ليس هناك من أمل لنا. لقد أخبرت مرؤوسي، أخلي القوات وضع تلفازا في كل منزل، وكل شيء سيحل نفسه من تلقائه.  "       

لم يمض وقت وكنا خارج البلدة، ثم ثلاث ساعات أخرى أمضيناها في الطريق- بحسب ساعة يدي- انتهت في منتصف اللامكان، في شارع خاو تحفه الغابات من الجانبين. ترجل منقتو من الدراجة ففعلت مثله. رحلت الدراجتان.  حملت حقيبتي وتتبعت المهدد الأمني الصغير إلى داخل الغابة. كان يوما جميلا. أرض الغابة كانت مفروشة بسجادة من ذهب، بعد قليل دلفنا إلى اراضي رملية بيضاء على ضفة نهر أفطح، واضح أن النهر قد جرفته الرياح الموسمية فقد كان المكان أشبه بخور في عمق كعب الأرجل. يمكن عبوره بسهولة.

العبور نحو باكستان. "هناك!!" كما أخبرني رئيس الشرطة "رجالي يصوبون ليقتلوا فقط". تذكرت   ذلك عندما بدأت في العبور. تخيلتنا أنا ورفيقي الصغير في منظار قناص، مجسمان صغيران وسط منظر طبيعي، يمكن التقاطهما بكل سهولة.
ولكن منقتو بدى وكأنه غير ابه للأمر على الإطلاق- لذا فإنني قد حذوت حذوه.


هنا أنهت أروندتي القراءة فسألها المضيف إن كانت قد تلقت أي ردا من الماويين بعد نشرها لمقالتها وكتابها عنهم، قالت:

الغابة كانت تحت الحصار- أنه أمر في غاية السوء الناس لا يستطيعون الخروج ولا الدخول إلى الغابة، لا يستطيعون إدخال الأدوية أو الأغذية . مرت ٦ أشهر كاملة بعد نشر مقالتي، كانت هناك فقرة في المقال اذكر فيها أنني مستلقية على الصخور وسط المقاتلين الفتيين، وكأني في جناحي الخاص في فندق الف نجوم.
بعد ستة أشهر من المقال وصلني خطاب تم تمريره عبر عدة أيادي، يسمونه البسكوتة، إذ أن الخطاب يكون مطويا إلى ٩٠ طوية. كان خطاب من الغابة و كان فيه:
"بعد أن كتبت ما كتبت غمرت الغابة موجه من الفرح" ثم تم توقيعه بالأسفل : من مكتب العلاقات العامة بفندق الألف نجم

هنا تخنقني العبرة لأنو بحب الأفلام الهندية، الحوار أجمل بصوتها  عرجوا عليه حتى وإن كنتم من غير الناطقين بها ، اعتبروه ضربا من المزيكا ،تجدونه هنا القراءة تبدأ من الدقيقة 18:35- 26:47
والمقطع الذي تورد فيه رد الماويين عليها يبدأ في الدقيقة 1:04

Saturday, 28 March 2015

الخطاب الطاغي (حول التحاق الطلاب السودانيين بالتنظيمات الاسلامية المقاتلة)

"ملحوظة: ليس مقصود بالخطاب الطاغي هنا الخطاب المتطرف- بل الوسطي.. العادي"
مما
على ضوء الأحداث الأخيرة التي جذبت اهتمام السودانيين حول ذهاب مجموعة من الطلاب  طوعا إلى سوريا لما يظن أنه انضمام إلى  تنظيم الدولة الإسلامية هناك.

طرحت عدة  أسئلة حول هذا الموضوع، وأسهم البعض في وضع نظريات حول الأسباب التي دعت هؤلاء الشباب لاتخاذ هذه الخطوة، بدءا من الخلايا السرية النشطة التى تعمل في السودان على استقطاب الشباب، مرورا بانتشار الفكر المتطرف بينهم، ثم اتهام جامعة مأمون حميدة بدورها في ما حدث سواء عبر "منعها" للنشاط السياسي الحي الذي يستطيع الشباب من خلاله التعبير عن ارائهم في ما يجري حولهم ، مما تسبب في وجود ارض خصبة للأنشطة "الدينية" التي تبدو مسالمة بديلا عن النشاط السياسي. لكن ما لفت نظري حقيقة هو سؤال التربية، حيث قرأت بعض التعليقات التي تتحدث عن دور البيت في تكريس أو تشجيع هذا النوع من السلوك، قرأت تعليق مثير للإهتمام من سيدة في احدى قروبات التواصل الجميلة المخصصة للنساء "مهيرة" تحدثت فيه عن كوننا لا نركز على ما اسمته "الانحراف الديني" بل أننا نتغاضى عنه-تحت تحت- نعجب به. وهي نقطة تستحق التفكير حولها من وجهة نظر التربية ، تحدث اخرون عن ميل الأسر السودانية في المهجر على تحجيم اندماج ابنائهم في ثقافات البلد الذي يقطنون فيه، ودفعهم اكثر نحو ثقافات يرونها أكثر أمانا-لتشكل لاحقا موطن الخطورة.

علي أن اقول لكم الان- انني انقل ما قرأته في الاونة الأخيرة على الفيسبوك وبعض مواقع الأخبار. لا اكتب هنا لعرض حلول او تحليل المشكلة.. لسبب ما عقلي عاجز عن فعل ذلك
قرأت خبرا عن الفتاة البريطانية (من اصل اثيوبي) "سميرة" التي سافرت هي أيضا إلى سوريا للالتحاق بما يظن أنه تنظيم الدولة الإسلامية. تحكي صديقات سميرة انها لم تكن من اسرة متشددة دينيا ولا يعرفون سببا لهذا التحول المفاجىء الذي حمل هذه الفتاة ذات الستة عشر ربيعا بعيدا عن أهلها وموطنها نحو المجهول.

ما أود ان احكيه هنا- اشبه بالإعتراف- وقد يأتي مخيبا لبعض اصحابي، عزائي أني تجاوزت ذلك بلطف الله متمثلة في "قليل من الخيال"

لا أذكر امرا غير اعتيادي في نشأتي، يمكنكم وصف طفولتي ومراهقتي بعادية جدا جدا، أقرب إلى الملل، دون أي امارات لأي تمرد سوى ذلك النوع "المعتاد" ان استطعتم ان تسمونه كذلك. 
اسرتي أيضا -ليست متشددة- كغالبية اسر السودان، الدين فيها اشبه بالحاضر الغائب او الغائب الحاضر، موجود بما لا يدع مجال للشك ولكن تجليه طفيف: الصلوات الخمس، رمضان، "احي يا الله" او "شكيتكم على الله يا ناس الكهربا" وما إلى ذلك . قضيت السنوات الأولى في الخليج وكان ذلك في الثمانينات ، ما قبل ان يلبس السودانيون "الدشداشة" ويقولون "ليش"- كان يعد ذلك عيبا كبيرا، اذ كان هناك حرص شديد على عدم التماهي في الثقافة الخليجية او نمط "التدين" الوهابي

"الحكومة دي بطالة" "ديل ما عندهم علاقة بالدين" - مثل هذه العبارات كانت واضحة وجلية في كل بيت في السودان : "الناس ديل كعبين" منذ بداية الانقلاب عام ١٩٨٩. ما من احد كان يجادل "عن" النظام ما لم يكن "جزءا" منه= كوز
لكن كانت هناك مسألة :الحرب في الجنوب، والتي سوقتها الدولة على كونها "حرب دينية" بين المسلمين والكفار. موقفي من حرب الجنوب كان غريبا، اذ أنه كان يمر عبر "مصافي" - مصفاة كون الانقاذيون ليسوا سوى تجار دين- مصفاة: أنهم في الغالب يقومون بهذه الحرب من اجل مصالحهم الشخصية- مصفاة:أنهم يختطفون الشباب من الطرقات والمدارس والبيوت لرميهم في أتون الحرب- لينزل كخلاصة مركزة منقاة من شوائب السياق والعملاء الى : ان هناك امر الهي بإعلاء كلمة الله على الأرض- السلام مع الآخر الديني هو امر ظرفي ومؤقت- لكن الأصل غلبة طرف على اخر "بالإقناع" أو "حد السيف"- فمن ناحية "المبدأ" هذه الحرب مشروعة : سواء كانت حرب فعلية او دعوية (بروباقاندا) - كان هذا هو التحليل الرياضي البسيط لهذا الأمر- منطق "الإيمان" إن شئت ان تسميه كذلك، المعضلات الوحيدة التي تعترضه هو "من يشن هذه الحرب؟" او "كيف؟ وهذه يمكن تجاوزها بالتركيز على المبدأ.

لا زلت اذكر حوارا مع "احد" المجاهدين تحدث عن تأكده من فساد النظام الذي يقاتل تحت رايته ، لكن "صدق" المبدأ او القضية لا يعفيه من حق "الجهاد" . كان ينقل إلينا احيانا من بين حديثه "الدعوي" حكايا عن النساء والرجال الذين التقاهم في مناطق الحرب: كانت حكاوي عن من نألف لا "العدو"..تحدث عن صدقهم وبساطتهم وحيرتهم ويأسهم من كل ما يجري حولهم

هذه الحكايا قد تذيب قلب الحجر، لكنها لا تخدش معدن "منطق" الإيمان. 

كانت هذه الحكاوي مزعجة، مشوشة، خاصة مع خيالي الخصب الذي كان ينقلني إلى الصورة المتوقعة من الحرب: الضحايا، الفزع، العويل، التشرد.. مدن وادعة ونساء تجري واطفال تصيح. 

اعتقد ان عقلي كان حرفيا يردد هذه الكلمات: الأمر لا يعجبني لكنه امر الله(الله عاوز كدا)... حتى لو لم يعجبني

كان هناك مقطع بديع في رواية الكاتب "احمدو كوروما" اسمها "الله يفعل ما يشاء"وهي مقتبسه من مقولة كان يرددها بطل الرواية وهو جندي طفل، كان يعلق على الظلم والدم والقسوة التي تحيط به بعبارة : "لكنه أمر الله، والله ليس مجبرا على اقامة العدل على الأرض، فالله يفعل ما يشاء"

أقول لكم في ذلك الزمان، كانت وسائط الاتصال والمواصلات بائسة، والكيزان قوم بائسون كريهون، والتلفزيون السوداني اقبح وبرنامج "ساحات الفداء" ممل. 
لكن لو كان تيسر لي ما تيسر لسميرة عباس : فيديو بمونتاج وسيناريو عالي الجودة يؤكد على اعلاء كلمة الله على الأرض بالإضافة إلى خلية نشطة وفاعلة كتلك التي تيسرت لسميرة عباس، تستطيع أن تنقلني من أمن منزلي إلى ساحة المعركة

لكنت ذهبت
لكنت ذهبت مدعومة بسيناريو أن السياق لا يهم ، والعميل لا يهم، مسائل القلب يمكن تجاوزها بالتسليم لمنطق الإيمان الخالص.

يمر زمان يسير ، في سنتي الأولي بجامعة الخرطوم، يعقد مجموعة من الشباب منتدى لجمعية "الآن" كانت تلك المرة الأولى التي اسمع فيها اسم الاستاذ محمود محمد طه. اعتقد ان المنتدى كان يتحدث بشكل حصري حول مشروعية حكم الردة وقانونية اعدام شيخ سبعيني. 
اقول لكم كنت استمع الى ذلك المنتدى ، ويكبس على نفسي ذاك الضيق الذي كان ينتابني ازاء حرب الجنوب. كان الخيال يحفز صورة حبل المشنقة حول رقبة شيخ سبعيني كل جرمه انه صدح بما يؤمن ولكن يتدخل "منطق" الإيمان البارد الذي يؤكد على قتل مفارق الجماعة. 

ببساطة أنا كنت تحت وطأة ما يمكن ان يسمونه الخطاب الطاغي. دعكم من جماعات حقوق الإنسان وشعارات الحرية والمواطنة.. فتحت كل ذلك هناك "خطاب طاغي" وكل ما عداه "ظرفي". لذا كنت اتفهم تماما حال اصحابي المشوش تجاه قضية "مريم يحيى" ذلك الخيال الخصب المصاحب لصورتها كأم لطفل صغير وتنتظر قدوم اخر.. وبين منطق الإيمان.

كنت في تلك السن الرخوة - قبل ان يتصلب عودي "بالسخرية" و"العملية"- حيث الحق بين والباطل وبين - وما اشتبه يمكن فرزه بمفرزة والحاقه بإحدى الكومتين. في تلك السن "ما نسميه" أنانية الان وقد تجاوزنا الثلاثين كان اسمه "مجدا" في الصبا. تريد ان تكون وقودا في معركة الخير والشر

استطيع أن اضع نفسي مكان سميرة عباس- التي تقول صاحباتها أنها ارسلت لهم فيديوهات عن مقتل أطفال على يد الجيش الإسرائيلي- الإحساس بضرورة عمل شيء ملموس محسوس... تحقيق مجدك شخصي بأن تهب حياتك لمعسكر الخير (سيقول البعض ماذا عن فيديو الكساسبة .. فأقول ماذا عن الذين شردهم الكيزان للصالح العام) هذه الأشياء "كالعميل" و "السياق" هذه مجرد تفاصيل... المهم هو "المنطق" الخالص.

وقد يسر ديننا الإسلامي لذلك المفهوم تماما بمقولة "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته..." الى اخر الحديث الشريف.

كنت في حديث مع صديق عزيز ... من نوع الأصدقاء الذين يحملون دوما زاوية فريدة في الحديث، فكان يتحدث عن كون علاقة المسلمين من الاخر الديني في أول العهد الإسلامي اكثر تطورا من عهدها الحالي
"شنو؟ بتبالغ!!! ماذا عن: يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون" عن كونك مواطن درجة تانية ...الخ من الكلام الحافظاهو حفظ وجاي مع الباكتة

فرد: تخيلي الأمر، أنت تحت ولايتي -مقابل مبلغ مالي- غير ملزم أن تعتنق عقيدتي أو أن تشارك في حروبي الدينية الملزمة لغيرك من المواطنين والتي تتعارض مع عقيدتك. بالطبع كان لذلك الأمر اسبابه أهمها أن تلك الحروب كان وقودها البروباقاندا والإيمان فليس من العملي وجود عناصر "مثبطة" للنصر الإلهي. هذا الأمر ليس متاحا الان في معظم الدول الحديثة التي تتخذ "الشريعة" مصدرا للتشريع.. فما تبيحه الشريعة تسحقه المواطنة. فيصبح الاخر في تلك البلاد مفعوص بين العقيدة والوطنية.

فشل المسلمون في تحديد علاقتهم مع الآخر في إطار ما يسمى الدولة الحديثة والمجتمع الدولي هو جزء من المشكلة. نعم هناك منظمات واتفاقيات ومفاوضات ومعاهدات لكن يظل منطق الإيمان مسيطرا. قبل ايام كنت اقرأ رسالة على الواتساب (واسلام الواتساب اشد تطرفا ووطأة لو انكم تعلمون) بدأت بهذه الجملة : الشيعة القذرون... هذه الرسالة كانت من ربة منزل وديعة ام لطفلين، مأخوذة بتفاصيل الحياة اليومية الشاقة في السودان- هذا الخطاب العنيف ابعد ما يكون عن طبيعتها، لكنه قريب من "منطق" الإيمان الساكن في عقلها.

بالنسبة لبعض التعليقات حول لماذا لم يذهب هؤلاء الشباب الى "بوكو حرام" او هناك العديد من الناس يحتاجون المساعدة في مستشفيات افريقيا... ليس في الأمر عنصرية. لكن منطق الإيمان يقول أن منطقة القدس- ثم دار الإسلام الأولى من بعد هي على رأس قائمة الأولويات... قد يبدو الأمر في مخيلة هؤلاء الشباب أشبه بضرب وحش متعدد الأذرع في بؤرة عينه بدلا عن احدى اذرعه... قم بحل مشكلة المركز.. والأطراف ستتعافى بعدها

 الخطاب الطاغي يعشش في العقول. كل ما يتطلبه الأمر: شبكة اتصالات ومواصلات فاعلة

والحل؟
انا ما قلت عندي حل... انا بس كنت عاوزة اعترف بحاجة وماشة بيتنا





Saturday, 7 March 2015

يوم المرأة للرجل-وللسودانيين

(المقال نشر في مجلة الميدان بتاريخ الثلاثاء ١٠ مارس وأعيد نشره هنا مع بعض التعديل البسيط)
في حوار مع المفكرة الألمانية هانا ارندت ، سئلت عن : تحرر المرأة، ردت:

(أنا "دقة قديمة"، بالنسبة لي لا يبدو الأمر لائقا للمرأة حين تكون في موضع اصدار الأوامر، عليها أن تتجنب مثل هذه المواقف التي تضعها في هذا الموضع اذا أرادت أن تظل أنثى)- المقطتف يبدأ في الدقيقة ٤:١٥ وهو بالألمانية مترجم الى الانجليزية




تعرفون هانا ارندت ليست محبوبة وسط النسويين/الفيمنيست، وقد اتهم مناصروها -من بين النسوييين- أنهم يؤولون كلامها فوق حقيقته- ولعلي من هؤلاء المؤولين- لن استفيض في هذا النقاش ، لكني أود أن افسر هذا المقتطف من حوارها على ضوء كتاباتها التي ترتكز جلها حول (ظاهرة السلطة)

في السؤال التالي للحوار أعلاه، يسأل المحاور هانا إن كانت ترى كتاباتها ملهمة أو مؤثرة، فتجيب أن السؤال في حد ذاته ذكوري، العقلية التي تهتم بالإلهام والتوجيه والتأثير- تقول هانا: أنا لا أرى اني مؤثرة، أنا اكتب كي أفهم، واذا ما اشترك معي اخرون في فهمي، فإن ذلك يمنحني احساسا بالرضا، كمن يكون مع اقران متساويين معه.

عبر هذه الإضاءة لست ارى انها اشارت للحالة الفردية للمرأة ،رأيت أن "ارندت" أشارت لشي هام جدا، هو أن تحرر المرأة لا يأتي بتكرارها لأنماط القوة والسلطة المعتادة . كثيرون يتحدثون عن نساء كسرن (السقف الزجاجي) بتقلدهن مناصب عليا في أعلى هرم السلطة (سواء كمديرات تنفيذيات لشركات كبرى، او رئيسات دولة، او رئيسات أحزاب) ويتم بروزتهن كأمثلة لتحرر المرأة. وهنا يبرز الإشكال عندي- فكرة تصدر قمة الهرم التي تسمح بوجود الأقوى على الأعلى، هو مصدر القرار ومصدر السلطة ، بل فكرة الهرمية ذاتها وتراتيبية السلطة- هو تكرار لنمط يمكن وصفه بأنه "ذكوري". اذا اعتمدنا هنا فكرة أن وصف المجتمعات الذكورية (ليس مقصود بها الرجل في حد ذاته) انما ذلك الظرف التاريخي في حياة البشرية والذي- بسبب التغير المناخي أدى الى ندرة الموارد وشحها-فبرزت مجتمعات اقصاء الأضعف ومجتمعات الصراع وحماية الموارد الخاصة (الملكية الخاصة) ، مجتمعات ذات طابع مليشي بقائد ذكر يقود الأسرة أو القبيلة لضمان استمراريتها. وقد حلت هذه المجتمعات مكان المجتمعات سابقة لهاكانت تعتمد التشاركية والتعاونية حيث كفاية الموارد ولا أفضلية لدور على دور اخر- وقد درج تسمية هذه المجتمعات بالأمومية -لكن لا بد للإنتباه انه لا توجد أم/امرأة على "رأس" هذه المجتمعات.

عبر هذه المقدمة والإضاءة اود هنا أن أتحدث عن أهمية "يوم المرأة" للرجل وللسودانيين في هذا المنعطف التاريخي الهام. أي منعطف؟ أقصد بذلك كم البحوث والدراسات والمؤتمرات التي أخيرا علا صوتها لتدق ناقوس "التغير المناخي" - أعرف أن هناك جدل كبير حوله وحول الآثار المتوقعة منه. لكن هناك حقيقة ماثلة أن الموارد الطبيعية اللازمة لحياتنا كبشر على هذا الكوكب اخذة في التناقص والشح، بسبب "التغير المناخي" او بسبب "طريقة استهلاكنا للموارد التي أدت بدورها للتغير المناخي" - نحن الان -يا رفاق ويا رفيقات- نمر بنفس ذلك الظرف التاريخي الذي في السابق تسبب في احلال مجتمع مكان اخر.

واصبح كثيرون يتحدثون -من اقتصاديين ومفكريين سياسيين وعلماء اجتماعيين وحركات ناشطة على ارض الواقع- عن ضرورة  اعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها مجتمعاتنا وانظمة السلطة التي نعيش تحت وطأتها- للحفاظ على الجنس البشري من جديد. كثيرون يتحدثون عن الانتقال الى مجتمع يحمل سمات المجتمع الأمومي. ليه؟ اذا حاولنا النظر في ما هو اهم مخلفات ما ورثناه من المجتمع الذكوري نجد: الخوف (الذي يؤدي الى اقتصاد الوفرة وانتاج ما فوق الحاجة مخافة الجوع)  والطمع (وهو والخوف عملتان لوجه واحد- فالطمع ناتج عن محاولة تأمين نفسك من المجهول وقد ادى ذلك الى اقتصاد الرأسمال ومافيها من مظاهر الطمع كالاحتكار والملكية الفردية للموارد العامة ) و القمع (الناتج عن فقدان السيطرة الحقيقية من قبل قلة تحاول أن تؤمن لنفسها ما ليس متاحا للكثرة)
-الاستاذ محمود محمد طه ضرب في احدى محاضراته مثلا جميلا حول الخوف وفقدان السيطرة: أن الخائف المسلح ان واجهه رجل في زقاق قتله- يفقد السيطرة. بينما المسلح المطمئن الى قوته اذا ما واجهه ذات الرجل: صد عدوانه بتعطيله كأن يضرب رجله مثلا -لم يفقد السيطرة-
اذا: الخوف- الطمع- القمع وتجد في قاموس المقالات الحديثة مصطلحات مثل(اقتصاد الشركات الاستثمارية)corporationalism، اقتصاد (الاستهلاك) ومجتمع الاستهلاك، سياسات الانسياب من أعلى، الأمن الوطني
في المقابل يقدم المنادون بالتغيير امثلة لمجتمعات التشاركية، مؤسسات تعاونية، مجتمعات اقتصاد الكفاية، مجتمعات سد الفجوة بين الانتاج والاستهلاك، الملكية المشتركة، التضامن، وانماط التشاورية السياسية كمجالس العمال ..الخ وكثير من المعاني المشتركة بين ما كان موجود في مجتمعات الأمومية والمجتمع المرجو تحقيقه


قد يبدو كل ذلك ضربا من الرومانسية. لكن فلنضع في الحسبان اليوم عدة حقائق:
مليار هو عدد جوعى العالم
فوق  ٦٠٪ من جوعى العالم هم من النساء والبنات معظمهن من سكان المناطق الريفية (حيث انتاج الطعام)
سبب الجوع ليس ندرة الطعام بل صعوبة الحصول عليه بسبب الفقر
اكثر من ثلثي النساء في افريقيا يعملن في الزراعة وينتجون ٩٠٪ من الطعام
في السودان ٨٠٪ من النساء يعملن في الزراعة- قرابة ٨٠ ٪ من القوى العاملة في مشروع الجزيرة من النساء،
اقتصاد دول العالم يستفيد من دعم يقدر ب١٧ ترليون دولار- هو قيمة العمل المنزلي -غير المأجور الذي تقوم به المرأة






لماذا هذه الإحصائيات؟ هذه الإحصائيات للتأكيد على شيء واحد ، أي حديث عن استمرار في نهجنا الاقتصادي وايضا السياسي المعتاد يؤثر بشكل أساسي على المرأة وبالتالي على المجتمع البشري ككل
أي حديث عن مجتمع جديد او نظام جديد ، ستكون المرأة في قلبه ليس من أجلها بل من أجل استمرار المجتمع البشري ككل

كثيرون منا يركزون في مثل هذا اليوم على "حقوق المرأة" السياسية والقانونية والاجتماعية بمعزل عن أثر السياسات الإقتصادية الحالية عليها. وهو أمر فادح ابتليت به الحركات الحقوقية في العالم لمحاولتها أن تكون "محايدة"عند رصدها لانتهاكات حقوق المرأة او الانسان بشكل عام * لكن في حقيقة الأمر اذا كنا سنتحدث عن:
العنف ضد المرأة- فنحن بالضرورة نتحدث عن السياسات المفقرة التي اما أنها تقوم بالضغط على الرجل كمعيل أساسي للأسرة و/ او أنها تتسبب في أن تكون المرأة معتمدة على دخل الرجل وبالتالي تحت رحمته

اذا كنا سنتحدث عن تمكين المرأة: فلا بد لنا ان نتحدث عن الواقع الاقتصادي الذي يجعل المرأة تعمل في ظروف اشبه بالسخرة سواء في بيتها أو مكان عملها دون اعتراف بقيمة عملها وبابعادها عن قدرتها على اتخاذ قرار فيما يخص عملها أو واقع حالها

اذا كنا سنتحدث عن المرأة كضحية للحرب والنزوج في جنوب كردفان : لا يمكن أن نتحدث عن ذلك بمعزل عن توصيات البنك الدولي في بدايات الثمانينات بتمليك الأراضي لغير العاملين فيها واقامة مشاريع زراعية أخرجت هذه المجتمعات الزراعية لتعمل بالأجرة في اراضيها، واخلال التوازن المجتمعي واثر ذلك على اشتعال صراعات الموارد بين مجتمعات الرعي والزراعة ثم تدخل الدولة القمعي واندلاع هذه الحرب التي خرجت عن السيطرة.

اذا كنا سنتحدث عن زواج القاصرات : الذي امتد إلى حتى المدن الحضرية، فلا يكون ذلك بغفلة عن الضائقة المالية التي اصبحت تحيط بالأسر فيختارون وأد بناتهن أحياء في زيجة ميتة لكي يجابهوا الكفاف

وبذا لا بد لي أن أؤكد مرة أخرى أنني لا أتحدث هنا عن "مناصرة" جديدة للمرأة من على جبهة "إقتصادية". انا هنا اتحدث عن المفهوم الأوسع لرحم النسوية الذي لا بد أن يجمعنا جميعا، النسوية بمعنى البديل للحال الراهن على المستوى العالمي والمحلي.

وطالما أنا جئنا للمستوى المحلي، فيوم المرأة هو يوم للتفكر في الطريقة التي تغور فيها هذه البلاد في حفرة رأسمالية المحسوبية التي جاءت بها الإنقاذ منذ قولة تيت والتي تعمل على انتفاع قلة على حساب المصلحة الكلية، عبر بيع وتفكيك مؤسسات المنفعة العامة لمصلحتهم الشخصية أو في الغالب- مقابل سمسرة.




كتفكيك النظام الصحي وخصخصته، تفكيك أي لمحة ضمان اجتماعي وترك المواطن والمواطنة في سهلة السوق المستعرة، تفكيك النظام التعليمي عبر إهماله وتركه لفوضى الاستثمار الخاص، قطع الطريق على كل سبل التضامن والتعاضد المجتمعي بدءا من قانون النقابات المعروف بقانون المنشأة وقانون الأمن الوطني الذي يعمل على تفتيت الحركات المطلبية والعفوية في المقام الأول بالمناسبة، وما زلت أصر أنه لم يوضع للناشطين السياسيين، وصولا إلى قانون النظام الذي أرى انه كان موجها لإذلال الرجل في المقام الأول قبل المرأة، حيث أنها تعمل على كسر شوكة فكرة "الرجل السوداني" و تحول بين الأب /الأخ /الزوج في دفع تهمة الفحش عن زوجته/أخته/أمه /ابنته حين تقذفها الدولة بالفحش- فإني ارى أن هذا القانون صمم خصيصا كي يستحي الرجل أن ينظر في وجهه في المرآة وبالتالي أن يستحي من قولة بغم تجاه أي مظلمة.

فليكن يوم المرأة فرصة للتفكير لإطلاق الخيال خارج ضيق واقع السياسات العالمية التي تطبق بخناقها علينا وليست الحكومة بالمناسبة سوى- وسيط لهذه السياسات، مجرد منفذ لها.

فليكن يوم المرأة يوما للحديث عن خيارات أخرى لمشروع الجزيرة، حيث انعدم الخيال بين الخصخصة او ترك المشروع للبوار. وهناك من رحم البديل تخرج أمثلة للتعاون الحكومي مع المجتمع المحلي، اعادة توزيع الأراضي ، تشجيع الزراعة التضامنية والتعاونية، تمكين المزارعين من التحكم في سوق المنتجات، تشجيع الصناعات الزراعية المحلية، (كما يحدث في مشروع الملم دارفور الذي يعمل على تقوية المجتمع المحلي للمزارعين لا لإقصاؤه) فرص التعاون الإقليمي وفتح أسواق محلية واقليمية للخروج من خناق سيطرة المؤسسات المالية العالمية (كالبنك الدولي، كصندوق النقد الدولي، كمنظمة التجارة العالمية)




http://www.malamdarfur.org/agriculture/


اطلاق الخيال في حديثنا عن مأساة  المناصير ونقلها الى دائرة تخرج عن دائرة التعويضات البائسة. و لفت نظرنا الى سياسة الدولة الممنهجة في نزع الأراضي وفهم أبعادها

اطلاق الخيال في حديثنا عن حرب دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق واخراجها من دائرة المناصرة الهتافية بنزعنا لحراشف "الغرض" و"الطمع" التي تطوق بها الحكومة هذه الحرب المستعرة، فتسعد لغفلتنا حين نحصرها في اطار العنصرية التي تضيق خيالات النضال والمناصرة


اطلاق الخيال كي تواكب هذه الخيارات أنماط لتشارك القوة لا أن ينحصر الخيال في قيادة حزبية او رئاسة دولة، فليكن فرصة لتمحيص العقبات التي تمنع التضامن الحيوي (مثلا:إضافة الى لفتة : تحية إلى عمال النظافة ماذا عن الحديث عن نقابة مهيبة تدافع عن حقوقهم بشكل مستدام، تمكنهم من مجابهة مشاكل عملهم اليومية التي مهما تكاثفت حسن نيتنا تجاهها فلن نحسن التعبير  عنها او تحديد اولوياتها كما يفعلون هم)


اطلاق الخيال لتصور التقدم والتطور في بلادنا بحيث يسبق غفلة ومكابرة الدول "المتقدمة" التي كبلت نفسها بأنظمة ومؤسسات"اكبر من أن تفشل" Too big to fail ،

اطلاق الخيال بصور للحضارة لا تشبه صور جسور اليابان الحديثة الممتدة ، أو سدود الكهرباء التي تجرف مياه النيل وتربتها جرفا، صور لا تشبه عمارات جوهانسبيرج العاتية وتخفي بيوت الصفيح التي تستظل بها.

اطلاق الخيال لتصور رفاهية لا تشابه فكرة "الميقا ماركتات" و"السوبر ماركتات" مترعة بمنتجات الغبن والطمع، أو ناطحات سحاب و طبقة أنانية مترفة تسكن مركز المدن على أكتاف أرتال من احزان ريفية . نحو مجتمعات تعاونية تعاضدية، يقول الكاتب الإقتصادي الصاعد نجمه راج باتيل: ليس نفيض البذخ هو الزهد- بل السخاء- السخاء في مد يد العون والتعاضد




فليكن يوما لإطلاق الخيال، ولمد أيدينا ليس فقط للمرأة - ليس فقط لست الشاي والنازحة والقاصرة والأمية- بل لحركات تغيير سياسية واقتصادية تخرج من أدغال اندونيسيا و اودية الهند العميقة ومزارع البرتغال المزهرة و سهول نيبال الوفيرة و في افريقيا الأم في تنزانيا في ملاوي في اريتريا في جنوب افريقيا.. تحدث الآن في مجابهة انظمة تفاقم وترعى غبائن المرأة و تغور من جرح المظالم ثم تضمدها بضمادة المنظمات الطوعية قليلة الحيلة


فيديو يوضح قرار منظمة الفاو التعاون مع حركة صغار المزارعين ومنتجي الغذاء

Friday, 27 February 2015

بالنسبة # ارحل... ممكن دفرة؟

#ارحل
أين نحن الآن؟ في الغالب الأعم انو الانتخابات حتقوم -البشير محتاجها
مافي خيارات هسي - تأخر الوقت على ذلك- مافي غير خيار المقاطعة
هل وقعت على العريضة يا مواطنة ويا مواطن؟ انا وقعت
http://www.er7al.com/

حقو ندي الحملة دي دفرة/ نفخة/ او بلغة الكوفيرات :فيشل.  من  تعبير عن رفض للسيد الرئيس، حقو ندعمها بموقف سياسي صريح، وحقو الحاجة دي برضو نشوفها بالفصيح في كل الأحزاب المنادية بإرحل
#أرح

الموقف؟
 لا بد من تمهيد:
جدير بالذكر ان أكبر عقبة تواجه الحكومات التي تعقب الأنظمة الديكتاتورية والشريرة خصوصا في دول العالم النامي هي : الدين! (من ديون) والعقود الاستثمارية  المجحفة والمنح ذات الشروط المعسرة. كذا كان الحال كان في ارجنتينا بعد سقوط الحكم الديكتاتوري، والاوروغواي والبرازيل وتشيلي والاكوادور وبولندا. هذه التركة التي تخلفها الحكومات البطالة أشبه بالفايروس الذي ينخر أي نظام  ويهششه ويكبل يديه من احداث اي تغيير حقيقي مهما كانت شعبيته او صدق نيته. وبما انو قد وضح للجميع ان المجتمع الدولي يتحرك نحو نظامنا هذا بمفهوم : لا ضرر ولا ضرار... طالما لا مضرة تأتي منه.. فخليه على حاله

طيب... افتكر نربط استمرار هذا النظام باستمرار الضرر

ارى ان نصيغ تصريحا بليغا يوضح ان الانتخابات الحالية التي تأتي في ظل : مصادرة الحريات وقمع الناشطين ومنع النشاط المعارض وتصعيد الحرب في ظل وضع انساني متردي، والعبث بالدستور وفساد جعله بحسب مؤسسة الشفافية على رأس قائمة الدول التي يستشري فيها الفساد-هو نظام فاقد للشرعية وكذا انتخاباته 

لذا:

((اي دين او منحة او عقد استثماري يعقد في ظل هذا النظام ايا كانت شروطه هو هالك و تالف لانه تم اقتطاعه لفائدة نظام غير شرعي لا يمثل أحد، وعليه فإن اي تبعات لهذا الدين لا تقع على عاتق الدولة وبوسعها بلغة البشير: "ان تموصها وتشرب مويتها" وقد اعذر من انذر وكدا- وان هذا النظام ظل يقتات ويستقوى من هذه المنح والاتفاقيات المشبوهة والديون المجحفة ))

نصيغ هذا التصريح على ضوء ذلك كملحق لنداء حملة ارحل- وكذلك يكون موقف تتبناه الأحزاب السياسية المعارضة تحديدا المشاركة في حملة ارحل- اعتقد أن هذا يقوي من موقف الحملة داخليا وكذلك بموقف صلد في مواجهة المجتمع الدولي 
(بالنسبة لما سبق هذه الفترة من ديون متراكمة ومستحقة وعقودات استثمارية مجحفة فالمفروض الاحزاب المعارضة والناشطين والشخصيات القومية وكلنا في الحقيقة نقول انها ستكون قيد المراجعة والنظر لانها كانت من سلطة لا تمثل الشعب حقيقة وانها ذهبت لجيب افراد في النظام لا للدولة)

ثم بدلا من الذهاب الى الموقع لاضافة الاسم- فننادي على مصممي الابليكيشنات التلفونية أن يتم صياغة template يتيح للمتطوعين ان يتجولو في احيائهم ووسط معارفهم ليجمعوا توقيعات المؤيدين لارحل

فإذا؟ الرأي شنو؟


Wednesday, 25 February 2015

من فريع البان- شعر تدلى



وأنا! أحن لل"بان" في الشعر
 وقد سئمنا حشرجات الريح في حلاقيم الشجر
احن لجذره الصبي
 يراود الأرض عن صمتها،
 انتصاره الأول يفض تقوى الحجر
لجذعه النبي
 يجادل العصافير عن افكها القديم
 وهرطقات السفر
لسلالة أفرعه النبيلة
 تجتاح السموات على صهوة المطر
لما حف به درب ذكرياتنا: صباحاتنا المهيلة
                            عصريات المقيلة
                            وليالي السمر
لظله الأمين
 يرمي بستره على حنجلة الزمان تحت مزاج القمر
يكتم عورة انفلات خطوها الماجن عن تم -تم القدر
(بالطبع كلنا يعرف انها في الحقيقة عجوز ذاهلة في مشفى عقلي تدق برأسها على فراش السهر)
فنحن نحن للبان في الشعر، وقد سئمنا ما استعصى على الترنم وتوسلات الوتر

لكن أصدقكم القول:
  حين يحاط بي -ويحاط بي كل حين-
                                                    فإنني أنشد الصخرة

Saturday, 14 February 2015

نقطة انهيار "الجوكر" عمر البشير


بالنسبة لي فإن مشكلة الحراك السياسي تتلخص في مفهوم "نقطة الانكسار"، اذ يبدو لي ان كل الحراك السياسي يعمل على التصعيد نحو "نقطة انكسار" النظام، عند تلك النقطة  ينهار كل شيء، او عندما نحاول ان نكون اكثر واقعية نقول: ستنهار الكتل الأساسية فيه، والبقية يتم تفتيته في فترة حكم ديمقراطي متعدد. لذا تجد معظم النشاط السياسي المتعارض يتحرك نحو النظام مسكونا بهذه الفكرة، سواء عند التنظيم للتظاهرات او المسيرات بل وحتى عند الاستجابة لدعوة النظام للحوار او التفاوض او شراكة من نوع ما، اذ يتم التحرك نحو هذه الدعوة على امل التغلغل داخل عظم النظام وتفتيته من الداخل او السيطرة على مفاصل الدولة وتوجيهها نحو ما ينفع البلاد والعباد.



ونجد ان هذه الفكرة المسيطرة لا تؤثر فقط على الحراك السياسي بل الثقافي والاجتماعي أيضا، اذ دخلت في حوار مؤخرا حول احد النشاطات الثقافية والذي كان يحمل خيار القطيعة مع الدولة او التعاون معها، وهو سؤال عصيب عصيب يواجه معظم العاملين في هذا الحقل، اذ يكون السؤال هل انجاز الهدف العاجل (ويتم وصم النشاط بالانتهازية او الاستسلام ) ام انتظار الهدف الآجل المربوط ايضا ب"نقطة الانكسار"(و يكون ثمنه تعطل النشاط الثقافي او خروجه متقلصا). 

والحقيقة اننا لا نملك الاجابة على هذا السؤال. على الأقل أنا شخصيا لا املك الاجابة عليه. ولا بد لي أن أقر أنني ايضا مسكونة به ، حتى هذه اللحظة التي اكتب فيها مقالتي المشككة في "نقطة الانكسار"، اجدني غارقة في امال ان تتصاعد المظاهرات التي تدور الان في الحلفايا لتسري في بقية الأحياء والمناطق والبقاع نحو نقطة الانكسار. لعل سبب ذلك مربوط بحالة اليأس العامة بين المواطنين التي يقول بها الجميع والتي يتم توصيفها ايضا ضمن اطار نقطة الانكسار : اننا وصلنا الحد الذي لا حد بعده- نقطة الانكسار او الانهيار.

والحق يقال ان النظام الحالي قد مر في حياته بنقاط متعددة لا يمكن وصفها الا "بنقطة الانهيار" ولكنه : لا ينهار!! بدءا من القطيعة والحظر الدولي في بداية عمره، مرورا بالانقسام الداخلي في ١٩٩٩ابان مذكرة العشرة وما تبعه من انقسامات،  ثم نيفاشا التي فندت كل الحجج التي قامت بها الانقاذ وسلمت بها، انقسام الجنوب،  تصعيد الحرب في دارفور، انقلاب موسى هلال وتحرشات حميدتي بالنظام، تأزم الوضع الاقتصادي وترديه الى حدود تفوق المعقول والممكن، توعك البشير والململة الداخلية في حزب المؤتمر الوطني بعد تصاعد نفوذ الولاة في ولاياتهم، هزائم الجيش المتلاحقة في جنوب كردفان ودارفور. ولكن لا تدري لما لا تأتي نقطة الانكسار، ونبررها تارة بضعف المعارضة السياسية وتارة بخذلان المجتمع الدولي، وتارة اخرى بانهزامية الشعب بلا مبالاته .

لذا تجد معظم الانشطة السياسية تحمل في نواتها فكرة نقطة الانهيار، فكل مظاهرة او مسيرة يتم توجيهها نحو نقطة انكسار ، احيانا يتم زرع المحرضين داخل ما يعرف بالمسيرات السلمية المصعدين للعنف على امل ان يولد العنف عنفا مضادا ومن ثم يولد هذا العنف المضاد عنفا شعبيا عارما، او الركوب على ظهر الانقساميين والدخول معهم في تحالفات على امل توسيع الرتق داخل النظام، او اللعب بكرت الدخول في التفاوض الذي يزرع الريبة داخل القوى النافذة داخل النظام وتخشى ان يتم استبدالها فتخلق بذلك بلبلة تهز اركان النظام، او تفخيخ الحركات المطلبية لتوجيهها نحو صدام مباشر مع السلطة ومن تم سيناريو العنف العارم مرة اخرى.

كنت قد اقتبست مرة على الفيسبوك جزئية من مقال جميل للكاتب الباكستاني (طارق علي) يصف فيه حال النظام الحاكم في الباكستان ووقوفه عند نقطة انكسار ستحسم وجود الدولة او تفتتها الى دويلات مستقلة وذلك بسبب ضغط قوى اليمين المتطرف (والتي كان يستغلها النظام ذاته من قبل في قمع المعارضين وفي حروبه مع الهند) و ضغط المصالح الدولية المتعددة التي تبحث دوما عن نظام بديل يمرر اجنداتها، كل هذا على خلفية تململ شعبي من الاقتصاد المتردي وانعدام حالة الأمن في البلاد، كتب طارق علي هذه المقالة النبوءة وكان على بالي الصور والأخبار المنقولة تواترا عبر المحطات التلفزيونية حول الاوضاع المتأزمة في باكستان، من سيطرة للاصوليين في بيشاور وعمليات التفخيخ والتفجير لمخافر الشرطة والاماكن العامة ومن حالة الهياج الشعبي والضغط الامريكي على الجيش الباكستاني لقيامه بعمليات عسكرية لمصلحته وايضا دعاوي الفساد المواجه به الرئيس الباكستاني وقتها آصف زرداري (زوج بنظير بوتو) ، ثم عند خاتمة المقالة قرأت تاريخها والتي كانت لدهشتي عام 1986 ، اي قبل ما يقارب الثلاثين عاما من نبوءة المقالة. صحيح ان النظام العسكري وقتها بقيادة ضياء الحق كان قد تفكك مفسحا الطريق أمام حكومة مدنية ديمقراطية ثم نظام عسكري ثم ديمقراطية أخرى، الا ان كل تلك الانظمة المتعاقبة ظلت تعمل في ظل نقطة الانهيار تلك. 

وقتها خطر على بالي انه ربما تكون فكرة نقطة الانهيار هذه خاضعة للنسبية، ربما نقطة الانهيار تحتاج ثلاثين عاما او يزيد لا ثلاثين ثانية كما نتصور وكما نتمنى.




ثم خاطرة اخرى وانا اشاهد قبل ايام قليلة فيلم باتمان المسمى "فارس الظلام" ، في مشهد من الفلم وكانت قد عمت الفوضي والرعب مدينة غوثام، يذهب الجوكر-الشرير الى المستشفى لزيارة رجل القانون الوسيم "هارفي دنت" بعد انفجار كاد ان يودي به. سأل رجل القانون زائره الشرير عن خطته، ما الذي يريد ان يصبو اليه؟ ان يحققه؟ ما هدفه؟ ماذا بعد؟ فيرد الجوكر:
انا ليس لدي خطة، انا اشبه بكلب يطارد السيارات، لا يدري ما يفعل بها إن لحقها. انا اكره الخطط، المخططون يحاولون السيطرة على العالم بينما اريهم كم هي مثيرة للشفقة محاولاتهم تلك.  ويختم قائلا:
 I'm an agent of chaos
انا مجرد عميل للفوضى


"هي! دا ما عمر البشير زاتو!!" هذا الفرق بين الشرير المخطط "الترابي" وشرير الفوضى "البشير". بوسعك محاصرة شرير الخطة بمحاصرة خطته، بوسعك ان ترصد فيها نقطة الانهيار. اما شرير الفوضى فمن اين يمكنك الامساك به؟ ليس لديه نقطة انكسار. فهو نظام يقدم اي مساومة لأي طرف، ليس لديه ما يعرف بالحد الأدنى او الأعلى، يمكنه ان يقبل اي شيء او يرفض اي شيء، ليس لديه خط أحمر، ليس لديه ما يمكن ان تسميه "خسرانا مبينا" . فلو كان مكسبه سلطة حدودها متر*متر مربع لعد ذلك انتصارا. انني لا استطيع حتى القول ان هدفه السلطة اذ ان هذا المفهوم لا بد ان يحده خط فاصل بين ما يعده البشير ونظامه : سلطة وفقدانا للسلطة. نظام يعتمد على التقوت اليومي في تعاطيه في السياسة ، فاليوم هو على حال وغدا على حال آخر. 


في ظل هذه الفكرة المسيطرة يواجه العمل السياسي المعارض (والثقافي المستقل) عدة صعوبات:
١- الهتافية: او "السلوقانيرزم" كما يسميها الفرنجة. خطورة الهتافية في أنها تجعل العمل السياسي المنظم في حرج من التعاطي بما هو مسموح به في السياسة : من المساومة والمقايضة، والحد الأدنى من الفعل السياسي، والموازنة بين كفتي المكسب الاجل و العاجل حيث عادة ترجح واحدة على الأخرى. اذ ان مفهوم نقطة الانكسار يجعل اي مقايضة او مساومة تبدو في اطارها كبيع، او استسلام او.. خيانة

٢- التذبذب وفقدان المصداقية: من ناحية اخرى فإن محاولة مجاراة النظام واللعب في ملعبه توقع التنظيمات المعارضة في حيص بيص. فاليوم حوار وغدا قطيعة. اليوم تبادل مواثيق وغدا خديعة. مما يتسبب في فقدان التنظيم لمصداقيته امام جماهيره ويزعزعه داخليا وما نراه من انقسامات وتبادل الاتهامات.


٣-اليأس السريع وقصر النفس النضالي: اذ ان الهدف المصبو اليه كما قلت "نسبي الزمان" فكل مظاهرة او وقفة تخرج بهدف اسقاط النظام ترجع خالية الوفاض. وقد كنت حظيت بجلسة ممتازة بيننا-نحن- قدامى الناشطين وبين الأجيال الجديدة منها ، حيث قاموا بطرح سؤال محرج : ما هي علامة سقوط النظام؟ ما هو الشيء الذي ان حدث بوسعنا ان نقول اننا الان اسقطنا النظام؟ وهو سؤال ذكي اذ انه يدرك ان سقوط النظام ما عاد : استلام الكباري واحتلال مبنى الإذاعة وقراءة البيان الأول


يا للورطة... والعمل؟

الحنكة والحذاقة ، في رأيي انه لا بد من التخلي عن مساواة الفعل السياسي بالاكتفاء بما يمكن ان اسميه :الافضلية الأخلاقية. وهي السمة الغالبة في العمل السياسي، فلا بد من التخلص من حرير الموقف الأخلاقي الى تشمير ساعد العمل السياسي الجاد. بالطبع لا أعني الوقوع في درك العمل السياسي القذر: على الإطلاق!! على العكس من ذلك تماما، ارى ان القبوع في ماء الفضيلة الساكنة لم يمنعها من أن تتأسن، اذ ان الجمود لا بد ان يوقعك في التناقض لا بد ان يجعلك اكثر عرضة لريح التقلب وللسقوط (كما نرى الآن). 

الحل في رأيي ان تخط المعارضة "والحركات الثقافية" لنفسها ملعبها الخاص، تفرض فيه شروطها وتحدد فيه أهدافها، ان تفك الرابط بينها وبين النظام بأن تحل عقدة نقطة الانكسار، ان تحدد انتصاراتها بمعزل عنها- او فلنقل تضعها في دائرة اكبر من سقوط النظام ذاته، فتبني علاقاتها مع النظام بما يحقق تلك الأهداف "سقط ام لم يسقط"
حتى لا يبدو كلامي مبهما- واختم هنا هذه الكتابة بالحديث عن حملة مقاطعة الانتخابات.
انا بطبيعة الحال اؤيد هذه الحملة الآن لأنه ليس من الحنكة مخالفة حملة تم حشد الجهد لها واصبحت تمشي على قدم وساق ، بعض العمل السياسي يحسن فيه الوحدة وان كان على حساب رأيك الشخصي. الأمر - في توقعي- اشبه بالحافلة التي كانت في فيلم "سبيد" ، حيث كانت الحافلة على الكوبري الذي تتوسطه فرقة كبيرة ، اذ ما تم تهدئة السرعة تنفجر الحافلة بقنبلة مزروعة فيها، فما كان الحل الا الضغط على دواسة البنزين بكل قوة ودعمها حتى تجتاز الحفرة.  هذا ما اراه الآن ان ندوس بنزين حتى نجتاز الحفرة، وتواصل الحملة مسيرتها التي ستنتهي بعد نجاحها الى طريق مسدود - اذا نجحت في نزع الشرعية عن نظام لا يحتاجه بقدر ما يتجمل به، وهو تجميل لا يبالي به المجتمع الدولي كثيرا طالما أن النظام يسير في التراك الموضوع له، غايتو ممكن يسبب ليهو شوية حرج. 
في رأيي انه كان من الأفضل ان يحدث السيناريو الذي حدث في زيمبابوي، ان تدخل المعارضة بكل ثقلها السياسي وان تشمر عن ساعد العمل الجاد، وتواجه الخسارات التي لا تبد ان تلطخ يديها لتخرج بالمكاسب التي في ملعبها هي لا ملعب الحكومة. وهي مكاسب لا حصر لها. اقلها انها ستخرج العمل السياسي من دائرة الهتافية نحو مواجهة حقيقية وستحدث تغييرا نوعيا في طبيعة العمل السياسي اليومي والآجل كما حدث في ليبريا وكما يحدث في زيمبابوي. وانها ستعطي قبلة حياة للحركات المطلبية والتي لا بد لها ان تهيمن على المشهد السياسي، وقد كانت خطوة سباقة ان يمثل الدكتور أمين مكي مدني ما تم تسميته "بمنظمات المجتمع المدني" عند التوقيع على نداء السودان. اعني كلمة "سباق" بمعنيين ، انها بالفعل خطوة مبادرة ولكنها ايضا سابقة لحقيقة لم تتجسد بعد في السودان. الحركات الحقوقية والمطلبية هي المنوط بها احداث التغيير الجذري في البلاد والذي كنت اعلقه في رقبة الاحزاب السياسية والتي يجب ان ينحصر دورها في دعمها وتبني توصياتها وتوجهاتها لا القيام بدورها كما كنت اظن في السابق.

اطلت عليكم، اقول قولي هذا وقلبي لا يزال معلقا بنقطة الانكسار التي ستودي بأجل النظام (مفيش فايدة)

Monday, 2 February 2015

صورة المثقف الذي تحب- عمر عشاري

(المقال دا كان مفروض يكون مهدى اليه في يوم زواجه لكن القلم ليهو رافع)
في مرة استمعت للفنان الكابلي في محاضرة له للجالية السودانية بالامارات، يرجع فيها مصدر "مثقف" الى التهذيب من "ثقف السيف اي هذبه وشذبه" ، الى جانب ما قد يتراءى لكم من صورة الانسان المدنقر راسو وبيقول لو سمحت / شكرا/ من فضلك ويحمل منديلا مطويا في جيبه. فيمكننا القول بأن المثقف هو من قرأ وسمع ورأى ما يكفيه لأن يجد عذرا لفجاجات البشر، فيحسن وضع نفسه مكان الاخرين، من لا يكتفي بظاهر الاشياء بل ينظر الي مكامنها ومنابعها من يحمل ميزانه اكثر من كفة.
وازيد بما عرفته عن هذا الشاب، فهو الذي لا يمسك طرفا من جواب الا وحمل معه طرفا من سؤال، ولا تخدعنك علامة الاستفهام التي تعلو جبينه على الداوم، فكنانته مليئة ب" لعل" و"اغلب الظن" و"ربما" وهي ما يبتدر بها اجاباته. فالجزم عنده اغلاق باب، وهو يحب ان يترك باب الاجابة عنده مواربا للاحتمال والمحال (المحال في ظن العوام وليس في ظن من تدبر صروف الحياة وعرف ان المحال ممكن)-كذا هوالمثقف الذي تحب
هو الذي يحسن النفاذ في ما قد تكلس بتكاثر الرأي والتداول والمناولة حوله، كتلك المشاهدات التي سجلها ابان انفصال جنوب السودان: قعدنا نشجب أو ندين أو نحلل أو نراقب ونقارن ونتداول كاريكاتيرات الحزن والعار، بينما حزم هو حقيبة السؤال، وركب الطائرة واتجه الى جوبا فنقل تلك  المشاهدات الحية والمشاعر المختلطة بدءا من المسافرين العائدين، للمستقبلين في المطارات للمحتفلين في الطرقات للونسات الجانبية التي تستشرف المستقبل المجهول – (ده واحد من اجمل بوستات سودانيز اون لاين )- بالمناسبة هو ما صحفي، وقد حسدته جنس حسادة على قدرته على مطاردة السؤال ، البركة العاد منها سالما غانما.
وصلة البوست المعنون ب"جوبا ززكنت قريبا منها وغريبا عنها" http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=print&board=340&msg=1309450317&rn=

وانا لا أبالي لأستذة يوليني اياها، او حرص له على تقصي رأيي، نحن برضو شقينا المقابر والاضرحة و سير الصالحين  وقرأنا :كان ذو السر يتخفى بالتتلمذ كي لا يكشف سره. فاااا شنو؟ الحركات دي ما بتمشي فينا. اذ اني اذكر قبل اثني عشر عاما في حرم جامعة الخرطوم  أحد أهم الأحداث في حياتي، والتي انسب لها النقلة الهامة اليها حولتني الى انسانة ما بيض– والحمدلله زي ما هو واضح لي انا ما بيض!  رغم اني قرررربت  لولا رحمة ربي وما فتح الله به على ولدنا عمر عشاري أحمد ضمن اخرين
المكان: نجيلة كلية القانون المطلة على شارع المين
 الزمان : 2003 وقد حمي الوطيس لانتخابات اتحاد طلاب جامعة الخرطوم المعطل لما يقارب العشرة اعوام ( دفع يا ولداه دخلت وتخرجت دون ان تبصر اتحادا)
الحال: الحق بين والباطل بين، الحق طبعا كان قائمة التنظيمات الوطنية  (تجمع+ حزب امة+ فكة) والظلم طبعا (الكيزان وما تشابه علينا) – يعني الحال واضح، هل في كلام ممكن ينقال؟ يا ابيض يا أسود
والحال على ما قد وصفت، كذا كان سيتشكل الوعي الذي كنت سأتخارج به من سنتي الأخيرة في الجامعة، لا حولاا ربك لطف لكن، كنت هسي حكون نوع الناس المهللون لكل تحالف وطني عريض والمستبشرون لكل تداعي كيزاني. انعقدت سلسلة من اركان النقاش في نجيلة قانون اعدادا للانتخابات، مررت عليها ظانة انها كمثل غيرها من الأركان التي كانت تؤطر لفكرة ان المشكل هو الكيزان والحل هو "تحالف القوى الوطنية". كان يتوسطها عمر عشاري بأناقته التي تعرفون (بالمناسبة نفس القشّيطة الياها من ايام الجامعة) ، ثم ارهفت وسمعت العجب، كانت سلسلة من المحاضرات المصغرة المنادية للمشاركة في انتخابات اتحاد طلاب جامعة الخرطوم بغض النظر عن المصوت له ، كانت تتحدث ان النصر لأي الطرفين لن يغطي على فضيحة ضعف المشاركة في العملية الانتخابية ( جدير بالذكر انه كانت قد فشلت اكثر من دورة انتخابية في جامعة الخرطوم بسبب عدم اكتمال النصاب) خاصة بالنسبة لنا كطلبة جامعيين والمثال المحتذى في دول عالمنا "الثالث" و"النامي"، وان حق الاقتراع و فهم فكرة التفويض –كما سيتاح لي لأن اعرف لاحقا- هي احدى العقبات الأساسية التي تواجه افريقيا الأمس واليوم. وقتها كنت اظن حقا ان الديمقراطية معلقة بطرف ثوب تنظيمك المفضل في أدنى حالاته أو بطرف جلباب تحالف المعارضة العريض في أفضل حالاته، لا أنها نظم ومبادئ واسلوب حياة الخ – يومها حينما كان يحتفل الطلاب بنجاح قائمة التنظيمات الوطنية ، كانت كلية قانون بكافة تياراتها تحتفل بنسبة تصوبت مائة بالمائة، كان ذلك الحدث محوريا في حياتي، كان فاتحة اطلاعي فيما بعد على نعوم تشومسكي و برتراند راسل و ارونداتي روي وجملة الاولياء الصالحين.

تصادف ان عمر يعمل بقسم المسئولية الاجتماعية المؤسسية بدال- اقول تصادف لانه كل ما فعلته انها وضعت بعض صفات الرجل في اطار، لكن بالنسبة لنا الذين عاصرنا طالب كلية القانون فإننا نذكر سبقه الهادئ والمتعقل في كل مواقع "المسئولية" التي تتمناها لنفسك، سواء كان ذلك مطالبة بحق، او نصرة مظلوم، او جبر خواطر- بكامل اناقته التي تحير (هو ونادرين رغيم- انتو بتجو قاشرين للوقفات الاحتجاجية ليه؟مش تعملو حساب المطرة؟ J )  
وفي يوم الجمعة ستقام ندوة يديرها عمر عشاري حول "الفكاهة في اطار التنوع" في منتدى دال ، وكعادة الحوار الذي يبدو انه انقسم بين ادانة فرق الكوميديا التي اشتهرت بالنكات التي تعمد الى تنميط الأعراق والقبائل والنساء والقول بأنها تؤجج لنيران التفرقة وبين تبرئة هذه الفرق كونها جزء من واقع معاش فهي لم تبتدع بدعة العنصرية والشوفينية الذكورية. ارى انه كعادة النقاشات التي يكون عمر عشاري داعيا لها وجزءا منها، أن الأمر سيخرج من هذه القطبية والثنائية المحصورة في التبرئة والادانة، وانها ستتفرع للحديث عن الفن وعن التشابكات الثقافية/ الاجتماعية/ الثقافية والسياسية. اننا سنترك الباب مواربا للاحتمال والممكن .




لحوظة: ليس للمقال علاقة بحملة مقاطعة الانتخابات الرئاسية الحالية- الحرص واجب برضو من الناس القدرتهم التحليلية عالية شديد