Saturday, 7 March 2015

يوم المرأة للرجل-وللسودانيين

(المقال نشر في مجلة الميدان بتاريخ الثلاثاء ١٠ مارس وأعيد نشره هنا مع بعض التعديل البسيط)
في حوار مع المفكرة الألمانية هانا ارندت ، سئلت عن : تحرر المرأة، ردت:

(أنا "دقة قديمة"، بالنسبة لي لا يبدو الأمر لائقا للمرأة حين تكون في موضع اصدار الأوامر، عليها أن تتجنب مثل هذه المواقف التي تضعها في هذا الموضع اذا أرادت أن تظل أنثى)- المقطتف يبدأ في الدقيقة ٤:١٥ وهو بالألمانية مترجم الى الانجليزية




تعرفون هانا ارندت ليست محبوبة وسط النسويين/الفيمنيست، وقد اتهم مناصروها -من بين النسوييين- أنهم يؤولون كلامها فوق حقيقته- ولعلي من هؤلاء المؤولين- لن استفيض في هذا النقاش ، لكني أود أن افسر هذا المقتطف من حوارها على ضوء كتاباتها التي ترتكز جلها حول (ظاهرة السلطة)

في السؤال التالي للحوار أعلاه، يسأل المحاور هانا إن كانت ترى كتاباتها ملهمة أو مؤثرة، فتجيب أن السؤال في حد ذاته ذكوري، العقلية التي تهتم بالإلهام والتوجيه والتأثير- تقول هانا: أنا لا أرى اني مؤثرة، أنا اكتب كي أفهم، واذا ما اشترك معي اخرون في فهمي، فإن ذلك يمنحني احساسا بالرضا، كمن يكون مع اقران متساويين معه.

عبر هذه الإضاءة لست ارى انها اشارت للحالة الفردية للمرأة ،رأيت أن "ارندت" أشارت لشي هام جدا، هو أن تحرر المرأة لا يأتي بتكرارها لأنماط القوة والسلطة المعتادة . كثيرون يتحدثون عن نساء كسرن (السقف الزجاجي) بتقلدهن مناصب عليا في أعلى هرم السلطة (سواء كمديرات تنفيذيات لشركات كبرى، او رئيسات دولة، او رئيسات أحزاب) ويتم بروزتهن كأمثلة لتحرر المرأة. وهنا يبرز الإشكال عندي- فكرة تصدر قمة الهرم التي تسمح بوجود الأقوى على الأعلى، هو مصدر القرار ومصدر السلطة ، بل فكرة الهرمية ذاتها وتراتيبية السلطة- هو تكرار لنمط يمكن وصفه بأنه "ذكوري". اذا اعتمدنا هنا فكرة أن وصف المجتمعات الذكورية (ليس مقصود بها الرجل في حد ذاته) انما ذلك الظرف التاريخي في حياة البشرية والذي- بسبب التغير المناخي أدى الى ندرة الموارد وشحها-فبرزت مجتمعات اقصاء الأضعف ومجتمعات الصراع وحماية الموارد الخاصة (الملكية الخاصة) ، مجتمعات ذات طابع مليشي بقائد ذكر يقود الأسرة أو القبيلة لضمان استمراريتها. وقد حلت هذه المجتمعات مكان المجتمعات سابقة لهاكانت تعتمد التشاركية والتعاونية حيث كفاية الموارد ولا أفضلية لدور على دور اخر- وقد درج تسمية هذه المجتمعات بالأمومية -لكن لا بد للإنتباه انه لا توجد أم/امرأة على "رأس" هذه المجتمعات.

عبر هذه المقدمة والإضاءة اود هنا أن أتحدث عن أهمية "يوم المرأة" للرجل وللسودانيين في هذا المنعطف التاريخي الهام. أي منعطف؟ أقصد بذلك كم البحوث والدراسات والمؤتمرات التي أخيرا علا صوتها لتدق ناقوس "التغير المناخي" - أعرف أن هناك جدل كبير حوله وحول الآثار المتوقعة منه. لكن هناك حقيقة ماثلة أن الموارد الطبيعية اللازمة لحياتنا كبشر على هذا الكوكب اخذة في التناقص والشح، بسبب "التغير المناخي" او بسبب "طريقة استهلاكنا للموارد التي أدت بدورها للتغير المناخي" - نحن الان -يا رفاق ويا رفيقات- نمر بنفس ذلك الظرف التاريخي الذي في السابق تسبب في احلال مجتمع مكان اخر.

واصبح كثيرون يتحدثون -من اقتصاديين ومفكريين سياسيين وعلماء اجتماعيين وحركات ناشطة على ارض الواقع- عن ضرورة  اعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها مجتمعاتنا وانظمة السلطة التي نعيش تحت وطأتها- للحفاظ على الجنس البشري من جديد. كثيرون يتحدثون عن الانتقال الى مجتمع يحمل سمات المجتمع الأمومي. ليه؟ اذا حاولنا النظر في ما هو اهم مخلفات ما ورثناه من المجتمع الذكوري نجد: الخوف (الذي يؤدي الى اقتصاد الوفرة وانتاج ما فوق الحاجة مخافة الجوع)  والطمع (وهو والخوف عملتان لوجه واحد- فالطمع ناتج عن محاولة تأمين نفسك من المجهول وقد ادى ذلك الى اقتصاد الرأسمال ومافيها من مظاهر الطمع كالاحتكار والملكية الفردية للموارد العامة ) و القمع (الناتج عن فقدان السيطرة الحقيقية من قبل قلة تحاول أن تؤمن لنفسها ما ليس متاحا للكثرة)
-الاستاذ محمود محمد طه ضرب في احدى محاضراته مثلا جميلا حول الخوف وفقدان السيطرة: أن الخائف المسلح ان واجهه رجل في زقاق قتله- يفقد السيطرة. بينما المسلح المطمئن الى قوته اذا ما واجهه ذات الرجل: صد عدوانه بتعطيله كأن يضرب رجله مثلا -لم يفقد السيطرة-
اذا: الخوف- الطمع- القمع وتجد في قاموس المقالات الحديثة مصطلحات مثل(اقتصاد الشركات الاستثمارية)corporationalism، اقتصاد (الاستهلاك) ومجتمع الاستهلاك، سياسات الانسياب من أعلى، الأمن الوطني
في المقابل يقدم المنادون بالتغيير امثلة لمجتمعات التشاركية، مؤسسات تعاونية، مجتمعات اقتصاد الكفاية، مجتمعات سد الفجوة بين الانتاج والاستهلاك، الملكية المشتركة، التضامن، وانماط التشاورية السياسية كمجالس العمال ..الخ وكثير من المعاني المشتركة بين ما كان موجود في مجتمعات الأمومية والمجتمع المرجو تحقيقه


قد يبدو كل ذلك ضربا من الرومانسية. لكن فلنضع في الحسبان اليوم عدة حقائق:
مليار هو عدد جوعى العالم
فوق  ٦٠٪ من جوعى العالم هم من النساء والبنات معظمهن من سكان المناطق الريفية (حيث انتاج الطعام)
سبب الجوع ليس ندرة الطعام بل صعوبة الحصول عليه بسبب الفقر
اكثر من ثلثي النساء في افريقيا يعملن في الزراعة وينتجون ٩٠٪ من الطعام
في السودان ٨٠٪ من النساء يعملن في الزراعة- قرابة ٨٠ ٪ من القوى العاملة في مشروع الجزيرة من النساء،
اقتصاد دول العالم يستفيد من دعم يقدر ب١٧ ترليون دولار- هو قيمة العمل المنزلي -غير المأجور الذي تقوم به المرأة






لماذا هذه الإحصائيات؟ هذه الإحصائيات للتأكيد على شيء واحد ، أي حديث عن استمرار في نهجنا الاقتصادي وايضا السياسي المعتاد يؤثر بشكل أساسي على المرأة وبالتالي على المجتمع البشري ككل
أي حديث عن مجتمع جديد او نظام جديد ، ستكون المرأة في قلبه ليس من أجلها بل من أجل استمرار المجتمع البشري ككل

كثيرون منا يركزون في مثل هذا اليوم على "حقوق المرأة" السياسية والقانونية والاجتماعية بمعزل عن أثر السياسات الإقتصادية الحالية عليها. وهو أمر فادح ابتليت به الحركات الحقوقية في العالم لمحاولتها أن تكون "محايدة"عند رصدها لانتهاكات حقوق المرأة او الانسان بشكل عام * لكن في حقيقة الأمر اذا كنا سنتحدث عن:
العنف ضد المرأة- فنحن بالضرورة نتحدث عن السياسات المفقرة التي اما أنها تقوم بالضغط على الرجل كمعيل أساسي للأسرة و/ او أنها تتسبب في أن تكون المرأة معتمدة على دخل الرجل وبالتالي تحت رحمته

اذا كنا سنتحدث عن تمكين المرأة: فلا بد لنا ان نتحدث عن الواقع الاقتصادي الذي يجعل المرأة تعمل في ظروف اشبه بالسخرة سواء في بيتها أو مكان عملها دون اعتراف بقيمة عملها وبابعادها عن قدرتها على اتخاذ قرار فيما يخص عملها أو واقع حالها

اذا كنا سنتحدث عن المرأة كضحية للحرب والنزوج في جنوب كردفان : لا يمكن أن نتحدث عن ذلك بمعزل عن توصيات البنك الدولي في بدايات الثمانينات بتمليك الأراضي لغير العاملين فيها واقامة مشاريع زراعية أخرجت هذه المجتمعات الزراعية لتعمل بالأجرة في اراضيها، واخلال التوازن المجتمعي واثر ذلك على اشتعال صراعات الموارد بين مجتمعات الرعي والزراعة ثم تدخل الدولة القمعي واندلاع هذه الحرب التي خرجت عن السيطرة.

اذا كنا سنتحدث عن زواج القاصرات : الذي امتد إلى حتى المدن الحضرية، فلا يكون ذلك بغفلة عن الضائقة المالية التي اصبحت تحيط بالأسر فيختارون وأد بناتهن أحياء في زيجة ميتة لكي يجابهوا الكفاف

وبذا لا بد لي أن أؤكد مرة أخرى أنني لا أتحدث هنا عن "مناصرة" جديدة للمرأة من على جبهة "إقتصادية". انا هنا اتحدث عن المفهوم الأوسع لرحم النسوية الذي لا بد أن يجمعنا جميعا، النسوية بمعنى البديل للحال الراهن على المستوى العالمي والمحلي.

وطالما أنا جئنا للمستوى المحلي، فيوم المرأة هو يوم للتفكر في الطريقة التي تغور فيها هذه البلاد في حفرة رأسمالية المحسوبية التي جاءت بها الإنقاذ منذ قولة تيت والتي تعمل على انتفاع قلة على حساب المصلحة الكلية، عبر بيع وتفكيك مؤسسات المنفعة العامة لمصلحتهم الشخصية أو في الغالب- مقابل سمسرة.




كتفكيك النظام الصحي وخصخصته، تفكيك أي لمحة ضمان اجتماعي وترك المواطن والمواطنة في سهلة السوق المستعرة، تفكيك النظام التعليمي عبر إهماله وتركه لفوضى الاستثمار الخاص، قطع الطريق على كل سبل التضامن والتعاضد المجتمعي بدءا من قانون النقابات المعروف بقانون المنشأة وقانون الأمن الوطني الذي يعمل على تفتيت الحركات المطلبية والعفوية في المقام الأول بالمناسبة، وما زلت أصر أنه لم يوضع للناشطين السياسيين، وصولا إلى قانون النظام الذي أرى انه كان موجها لإذلال الرجل في المقام الأول قبل المرأة، حيث أنها تعمل على كسر شوكة فكرة "الرجل السوداني" و تحول بين الأب /الأخ /الزوج في دفع تهمة الفحش عن زوجته/أخته/أمه /ابنته حين تقذفها الدولة بالفحش- فإني ارى أن هذا القانون صمم خصيصا كي يستحي الرجل أن ينظر في وجهه في المرآة وبالتالي أن يستحي من قولة بغم تجاه أي مظلمة.

فليكن يوم المرأة فرصة للتفكير لإطلاق الخيال خارج ضيق واقع السياسات العالمية التي تطبق بخناقها علينا وليست الحكومة بالمناسبة سوى- وسيط لهذه السياسات، مجرد منفذ لها.

فليكن يوم المرأة يوما للحديث عن خيارات أخرى لمشروع الجزيرة، حيث انعدم الخيال بين الخصخصة او ترك المشروع للبوار. وهناك من رحم البديل تخرج أمثلة للتعاون الحكومي مع المجتمع المحلي، اعادة توزيع الأراضي ، تشجيع الزراعة التضامنية والتعاونية، تمكين المزارعين من التحكم في سوق المنتجات، تشجيع الصناعات الزراعية المحلية، (كما يحدث في مشروع الملم دارفور الذي يعمل على تقوية المجتمع المحلي للمزارعين لا لإقصاؤه) فرص التعاون الإقليمي وفتح أسواق محلية واقليمية للخروج من خناق سيطرة المؤسسات المالية العالمية (كالبنك الدولي، كصندوق النقد الدولي، كمنظمة التجارة العالمية)




http://www.malamdarfur.org/agriculture/


اطلاق الخيال في حديثنا عن مأساة  المناصير ونقلها الى دائرة تخرج عن دائرة التعويضات البائسة. و لفت نظرنا الى سياسة الدولة الممنهجة في نزع الأراضي وفهم أبعادها

اطلاق الخيال في حديثنا عن حرب دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق واخراجها من دائرة المناصرة الهتافية بنزعنا لحراشف "الغرض" و"الطمع" التي تطوق بها الحكومة هذه الحرب المستعرة، فتسعد لغفلتنا حين نحصرها في اطار العنصرية التي تضيق خيالات النضال والمناصرة


اطلاق الخيال كي تواكب هذه الخيارات أنماط لتشارك القوة لا أن ينحصر الخيال في قيادة حزبية او رئاسة دولة، فليكن فرصة لتمحيص العقبات التي تمنع التضامن الحيوي (مثلا:إضافة الى لفتة : تحية إلى عمال النظافة ماذا عن الحديث عن نقابة مهيبة تدافع عن حقوقهم بشكل مستدام، تمكنهم من مجابهة مشاكل عملهم اليومية التي مهما تكاثفت حسن نيتنا تجاهها فلن نحسن التعبير  عنها او تحديد اولوياتها كما يفعلون هم)


اطلاق الخيال لتصور التقدم والتطور في بلادنا بحيث يسبق غفلة ومكابرة الدول "المتقدمة" التي كبلت نفسها بأنظمة ومؤسسات"اكبر من أن تفشل" Too big to fail ،

اطلاق الخيال بصور للحضارة لا تشبه صور جسور اليابان الحديثة الممتدة ، أو سدود الكهرباء التي تجرف مياه النيل وتربتها جرفا، صور لا تشبه عمارات جوهانسبيرج العاتية وتخفي بيوت الصفيح التي تستظل بها.

اطلاق الخيال لتصور رفاهية لا تشابه فكرة "الميقا ماركتات" و"السوبر ماركتات" مترعة بمنتجات الغبن والطمع، أو ناطحات سحاب و طبقة أنانية مترفة تسكن مركز المدن على أكتاف أرتال من احزان ريفية . نحو مجتمعات تعاونية تعاضدية، يقول الكاتب الإقتصادي الصاعد نجمه راج باتيل: ليس نفيض البذخ هو الزهد- بل السخاء- السخاء في مد يد العون والتعاضد




فليكن يوما لإطلاق الخيال، ولمد أيدينا ليس فقط للمرأة - ليس فقط لست الشاي والنازحة والقاصرة والأمية- بل لحركات تغيير سياسية واقتصادية تخرج من أدغال اندونيسيا و اودية الهند العميقة ومزارع البرتغال المزهرة و سهول نيبال الوفيرة و في افريقيا الأم في تنزانيا في ملاوي في اريتريا في جنوب افريقيا.. تحدث الآن في مجابهة انظمة تفاقم وترعى غبائن المرأة و تغور من جرح المظالم ثم تضمدها بضمادة المنظمات الطوعية قليلة الحيلة


فيديو يوضح قرار منظمة الفاو التعاون مع حركة صغار المزارعين ومنتجي الغذاء

Friday, 27 February 2015

بالنسبة # ارحل... ممكن دفرة؟

#ارحل
أين نحن الآن؟ في الغالب الأعم انو الانتخابات حتقوم -البشير محتاجها
مافي خيارات هسي - تأخر الوقت على ذلك- مافي غير خيار المقاطعة
هل وقعت على العريضة يا مواطنة ويا مواطن؟ انا وقعت
http://www.er7al.com/

حقو ندي الحملة دي دفرة/ نفخة/ او بلغة الكوفيرات :فيشل.  من  تعبير عن رفض للسيد الرئيس، حقو ندعمها بموقف سياسي صريح، وحقو الحاجة دي برضو نشوفها بالفصيح في كل الأحزاب المنادية بإرحل
#أرح

الموقف؟
 لا بد من تمهيد:
جدير بالذكر ان أكبر عقبة تواجه الحكومات التي تعقب الأنظمة الديكتاتورية والشريرة خصوصا في دول العالم النامي هي : الدين! (من ديون) والعقود الاستثمارية  المجحفة والمنح ذات الشروط المعسرة. كذا كان الحال كان في ارجنتينا بعد سقوط الحكم الديكتاتوري، والاوروغواي والبرازيل وتشيلي والاكوادور وبولندا. هذه التركة التي تخلفها الحكومات البطالة أشبه بالفايروس الذي ينخر أي نظام  ويهششه ويكبل يديه من احداث اي تغيير حقيقي مهما كانت شعبيته او صدق نيته. وبما انو قد وضح للجميع ان المجتمع الدولي يتحرك نحو نظامنا هذا بمفهوم : لا ضرر ولا ضرار... طالما لا مضرة تأتي منه.. فخليه على حاله

طيب... افتكر نربط استمرار هذا النظام باستمرار الضرر

ارى ان نصيغ تصريحا بليغا يوضح ان الانتخابات الحالية التي تأتي في ظل : مصادرة الحريات وقمع الناشطين ومنع النشاط المعارض وتصعيد الحرب في ظل وضع انساني متردي، والعبث بالدستور وفساد جعله بحسب مؤسسة الشفافية على رأس قائمة الدول التي يستشري فيها الفساد-هو نظام فاقد للشرعية وكذا انتخاباته 

لذا:

((اي دين او منحة او عقد استثماري يعقد في ظل هذا النظام ايا كانت شروطه هو هالك و تالف لانه تم اقتطاعه لفائدة نظام غير شرعي لا يمثل أحد، وعليه فإن اي تبعات لهذا الدين لا تقع على عاتق الدولة وبوسعها بلغة البشير: "ان تموصها وتشرب مويتها" وقد اعذر من انذر وكدا- وان هذا النظام ظل يقتات ويستقوى من هذه المنح والاتفاقيات المشبوهة والديون المجحفة ))

نصيغ هذا التصريح على ضوء ذلك كملحق لنداء حملة ارحل- وكذلك يكون موقف تتبناه الأحزاب السياسية المعارضة تحديدا المشاركة في حملة ارحل- اعتقد أن هذا يقوي من موقف الحملة داخليا وكذلك بموقف صلد في مواجهة المجتمع الدولي 
(بالنسبة لما سبق هذه الفترة من ديون متراكمة ومستحقة وعقودات استثمارية مجحفة فالمفروض الاحزاب المعارضة والناشطين والشخصيات القومية وكلنا في الحقيقة نقول انها ستكون قيد المراجعة والنظر لانها كانت من سلطة لا تمثل الشعب حقيقة وانها ذهبت لجيب افراد في النظام لا للدولة)

ثم بدلا من الذهاب الى الموقع لاضافة الاسم- فننادي على مصممي الابليكيشنات التلفونية أن يتم صياغة template يتيح للمتطوعين ان يتجولو في احيائهم ووسط معارفهم ليجمعوا توقيعات المؤيدين لارحل

فإذا؟ الرأي شنو؟


Wednesday, 25 February 2015

من فريع البان- شعر تدلى



وأنا! أحن لل"بان" في الشعر
 وقد سئمنا حشرجات الريح في حلاقيم الشجر
احن لجذره الصبي
 يراود الأرض عن صمتها،
 انتصاره الأول يفض تقوى الحجر
لجذعه النبي
 يجادل العصافير عن افكها القديم
 وهرطقات السفر
لسلالة أفرعه النبيلة
 تجتاح السموات على صهوة المطر
لما حف به درب ذكرياتنا: صباحاتنا المهيلة
                            عصريات المقيلة
                            وليالي السمر
لظله الأمين
 يرمي بستره على حنجلة الزمان تحت مزاج القمر
يكتم عورة انفلات خطوها الماجن عن تم -تم القدر
(بالطبع كلنا يعرف انها في الحقيقة عجوز ذاهلة في مشفى عقلي تدق برأسها على فراش السهر)
فنحن نحن للبان في الشعر، وقد سئمنا ما استعصى على الترنم وتوسلات الوتر

لكن أصدقكم القول:
  حين يحاط بي -ويحاط بي كل حين-
                                                    فإنني أنشد الصخرة

Saturday, 14 February 2015

نقطة انهيار "الجوكر" عمر البشير


بالنسبة لي فإن مشكلة الحراك السياسي تتلخص في مفهوم "نقطة الانكسار"، اذ يبدو لي ان كل الحراك السياسي يعمل على التصعيد نحو "نقطة انكسار" النظام، عند تلك النقطة  ينهار كل شيء، او عندما نحاول ان نكون اكثر واقعية نقول: ستنهار الكتل الأساسية فيه، والبقية يتم تفتيته في فترة حكم ديمقراطي متعدد. لذا تجد معظم النشاط السياسي المتعارض يتحرك نحو النظام مسكونا بهذه الفكرة، سواء عند التنظيم للتظاهرات او المسيرات بل وحتى عند الاستجابة لدعوة النظام للحوار او التفاوض او شراكة من نوع ما، اذ يتم التحرك نحو هذه الدعوة على امل التغلغل داخل عظم النظام وتفتيته من الداخل او السيطرة على مفاصل الدولة وتوجيهها نحو ما ينفع البلاد والعباد.



ونجد ان هذه الفكرة المسيطرة لا تؤثر فقط على الحراك السياسي بل الثقافي والاجتماعي أيضا، اذ دخلت في حوار مؤخرا حول احد النشاطات الثقافية والذي كان يحمل خيار القطيعة مع الدولة او التعاون معها، وهو سؤال عصيب عصيب يواجه معظم العاملين في هذا الحقل، اذ يكون السؤال هل انجاز الهدف العاجل (ويتم وصم النشاط بالانتهازية او الاستسلام ) ام انتظار الهدف الآجل المربوط ايضا ب"نقطة الانكسار"(و يكون ثمنه تعطل النشاط الثقافي او خروجه متقلصا). 

والحقيقة اننا لا نملك الاجابة على هذا السؤال. على الأقل أنا شخصيا لا املك الاجابة عليه. ولا بد لي أن أقر أنني ايضا مسكونة به ، حتى هذه اللحظة التي اكتب فيها مقالتي المشككة في "نقطة الانكسار"، اجدني غارقة في امال ان تتصاعد المظاهرات التي تدور الان في الحلفايا لتسري في بقية الأحياء والمناطق والبقاع نحو نقطة الانكسار. لعل سبب ذلك مربوط بحالة اليأس العامة بين المواطنين التي يقول بها الجميع والتي يتم توصيفها ايضا ضمن اطار نقطة الانكسار : اننا وصلنا الحد الذي لا حد بعده- نقطة الانكسار او الانهيار.

والحق يقال ان النظام الحالي قد مر في حياته بنقاط متعددة لا يمكن وصفها الا "بنقطة الانهيار" ولكنه : لا ينهار!! بدءا من القطيعة والحظر الدولي في بداية عمره، مرورا بالانقسام الداخلي في ١٩٩٩ابان مذكرة العشرة وما تبعه من انقسامات،  ثم نيفاشا التي فندت كل الحجج التي قامت بها الانقاذ وسلمت بها، انقسام الجنوب،  تصعيد الحرب في دارفور، انقلاب موسى هلال وتحرشات حميدتي بالنظام، تأزم الوضع الاقتصادي وترديه الى حدود تفوق المعقول والممكن، توعك البشير والململة الداخلية في حزب المؤتمر الوطني بعد تصاعد نفوذ الولاة في ولاياتهم، هزائم الجيش المتلاحقة في جنوب كردفان ودارفور. ولكن لا تدري لما لا تأتي نقطة الانكسار، ونبررها تارة بضعف المعارضة السياسية وتارة بخذلان المجتمع الدولي، وتارة اخرى بانهزامية الشعب بلا مبالاته .

لذا تجد معظم الانشطة السياسية تحمل في نواتها فكرة نقطة الانهيار، فكل مظاهرة او مسيرة يتم توجيهها نحو نقطة انكسار ، احيانا يتم زرع المحرضين داخل ما يعرف بالمسيرات السلمية المصعدين للعنف على امل ان يولد العنف عنفا مضادا ومن ثم يولد هذا العنف المضاد عنفا شعبيا عارما، او الركوب على ظهر الانقساميين والدخول معهم في تحالفات على امل توسيع الرتق داخل النظام، او اللعب بكرت الدخول في التفاوض الذي يزرع الريبة داخل القوى النافذة داخل النظام وتخشى ان يتم استبدالها فتخلق بذلك بلبلة تهز اركان النظام، او تفخيخ الحركات المطلبية لتوجيهها نحو صدام مباشر مع السلطة ومن تم سيناريو العنف العارم مرة اخرى.

كنت قد اقتبست مرة على الفيسبوك جزئية من مقال جميل للكاتب الباكستاني (طارق علي) يصف فيه حال النظام الحاكم في الباكستان ووقوفه عند نقطة انكسار ستحسم وجود الدولة او تفتتها الى دويلات مستقلة وذلك بسبب ضغط قوى اليمين المتطرف (والتي كان يستغلها النظام ذاته من قبل في قمع المعارضين وفي حروبه مع الهند) و ضغط المصالح الدولية المتعددة التي تبحث دوما عن نظام بديل يمرر اجنداتها، كل هذا على خلفية تململ شعبي من الاقتصاد المتردي وانعدام حالة الأمن في البلاد، كتب طارق علي هذه المقالة النبوءة وكان على بالي الصور والأخبار المنقولة تواترا عبر المحطات التلفزيونية حول الاوضاع المتأزمة في باكستان، من سيطرة للاصوليين في بيشاور وعمليات التفخيخ والتفجير لمخافر الشرطة والاماكن العامة ومن حالة الهياج الشعبي والضغط الامريكي على الجيش الباكستاني لقيامه بعمليات عسكرية لمصلحته وايضا دعاوي الفساد المواجه به الرئيس الباكستاني وقتها آصف زرداري (زوج بنظير بوتو) ، ثم عند خاتمة المقالة قرأت تاريخها والتي كانت لدهشتي عام 1986 ، اي قبل ما يقارب الثلاثين عاما من نبوءة المقالة. صحيح ان النظام العسكري وقتها بقيادة ضياء الحق كان قد تفكك مفسحا الطريق أمام حكومة مدنية ديمقراطية ثم نظام عسكري ثم ديمقراطية أخرى، الا ان كل تلك الانظمة المتعاقبة ظلت تعمل في ظل نقطة الانهيار تلك. 

وقتها خطر على بالي انه ربما تكون فكرة نقطة الانهيار هذه خاضعة للنسبية، ربما نقطة الانهيار تحتاج ثلاثين عاما او يزيد لا ثلاثين ثانية كما نتصور وكما نتمنى.




ثم خاطرة اخرى وانا اشاهد قبل ايام قليلة فيلم باتمان المسمى "فارس الظلام" ، في مشهد من الفلم وكانت قد عمت الفوضي والرعب مدينة غوثام، يذهب الجوكر-الشرير الى المستشفى لزيارة رجل القانون الوسيم "هارفي دنت" بعد انفجار كاد ان يودي به. سأل رجل القانون زائره الشرير عن خطته، ما الذي يريد ان يصبو اليه؟ ان يحققه؟ ما هدفه؟ ماذا بعد؟ فيرد الجوكر:
انا ليس لدي خطة، انا اشبه بكلب يطارد السيارات، لا يدري ما يفعل بها إن لحقها. انا اكره الخطط، المخططون يحاولون السيطرة على العالم بينما اريهم كم هي مثيرة للشفقة محاولاتهم تلك.  ويختم قائلا:
 I'm an agent of chaos
انا مجرد عميل للفوضى


"هي! دا ما عمر البشير زاتو!!" هذا الفرق بين الشرير المخطط "الترابي" وشرير الفوضى "البشير". بوسعك محاصرة شرير الخطة بمحاصرة خطته، بوسعك ان ترصد فيها نقطة الانهيار. اما شرير الفوضى فمن اين يمكنك الامساك به؟ ليس لديه نقطة انكسار. فهو نظام يقدم اي مساومة لأي طرف، ليس لديه ما يعرف بالحد الأدنى او الأعلى، يمكنه ان يقبل اي شيء او يرفض اي شيء، ليس لديه خط أحمر، ليس لديه ما يمكن ان تسميه "خسرانا مبينا" . فلو كان مكسبه سلطة حدودها متر*متر مربع لعد ذلك انتصارا. انني لا استطيع حتى القول ان هدفه السلطة اذ ان هذا المفهوم لا بد ان يحده خط فاصل بين ما يعده البشير ونظامه : سلطة وفقدانا للسلطة. نظام يعتمد على التقوت اليومي في تعاطيه في السياسة ، فاليوم هو على حال وغدا على حال آخر. 


في ظل هذه الفكرة المسيطرة يواجه العمل السياسي المعارض (والثقافي المستقل) عدة صعوبات:
١- الهتافية: او "السلوقانيرزم" كما يسميها الفرنجة. خطورة الهتافية في أنها تجعل العمل السياسي المنظم في حرج من التعاطي بما هو مسموح به في السياسة : من المساومة والمقايضة، والحد الأدنى من الفعل السياسي، والموازنة بين كفتي المكسب الاجل و العاجل حيث عادة ترجح واحدة على الأخرى. اذ ان مفهوم نقطة الانكسار يجعل اي مقايضة او مساومة تبدو في اطارها كبيع، او استسلام او.. خيانة

٢- التذبذب وفقدان المصداقية: من ناحية اخرى فإن محاولة مجاراة النظام واللعب في ملعبه توقع التنظيمات المعارضة في حيص بيص. فاليوم حوار وغدا قطيعة. اليوم تبادل مواثيق وغدا خديعة. مما يتسبب في فقدان التنظيم لمصداقيته امام جماهيره ويزعزعه داخليا وما نراه من انقسامات وتبادل الاتهامات.


٣-اليأس السريع وقصر النفس النضالي: اذ ان الهدف المصبو اليه كما قلت "نسبي الزمان" فكل مظاهرة او وقفة تخرج بهدف اسقاط النظام ترجع خالية الوفاض. وقد كنت حظيت بجلسة ممتازة بيننا-نحن- قدامى الناشطين وبين الأجيال الجديدة منها ، حيث قاموا بطرح سؤال محرج : ما هي علامة سقوط النظام؟ ما هو الشيء الذي ان حدث بوسعنا ان نقول اننا الان اسقطنا النظام؟ وهو سؤال ذكي اذ انه يدرك ان سقوط النظام ما عاد : استلام الكباري واحتلال مبنى الإذاعة وقراءة البيان الأول


يا للورطة... والعمل؟

الحنكة والحذاقة ، في رأيي انه لا بد من التخلي عن مساواة الفعل السياسي بالاكتفاء بما يمكن ان اسميه :الافضلية الأخلاقية. وهي السمة الغالبة في العمل السياسي، فلا بد من التخلص من حرير الموقف الأخلاقي الى تشمير ساعد العمل السياسي الجاد. بالطبع لا أعني الوقوع في درك العمل السياسي القذر: على الإطلاق!! على العكس من ذلك تماما، ارى ان القبوع في ماء الفضيلة الساكنة لم يمنعها من أن تتأسن، اذ ان الجمود لا بد ان يوقعك في التناقض لا بد ان يجعلك اكثر عرضة لريح التقلب وللسقوط (كما نرى الآن). 

الحل في رأيي ان تخط المعارضة "والحركات الثقافية" لنفسها ملعبها الخاص، تفرض فيه شروطها وتحدد فيه أهدافها، ان تفك الرابط بينها وبين النظام بأن تحل عقدة نقطة الانكسار، ان تحدد انتصاراتها بمعزل عنها- او فلنقل تضعها في دائرة اكبر من سقوط النظام ذاته، فتبني علاقاتها مع النظام بما يحقق تلك الأهداف "سقط ام لم يسقط"
حتى لا يبدو كلامي مبهما- واختم هنا هذه الكتابة بالحديث عن حملة مقاطعة الانتخابات.
انا بطبيعة الحال اؤيد هذه الحملة الآن لأنه ليس من الحنكة مخالفة حملة تم حشد الجهد لها واصبحت تمشي على قدم وساق ، بعض العمل السياسي يحسن فيه الوحدة وان كان على حساب رأيك الشخصي. الأمر - في توقعي- اشبه بالحافلة التي كانت في فيلم "سبيد" ، حيث كانت الحافلة على الكوبري الذي تتوسطه فرقة كبيرة ، اذ ما تم تهدئة السرعة تنفجر الحافلة بقنبلة مزروعة فيها، فما كان الحل الا الضغط على دواسة البنزين بكل قوة ودعمها حتى تجتاز الحفرة.  هذا ما اراه الآن ان ندوس بنزين حتى نجتاز الحفرة، وتواصل الحملة مسيرتها التي ستنتهي بعد نجاحها الى طريق مسدود - اذا نجحت في نزع الشرعية عن نظام لا يحتاجه بقدر ما يتجمل به، وهو تجميل لا يبالي به المجتمع الدولي كثيرا طالما أن النظام يسير في التراك الموضوع له، غايتو ممكن يسبب ليهو شوية حرج. 
في رأيي انه كان من الأفضل ان يحدث السيناريو الذي حدث في زيمبابوي، ان تدخل المعارضة بكل ثقلها السياسي وان تشمر عن ساعد العمل الجاد، وتواجه الخسارات التي لا تبد ان تلطخ يديها لتخرج بالمكاسب التي في ملعبها هي لا ملعب الحكومة. وهي مكاسب لا حصر لها. اقلها انها ستخرج العمل السياسي من دائرة الهتافية نحو مواجهة حقيقية وستحدث تغييرا نوعيا في طبيعة العمل السياسي اليومي والآجل كما حدث في ليبريا وكما يحدث في زيمبابوي. وانها ستعطي قبلة حياة للحركات المطلبية والتي لا بد لها ان تهيمن على المشهد السياسي، وقد كانت خطوة سباقة ان يمثل الدكتور أمين مكي مدني ما تم تسميته "بمنظمات المجتمع المدني" عند التوقيع على نداء السودان. اعني كلمة "سباق" بمعنيين ، انها بالفعل خطوة مبادرة ولكنها ايضا سابقة لحقيقة لم تتجسد بعد في السودان. الحركات الحقوقية والمطلبية هي المنوط بها احداث التغيير الجذري في البلاد والذي كنت اعلقه في رقبة الاحزاب السياسية والتي يجب ان ينحصر دورها في دعمها وتبني توصياتها وتوجهاتها لا القيام بدورها كما كنت اظن في السابق.

اطلت عليكم، اقول قولي هذا وقلبي لا يزال معلقا بنقطة الانكسار التي ستودي بأجل النظام (مفيش فايدة)

Monday, 2 February 2015

صورة المثقف الذي تحب- عمر عشاري

(المقال دا كان مفروض يكون مهدى اليه في يوم زواجه لكن القلم ليهو رافع)
في مرة استمعت للفنان الكابلي في محاضرة له للجالية السودانية بالامارات، يرجع فيها مصدر "مثقف" الى التهذيب من "ثقف السيف اي هذبه وشذبه" ، الى جانب ما قد يتراءى لكم من صورة الانسان المدنقر راسو وبيقول لو سمحت / شكرا/ من فضلك ويحمل منديلا مطويا في جيبه. فيمكننا القول بأن المثقف هو من قرأ وسمع ورأى ما يكفيه لأن يجد عذرا لفجاجات البشر، فيحسن وضع نفسه مكان الاخرين، من لا يكتفي بظاهر الاشياء بل ينظر الي مكامنها ومنابعها من يحمل ميزانه اكثر من كفة.
وازيد بما عرفته عن هذا الشاب، فهو الذي لا يمسك طرفا من جواب الا وحمل معه طرفا من سؤال، ولا تخدعنك علامة الاستفهام التي تعلو جبينه على الداوم، فكنانته مليئة ب" لعل" و"اغلب الظن" و"ربما" وهي ما يبتدر بها اجاباته. فالجزم عنده اغلاق باب، وهو يحب ان يترك باب الاجابة عنده مواربا للاحتمال والمحال (المحال في ظن العوام وليس في ظن من تدبر صروف الحياة وعرف ان المحال ممكن)-كذا هوالمثقف الذي تحب
هو الذي يحسن النفاذ في ما قد تكلس بتكاثر الرأي والتداول والمناولة حوله، كتلك المشاهدات التي سجلها ابان انفصال جنوب السودان: قعدنا نشجب أو ندين أو نحلل أو نراقب ونقارن ونتداول كاريكاتيرات الحزن والعار، بينما حزم هو حقيبة السؤال، وركب الطائرة واتجه الى جوبا فنقل تلك  المشاهدات الحية والمشاعر المختلطة بدءا من المسافرين العائدين، للمستقبلين في المطارات للمحتفلين في الطرقات للونسات الجانبية التي تستشرف المستقبل المجهول – (ده واحد من اجمل بوستات سودانيز اون لاين )- بالمناسبة هو ما صحفي، وقد حسدته جنس حسادة على قدرته على مطاردة السؤال ، البركة العاد منها سالما غانما.
وصلة البوست المعنون ب"جوبا ززكنت قريبا منها وغريبا عنها" http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=print&board=340&msg=1309450317&rn=

وانا لا أبالي لأستذة يوليني اياها، او حرص له على تقصي رأيي، نحن برضو شقينا المقابر والاضرحة و سير الصالحين  وقرأنا :كان ذو السر يتخفى بالتتلمذ كي لا يكشف سره. فاااا شنو؟ الحركات دي ما بتمشي فينا. اذ اني اذكر قبل اثني عشر عاما في حرم جامعة الخرطوم  أحد أهم الأحداث في حياتي، والتي انسب لها النقلة الهامة اليها حولتني الى انسانة ما بيض– والحمدلله زي ما هو واضح لي انا ما بيض!  رغم اني قرررربت  لولا رحمة ربي وما فتح الله به على ولدنا عمر عشاري أحمد ضمن اخرين
المكان: نجيلة كلية القانون المطلة على شارع المين
 الزمان : 2003 وقد حمي الوطيس لانتخابات اتحاد طلاب جامعة الخرطوم المعطل لما يقارب العشرة اعوام ( دفع يا ولداه دخلت وتخرجت دون ان تبصر اتحادا)
الحال: الحق بين والباطل بين، الحق طبعا كان قائمة التنظيمات الوطنية  (تجمع+ حزب امة+ فكة) والظلم طبعا (الكيزان وما تشابه علينا) – يعني الحال واضح، هل في كلام ممكن ينقال؟ يا ابيض يا أسود
والحال على ما قد وصفت، كذا كان سيتشكل الوعي الذي كنت سأتخارج به من سنتي الأخيرة في الجامعة، لا حولاا ربك لطف لكن، كنت هسي حكون نوع الناس المهللون لكل تحالف وطني عريض والمستبشرون لكل تداعي كيزاني. انعقدت سلسلة من اركان النقاش في نجيلة قانون اعدادا للانتخابات، مررت عليها ظانة انها كمثل غيرها من الأركان التي كانت تؤطر لفكرة ان المشكل هو الكيزان والحل هو "تحالف القوى الوطنية". كان يتوسطها عمر عشاري بأناقته التي تعرفون (بالمناسبة نفس القشّيطة الياها من ايام الجامعة) ، ثم ارهفت وسمعت العجب، كانت سلسلة من المحاضرات المصغرة المنادية للمشاركة في انتخابات اتحاد طلاب جامعة الخرطوم بغض النظر عن المصوت له ، كانت تتحدث ان النصر لأي الطرفين لن يغطي على فضيحة ضعف المشاركة في العملية الانتخابية ( جدير بالذكر انه كانت قد فشلت اكثر من دورة انتخابية في جامعة الخرطوم بسبب عدم اكتمال النصاب) خاصة بالنسبة لنا كطلبة جامعيين والمثال المحتذى في دول عالمنا "الثالث" و"النامي"، وان حق الاقتراع و فهم فكرة التفويض –كما سيتاح لي لأن اعرف لاحقا- هي احدى العقبات الأساسية التي تواجه افريقيا الأمس واليوم. وقتها كنت اظن حقا ان الديمقراطية معلقة بطرف ثوب تنظيمك المفضل في أدنى حالاته أو بطرف جلباب تحالف المعارضة العريض في أفضل حالاته، لا أنها نظم ومبادئ واسلوب حياة الخ – يومها حينما كان يحتفل الطلاب بنجاح قائمة التنظيمات الوطنية ، كانت كلية قانون بكافة تياراتها تحتفل بنسبة تصوبت مائة بالمائة، كان ذلك الحدث محوريا في حياتي، كان فاتحة اطلاعي فيما بعد على نعوم تشومسكي و برتراند راسل و ارونداتي روي وجملة الاولياء الصالحين.

تصادف ان عمر يعمل بقسم المسئولية الاجتماعية المؤسسية بدال- اقول تصادف لانه كل ما فعلته انها وضعت بعض صفات الرجل في اطار، لكن بالنسبة لنا الذين عاصرنا طالب كلية القانون فإننا نذكر سبقه الهادئ والمتعقل في كل مواقع "المسئولية" التي تتمناها لنفسك، سواء كان ذلك مطالبة بحق، او نصرة مظلوم، او جبر خواطر- بكامل اناقته التي تحير (هو ونادرين رغيم- انتو بتجو قاشرين للوقفات الاحتجاجية ليه؟مش تعملو حساب المطرة؟ J )  
وفي يوم الجمعة ستقام ندوة يديرها عمر عشاري حول "الفكاهة في اطار التنوع" في منتدى دال ، وكعادة الحوار الذي يبدو انه انقسم بين ادانة فرق الكوميديا التي اشتهرت بالنكات التي تعمد الى تنميط الأعراق والقبائل والنساء والقول بأنها تؤجج لنيران التفرقة وبين تبرئة هذه الفرق كونها جزء من واقع معاش فهي لم تبتدع بدعة العنصرية والشوفينية الذكورية. ارى انه كعادة النقاشات التي يكون عمر عشاري داعيا لها وجزءا منها، أن الأمر سيخرج من هذه القطبية والثنائية المحصورة في التبرئة والادانة، وانها ستتفرع للحديث عن الفن وعن التشابكات الثقافية/ الاجتماعية/ الثقافية والسياسية. اننا سنترك الباب مواربا للاحتمال والممكن .




لحوظة: ليس للمقال علاقة بحملة مقاطعة الانتخابات الرئاسية الحالية- الحرص واجب برضو من الناس القدرتهم التحليلية عالية شديد

Thursday, 29 January 2015

لمحتك

لمحتك! كنت أستدل على عبقرية تلحين مصطفى سيد أحمد من ضمن عدة أغاني بأغنية "لمحتك" حتى تم تنبيهي مؤخرا انها في الحقيقة من ألحان الأستاذ الراحل بدر الدين عجاج.

 تبدأ الأغنية بعود مفتول اللحن تحسه دائري يعطيك التكرار، كما امرء على مركب في عرض البحرو لا شيء سوى الموج من حوله، وسماء غائمة تظله ثم.... "لمحتك"! يفتتح الغناء بهذه الكلمة التي تخرج منفلتة كما اللمحة بالفعل.. صمت.. "قلت بر اامن بديت احلم" يخطف العود ميم الحلم وكأن الموج يغطس بها الى اسفل فيغيب مشهد البر. ثم مرة أخرى "لمحتك"!! "ألملم قدرتي الباقية واشد ساعد على المجداف" اوديسيوس في رحلة التيه يصارع موج الضياع. "وألوووح لي مدن عينيك" مصارعا الموج، ثم في فرح طفولي لا يتناسب و حجم الشقاء..... "تلوح ليييي". اصدقكم القول أني حين استمع الي الأغنية أكاد ارى هذه التلويحة فتعلوني ابتسامة بلهاء ويد توشك على التلويح لمدن عينيك "

كل ما الريح تطارد الموج ازيييد اصرار واحلف بيك، اغير سكة التيار " العود يعافر، والبحار يعافر في الموج العنيد، لكنه فجأة يدق صدر العزيمة ويصيح "اقووول يا انتي يا أغرق " ثم مرة أخرى اللعبة البلهاء بينه وبين البر "الوح لي مدن عينيك..تلوح لي" هذه المرة تلوح بمخاتلة ودلال.

"اخاف واخاف، اخاف واخاف" هنا ترفع القبعة للكتيابي وهو يصور عذابات المحب وخوفه من أنه يلاحق سرابا، خوفه من قدومه متأخرا او مبكرا. تعرفون المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي وقد اشتهر بأفلام العصابات الدمويه، يحتفي دوما بفلم اليف له اسمه "عصر البراءة" ، يمتد الفلم لثلاث ساعات بمشاهد حفلات العشاء ومنازل بوستون الفخيمة في القرن التاسع عشر والحدائق المشمسة، وامتار من فساتين الحرير والتل والشيفون، لكنه يقول ان فيلمه هذا هو الأكثر دموية من بين كل افلامه. ورغم أن هذا التصريح يبدو عجيبا، الا أنني اصدقه تماما. فالبطل تتلوى أحشاءه بداخله ويتقطر بدماء الفزع حيث يتخطفه التردد والخوف بين أن يختار خطيبته الاليفة المخلصة والتي يباركها اصحابه ومجتمعه، وبين عشيقته المطلقة المنبوذة من المجتمع المحافظ والتي يملؤه اساساالشك تجاهها. هناك مشهد في الفلم يقف فيه على جسر ، وعشيقته تراقب مركبا شراعيا يتهادى قرب منارة بحرية، فيقول في سره: اذا ما التفتت نحوي المحبوبة قبل ان يمر الشراع خلف المنارة، فسأعلن حبي لها ونهرب سويا، واذا لم، سأتزوج من خطيبتي الأليفة. دقائق الترقب التي صورها سكورسيزي هي الأكثر دموية بالفعل.

 اخاف الضفة ترجع بيك قبل أرجع، واخاف غيم المنى الشايل تسوقو الريح ويتفرق ، ثم رحلة الأسى واليأس "أجيك حطام انسان وهب لسكتك نفسو وربط صورتك على حسو وربط ساعد على المجداف" وقال يا انت يا أغرق. ثم الخاتمة: أخاف وأخاف، اخاف واخاف.. وكان هذه هي الحقيقة الوحيدة في كل ما هو حلم أو امنية أو سراب، الشيء الوحيد المؤكد هو الخوف.

 عندما يغني مصطفى لمحتك يحقن في اوردتك اليأس اللذيذ، تصدق وتئامن بالله يا مؤمن، تحس انه لو جابو ليك مركب هسي دي ستشد ساعدا على المجداف، وستصيح: يا انتي يا أغرق وستلوح لمدن عينيك وحتلوح ليك

استمعت لنانسي تغنيها في بروفة،هذا اللحن الذي ولد يوم ميلادها، توأمها، يا الله، تدخل في أحوال وتخرج من احوال، ادتها حقنة شجن عجيبة عجيبة، عسمت مفاصل كلمات الأغنية حتى انه لو كان الأمل على بعد اصبع منها لما ومت نحوه بنصف ايماءة، كسرتها على حطب اليأس واوقدتها في مبخر الأسى ، فتعبق المحل وتخدر عصب النجاة. مهلكة!

 (لو استطعت ان اخذ الاذن بنشر رابط البروفة سأفعل)

Friday, 16 January 2015

سلام على مصطفى في العالمين


الزمان بدايات التسعينات وقد ترحرحت الانقاذ في مقعدها، المكان: من على سطح اولى تجارب المهندسة وداد في الشقق السكنية والتي عرفت بالنحلة وتسمت بها فصارت، وداد النحلة، اشتهرت ايامها بأن رسى عليها عطاء زاد المجاهد. تذكرون؟ ناس كل شيء لله ياخي
مازن اخي وابن عمتي يحيى وقد انقطع التيار الكهربي يتسامران على السطح المطل على مطار الخرطوم المحتقن بفعل الحصار الاقتصادي:
- سااافر
سافر
- سااافر
مطارات الوداع ضججججت
بالطبع اعرف مصظفى ، من لا يعرف مصطفى، لكني مع ذلك لم أكن اعرفه، كان بعد كالسيف في جفيره
صباح يوم الخميس الباكر، طرقات على الباب، كانت خالتي سوسن تحمل خبرا هاما: مصطفى مات، الجثمان سيصل اليوم سيتحرك الناس لاستقباله في المطار.
مطارات الوداع ضجت
اذكر يحيى ممسكا وسادته، يتجالد، مؤكدا حضورنا للمطار. مثل هذه الاجراءات كانت مهمة في ذلك الوقت قبل هجمة السيارات الكورية حيث كان كل بيت يملك عربة يسخرها لنقل من يستطيع لواجب العزاء . كان الجزع في وجه يحيى غريبا علي، لم اكن اعرف بعد ان مصطفى كان حياة تخللت حياة الاخرين.
جلسنا انا وامي نمسك بأطراف الخبر "الدوحة، الفشل الكلوي، الحكومة؟ لعنة الله عليهم...." وكنت سعيدة بهذه المسامرة التي كنت ادفعها دفعا كي تتجاوز الثامنة صباحا، حتى انتبهت امي: "يا بت قومي على مدرستك"
وقتها كنت ادرس في فاطمة عبدالرحيم، المدرسة كانت طموحا لمجموعة شباب تقاربت اعمارهم وافكارهم واحلامهم التي ارادوا تجسيدها في مدرسة ثانوية ذات بيئة تعليمية وتربوية مستقرة ورواتب مجزية . كنت –لدرك ذلك الان- احدى المفضلات عند المدير الاستاذ عبدالفتاح- رحمه الله، الملقب وسطنا بالأسد لأسباب تتعلق بشخصيته ومظهره ، كنت المفضلة اذ كان لا يوفر صرامته علي.
وصلت متأخرة. اللعنة!! كلهم مجتمعين في مكتب المدير؟ اللعنتين!! يقولون في الشرق الأقصى بقوة التركيز يصبح المرء ما يتمناه. سأكون شفافة كالهواء. لا أحد يراني. انا اتسلل كالنسيم من امام مكتب المدير، بضع سنتمترات اخرى و ...
"ميسوووووون!!!" زأر الأسد
تلات لعنات
يا رب الالهام الهمني، بسم الله، كلما اوقدوا نارا للحرب اطفأها الله.
"تعالي هنا! الساعة كم؟"
قصبة ترتجف وتجيب
"تمانية ونص"
استاذ يوسف للغة الانجليزية مستمتعا بالمشهد ، سخرية اكتسبها لاريب من قراءة مستفيضة لويلد وبرنارد شو، ينظر الى ساعته: تسعة الا ربع
تسعة      الا      ربع. ايواااااا ... اتأخرتي ليه
نفذت كل الأعذار السابقة --اللستك بنشر، البنزين معدوم، حادث في الطريق - قصبة مع الريح لا تجيب- جونا ناس من البلد، انا عيانة، امي عيانة - قصبة ترتجف، قصبة ستفتت – جانا خبر من البلد قريبنا اتوفـ - قصبة فجأة تستقيم! يكسوها لحم وعظم، هبطت عليها فكرة جهنمية، مصطفى سيد أحمد قريبنا من البلد مات
تصنعت صوتا حزينا مضعضا " والله يا استاذ، جانا الليلة خبر... مصطفى سيد أحمد مات.." كنت سأضيف قريبنا من البلد لولا ما حدث
زأر الأسد "بتقولي في شنو انتي؟ قلتي شنو؟؟"
بشيء من الفضول اجبت "مصطفى مات؟"
حقل من القصب حولي ارتجف، "وين؟ وين سمعتي الكلام دا؟؟" "يا كاااامل، كااامل...امشي جيب جريدة الليلة" "جيبو الرادي من مكتب الوكيل" "انت سمعت خبر زي دا ؟" "سمعت انو في الدوحة" "كديه اديني نمرة خالد اتصل عليهو"
تناسى الكل وجودي، كنت اتابع وقع جملة القيتها قلبت موازين الكون من حولي (الكون في ذلك الوقت كان المدرسة- المواصلات- البيت)، ثم انسحبت من المكتب الى الفصل وقد ارسلت المراسيل الى الاساتذة في فصولهم ، الحمدلله استاذ المثلثات يخرج مسرعا من فصلنا، بشيء من البخترة والفخر اعيد صياغة ما حدث في عقلي لأرويه للبنات اللاتي لم يكن على علم بعد بحسن صنيعي فيهم وقد ألغيت لهم حصصهم الأولى
اول من التقتني بالباب سحر، وسحر دي كانت فردتي والله،يعني ظننتها زيي كدا واحد، هبلة ،فتاة طويييلة، تسكن بري، والدها يعمل في مهنة معتبرة تراود احلام الناس الزيي. كان يملك بقالة. تعرفون ماذا تعني بقالة في فترة الحصار الاقتصادي؟ انه امر لو تعلمون عظيم. بقالة تستورد بضائعها من ليبيا والسعودية. وكانت تجد في مستمعا مخلصا لغزواتها السرية على بقالة ابيها ليلا .
سحر!!! ما حتصدقي الليلة عملت شنو؟ جيت متأخرة وقلت الليلة الأسد حياكلني، لكن من ما قلت ليهو مصطفى سيد احمد مات قام...
"اااا؟؟ مصطفى مات؟ مصطفى مات؟" ورردددلوب، تماما كما تسقط شجرة، هوت سحر مغشي عليها. لدهشتي.
فار الفصل، دموع وعويل ، أعين محمرة وحالات اغماء، وبنات يسعفن اخريات بمراوح الورق واكواز الموية... امل لديها ازمة وستختنق، حملوها قرب الشباك، وترفض تنشق البخاخة. انفض اليوم الدراسي لهذا الحدث الجلل، دون اعلان جمهوري ولا توجيه من الوزارة ولا تنكيس اعلام، فقد نكست القلوب
بصراحة الموضوع بقا بايخ، كاحساس البطل في الفلم عندما يتم كتم الصوت من حوله ولا يعي ما يقول الناس، بطل الفلم شنو؟ انا كنت برة الفلم. كل كل هذا كان غريبا بشكل ممل. مصطفى ليس قريب المدير ولا قريب سحر، ولا قريب البنات ديل، ولا قريب يحيى ، ولا قريب خالتي، لازلت اذكر في اليوم التالي درجي وقد نقش فيه وجه مصطفى ببراعة مع عبارة يا انت يا اغرق ،فلم كل هذا الجزع؟  مصطفى يغني، مصطفى بغني ضد الحكومة، مصطفى لما يجيبوهو في التلفزيون "والله نحن مع الطيور" يتساءل الناس عن مندس في ادارة البرمجة، لكن منو مصطفى الذي قطع اوردة الجميع برحيله؟ نثر الحزن في الشوارع، اثار سخط الراكبون في الحافلة اذا لم يشغل السائق شريط مصطفى في فترة الحداد، او اثار سخط ابن عمي اذا شغل احدهم شريط مصطفى في فترة الحداد.






مر عامين و دخلت بعدها الجامعة، كعادة بنات الريف، اول البحث يكون عن الأقارب، عرفتني منال الحاج (الشهيرة بمنال الشوية) بالواثق وصلاح نمر، الواثق صافحني قائلا بفخر" اسموني على الواثق صباح الخير" –ابتسامة حائرة مني- "ما بتعرفي الواثق صباح الخير؟ بتبالغي! ما بتعرف الواثق صباح الخير" – فرررر عقلي يقلب في ملفاته البائسة-تقريبا هن كلهن تلاتة ملفات –هااا الواثق! قميص مشجر يغني بالاورقان اغاني مملة شوية كدا (عقلي كان يقصد الفنان الواثق الجيلي) ثم ابتسامة مؤكدة الصلة – الواثق مواصلا "بعد ان صلبه نميري ابان سبتمبر وقد كان همباتيا فتيا، يسرق من الاغنياء ليعطي الفقراء " بوسعكم تصور المعضلة التي كان يواجهها عقلي المسكين بتصوره لرجل بقميص مشجر يحمل اورقا في يده ليسطو به على الأغنياء.
المهم ادرك اقربائي معضلتي واصروا على ملء عقلي بالفايلات  (نميري- قوانين سبتمبر-همباتة-تاريخ السودان محمد سعيد القدال) و طبعا مصطفى، تلك المعضلة التي لم استطع تخطيها. خذي اسمعي مصطفى في جلسة؟ طيب مصطفى بالاوركسترا؟ مصطفى بالعود؟ مصطفى بالدوحة؟ مصطفى بمدني؟ مصطفى بالقاهرة؟ مصطفى بالموصلي؟ مصطفى بحصاد؟مصطفى بالجامعة؟ مصطفى بأغاني نادرة؟ فشل ذريع، رفض عقلي استقبال الفايل المسمى مصطفى

حتى حدثت معجزتين في حياتي: الكمبيوترالمنزلي، والحب
99 وقد اكتسب المرء حبة وعي كدا كان مبذول في اركان النقاش، اعني ذلك الوعي الذي يضعك على قدميك ويسمي الأشياء بأسمائها، الذي يوعيك بحجم الكارثة التي تعيشها، الذي يعرفك باحساس جديد اسمه : اليأس، في ذلك الجو، الواحد حب
تعرفوا يعني شنو الواحد يحب في 99؟ النظام العام لم يكن مجرد مجموعة من القوانين، كان منهجا لغسيل الأدمغة، تبدد الأمل بانهيار تجمع امعارضة باسمرا، التمكين، عافية المؤسسات التي ورثها الانقاذ من الانظمة السابقة كانت انمحقت، ونزعت الانقاذ ثوب ادعائها الأخير ففتحت القفص لمارد السوق الذي دخل كل البيوت وكشف كل القدور وهتك كل ستر. وكانت كل الطرق تؤدي لحائط صد ..وتقول لي حب؟ في مثل هذا الجو؟ ما كان يفي الكابلي (معشوقي الأعظم) ولا ابوداوود (السر الذي بدا يتكشف) ولا هاشم ميرغني ولا البلابل ولا الحقيبة انما...
اثر نهار صيفي كان الكمبيوتر شغال (ما قبل الانترنت) كمسجل حديث، الميديا بلاير يصدح بصوت رقيق وعود حزين ويطلق نوافير الكترونية ملونة..
"ابداكي من وين؟ وفيني منك لسة حاجات من مخاوف ومن شجن،
 ابداكي من وين؟ وظني انك فكرة اعلان الحياة وانتهاءات العوارض والمحن؟"
الله الله، الله!  يخلي لك احبابك ، زدني كمان
"من ياتو شارع بوصلك؟ وكل الدروب معطونة لاخر الوحل"
هذا هو، هذا هو!


يقول صديق حميم لي مصححا المقولة الشائعة "الحياة بسيطة ليه نعقدها" بل " الحياة معقدة ليه نبسطها"
بقدر تشربكات الحياة وواقعها تشربك مصطفى في حياتنا، فكان أهلا للتعقيد وهو الذي دق له صدره ووتر عوده –سواء كنا من سميعته ام لا
مصطفى تمدد في كل شيء في احاديثنا في اشواقنا، في صورة الوطن الذي نريد، وصورة الوطن الذي نعيش، في قحط الواقع اجرى للحب نهرا يسبح فيه، كان اخر مئذنة للاشتراكية، واستقامة كسرت اعين كل القائلين بلا بد من الانحناء لريح كل شيء
يذكر بعض منا في تلك الأيام شباب استحضروا صورة لمصطفى تخصهم، بتسريحة الشعر والزي وحالة تأزم ملازمة نسبوها له، وعبارات منحولة من أغانيه يحتضنون عودا مضعضعا ويقلدون صوته وحركاته. يذكرون المعارض الفنية بالجامعات ببورتريهات لمصطفى، او المشغولات الجلدية من دلايات المفاتيح وغيرها منقوش عليها اغانيه،  يذكرون البطاقات الملصقة على الحافلات عليها صورة مصطفى بقميص اصفر او ارجواني مطبوع عليها: كوني الكلمة في صمت الليل وكوني النجمة أو نشوة ريد احساس اكليل. في غابة الصفيح المشتعل المسماة "المواصلات" كانت تلك البطاقات او صوت مصطفى متسربا من مسجل متهالك اشبه بنسمة تهرب بك بعيدا بعيدا من لظى الواقع
انا كان نفسي يتعمل مهرجان شعبي في السابع عشر من كل يناير، هنا في الساحة الخضراء، يتجمع فيه حوارييه، يتحلقون حلقات، ينتحلون اغانيه، يخرجون مشغولاتهم، وحكاويهم عن مصطفى- سلام على مصطفى في العالمين.