Tuesday, 16 October 2012

روحي أنقذها من حلقات التلاوة

روحي أنقذها من حلقات التلاوة
 
تمهيد:
كنت أتحدث مع صديقتي عن خشيتي أن أكون أذيت مشاعر أحدهم، فأجابت بصدق وتلقائية أني ما دمت قد أديت حق الله فيهم فلا داعي للخوف. وما كانت تعنيه صديقتي هو مراعاتي للأدب الشرعي في معاملة الاخرين :الصدق- الأمانة-العدل- السبق بالخير – الخ . أقلقني حديثها الطيب أيما قلق. فبرغم صوابه البائن ، لكن الفكرة أرعبتني "أي والله أرعبتني ولعلي ممن يسهل ارعابهم" ، تراءى لي ذلك الصواب بهيئة قاطرة حديد عتيدة تسير بعزم وحزم لا هوادة فيها، تراءي لي مشهدي وأنا أفرم ذلك الشخص تحت قاطرة صوابي أو الأفدح أنني أفرم تحت قاطرة صواب أحدهم.
 
 فكأن ذلك الصواب "اداء حق الله" يبيح لي أن أضب ضميري في خزانة مظلمة بعيدة معتمة منسية مهملة. إذ أن هناك ظن أن الضمير والصواب أمران متطابقان. وذلك لعمري مفزع مفزع مفزع . لكنني أفهم الان..أفهم جلوس ورثة ما حول تركة الميت يتقاسمونها بحق الله، فيأخذ قادر مستطيع مقدار ما يأخذ عاجز محتاج، بحق الله، مودعا ضميره في خزانة بعيدة وصدره ممتلئا صوابا. وفهمت رجل أدى حق امرأته كاملا (وأداء الحق ممكن بالشرع) فكساها والبسها وأحسن اليها ثم انصرف عنها لأخرى بحق الله، مسكنا ذلك الوخز بكبسولة الصواب، رأيت تلك المرأة تحترق بنار الصواب. رأيت احداهن تواجه صديقتها خفيفة اليد ناصحة راجية لها التوبة رأيتها تمسح دموع المسكينة بمنديل الصواب. ومنديل الصواب يمسح كل شيء
 
لا...الضمير والشرع لا يتطابقان، ولا أعني بذلك أنهما يتعارضان، ولكننا بسلوكنا نجعلهما كذلك. كيف؟ بظننا أن الله وضع التشريع بديلا للخلق الإنساني فإننا بذلك نضل أيما ضلال... خذ الزكاة والصدقة... يظن المرء أنهما بديلان للتعاطف الإنساني. والمرء إذ يراهما كذلك فإن بوسعه أخيرا أن يفهم صمت المجتمع المريب عن ما يحدث حولنا من مآسي وكوارث انسانية، فالصدقة تطفيء غضب الرب وتسكن وخز الضمير.
هناك مقولة جميلة، بحق جميلة للأستاذ الشهيد محمود محمد طه يقول "الله ما بشرع لكماله هو، لكن بشرع لضعفنا احنا" ، الشرائع تنزلت بحسب طاقة ضمير المجتمع في وقت محدد ، لكن الحقيقة أن الضمير الإنساني له قدرة تتخطى هذه التشاريع، فمعنى كلام الأستاذ ان هذه التشاريع ليست بديلا للأخلاق، ولكنها محفز لها ، موقظ لها، وخز للضمير كي يصحو وينطلق من الضيق المحدود إلى الواسع المطلق...والضمير الإنساني لا حد له.
يعني!  الله شرع الزكاة وحبب الصدقة، لكن في مقصوده أن تقودك الزكاة والصدقة لشيء أسمى وأعلى من العطف والشفقة، يريدها أن تقودك نحو التعاطف ورابطة الأخوة الإنسانية الحقيقية. وفي الحديث النبوي الشريف "الصدقة أوساخ الناس" تنبيه لهذه الحقيقة، فالنبي عليه الصلاة والسلام بلطفه الغامر يريدنا أن ننتقل من كون الصدقة تنظيف لسجل الصواب لمرمى أسمى وأعلى، أن تقودك لمشاعر إخاء حقيقية، كتلك التي نحسها تجاه عصبة الدم، الخوف والمراعاة والمسئولية والقرب...القرب.
كاشفتني صديقتي الحميمة قبل عشرة أعوام خلت وكنا بعد صغيرتين غرتين، كاشفتني بأنها تكره الصدقة وتتجنبها لأنها تكره كلمات الثناء والشكر التي تخرج من المحتاج وكأنها فعلت شيئا ما، كاشفتني بأن الصدقة لا تجعلها تشعر بأنها أفضل، وإن شعرت لوهلة أنها أفضل فإن ذلك يجعلها تشعر أنها أسوأ. (لخبطة شديدة) وتساءلت بحنق عن الحكمة في تشريع الصدقة إن كانت كل ما تجره عليك هو الشعور بالحنق على نفسك وتحقيرها. كان ذلك في السوق العربي أيام ما كان موقفا للمواصلات، أذكر أننا جلسنا على ناصية نتفاكر في ذا الأمر العجيب.
 
 ببساطة شديدة ، هو العودة لكلام الأستاذ، أن الضمير الإنساني لا حد له...وأنه واسع وبحر،  فالصدقة التي كانت قمة في عهد الإسلام الأول تجاوزها الضمير الإنساني الان بمراحل –وذاك مراد الله ومرضاته- فالضمير الإنساني يتحرك بقوة وشدة نحو التعاطف لا العطف. أن تشعر أن عافيتك لا تكتمل إلا بعافية كل الناس، كبيرهم وصغيرهم ، غنيهم وفقيرهم، طيبهم وشريرهم.
 
خذ عندك الصدق، أعرف كثيرون ممن يتذرعون بالصدق عند ايذاء مشاعر الاخرين، والصدق عندهم مرادف للصواب، فالصدق هو أن تقول الصواب. كان ذلك في عهد قديم عندما كانت خيوط الثقة بين البشر واهية ومهترئة وكان الكذب المباح (تدليس الحقائق) حيلة القادر على الغافل يستخدم لإغتنام الغنائم وإشعال الفتن. فاستهجن الكذب الصريح وكان الصدق(الصواب) هو عقد الثقة بين أفراد المجتمع. فالكذب استهجن لقدرته على ايذاء البشر، وكان الصدق (الصواب) لتطييب ذلك الجرح، فما بالنا اليوم بالصدق الجارح الفاضح الذي يجرح تلك الثقة، إن كان هذا المثال محيرا، فأحيلكم للمعارك المدارة على منابر النت، والتي يفضخ بعضنا البعض بضعفه البشري، كله بالحق والله..لكنه مؤذي، قد تراه بغير ذلك وأنت عاليا على صهوة جواد الصواب، ولكن قل ذلك لمن هو تحت حافر صوابك.
فالصدق قوة، ولا بد أن يؤدي إلى قوة. هناك أمر محير في قوة "ساتياقرها " وهي حركة النضال السلمي للمهاتما غاندي، والتي نحاول "دون جدوى" أن نتبناها هنا في السودان، فمصدر هذه الطاقة أن النضال السلمي لا بد أن يقوي لا أن يضعف، فالسبب الأساسي الذي جعل غاندي مؤمنا بقوة السلام والسلم، هو ايمانه بنفس القوة أن الشر "عارض" وليس "أصلا" في البشر، كنت أقرأ مذكرات المهاتما عن نضاله في جنوب افريقيا وكنت أدهش من تفويته لفرص ذهبية "أو هكذا ظننت" للنيل من خصمه في لحظات ضعفه، فهو كان يصر أن الحق لا بد أن يقوي الطرفين المتخاصمين ، الظالم والمظلوم...المظلوم بنيله الحق، والظالم بتقوية ضميره وتبصيره بالحق....ألم أقل لكم ان امر الغاندي صعب ووعر؟
 
كثير من "المستنيرين" يحذرون من تمدد التيار السلفي في المجتمع السوداني، والامر لا يقلقني كثيرا، لأن التيارات المتشددة تسارع بأكل بنيها أولا، فالتعصب يورد المرء في مهالك تنهكه قبل أن تمكنه من خصمه. لكن يقلقني هذه الحركة التي أسميتها "بالتطهيرية" التي أراها في المجتمع (تطهيرية من حركة البيوريتانيزم التي قامت في القرن السادس عشر في انجلترا وتمددت إلى أمريكا) ، حركة متمثلة في دروس العلم وحلقات التلاوة التي أصبحت منتشرة في كل منزل وزاوية، رأيت صديقاتي يتحولن من انسانيتهم إلى الات صواب عتيدة (هل رأي منكم احدا فيلما لسلفيستر ستالوني اسمه القاضي المرعب أو جدج دريد يتحول المجتمع فيه كله إلى الات صواب مرعبة لا يسرقون ولا يشتمون...شاهدوا الفيلم لتفهموا رعب الصواب...الصواب المميت للضمير) ، فكل أمر لديهم يحتكم إلى جدول الصواب المعد سلفا لضمائرهم، رأيتهم يحاسبون ويحاكمون الناس وأنفسهم أيضا وفقا للجدول، وكل سؤال يسكن بالصواب، وكل خاطرة تسكت بالصواب. المشكلة في الصواب كما قلت لكم أنها تلجم الضمير من أن يرمح إلى ما هو أعلى وما هو أجمل وما هو أسمى وما هو رباني...رباني كأمر المسيح لحواريه "أن يكونوا ربانيين" وربنا سبحانه وتعالى أعلى من الصواب...أحب مقولة نحلتها في لحظة صفا: ان ربنا بيحكم بالعدل..لكن ميزانه الرحمة. 
دعوني أقول لكم حركة التطهيرين في قرنها السادس عشر التي نشرت رعب الصواب بين الناس كادت أن تدمر أجمل ما قدمته البشرية من علوم وفنون وموسيقى ومسرح وسياسة أيضا. جدير بالذكر أن التطهيرين هم من حرقوا مسرح شيكسبير عام 1601 . لولا رحمة الله بالبشر، لولا الخطاءين..الذين لوهلة خالفوا الصواب ...الان الحديث النبوي الشريف يحمل ابعادا أخرى أنه لو لم نخطيء لخلق الله من يخطئون ويتوبون. ففي الخطأ رحمة كما في الصواب هدى.
كذا حلقات التلاوة التي تحبس رؤانا وأحلامنا وأخلاقنا في صندوق صغير ضيق تجعلنا نتساءل عن ما إذا كان العطر ذي الكحول حلال أم حرام.... تجعلنا نتصل بلهف لبرنامج الفتاوي نتساءل عن حكم مشاهدة القناة التي لا تقطع مباراة كرة قدم لرفع الأذان. أنا لا أعترض على السؤال بتاتا، فقط اعترض على حشر النفس البشرية  في صندوق ضيق حرج. اعترض على صقله في قالب واحد اسمه الصواب.
أرجو أن لا يفهم أني ضد وجود حلقات التلاوة... فقد كنت متحمسة جدا للانضمام إليها، فأنا أرى أن فن التلاوة هو فن بديع لا بد أن يقف المرء عنده، فالقران الكريم له أكثر من مدخل...مدخل التفسير احداهما ،والمدخل الاخر هو المعايشة، وما من أمر كالتلاوة يساعدك بالتمتع في معايشة النص القراني. لكني لم أكن متحمسة لل"بونس" أو الهدية الملحقة بحلقات التلاوة ..ألا وهي دروس الصواب. وهذا هو الإسم الصحيح لها..فهي ليست دروسا للعلم، بل هي حلقات للصواب، دروس في الصواب، فالعلم يحتمل الجدل والرد والأختلاف، ودروس العلم التي أراها لا تحتمل ذلك، وقد كانت دروس العلم التي نسمع عنها في تاريخنا الإسلامي منبتا للخلافات والإختلافات التي رفدت الفكر الإسلامي بأمثال الأئمة الأربعة والغزالي وابن رشد وابن حزم
أنا خوفي كل خوفي من هذا القالب الأصم الواحد. طيب بالله عليكم أسألكم سؤال...بكل أمانة...مش البنات في الخرطوم بقوا بشبهوا بعض؟ بنات حلقات التلاوة؟ نفس الشكل..نفس لفة الطرحة...نفس الانحناءة الخفيفة في الظهر...نفس الصوت الصيني الهامس..نفس الضحكة الخافتة...نفس غرودة العيون بالتقوى (صدقوني ..في غرويدة كدا بتاعت تقوى)..نفس المصطلحات "جمعة مباركة" "جزاك الله خير" "بكرة أحلى"
طيب أنا عاوزة شنو؟ في كتاب "كل –صلي – حب" والذي تحول إلى فيلم بطولة جوليا روبرتس، هناك مشهد تقول فيه الكاتبة/ البطلة المعتكفة بالمعبد والتي كانت تعافر مع ايمانها دون جدوى، رغم ما فرضته على نفسها من صيام وصمت وخشوع وخضوع وتجهم، حتى طلبت منها احدى راهبات المعبد أن تقوم بدور المضيف والمرحب بالقادمين الجدد إلى المعبد وأن تحرص على جعل رحلتهم الروحية أكثر سهولة، في بذلها نفسها بهذه الطريقة الشبيهة بها وجدت البطلة الإيمان. فقالت معقبة أن الرب ليس متحمسا لرؤية أناس يتجولون يغرودون أعينهم بالتقوى ليقول هؤلاء هم المؤمنون، الرب يريد أن يراك أنت الضاحك ، أو الثرثار، أو الخجول، أو الحنون أو المنطرب او المهترش...أن يراك انت ...كما أنت...مؤمنا.
وكانت هناك اشارة لطيفة في غاية اللطف من الأستاذ حول هذا الأمر في تعليقه على سمت رجال الدين..في الهيئة والقعدة والمشية..ان ذلك الذي يظنونه سمت النبي عليه السلام ليس هو..فقد كان النبي يجلس بين أصحابة ولا يعرف، فينزل الرجل من راحلته يتوجه إلى جمع الصحاب فيتساءل "ايكم محمد؟"
 
كل رجائي لرواد حلقات "العلم" أن يهدموا جدران الصواب المغلقة الضيقة لوهلة...وأن يطلقوا عنان الضمير ليرمح فقد ان اوان اطلاقه ..واستفت قلبك...لا صوابك...استفت قلبك وإن افتاك الصواب.


Wednesday, 10 October 2012

أنا فريدا


انا فريدا كاهلو

 

ما من أمر يثقل علي كلحظة الحضور أمام عدسة الكاميرا. أمر اتجنبه إما بتصنع الإنشغال بأمر ما، أو الإستسلام تماما لإلحاح الكاميرا فيعنكس على وجهي ما يجيش بداخلي من رهق وإعياء وحيرة. كيف لا؟ فعدسة الكاميرا تسأل ذلك الذي نحرص جميعا على تجنبه بإفتراضات خائبة ، ألا وهو "من أنت؟" بل الأفدح  "من أنت في هذه اللحظة، في هذه الشريحة من الثانية؟".  فالسؤال الأول نقضي عمرا في الإجابة عليه دون أن نوفق في ذلك تماما.. وتعديل السؤال يتطلب أن أفكك نفسي في تلك اللحظة من الثانية وإعادة بنائها بما أنتقيه من عناصر وجودي لأجيب على السؤال. تلك العناصر المكوّنة التي أحرص على الإنشغال عنها بالشهيق والزفير ، بالدماء المضخوخة عبر أوردة الجسد..الخ من وظائف الكائن الحي.

في الطفولة يبدو الأمر أكثر سهولة ، فصاحب العدسة يملي عليك من تكونه "أنت فتاة عيد ميلاد سعيدة" "أنت تقضين إجازة ممتعة"  "أنت متحمسة لأول يوم لك في المدرسة" .

 

أما مع فريدا؟ فالأمر يختلف تماما

 

الكتاب الذي أعدته "مارجريت هوكس" والمعنون ب"فريدا كاهلو: بورتريهات لأيقونة" هو تجميع لصور فوتوغرافية للفنانة المكسيكية عرضت في سان فرانسيسكو بمعرض يحمل نفس الإسم. بدءا من صورة التقطها والد فريدا وهي في الرابعة  مرورا بالصور التي صورها لها أشهر مصوري القرن العشرين على الإطلاق نهاية بصورتها ممدة على فراش موتها.

كتاب مصوّر يفتتح بمقالة يتيمة "فريدا: الكاميرا والصورة". تقول فيها مارجريت هوكس "ولدت فريدا في عام 1907 إلا أن ذلك التاريخ لم يرق لها ، فقامت بتعديله إلى عام 1910 وهو عام الثورة المكسيكية، وانطلاقا من هذه الثورة خلقت البلاد صورة جديدة لنفسها. وهو نفس ما قامت به فريدا من خلال صورها : إعادة خلق نفسها في كل مرة تقف فيها أمام الكاميرا. وتقول الكاتبة معلقة أن سهولة تنقلها من شخصية لأخرى هو ما جعل صورها متداولة ومحبوبة وبها جاذبية فريدة حتى يومنا هذا.
فريدا في الرابعة من عمرها و ترى الجرأة التي تنظر بها للكاميرا

فريدا تنتمي إلى جيلين من المصورين. فجدها لوالدها "هنريك كاهلو" اليهودي المجري المهاجر إلى المكسيك كان موردا لأدوات ومواد التصوير، بينما جدها لوالدتها "انتونيو كالديرون" كان مصورا ذائع الصيت بالبلاد وهو الذي دفع والد فريدا "ويلهيلم" كي يمتهن التصوير. وأصبح ويلهيلم كاهلو مصورا معتبرا ، وأول من حظى بإسم مصوّر رسمي للمكسيك، فقد كان يجوب البلاد ليصوّر المعالم المعمارية الأثرية مصطحبا معه ابنته الأثيرة فريدا. كان  مصابا بالصرع وقد أوكل إليها حمايته وحماية أجهز التصوير الثقيلة إذا ما انتابته احدى النوبات .  

من تلك الجولات اكتسبت فريدا خبرة واسعة في التعامل مع الكاميرا وفن التصوير، وكانت تشارك والدها في التحميض وفي تعديل الصور بفرشاة الألوان (وذاك ما قبل الفوتوشوب). إلى جانب ذلك كان "كاهلو" يخصص جانبا من وقته لتصوير البورتريه. وهو الفن الذي تأثرت به فريدا كثيرا.ويتضح ذلك جليا في لوحاتها، فأكثر من كونها لوحات شخصية فهي أشبه بالصور الفوتوغرافية، ويلاحظ ذلك في الخلفيات التي ترسمها فريدا للبورتريه، فهي أشبه بالديكورات التي تجدها في استديوهات المكسيك القديمة أو التي يحملها معهم المصورين الجوالة . وتبدو الشخصيات وكأنها تطفو على المكان لا جزءا من منه. مثال لوحة/ لوثر بربانك 1932


في لوحتها: بورتريه لوالدي ويلهيلم كاهلو 1951. رسمت فريدا أبيها عن صوره أهداها اياها بعد الحادث الشهير الذي اقعدها، وكان قد كتب عليها "تذكري الحب الذي يحمله والدك لك" . الصورة جامدة الملامج والتي يخترق فيها بصر كاهلو الكاميرا ستصبح سمة بارزة في صور فريدا التي تبدو وكأنها في حوار مع عدسة الكاميرا وليست مجرد موضوعا لها. أعتقد أنه لهذا السبب تحس بنوع من السيطرة لفريدا على الصورة. أعني غالبا ما توصف الصور أنها "حبس" لشخصية في زمان ومكان معين. لكن ليس مع فريدا. الأمر معكوس تماما....عودة إلى بورتريه والدها، إلى جانبه رسمت الكاميرا، وكما لاحظت الكاتبة مارغريت هوكس أن بريق العدسة مماثل للبريق الساطع الذي أضافته لعيني أبيها ، ثم البويضات التي ملأت بها خلفية اللوحة وقد حورت عيني أبيها إلى شكل دائري مماثل لشكل البويضة... تعلق الكاتبة قائلة أن الربط بين الكاميرا والبويضة رمز الخصوبة و عيني أبيها هو ترجمة لما تقوم به فريدا عند جلوسها أمام الكاميرا، تلك العلاقة مع العدسة التي فيها شيء من الغموض والإغواء والسحر وغزل فاضح للكاميرا، بابتسامتها النصفية التي ستصبح علامة مسجلة لكل صورها وكأنها تخبئ سرا ماجنا.












صورة ملتقطة لها من قبل عسيقها لعشرة اعوام و المصور الشهير نيكولاس مري



 

الأزياء في صورها: منذ وقت مبكر أدركت فريدا أهمية الزي في خلق والتعبير عن شخصياتها المبتكرة للعدسة . في السنين الباكرة تشهد في صورها شيء من التجريب المرح في أزيائها ، كانت فريدا تنتمي إلى مجموعة من تلميذات المدرسة الذكيات الساخرات الجريئات، الحريصات على التعبير عن روح التمرد بداخلهن بشيء من الدعابة. ثم حادثة القطار، مسبوقة بندمها على تجاربها الجنسية المثلية (مع مدرسة في المدرسة) مع قراءتها المتوسعة في اليهودية والمسيحية واعادة تعميدها في الكنيسة الكاثوليكية ، ظهرت فريدا في صورها بأزياء كتلك التي في القرون الوسطى، الفساتين الطويلة المحتشمة والقاتمة وتحشد خلفيات صورها برموز دينية . ثم فجأة تظهر فريدا في صورة عائلية ترتدي فيها بدلة وبنطال رجالي وشعر قصير. شخصية جديدة طرأت وثياب ملائمة.
فريدا  اقصى يسار الصورة
 

بعد حمى الإنشغال الديني ، تصيب فريدا حمى أخرى، الثورية السياسية، فتنتمي إلى الحزب الشيوعي المكسيكي، وهنا فريدا في صورها ترتدي قمصان عمالية خشنة وفساتين قطنية متقشفة. وفي خضم كل ذلك تلتقي فريدا بدييغو دي ريفيرا، ويحدث تغيير جذري. ففي احدى رحلات دييغو على ضفاف التهوانا يفتتن بالثقافة المحلية الغنية بالمنطقة وأكثر ما يجذبه كانت أزياء النساء التهوانيات الباذخة والتي تعبر عن اعتداهن بأنفسهن وقوتهن، وقد امتلأت جدارياته في تلك الفترة بنماذج من نساء التهوانا، وكان لذلك أثر كبير على فريدا . وخلقت لها شخصية جديدة وجدت لها متنفسا ، ليس خلال أزياء التهوانيات فحسب بل كافة الثقافات المكسيكية ، عبرت فيها فريدا عن اعتدادها بأصلها الهندي وتبنت تلك الثقافات تماما مقصية كل ما هو أوروبي، كان احتفاءا بالتاريخ الما قبل اسباني للمكسيك.
فريدا على مقعد أبيض ...صورها نيكولاس مري

 

يشهد معظم المصورين الذين استحوذت على عدساتهم فريدا جلسات التحضير للصور بأنها أشبه بالطقس الديني أو أنها لخظة خلق فني، جلسات التحضير تمتد لساعات، تفيض فيها غرفة فريدا بأمواج من الفساتين والقمصان والأوشحة والأوان، تختار منها ما تشاء بعناية فائقة، حريصة أن يبدو الزي في أبهى حالاته، ولا تبالي أن ينتظر المصور بينما تخيط بيدها فتقا هنا ، أو ترسل إحدى الخادمات لكي ثنية صغيرة هناك. ثم تبدأ بعدها عملية اختيار الحذاء المناسب، وتتكدس حجرتها بكل أنواع الأحذية والصنادل المحلية أو بوتات رعاة البقر الجلدية أو الكعب العالي. ثم أخيرا اختيار الاكسسوارات والتي تتنوع أيضا من المجوهرات العتيقة الذهبية المرصعة بالأحجار الكريمة والتي كان يغدق عليها منها دييغو، وكانت تمتلك منها ما يكفي لمهر أميرة أزديكية، أو حلية محلية رخيصة اشترتها من بائع متجول.

 

لكن لا شيء كان يضاهي مشهدها وهي تصفف شعرها الحالك الطويل، طقس حسي وجنساني كان يحرص عشاقها ومعجبيها أن يكونوا حضورا فيه. أحد أصحاب المعارض صور سلسلة من الصور البديعة لفريدا وهي تصفف شعرها عارية تماما. 
تصوير جوليان ليفي -نيويورك
 
 
 
 
 
يبدأ طقسها بتفريش خصل الشعر بحيوية حتى تبرق فيه لمعة الحياة، ثم تقوم بجدله ورفعه وتزيينه إما بورود برية أو أمشاط مصنوعة من قوقعة السلاحف أو بشرائط الحرير اللامعة أو خيوط الصوف الزاهية. وكانت تبدو مستمتعة بالعملية شبه الماشوسية للي الشعر وتجديله بحزم وغرس الدبابيس فيه وتكميمه بالشرائط حتى تخرج مزهوة بالصورة المرضية لها.
 

ومع تقدمها في العمر وقرب موتها وأشتداد وطأة المرض عليها، كانت تخفي فريدا من ضعفها بأرطال من الأصباغ والمساحيق على وجهها ، وملابس متكلفة في المرح، وتصفيفات شعر صاخبة حتى أنه ليصعب أن تبصر الروح الحقيقية المتوثبة لفريدا تحت وطأة المساحيق والأزياء...سوى عينيها اللتان تخترق عدسة الكاميرا متجاوزة فخ الزمان والمكان اللتان تنصبهما بمكر، وتقوم بدورها هي الأيقاع بك في شراك نظرتها الآسرة.
فريدا على فراش موتها صورتها بناء على رغبتها صديقتها الفنانة لولا الفاريز برافو
 


فريدا كانت تعشق الكاميرا، كانت تحرص أن تطوعها لتخرج صورها كما تريدها تماما، ثم تقوم بتوزيع الصور على أصدقائها والمقربين إليها وكأنها بذلك تؤكد حضورها المتجاوز لقيد الزمان والمكان.. تقول:

                                      "أنا فريدا...لا تنسوني"

 

تصوير ليليان بلوخ
 



 
تصوير لولا الفاريز برافو

 
تصوير نيكولاس مري



Monday, 20 August 2012

ثمة ثورة تنتظر


ثمة ثورة تنتظر



كمقالتي السابقة ،هنا أنا أؤكد أن تغيير المستقبل يبدأ الان-في الحاضر. وهنا أيضا أشير إلى أمر اخر، أنه ومع كل الثورات في المنطقة التي نتابعها –ثمة ثورة أخرى تنتظر.

في مقالته المعنونة : جسر من ميدان التحرير إلى ميدان ماديسون، كتب نعوم تشومسكي عن رسالة بعثها القائد العمالي المصري كمال عباس في العشرين من فبراير 2011 إلى الولايات المتحدة مفادها: ثوار ميدان التحرير يقفون جنبا إلى جنب ثوار ميدان ماديسون. نعوم تشومسكي يرى أن ثورة الخامس والعشرين من يناير هي "عمالية" في عظمها ، دفع بها إلى ذروتها شباب مسلح بوسائط الإتصال، مشيرا بذلك إلى اضراب 6  ابريل الشهير لعمال النسيج في المحلة، التي كللت مطالبها لا برفع أجور عمالها في المحلة فحسب بل رفع الحد الأدنى للأجور في كل مصر. هنا ، يرى تشومسكي- كانت الانطلاقة الحقيقية لثورة الخامس والعشرين من يناير. قد يرى البعض في تحليله شيء من التبسيط . إلا أن نعوم تشومسكي مبصّر عظيم ، لا يأبه بتحليل القشور بل ينفذ دوما إلى عظم الأشياء، وقد أعانه على ذلك نشاط لم يفتر ولم يكل دام لأكثر من 40 عاما مناهضا للدكتاتوريات الصريحة والمقنعة. والتي تدلف إليها الان ثورات الربيع بكل نعومة. تشومسكي يرى بإختصار أن الرسالة كانت حصيفة جدا من القائد العمالي ، فثوار التحرير انتفضوا لإسقاط نظام مصادر للديمقراطية، وكذا الحال في ولاية ويسكونسن في أمريكا . فالنقابيون انتفضوا للحفاظ على الديمقراطية في أمريكا التي تباهي العالم بإرثها الديمقراطي . وقد كان حاكم الولاية سكوت ووكرز قد طرح مشروع قرار يجعل من  "التفاوض الجمعي" غير قانوني. ويرى تشومسكي أن هذا مهدد حقيقي للديمقراطية في أمريكا. كيف؟ ...


قبل 40 عاما ، وببصيرة عالية تليق بمقام الأستاذ محمود محمد طه، في محاضرة حول الدستور والحقوق الأساسية، تناول الأستاذ موضوع الديمقراطية، قائلا أنها و الأشتراكية تمشيان يدا بيد. معرضا بالوضع في قطبي العالم في ذلك الوقت: أمريكا وروسيا. قال: غياب الديمقراطية هزم الإشتراكية في الاتحاد السوفيتي، وغياب الإشتراكية هزم الديمقراطية في أمريكا. وذلك صحيح، معلوم أن مصادرة حريات الأفراد في الاتحاد السوفييتي حوّل البلاد إلى اقطاعيات مصغرة تتبع لقيادات الحزب الشيوعي والنظام، وحوّل الشعب من سخرة النبلاء إلى سخرة الدولة. كذا الحال في أمريكا فإن النظام الرأسمالي القاهر يحول دون اكتمال عملية الديمقراطية التي تصادرها "الحاجة" و"الرزق". فاستبدلت الديكتاتورية التقليدية، بديكتاتورية حديثة هي ديكتاتورية صاحب العمل، أو صاحب المال الذي يملك صوتك ويشتريه، وتبعا لذلك تشرع قوانين الدولة بما يخدم مصالح الشخصية ومصالح عمله.

نعم ، ثمة ثورة أخرى في الجوار تنتظر، وقد تتطاير شررها .

ووجهت حركة "احتلوا" التي اجتاحت شمال أمريكا وغرب أوروبا بالعديد من الإنتقادات، في أنها حركة عفوية ويمكنك أن تقول من شعاراتها أنها عاطفية، لا تحمل هدفا محددا ولا سقف طموح لشكل ونوع التغيير، إن كان هناك شبيه لهذه الحركة فهي حركة الهيبيز في السبعينيات من القرن الماضي . وجه الشبه في أنهما اللإثنان حركتا احتجاج ورفض. تختلف وتتباين أهداف الحركة بشكل جذري ولكن هناك شيء واحد يجمعهم ويوحدهم وهو شعور بعدم الرضا، برفض عميق وضيق شديد بالنظام الحالي.

قد يرى البعض أن مقارنة ما يحدث في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية بما يحدث في نصفها الشمالي فيه شيء من المبالغة، لما بينهما من فوارق عظيمة في تاريخ التطور السياسي، فأين دول يعود عمر ديمقراطيتها إلى مائة عام، إلى دول ما كادت تتفكك من أنظمة الحكم المتوارث عليها مذ قرون.

بديهي أن التطور السياسي في دول العالم المتقدمة كان رهينا بالتطور الإقتصادي من مجتمع زراعي إلى نهضة صناعية ، والتي لم تتم بين ليلة وضحاها بل أستوت على نيران النزاعات العنيفة والسلمية عشرات السنين مفضية إلى نظام السياسي –الإقتصادي في وقتنا الراهن. كتاب الموجة الثالثة للإقتصادي آلفين توفلر  يؤرخ فيه لنهضة ثالثة قامت بعد عصر الصناعة الا وهو عصر المعلوماتية. ويرى توفلر  أن التطور السياسي المصاحب لا يزال متخلفا عن التطور الإقتصادي الحالي –اي اقتصاد المعلوماتية- إذ أنه لا يزال في مكانه الأول في عهد الصناعة، وأهم ملامحه تمركز القوى والتسلسل الهرميى في اتخاذ القرار، والثقل البيروقراطي والقانوني اللازمين لضبط العمل وتوزيع الأدوار السياسية .  لاحظ الانتاج في عهد الصناعة يعتمد على المصانع الجامدة الضخمة في المواقع الثابتة، وتسلسل الأوامر من المدير إلى الغفير وسلسلة من الإجراءات الميكانيكية المتكررة والتخصصية والمهنية اللازمتين لتسيير العمال .هناك توافق تام بين طبيعة الإنتاج المنتج الإقتصادي، وانتاج القرار السياسي.

 بينما الإنتاج في عصر المعلومات رشيق وخفيف، لا يعتمد على الموقع الثابت، وقد ضرب توفلر بذلك مثلا أنه بوسعك أن تقيم مصنعا للثلاجات من سرداب منزلك، فلا يلزمك إقامة مصنع ضخم ينتج الاف الثلاجات لتغطي بها ما تقدره من احتياج السوق المحلي والعالمي، فمن منزلك وعبر وسيلة اتصال متطورة يمكنك رصد الحاجة في السوق المحلي فقط (فلا تلزمك كلفة الإنتاج أن تغرق السوق المحلي وما جاورها بالمنتج) فقط تنتج الكمية اللازمة للأحتياج المحلي وتسوقها وتشخنها. فتبعا لذلك لا بد أن يكون التطور السياسي المصاحب خفيفا، فيصبح القرار لا مركزيا ، وأن يكون أكثر اغراقا في المحلية، يعتمد على التعدد الوظيفي- multi-tasking ، شبكي في اتخاذ القرار لاتسلسليا.

في عام 2003 تقدمت بطلب انضمام لحركة القوى الديمقراطية الجديدة في ذلك الوقت، (وبشي من الغرور) كان طلب الإنضمام عبارة عن مقترح لطبيعة العمل التنظيمي في تنظيم سياسي حديث، وأذكر أني اختصرت الامر برسم مبسط لشكل القرار، كان دائرة كبيرة تحيط بدائرة صغيرة، وكان القرار يصدر من اتجاهات متعددة من محيط الدائرة الخارجي إلى مركز الدائرة








 






 
ما الغرض من هذا التشريق والتغريب في الحديث، أن الثورات التي نشهدها في دول العالم المتقدم هي ثورة على النظام السياسي الذي ما عاد مستوفيا لمتطلبات عصر المعلوماتية الحالي، فالعهد الذي نعيش فيه حقا خطير. فالقرار المنتج أو الحدث السياسي يصل بسرعة طرف من الثانية ليعمم على الجميع بتفاصيله الدقيقة، وكذا التفاعل معه يمكنه أن يصل إلى بؤرة مركز اتخاذ القرار (مؤكد أن البشير شاهد النقاش الدائر تحت لينك اليوتيوب الذي صوره في حفل زفاف)، وبفضل الوسيط الإعلامي المتطور أصبح لا يوجد حدث تافه في بلدة طرفية بعيدة، بل أصبحت كل نقطة على الكوكب هي مركزا مؤثرا. ما نشهده من قلق على الشوراع المحيطة بمكاتب البورصة ونواصي البنوك في مدن أوروبا وأمريكا، هي قلق من هذا التخلف السياسي الذي يدفع بالمواطن على هامش اتخاذ القرار، ولا يريد منه سوى أن يبصم مؤيدا أو أن ينسحب ساخطا، فالكل يريد أن يغمس يده في حلّة القرار السياسي ( لاحظ نسخ قرارات المحاكم القاضية بمصادرة منزل أحدهم لأنه لم يستطع أن يسدد قيمة فوائد الأقساط على منزله، لاحظ نسخ قرار المحكمة العليا بوسكونسين بمنع التفاوض الجمعي فعضوية النقابات لا تزال نشطة، نقابة المعلمين مثلا في ويسكونسين تجمع اشتراكات عضويتها وتتصل بهم عبر شبكة الانترنت)



وما شأننا نحن بذلك، يقول الكاتب آلفين توفلر -صاحب كتاب الموجة الثالثة أن خطورة هذا العهد تكمن في أنه كائن من كان يستطيع مواكبته، فالتطور الاتصالي لا يحتاج إلى بنية تحتية مكلفة ولا تحتاج لأن نمر بالتسلسل التاريخي: زراعة –صناعة-معلوماتية. (نعرف ذلك تماما الان، فالمزارع في الخلا يستخدم هاتفه في تدبير شئون حواشته، ونعرف أن نظام الإتصال المعلوماتي قائم وموجود بشكل حديث ومستقر ومتطور حتى في المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة واضرابات سياسية متكررة: كالكونغو!!). تأكد تماما ، أن الاعتصامات في شوارع مدريد و أثينا و ويسكونسين وتل أبيب تعنينا نحن في الخرطوم تماما. فأول الأمر يصبح سؤال البديل عقيما، لأنه يجيب عن تساؤل يخص عهد الصناعة البائد ، الذي يوجه ناظريه دوما نحو رئيس مجلس الإدارة أو مدير المصنع. فالسؤال في عهد المعلوماتية يبحث عن "البدائل". فرئيس العمال في نبطشية الليل في مصنع ما، هو بأهمية رئيس الجمهورية.



فالتثاؤب الذي نشهده الان والتراخي عن أحزابنا وقياداتنا السياسية هو ذاته الذي يشهده الحزب الديمقراطي والجمهوري، فهي تنظيمات عهد بائد ما عاد مستوفيا لمتطلبات العصر. وعجزهم عن مواكبة تطلبات العصر لا يكمن في عدم قدرتهم على تبني مواقف تقدمية كما ذكرت في مؤتمر حركة القوى الديمقراطية الجديدة، بل في عدم القدرة على صنع القرار بشكل تقدمي.



 إذا سمح لي القارئ بتخريمة أخرى، أصبت بخيبة أمل كبيرة عند صدور قرار اعادة اصدار جريدة الميدان في عام 2005 كما أظن، فقد افسدت علي حلم يقظتي الذي فيه تصدر ميادين لا ميدان واحد ، فصحيفة الميدان –الخرطوم وصحيفة الميدان-سنار، وصحيفة الميدان –مدني، وصحيفة الميدان- الفاشر، وصحيفة الميدان –نيالا. فقد أصبحنا أكثر غرقا في المحلية وأكثر اهتماما بالقرار المحلي الذي هو أيضا احد السمات الهامة لعهد المعلوماتية كما شرحنا أعلاه (هسي ما فات شي).بل أكثر اغراقا نحو الفردية فما عاد مجزيا تجاوز الفرد بسبب "الأغلبية" كما كان ضروريا ولازما في عهد الصناعة. وقد بشر بهذا ودعا إليه الأستاذ محمود محمد طه في حديثة عن التطور السياسي المواكب لأنسان القرن العشرين والذي تكرس فيه التكنلوجيا لاحداث توافق لا يتغول على الفردية ولا يفرط في حقوق الجماعة ، والذي تعلو فيه كرامة الفرد العامل فلا يكون مجرد صامولة في دولاب العمل، مجرد الة أخرى، بل أن يكون صاحب قرار ورؤية فيما يعمل .كما دعا تشومسكي لتكريس التكنلوجيا ووسائط الإتصال كي تسد الفجوة بين مركز القرار وطرفه، بدءا من المصنع  ومكان العمال انتهاءا إلى البرلمان. فقد شبه تشومسكي حال الموظف أو العامل بالمصنع المغيب عن مركز اتخاذ القرار وكأنه أجير، تستأجر خبرته ووقته وحياته للقيام بمهمة صغيرة، وما عاد ذلك مرضيا للكرامة الإنسانية.وذاك حديث اخر إذا يسر الله له مقالة أخرى



الختام وبالبلدي البسيط: لا تمدون أعينكم للتحول السياسي الظاهري في ثورات الربيع العربي فتلك ثورات ما لم تستصحب القلق الدائر في النصف الأعلى من الكرة الأرضية، فستأكل نفسها بنفسها، وستكرس –(شاءت أم أبت..سواء بيد مرسي أو بالبرادعي أو بصباحي أو بغيره) لديتكتاوريات جديدة.و ارانا في مجالسنا ننتناقل نذارة الأستاذ المحذرة من حكم الإخوان المسلمين، وللمتابع محاضرات الأستاذ وكتاباته، فالأمر لا يتعلق برأيه حول التنظيم، فإن له نظرة أكثر عمقا وبصيرة  عرف فيه أن النظام الاتي سيعتمد على "الزكاة" و"الصدقة" للضعيف بدلا من "الحق المكفول" للجميع. وهو ما نراه اليوم فقد استبدل نظام الضمان الإجتماعي بدواوين الزكاة ومشاريع الصدقات للمواطنين من غير ذوي السلطة والنفوذ، وفيه يسمح باحتكار السلطة السياسية والنفوذ المالي في يد ال1% . مقالتي القادمة إن شاء الله تعالي ستكون عن ملامح الثورة المرتقبة في السودان على هذا الضوء



هذا المقال على تواضعه أهديه لروح الاستاذ على الطاهر، موظف فصل من عمله فصلا تعسفيا أثناء قيامه بعمله دون ابداء أي سبب. وانضم إلى لجنة المفصولين من الخدمة ولما أعيته السبل توجه صوب كوبري القوات المسلحة وألقى بنفسه من أعلاه. تاركا خلفة اسرته.

الفيديو المصاحب لملابسات غرق الاستاذ على الطاهر، منقول عن الناشطة الصحفية نجلاء سعيد