Saturday, 20 August 2011

ليلة اعدام ساندي/ماندي أو أيا كان اسمها..قصة حقيقية

القسوة فطرة في الانسان. ولكن لعله أيضا من الفطرة كبت الفطرة. وفي لغتنا الدارجة نربط الفطرة بكل ما هو نقي وأصيل ومتأصل فينا منذ الطفولة. وهذا حسن، إذ أن القسوة الصريحة(النقية) أكثر ما تتبدى في الطفولة

كان قد مضى على عيد ميلادي السابع ثلاثة أشهر، وكنت أرى كما أي طفل، أنها فرصة جميلة لأكل الحلوى بإفراط، وأن تجعل الكون يدور حولك لساعتين أو ثلاث وأن تتسلم هدايا ترى أنك جدير بها. 
وكنت أنتظر حضورها بشغف، كنت أنتظرك أنت -يا باربرا ميليسنت روبرتس، من مدينة ويسكونسون شمالي الولايات المتحدة الأمريكية. 
انتزعت عنها الورق اللامع المصقول بوحشية لا تخفى. كنت -كسائر فتيات العالم من شرقها وغربها ، شمالها وجنوبها، ننتظر الجمال مجسدا ومعلبا. انتظر شعرا ذهبيا وخصرا مستحيلا وعينان كسماء صافية وابتسامة لعوب. الجمال السلعة. الجمال كما قررته شركة ماتيل الأمريكية. كنا نناديها دون كلفة "باربي" . في العام الماضي فاجأتني يا باربي بفستانك الفخيم، تخفين تحته زي راقصة باليه حالمة. والليلة انتظرك، من أنت اليوم يا باربي؟ تطايرت نتف الورق المفضض وانقضضت على الصندوق. 

ماندي؟!!!ساندي؟!!!
من أنت؟

لو ترون وجهي ليلة عيد ميلادي السابع..ترون خيبة -الأمل كما هي. عارية، لا تتدثر بخرق الكرامة و الكبرياء

الشعر قصير، يا الهي يا الهي...شعرها قصير.
اللعنة على حركات (الفيمينيزم) التي لم نجني منها سوى خيبات الأمل المعلبة. مجموعة من السيدات المشعرات البدينات ينادين بالجمال الحقيقي، أو الجمال العملي.  أنها نهاية العالم لا ريب. وإلى أين تذهبين يا ماندي ساندي أيا كان اسمك...إلى البحر؟ ليته يبتلعك ولا تعودين، أين حذاؤك العالي، ولماذا تفلطحين قدميك وتسيرين في الأرض؟ ولعلك تمشين في الأسواق وتأكلين الطعام...واضح أنك تأكلين الطعام، أين خصرك؟ سعيدة أنت بحالك فخرجتى تستعرضين جسدك  في (مايوه)؟ وفوق هذا عيناها!عيناها سوداوان. تذهب إلى البحر بعينين سوداوين؟

لا لم تكن خيبة أمل..كانت خيانة. إذا كانت تلك المشاعر متاحة لفتاة في السابعة. ولكن كما كنا نتجرع كوب الحليب كل صباح، ابتلعت خيبة أملي في جوفي الذي اتسع لخيبات أكبر فيما بعد، واستطعم حلقي من بعد مرارة "القناعة" ..ذلك الكنز الذي لا يريد أن يفنى

مضت ثلاثة أشهر على تلك الليلة العصيبة. دق الجرس وانتظم التلاميذ على الفراش. بابا سنفور بقبعته الحمراء، ولحيته البيضاء التي لا بد وأن الحياة قد عركتها، لكنها لم تعوزها الحكمة في أن تجلس وتتعلم أن الشمس تمدنا بالضوء والحرارة. و مصارع روماني لم يرى أي حرج في أن ينتظم في الدراسة وهو يلف فوطة تخفي "رجولته". ديريك (حبيب باربي السابق) وعازف روك اند رول بارع، ببدلته الوردية الصارخة وبنطاله الجلدي وابتسامته التي تفسح لغمازتين تذيب قلب باربي وام باربي ذاتها. وبالطبع باربي، بفستانها القصير وابتسامتها المشرقة وشعرها الذهبي. والرجل الالي: روبو كوب...وهو "كينتور" اغريقي حديث. استبدل نصفه الادمي برجل آلى. ونصفه الحصان بدبابة. بديهي أنه كان "الالفة" . ثم كانت هناك ساندي أو ماندي. ويل لك من الناس وويل للناس منك يا "ما اسمك؟" اعجزتني الحيل معك. بدءا من عدم التزامك بزي المدرسة. أكرر مائة مرة هذا فصل وليس شاطئ. وليت كل هذه الجرأة تصحبها فطنة. بالله عليك يا ساندي الا تعرفين أن تفاحة وتفاحة وتفاحة هي ثلاث تفاحات وليس خمس؟ أليس تحت هذا الشعر القصير عقل يفكر؟

إلا أن الغباء ليس عيبا، حتى وأنا في السابعة أدرك أنه قدر. ولم يكن سببا كافيا لتبرير البغض الذي كنت أكنه لها. وكم كانت مغيظة، كانت نظراتها تشيح أبدا، عبثا أحاول أن أجعلها تنظرإلي. كأن ليس في كلامي ما يثير اهتمامها، كانني أمامها مجرد..طفلة! وتبتسم بـ بـ ...لا ليس بمكر..ليس بخبث..بشيء أسوأ..كانت تبتسم بـ..بموضوعية

حسن! يا ماندي ساندي أو أيا كان اسمك، طالما طفحت مشاعرنا إلى السطح كما هي دون مواربة، وطالما أعلنتها حربا علي أبحتي فيها كل الاسلحة.استعدي

وشرعت دون خجل ألفق لها التهم، تارة شروع في قتل بابا سنفور الوديع من أعلى تلة الفراش، تارة سرقة الواجب من المصارع الروماني، الذي كان يكدح ليله مصارعا الاسود والوحوش ليلتحق بفصلي الدراسي دون كلل أو ملل. تحرش بديريك الذي صد كل تلك المحاولات بنبل إذ أنه كان أسيرا لحبه الأول. ولكن كانت القشة التي قسمت ظهر البعير هو تامرها على باربي. لا أدري ما الذي فعلته بالضبط، ولم يكن ذلك مهما، كل ما كان يعنيني هو قلب باربي الكسير، ودمعها الذي حاولت أن تخفيه خلف ابتسامتها المصقولة. أوصلت بك الجرأة يا ساندي؟ باربي الطيبة، ألم يكفك أنها معاقة؟.نعم باربي يا سادتي كانت كسيحة، كانت ضحية توتري الذي أفرغه بقضم قدميها المطاطيتين الرقيقتين.  كل هذا ارتكبته بدم بارد، وبجلد مطاطي...كل ذلك ارتكبته ماندي..بموضوعية

كانت تلك جريمة لا تغتفر. لا لن يفيد أن احبسها في صندوق الألعاب، لن يجدي معها ضربها بالحائط، لن يفيد لطمها أو كسرها أو أيا من ذلك. كان لا بد أن ادبر لها العقوبة المناسبة

جلست وتأملت، حتى اتصلت بذاك النبع الصافي لقسوتي..القسوة النقية الصريحة..فكان ما كان.

محاكمة علنية!!!.إذ لم يكن كافيا أن تعاقب، بل كان علي أن اجمع مع ذلك ذل أن تدرك أن عقابها هو للصالح العام. و"هوان" تقبلها لذلك الحكم. جمعت أطراف النزاع، ضحاياها السابقون (وإن كان علي أن اشير إلى أن حماستهم وسعادتهم بالمحاكمة أزعجتني قليلا). بالطبع دفاعها الوحيد المسموح به هو اقرارها بالذنب، واعترافها أن الخسة والخبث هو من معدنها أو مطاطها.ولأول مرة كانت ابتسامتها غير موضوعية، كان بها مسحة حزن لم تجد منفذا إلى قلبي

ناديت على روبو-كوب، تابعي الأمين، ساعدي الأيمن. وأعلنت: "حكمت المحكمة حضوريا على ماندي -ساندي أو أيا كان اسمها بالاعدام فعصا بالدبابة

وقفت ماندي بثبات تتقبل مصيرها، تقدمت إليها الدبابة ببطء، لم يهتز لها جفن. وابتسامتها كانت شجاعة. متحدية، ابية. واكتسى وجهها بمسحة جمال حقيقي، برغم شعرها القصير وخصرها المتسع وعينيها السوداوين.اقترب منها روبو -كوب يجر نصفه الثقيل. هتفت (بالطبع-فكلنا نعرف أن قرب النهاية يستبين الحق) هتفت ماندي بالشهادة قالتها بتضرع حقيقي (اشهد أن لا اله الا الله وأن محمد رسول الله) وارتجف قلبي لخطفة، ولكن..سبق السيف العذل..أو الدبابة للدقة. ماتت ماندي أو ساندي أو أيا كان اسمها
وتوارت للحظة باربي وانطفأ شعرها الذهبي، توارى الجميع، ولم يكن هناك سوى الساحة وجسد طاهر ملقى اسفل دبابة

وانهرت باكية


وجد الباحثون في جامعة باث البريطانية أن غالبية الفتيات بين سن السابعة والحادية عشر قد عرضن دماهن إلى التعذيب أو الحرق أو الكسر أو التشويه

في ذكرى ساندي/ماندي 1987-1987
 

Thursday, 18 August 2011

حكم ضميرك


ان أتحدث عن أبو داوود؟ذاك مقام أنا دونه، وتتكاثف علي فيه الحجب فيرتج علي.
إلا أنني ما زلت أقارب وأسدد،عسى أن يمدني الله بفتح . فأنا في حضرة صوته دون مقام الشهود والتحقيق، حالي كحال السالك ولم يصل...منجذب ومجذوب

لكني سأتحدث عن من سلك وشهد ورأى وحقق، رحمة الله عليه، (وعليّ فمن غفلتي...يا لطيف) عن الفنان عبدالله أميقو، وورده لأبي داوود (حكم ضميرك)!  أميقو لا مثيل له في التنقيب عن الموسيقى السودانية ومؤلف مقطوعات موسيقية بديعة(اسأل الله أن يسخر لها من هو أهل بها فيخرجها من بئر التناسي والجحود) وفي تنقيبه في أغاني داوود كانت عدته: كلارينيت بالطبع، فلوت، جيتار، ساكسفون والات ايقاع إن لم يخني سمعي فهي البنقز) و تخير من أغانيه (حكم ضميرك، سيبوني بس، لي زمن بنادي، البرهة القليلة،ام در، يا عيني،أوتذكرين صغيرتي) سبع أغاني..سبع

Portrait by : Emad Abdulla
.

أول ما لاحظه المنقب العبقري، هو أن صوت أبوداوود فيه لمسة جاز، وكان هذا أكثر ما جذبني إليه. ليس فقط صوته الذي يذكر بأساطين الجاز كلويس ارمسترونج أو دوك ايلينجتون أو نات كنج كول، وهم دون أبوداوود أقولها صدقا ومحبة لا تعصبا، ليس فقط في خامة الصوت، لكن ذلك المزاج المدهش الذي لا تجده إلا عند مطربي الجاز ،  مزاج يجمع بين المتعة والحسية واللهو والشجن والحزن وشيء من الثقة المفرطة، هكذا درجوا على وصفها في اللغة، الثقة المفرطة، وأظن أنها مجرد وصف لمن يقدر فعلم أنه يقدر

لذا استهل اغنية حكم ضميرك ب"فرشة" جاز. جيتار وايقاع يمسكان الزمن ويعدان المزاج، ثم سيل من الكمنجات المرحة، يتخللها فلوت لطيف. لذا كلما استمعت إلى الأغنية تمثل لي داوود بسترة داكنة وباهظة، يضع يده في جيبه ويطرقع اللحن بأصابع يده الاخرى.
وألطف ما في الأغنية هو أن اللحن يتوارى عندما يغني داوود، فإن صمت ردت عليه الأوركسترا قوله. خذ مثلا-يقول (بقيت أسيرك) فترد الكمنجات (حينا..أوشيء من هذا القبيل)  ويقول (ما عرفت غيرك) فترد (ها..وبعد؟) شيء عجيب





أما أغنية (سيبوني بس) فلم يوطنها على لحن جاز وحسب، إنما لحن جاز بدائي وسوقي جميل. ليس كذلك الذي يولد في قاعات الموسيقى أو استديوهات التسجيل، إنما ذلك الذي يولد سفاحا في خمارات متهالكة على بيانو متقطع الأوصال، غارق في الدخان والسعال. تنترررن تن ترن تن تن...لحن ينبع من فم المعدة
.
اوتذكرين حبيبتي؟ في هذه الأغنية توجد تنغيمة جيتار بديعة عبقرية أو هي ما درج الفرنجة على تسميته بال(رف) بكسر الراء، وهو
عندما يعمل الجيتار عمل الة الايقاع. وتجد التنغيمة متسارعة تحفز عند المستمع احساس اللهفة و(الصربعة) وخفقان القلب وكل ما يصاحب أول الحب من مشاعر هوجاء. ويصيح داوود (المنديل؟) وترد الالات (ياتو؟) فيقول (المنقوش جانبه أوتذكرين وتذكرين) وهذه الأغاني من أغاني شيل الحال (أجارنا الله منها)وهي ضريبة تدفعها المعشوقة من عاشقها المستهام.




أجمل تسجيل يمكن أن تستمعه لأغنيتي الأثيرة لي زمن بنادي هي من توزيع أميقو. فاللحن سريع وخفيف ولطيف. وممكن أن تتصور حقيقة كيف أن المحبوب 
نافر جعل من قلب المحب وادي، يبرطع فيه كيفما يشاء




أما "الشغل" ما هذا يا عمنا أميقو يا عبقري...رحمة الله عليك ...ففي أغنية البرهة القليلة.عندما استمع إلى جلسات "الجام" وهي جلسات تنساب فيها الالات على سجيتها، درجت عليها بعض فرقنا الموسيقية بالفلوت والجيتار والايقاع، أقول في سري عودوا إلى "فرشة" اللحن في اغنية البرهة القليلة، شيء بديع ما له مثيل. هنا يطلق أميقو الفلوت ليتخلل اللحن، مزاج رائق يدخلك إلى جو الاغنية حيث تلك الجلسة على "تلك النجيلة" في داخل الخميلة...والتي لم تكن سوى لبرهة قليلة.

أنا اكتب هذه الاغنية بذاكرة وجداني وأذني..إذ أنني لم أجد على الشبكة أي من أغاني داوود بتوزيع أميقو سوى حكم ضميرك الموجودة بالرابط أعلاه.للأسف. تجربة فريدة، لو كان بيدي لاستنطقت أهل الدراية بها. لكني قليلة الحيلة ليس لي سوى الرجاء أن يفتح الله على احدهم ببركة هذا الشهر الفضيل

هناك تجربة أخرى في التنقيب في صوت داوود، ليس فيها براعة وحصافة أميقو، وهي تركيب صوت الفنانة عابدة الشيخ على صوت أبوداوود، في رأيي الشخصي لم تكن محاولة موفقة رغم أن الفكرة جميلة. لكن ليس هناك توافق في الاصوات، فصوت أبوداوود يتميز بقدرة فائقة على التحكم في حسه، يضع فرامل هنا و"يهدن" هنا حرفنة جميلة،وصوت عابدة جميل وقوي لكن ينساب ويتدفق دونما ضابط ولا رقيب

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم...رمضان كريم


 


Saturday, 6 August 2011

كلثوميات (1(

أم كلثوم أم فيروز؟
لا أدري لماذا يكثر الناس من هذه المفاضلة ؟ 
وليس المقام مقام مفاضلة عند الحديث عنهما. كلتاهما حالة فنية مكتملة
في حديث لي مع صديق قال إن جئنا من ناحية الكلمات :فالست، أما الصوت: ففيروز
قلت له: يا اخي قد ظلمت الاثنتين، فكلمات الرحابنة  من عيون الشعر العربي، فهي تحمل رؤى فلسفية عميقة، وعبورهم بالكلمات  البسيطة لنقل معاني معقدة هو من ايات الاعجاز
أما صوت الست، فمن أين نبتدر الحديث عنه؟ ذلك الصوت الطلي الحلو، المشحون بطاقة حسية عالية ، يغمرك وينهمر عليك ولا تدري من أي المنافذ يكتسحك... ولا نجاة. ولا تريد نجاة

لكن وإن كان لا بد من مفاضلة، فهي مفاضلة للمنصت. وفي حديثي لصاحبي هذا، قلت: إن فيروز تحكي وتسرد فهي شهرزاد الأغنية، لذا يقبل عليها من تراوده أحلام العشق، هي لذلك الحب الأول : بحيرته ولهوه و ووصاله الحلو وخساراته اللطيفة. من منا لم يتخير لعشقه الأول أغنية من بين أغاني فيروز؟من منا لم ينهي عشقه الأول على صوتها الحنون؟

أما الست؟
قلت لصاحبي-فهي تغني في البرهة المعلقة خارج الزمن. لذا تعشقها أصحاب المزاج العالي. الست لا تحكي. الست تجتر. وهذا ليس للحب الأول، الست للعشق الوعر، المستحيل، الخاسر مذ مبتداه، للحب المعلول المعتل. للخسارات التي تربيها في دمك، تخبئها في الروح وتحرص عليها من الفناء.بل هي تغني للمفني لذاته.
لله درك يا ست. عظمة على عظمة على عظمة

يكمن سر أم كلثوم في أنها عرفت كما لا يعرف مطربو اليوم، أن الطرب ليس الصوت الجميل ، ولا هو الكلمة الخالدة، ولا اللحن البديع. هي ثلاثتهم سويا، ثم هي التوقيت والروح والمزاج
والست لها أحوال، وفي كل أحوالها هي الست
أعني حالها مع الملحنين الذين عملت معهم، فليست كلثوم السنباطي هي كلثوم القصبجي وقطعا ليست كلثوم بليغ ولا كلثوم وهاب ولا كلثوم زكريا. ولمن أراد أن يدقق فليست كلثوم السنباطي-رامي هي كلثوم السنباطي -بيرم. لكننا لن ندخل في ذلك

وأم كلثوم كالبحر وكل يرى في البحر ما يراه دون أن يسبر غوره.صوتها مع زكريا مجلجل طروب، وعند القصبجي حالم حنون وعند السنباطي رخيم وجليل، وعند عبدالوهاب ساحر وقادر وعند بليغ؟عند بليغ فيه دعة ودلال وحسية عالية...هذا وهي في السبعين من عمرها، ويعجب لذلك من لم ينخر العشق في عظمه، ولم يرى من أم كلثوم سوى المنديل وتصفيفة الشعر وهلال ماسي

 لمن لم يجرب الست بعد، أنصحه أن يتريث، فليست الأغنية التي سأبتدر بها سلسلتي اليوم لأصحاب الأذان الرخوة، هذه أغنية للأذن المدربة

القلب يعشق كل جميل
أم كلثوم وبيرم التونسي ورياض السنباطي. الثلاثة هنا أعملوا فنا لا يتقنه سوى العباقرة. فن الكبت. أو الضغط. 
The art of suppression
وهي القدرة على الامساك برسن الموهبة وتطويعها كما يشاء المبدع، هي المنع عن المستمع فيطلب المزيد، ودفعه دفعا ليرهف حواسه. وأرى أن السنباطي يلزم هذه الحالة في معظم ألحانه مع ثومة. فلحنه يتوارى  خلف صوتها، ولا تدرك بدءا ما الذي يشدك، حتى إذا ما أرهفت السمع، سمعت عجبا، انصت إلى مثال أغنية "حيرت قلبي معاك". أما بيرم، فهنا نفس هادئ ، منصرف عن ذاته إلى ذات عليا، وهذا بخلاف أغانيه الأخرى التي تحكي عن حاله تفضح عشقها أو تبث شكواها. و ثومة؟ فيمكن أن نسمي أداءها هنا "تقليليا" ميناماليست كما يقول أهل الفنون. هنا تخلت عن ما نعهده من الارعاش والمد والبح وما إلى ذلك من خصائصها في الغناء التي بها يعتلي المستمع ذروة التطريب أو ما يسمونه بالسلطنة. وكأن أم كلثوم بكبتها هذا لا تريد أن تطغى بل تريد أن "تخضع" وهذا من ذكاء أم كلثوم ورياض وبيرم، فأغنية القلب يعشق كل جميل، هي أغنية دينية ذات نفس متصوف، تتغنى في العشق الالهي. وفي مثل هذه الأغاني دوما يتوارى العاشق ويكون محور الأغنية هو المعشوق    

أجمل ما في يبرم أن روحه لم تتغير في هذا النص، كعادة الشعراء إذا ما غيروا مواضيع الغناء من وطني إلى ديني إلى أغاني الحب. 
بيرم  اتبع تقليد أشعار المتصوفة في عشق الذات الالهية أو التجلى الالهي أو قل الحضرة الإلهية، والتي تتيح للشاعر تناول مفردات العشق كما ترد في أشعار الغزل والعشق. مع الشرط الذي قلنا أن تتوارى ذات المحب مفسحة للمحبوب.
إلا أنها روح بيرم ذاته. لم يخرج عن نكهته في الغزل المتوقدة والمتوثبة، حتى إن اقتبسنا "واللي هويتو اليوم، دايم وصالو دوم، لا يعاتب اللي يتوب ولا في طبعو اللوم" يمكنك أن تتخيلها في سياق العشق المعهود

يبتدر القصيدة ب"القلب يعشق كل جميل" وتوافقه ، وبسلاسة ينتقل بك إلى تقلبات العشق وأحواله "واللي صدق في الحب ،قليل! وإن دام؟ يدوم يوم ولا يومين" مقارنا بين ذاك والعشق الالهي الدائم الوصل، الذي لا قلى فيه ولا هجر

لا أدري كلما استمعت إلى لحن هذه الأغنية، أتخيل سجادة فارسية معلقة في احدى أزقة خان الخليلي ، التي تبتلعك في زخم تفاصيلها. أو شباك أرابيسك عتيق تطيل فيه النظر ويحتويك بكليته. كذا لحن السنباطي. زخرف من الالات ليس عزف قطيعي ، كأنها مجموعة صولوهات. فيتبع أذنك تارة العود، وسرعان ما يلتقطه القانون وفي غمرته.. يأخذ بجماعك الدف لتجد نفسك تجري خلف أنين الناي.
هي كذلك: زخرف من النغم
افتتاحية من الكمنجات بلحن رصين، ثم يندلق القانون بلحنه المنفرد تتبعه بقية الالات،ثم الايقاع يؤمه الدف في لحن تصاعدي حتى يبلغك المكان الذي يشدو فيه صوت أم كلثوم
وتبدأ من نوته منخفضة عصية-لا أعرف سوى أم كلثوم تستطيع أن تفتتح من طبقة منخفضة هي والشيخ مصطفى اسماعيل والشيخ عبدالباسط عبد الصمد. 
والاثر رائع، هذا صوت يأتي من مكان عميق إشارة إلى الروح، وإشارة إلى الجذر الأصل وإلى الثبات، فكما أسلفت هذا هو العشق الذي لا يعرف تقلبا.

بعد افتتاحية القصيدة بالافصاح عن المعشوق، نأتي لوصف حاله مع العاشق. "كنت أبتعد عنو...وكان يناديني...ويقول مصيرك يوم..تخضعني وتجيني".... ثم؟؟؟؟

  طاوعني يا عبدي
طاوعني أنا وحدي

هذا العتاب الجميل من الصوت الالهي تجسده أم كلثوم بصوت مهيب ذي سلطان. واللحن والتكرار يجسدان لطف هذا العتاب  وسلطانه في ان. وكـأن الرب يجادل المرء عن نفسه ويعيد عليه ويزيد..نعم هكذا لطفه مع العبد اللجوج.  ((وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ))

ثم مذكرا، يمن على العاشق "أنا اللي اعطيتك من غير ما تتكلم." وصولا إلى "تشوف جمايلي عليك من كل شيء أعظم" يمن ولا يمن عليه 
ثم؟؟؟؟؟؟؟؟

يا الله، يا ذلك الصوت، وانقلاب اللحن الذي يتصاعد ويسري بالرعب والرهبة ليقول الصوت الجليل "سلم لنا..سلم لنا ...سلم لنا" 

"تسلم" تسلم تأتي بغنائية وتطريب. فهو تسليم لذيذ. تسليم يهنأ به المسلّم

 تنتقل الأغنية في رحلة إلى مكة يصف جبال النور والبيت المعمور والدخول إلى باب السلام، وبعد باب السلام مقطع بديع يصف تحويم الحمام المطمئن. وعندما استمع إلى هذا المقطع أرى  يدا تمتد إلى سماء تحلق فيها اسراب من الطير. فذلك في قولها "فوقنا حمام الحما...عدد نجوم السما..طاير علينا يطوف ألوف تتابع ألوف". وثومة تمد السماء مدا، دون تكلف دون ادعاء..وذلك فضل الله خصاه بها
وينتهى المقطع بتطريب عالي واصفا ما وجد ضيوف الرحمن من لذة العفو والمرحمة. وهكذا ينتهي كل مقطع بشيء من التطريب تخرجك من مقام الرصانة والاتقاء إلى مقام المحبة واللذة. يعجبني ذلك جدا

والكوبليه الذي يربط كل مقطع هو التذكير بأن حال السرور هذا هو منة من المحبوب إذ أنه هو الداعي وما المحب إلا ملبي، "دعاني لبّيتو لحدي باب بيتو وأما تجلى لي بالدمع ناجيتو" وهذا من صدق بيرم وحسن تأدبه في مخاطبة الله، فليس هنا عجب بايمان، أو تنطع بعبادة، بل حال العبد الممتن الشكور على فضل العبادة.

 زيارة الروضة وهذا مقطعي المفضل. وأحب فيه تكرير الهاء في مقاطعه كناية عن الترويح عن النفس. فبعد وصف الروضة ، نأتى إلى ذروة التطريب بـ "زفة" من الدفوف (لفتة عبقرية من السنباطي..ايذانا باكتمال الفرح) وهذا العرس أو المحفل فيه
 طرب وسرور
وفيها نور على نور
وكاس محبة تدور
واللي شرب؟
غنّى

وكلما استمعت إلى هذا المقطع تعتريني شفقة كبيرة على اصحاب المذاهب المتشددة في الدين على ما فاتهم من لذة الفرح والطرب بالمحبوب . أ و يعرف الله من لم يطرب؟ ربما. فلعل لهم فرحة تخصهم - والناس في حبها مذاهب. 

 ومن سوى بيرم يصف ملائكة الرحمن بندماء الشراب. لله دره

ثم كذا حال المحب الذي يدركه الفيض فيفيض. وهذا سبب اشفاق اخر على اصحاب المذاهب المتعنتة. فلا يضيّق الجنة إلا من لم يجرب سعة الرحمن. وهنا يقول بيرم "يا ريت حبايبنا ينولو..ينولو ما نلنا يا رب..يا رب اوعدهم يا رب..؟؟؟؟؟ يا رب واقبلنا. وقفلة هذه الجملة بـ(يا رب واقبلنا) تقولها أم كلثوم بخضوع وتذلل، فكما ذكرت أن هذا من أدب الخطاب، فالعبد لا يغتر بحاله أبدا ولا يدّعي الوصول، بل يظل ممسكا أبدا بحبل الرجاء.
 
لعلني أبالغ؟ ربما ؟ قليلا؟ هذا ما يراه الطيب صالح في النقد عن حب، يفتح النص ولا يغلقه. وإن شط؟ فهو الشطط المستحب المرغوب

خسارة! لم أجد رابط الحفل الأول الذي بدأت به ثومة هذه الأغنية. وكانت قد غنتها بعد صوم عشر سنوات عن الغناء لبيرم، حدادا على وفاته. وكانت الأغنية مناسبة.. لتذكر الناس  بأجمل ما في بيرم من صدق في المحبة

رمضانكم كريم


Saturday, 23 July 2011

الهجمة الزراعية

الهجمة الزراعية
!!!!

 المذيع: "ماذا سيستفيد السودان من صفقة كهذه؟"
الوزير: " منا الأرض ومنهم الخبرات والتكنولوجيا والأيدي العاملة"
 المذيع: "نعم ولكن ماذا سيستفيد السودان من صفقة كهذه؟"
 الوزير "منا الأرض ومنهم الخبرات والتكنولوجيا والأيدي العاملة"
صمت المذيع، ولم يكن بوسع الوزير الإجابة بغير ما أجاب به.

كان هذا في حوار أجراه الاعلامي الطاهر التوم مع وزير الزراعة الحالي المتعافي  إثر قضية التقاوي الفاسدة التي ما زالت حتى يومنا هذا قيد النظر بالمجلس الوطني.

تطرق برنامج "حتى تكتمل الصورة" في الحلقة التي بثت في إبريل الماضي، إلى العديد من القضايا حول الزراعة ومستقبلها في السودان. كمسألة الشراكة مع القطاع الخاص في المشاريع الزراعية، منها مشروع الرهد، مشروع حلفا الزراعي، مشروع السوكي ومشروع الجزيرة. كما تطرق إلى مسألة التقاوي الفاسدة والمبيدات الفاسدة، واخيرا مسألة مزرعة السيد وزير الزراعة بالدمازين والتي استعرض الوزير انتاجها بفخر شديد في احدى جلسات المجلس الوطني فكان السؤال :هل يحق لمن هو في منصب تنفيذي ودستوري العمل الحر؟
( هذه سأعرج عليها خفيفا في نهاية المقالة).

الحق يقال أن الوزير المتعافي وزير منجز، أعنيها بلغة السوق التي يجيدها الوزير منذ كان في الثامنة كما امتدحه أحد "الصحفيين"، إذ يقولون في السوق فلان أنجز الشيء، أي انه هم به وهجم عليه وفككه حتى تركه خيالا وحطاما. هذا هو نهج الوزير وعمله منذ أن كان واليا للخرطوم. يسمي البعض هذا النهج –جهلا أو مداهنة- استثمارا.
عمليات بيع المرافق والخدمات الحكومية لصالح مشتري أجنبي أو القطاع الخاص مقابل مبلغ من المال، ليست استثمارا ، فإن لها اسم واضح: السمسرة.

"مشروع السوكي لقيت ليه شركة خاصة ، مشروع الرهد لقيت ليه شركة خاصة، مشروع حلفا الزراعي لقيت ليه شركة خاصة... مشروع الجزيرة لأنه مشروع مساحتو كبيرة، صعب إنو القى ليه شركة خاصة"  ما زدت حرفا على قول الوزير ، نقلته حرفا بحرف. نعم هذه لغة السماسرة. الوزير كان يتحدث هنا عن ما اسماه نهج "الشراكة" في المشاريع الزراعية . فبحسب الوزير تعقد شراكة بين الشركة الخاصة و ملاك المشروع الزراعي لزراعة الأرض. والسلام عليكم ورحمة الله. هنا الحكومة أتت بالمستثمر وخلقت علاقة بينه وبين أصحاب المشروع. جميل، هي السمسرة دون رتوش. استسمح قارئ المقال، لنقلة خفيفة نعود بعدها لموضوع الشراكة هذا .
  
نأتي لمشروع الجزيرة، الذي تقف مساحته عائقا دون اتمام احدى صفقات السمسرة. وجميل أن الوزير نفسه ربط هذا الأمر بموضوع الشراكة وهذا سيسهل الأمر علي. مشروع قانون الجزيرة 2005 الذي فض الشراكة بين المزارع والحكومة، وأعطاه الحرية الكاملة في التصرف في الارض يزرعها كيف يشاء بحسب قول الوزير. هو الخطوة التمهيدية لتفكيك المشروع إلى وحدات صغيرة. فتأتي شركة مصرية، مثلا، تجتمع مع مجموعة من المزارعين يكونون مشروعا صغيرا،تعقد معهم صفقة ويتم الامر على ذلك. وكذا الأمر مع باقي الاراضي والحواشات.

الوزير المتعافي السعيد "بإنجازه" الآت بما لم يأت به الأوائل ممن سبقوه على وزارة الزراعة في الديمقراطيتين وفي عهد نميري وعبود، يظن أن "فكرة ألمعية" كهذه فاتت عليهم. صحيح، يا لغباء من سبقوا الوزير من بروفيسرات متخصصون في الزراعة يتبعون حذو الامبيريالية التي أتت بمشروع الجزيرة حتى إذا دخلت جحر ضب لاتبعوه! هكذا ألمح السيد الوزير وهو يستعرض تاريخ مشروع الجزيرة الامبريالي. وهو أنه فات على الخبراء واصحاب الدرجات العلمية الرفيعة من أبناء الوطن أن مشروع الجزيرة مشروع خطط لمد بريطانيا بالقطن لذا فرضت هذا النظام المجحف على مزارع الجزيرة ، إذ كانت تفرض عليه دورات زراعية لا خيار للمزارع فيها ولا تعود بالنفع عليه.

اعذرهم يا سيادة الوزير فهؤلاء رجال دولة وعلم لم يخبروا دروب السوق والبيع بالقطاعي والجملة والسمسرة التي تتقنها مذ أنت يافع. اعذرهم إذ ان مراميهم كانت خلق قطاع زراعي قوي يكون دعامة للاقتصاد السوداني (في عهد ما قبل البترول) و ما كان أحوجنا إليهم وإلى نظرهم ونحن الان في عهد (ما بعد انقطاع البترول).

اعذرهم لأن مزارع الجزيرة المتمرس والخبير الذي شهدت له في البرنامج لم تتأتى له هذه الخبرة وحيا من السماء، أو فطرة. بل بعمل دؤوب ومتواصل من رجال الدولة (الغافلون) الذين استطاعوا تأهيل وتدريب مزارع الجزيرة حتى أصبح عنده هذا التمرس وهذه الخبرة. 

اعذرهم يا سيادة الوزير إذ أنهم لم يفهموا كلمة استثمار كما تفهمها سيادتك وهم يطورون في مشروع الجزيرة الامبريالي، فبنوا المحالج ومعاصر الزيوت ومصانع الغزل والنسيج ومصانع الأغذية التي ولدت من رحم مشروع الجزيرة، ففتحوا وظائف لقطاعات واسعة من السودانيين. اعذرهم وهم يبنون جامعة الجزيرة ويفتتحون كلياتها، كل كليه فيها كانت ترفد في مستقبل الزراعة في السودان. جامعة الجزيرة التي كانت ستهيء لك كادرا مسلحا بالتجربة والتجريب والمعارف والتكنولوجيا المتطورة، المرتبطة بواقع السودان، فلا تضطر يا سيادة الوزير أن تستجلب خبرات وتقنيات من مصر ومن الصين.

اعذرهم من عقليه كعقليتهم لا تعي انفتاحك على نماذج تمويل الزراعة كالتي في الصين وأمريكا والتي قررت أن تزاوج بينهما لتخرج بهجبن "الشراكة" العظيم الذي سنعرج عليه ولا شك. اعذرهم فعقليتهم خرجت لنا بوحدة البحوث التي كانت تخلق طفرات في تكنولوجيا وتقنية الزراعة، ويعمل فيها خيرة أبناء وبنات الوطن ممن كانت تمن بهم دولتنا ليحاضروا ويشاركوا بخبراتهم في فيتنام وفي مؤتمرات للزراعة في أمريكا اللاتينية (اي والله حدث من سوداننا هذا الذي أصبح يكوس الخبرات)

اعذرهم يا سيادة الوزير فمن مشروع الجزيرة العقيم، من وحدة كانت تدعى فيه وحدة مكافحة الملاريا خرج مشروع النيل الأزرق، مشروع يفاخر كل سوداني أنه خرج من خبرات وأيدي سودانية، مشروع النيل الأزرق الصحي الذي كان أكبر مركز بحوث للملاريا وأمراض المياه في السودان. مشروع النيل الازرق الصحي الذي استطاع في الثمانينات أن يحارب الملاريا تماما من منطقة النيل الأزرق. بل إن المشروع أبلغ عن جائزة قدرها مائة جنيه لمن يستطيع أن يبلغ عن حالة ملاريا واحدة...واحدة في المنطقة التي فيها أعلى نسبه إصابة بالملاريا. وأسألوا مدير المشروع أعطاه الله الصحة والعافية ومده بطول العمر الدكتور احمد أيوب القدال والذي يعمل الان نائبا لعميد كلية الطب بجامعة سنار (!!!!!!!) سمعت به يا سيادة الوزير؟

مشروع النيل الأزرق همّ به مجموعة من الوزراء الانقاذيين "المنجزين" فاستحال الان إلى وحدة بئيسة خاملة الذكر في مدينة سنار. ولله الامر من قبل ومن بعد. الملاريا التي هز السيد الرئيس عصاه مبشرا في احدى جولاته الاقليمية أنه تم تخفيضها بنسبه 60% . من صفر %  خفضت إلى 60%. أنت معي عزيزي القارئ في هذه الطرفة؟

مسكين مزارع الجزيرة ، والحمدلله الذي أبدله الان بسياسة جديدة تستبدل الأدارة القديمة التي كانت توفر له ولأبنائه التعليم والصحة والعلاج والترفيه ، استبدلها بحرية تتيح له حفنة نقود لن يستطيع وإن عفر وتعفر أن تسدد ربع ما كانت تتكفل به ادارة مشروع الجزيرة التي كانت تكلف الدولة مليارات الجنيهات في كلام فارغ كالذي ذكرته بالأعلى. والمزراع "وشطارته" كما تفضل سيادة الوزير مجيبا.

"المزارع وشطارته" هكذا أجاب السيد المتعافي على الصحفي الهميم الاستاذ أحمد المصطفى ابراهيم، عندما سأله سؤالا حريفا، لم يكن سؤالا بقدر ما انه كان لفتا لنظر الوزير، أو دقا لناقوس الخطر وإلى ما ستؤول إليه الأحوال إثر تنفيذ سياسة "التخلي" التي تتبعها وزارة الزراعة، أخبره أن ترك المزارع هكذا دون ادارة يرجع إليها تجعله عرضة لطمع الشركات الاستثمارية كالتي يريد ان يجلبها السيد المتعافي، وعرضة لعقودها المجحفة. نفض الوزير يديه (كما كان يفعل منذ بدء البرنامج) نافضا مسئوليته عن أمر كهذا ، فهذا أمر متروك "للمزارع وشطارتو" . وأريد أن أعيد عليك عزيزي القارئ أنه ليس بإمكان الوزير الإجابة بغير ما أجاب به. فهذه عقلية مجبولة على السمسرة وعلى سياسة "امسك لي وأنا أقطع ليك".

فالوزير الذي تشدق بالحرية التي منحت للمزارع ليزرع ما يشاء من جزر أو ويكة او ذلك الذي يحقق له ربحا سريعا، لا يفهم لوزارة الزراعة دورا اخر سوى دور الوساطة هذا في تحقيق "الربح". لا يستطيع أن يربط بين دور وزارة الزراعة المحوري والهام في تحقيق الأمن الغذائي، فهو لا يستطيع أن يربط بين ما يمكن أن يقدمه مشروع الجزيرة لسد الفجوة الغذائية بطوكر. وسيادة الوزير لا يستطيع أن يربط بين خلق نشاط صناعي قائم على المشاريع الزراعية الضخمة كمشروع الجزيرة، وما توفره من عمالة ومن خلق سوق تجاري نشط. ليس بوسع الوزير حساب مثل هذه الأرباح فهي أرباح لا تحول إلى أرصدة في البنوك. إنها مجرد أرباح تحول إلى رصيد البلد وإلى الأجيال القادمة.

هي ذاتها العقلية التي أدار بها السيد الوزير المتعافي ولاية الخرطوم. وليس بعيد عن أذهاننا قضية شركة النفايات. هذه والحق يقال لم تكن سياسة سمسرة. بل كانت مقاولة. أنشأ السيد الوزير خدمة وباعها لشركات خاصة. خدمة تحول فعليا إلى أرصدة في البنوك. لا تساهم بأي حال في رفع مستوى النظافة في الولاية. فبراميل القاذورات التي تنقل من أمام أعيننا لتلقى أمام أعين أخرى لا علاقة لها بالصحة العامة في الولاية. لا رابط بينهما.

نعود إلى مسألة الشراكة كما ذكرنا أعلاه. ذكر الوزير ان مشروع الرهد كان يعاني من العطش ، فاستطاع ببصيرة نافذة ان يهيء شركة توفر وابورات واسبيرات لري المشروع، هذه الشركة تستثمر في هذا المشروع بالوابورات مقابل عقد استثماري بينها وبين المزارعين. جميل وهذا هو المنوال ، كل مشروع يعاني من نقص أو من مشكلة ما يسارع الوزير بإيجاد شركة خاصة تسد هذا العجز مقابل عقد استثماري. والمزارع وشطارتو بالطبع. ولا تقلقوا من أن ينقطع نفس الوزير في عمليات سد الفرقات بالشركات، فهذا أمر تشربه منذ الطفولة.

وماذا نعيب على أمر كهذا؟ أن هذا ليس بعمل وزارة الزراعة. عمل وزارة الزراعة هو التخطيط الزراعي بما يحقق أمنا غذائيا بالبلاد ، وبما يخلق سوقا نشطا يضمن بقاء القطاع الزراعي وفئة المزارعين في البلاد. 

هناك أمر طريف في استراليا، لديها ولاية تدعى كوينزلاند ، النشاط الاقتصادي الاساسي في هذه الولاية هو زراعة الموز، وفي مواسم يشح فيها الموز يرتفع سعر الكيلو ليصل إلى 15 دولارا (!!) لاختلاف الفصول بين استراليا والدول الاخرى ، فإنه بوسع بعض الشركات التجارية أن تستورد موزا ماليزيا أو اندونيسيا وأن تبيع الكيلو منه بدولار او دولارين بدلا من شحتفة الموز هذه. الحكومة الاسترالية تمنع ذلك منعا باتا. لماذا؟ تا الله مثل هذه الشغلانة لأنجزها وزير من وزرائنا خير انجاز. إلا ان الحكومة الاسترالية حريصة على بقاء مجتمع زراع الموز الكوينزلاندي من أن يندثر، وهو مجتمع من المزارعين يوفر العمل لقطاعات من الاستراليين، وتعتمد عليه نشاطات اقتصادية أخرى كالنقل والترحيل كالتخزين كالتصنيع، عمليه كاستيراد الموز تقضي على كل هذا بضربة واحدة. ولا أدري لماذا تقف وزارة الزراعة على أمر كهذا مع علمي أن المزارع الاسترالي شاطر شطارة الجن!

Add caption


قبل أن أختم لا بد أن الفت نظر القارئ إلى أمر مهم ذكره البروفيسر على عبدالله علي، استاذ الاقتصاد بجامعة الاهلية ومستشارا اقتصاديا في سوق الاوراق المالية في الخرطوم،  في سلسلة من المقالات نشرها في سودان تريبيون[1] التي أغلقتها مجلس الصحافة السوداني بعد يوم من اعلان استقلال دولة جنوب السودان. سأل البروفيسير سؤالا واحدا هاما للشركات المصرية والاجنبية التي ستستثمر في زراعة المحاصيل في السودان ذو الاراضي الواسعة لتسد ما لديها من عوز في القمح او غيرها من المحاصيل النقدية. هذه الاراضي الشاسعة والمتوفرة ستزرع بحصة من في مياه النيل؟ بحصة مصر؟ أم السودان؟

اما الخاتمة سنجعلها خفيفة ، ذكرت في بداية المقال أن المذيع سأل وزير الزراعة عن المشروع الزراعي الذي يساهم فيه مع اخوته،[2] وأن الدستور يحظر على الدستوري العمل الخاص، فجادل الوزير المذيع بأن "ده فهمك إنت للدستور" ، وهذا عادي فالدستور في السودان قماشة تفصلها كيفما تشاء، وما زال محفورا في رأسي شرح والدي لبيان وتفصيل الدستور الذي يزيل اللبس بالتفصيل والبنود حتى إذا ما قلت كلمة شباك، يتراءى في أذهان الجميع صورة شباك واحد هو ذات الشباك. فليس في الدستور فهم فلان وفهم علان. ما علينا إنما هي زلة. 
قال الوزير  أنه مساهم في المشروع الزراعي ولكنه لا يباشرة، إنما يدار بالبروفيشينال مانيجمانت ، بمعني أنه يدار بالنيابة عنه. ومع ذلك قام وزير الزراعة مبينا أرباح مزرعته في الدمازين بالتفصيل وما للمشروع وما عليه. وزير الزراعة يساهم في مشروع زراعي. ولأن الشيطان يجري في الواحد منا مجرى الدم كما وصف نبينا الكريم، فقد أمرنا بدرء الشبهات ، أول هذه الشبهات هي منع تعارض المصلحة أو كونفليكت اوف انترست.
لا نريد أن نحرم الوزير من حقه في ثمار وأبقار و "دواجن" المشروع، لكن نؤجل عليه جني هذه الثمرات. هذا ما يفعله المسئولون في دولة الاستكبار في أمريكا، فإن أرباح المشروع الذي يساهم فيه صاحب المنصب الدستوري تودع في رصيد مغلق،  محجوب عن الدستوري لحين انتهاء فترة خدمته. فلا يعرف ربح المشروع أم خسر، ولا يعرف هل يتوسع المشروع أم يتقلص، ولا خبر عنده هل تنوي شركته المضاربة هنا أم هناك. يسمونها
Blind trust
هذا هو مشروع الجزيرة، والذي كان حتاما علي قبل تعديل المناهج الحالي أن أرسم خريطته، وأظلل المحاصيل بقلمي في ارجائه، وأن أحفظ دورات الزراعة فيه، وأن أحدد أساليب الري فيه وتقنياتها. وأن أردد بكل فخر أنه أكبر مشروع زراعي في افريقيا ، وأنه العقد الذي تتباهى به السودان على جيدها.
سؤال على الماشي يا عزيزي القارئ.....ما هي الخيانة ؟

http://ww.tahertoum.net/index.php?Itemid=6&catid=8:2010-07-27-09-56-49&id=75:-11-2011-&option=com_content&view=article


[2] ورد في صحيفة الصحافة الخبر الاتي: طرح وزير الزراعة الدكتور عبدالحليم اسماعيل المتعافي، أمام مجلس الوزراء في جلسته بالدمازين أمس، تجربته الشخصية في الاستثمار الزراعي، وقال ان لديه بولاية النيل الأزرق 10 الاف فدان و 2 الف نعجة و 50 بقرة واستطاع أن يحقق في الموسم الماضي 400 مليون جنيه ارباحا، موضحا أنه استخدم الميكنة الزراعية والبذور المحسنة مما ساهم في زيادة الانتاج. وقال المتعافي الذي طلب منه الرئيس البشير تقديم تجربته الشخصية عن الاستثمار الزراعي، ان المشكلة في الزراعة في النيل الأزرق هي عدم وجود عمالة زراعية ماهرة تستطيع استخدام الميكنة بصورة جيدة الامر الذي من شأنه اضعاف الانتاجية.

Thursday, 21 July 2011

الحلقة (مسرحية من مشهد واحد

، كتبت هذه المسرحية في الصفحة الأخيرة من دفتر المحاضرات، لم اكن اطلع عليها أحد فقد كنت أظن
أن الكتابة هي فعل من أجل المتعة الشخصية، أو قل هي كمسألة رياضيات تحاول أن تفكك بها واقع مزدحم بالأحداث المتتابعة بسرعة تفوق قدرتك على ادراكها أو استدراكها
تماما في مثل هذا اليوم الحادي والعشرين من يوليو
قبل ثمانية أعوام، اطلع شاب على هذه المسرحية ودس لي هذه الورقة في دفتر المحاضرات
ما زلت أحتفظ بالورقة التي بدأت تهترئ من كثر ما تنقلت معي في حياتي
وكلما تساءلت ما الجدوى من كل هذا ما جدوى الكتابة ؟ اتذكر أن هناك من كان في قلبه سعة أن يقرأ

كتب

ميسون

تبدو اللغة خجولة في بداية القصة. لكن سرعان ما تعري ساقيها للريح، باسطة صورة رائعة من التعبير عن النفس أو التعبير عن الراوي. ذلك الشخص الموغل في المباشرة والبساطة. أنيق النفس والسجايا. المتصالح مع نفسه حد احراجها- انا لا أليق بهذا المكان! هذه العبارة متنوعة الدلالات ، توجز وتفتح مدارج الاسهاب.

لم ينتبه الراوي لوصف المكان بدقة- هذه الأشياء الدقيقة تكسب القصة ألقها وبهائها، تذهب بجفاف الواقع والواقعية، تلون مشهد القصة بما يجعلها أكثر هضما وأسهل ولوجا لمكامن النفس. لكن الراوي يبدو أنه يتجاوز عن قصد عن هذه الشطحات المثقفة، يرفض هذا الارهاق الذهني اللامبرر، الترف وايهام النفس بكثرة التزاماتها الأخلاقية تجاه نفسها وتجاه الاخرين. أو أن الراوي يرفض أصلا ما هو ذهني بفهم الحلقة.

الزمن أقل حضورا، فثمة أشياء تحتاج في عملية هضمها لسياج زمني يقيها شرور الانفتاح الغير مضبوط، مناقشات المثقفين، تمرد المثقفات، أي نوع من المثقفين هم؟ وما الذي يجعلهم كذلك؟ هل ثمة حضور للزمن في مشهد أحداثهم يجعلهم كذلك؟ بمعنى هل للتشكيلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية دورها في نمطية المناقشة؟ وإلى أي مدى هم مستوعبون لذلك؟
الزمن يكسب المفردة عمقها المسرحي،و دلالتها المتعددة، حضورها وقوتها، وخلودها كذلك. فبدون رصد دقيق لزمن الاحداث تتلاشى المقومات لخلود العمل

اشارة أخيرة، سرعة الحوار، فهي مربكة إذا تمت بتتابع وأحيانا لا تتيح مساحة للغوص العميق إلى مسارب الحوار السابق، انها-أي سرعة الحوار- مجدية في الكتابة من حيث اتاحتها امكانية حضور ذهني للراوي ليسلسل الأحداث بتأني، لكنها تذهب بجمال السرد، القدرة على الوصف و التحليق في الخيال، السمة الأساس في العمل الفني.

لك كل احترامي
بابكر أحمد
21
يوليو
2003

رجاء: لا تغلقي نوافذ شيطانك العابث بالمفردة، افعلي ذلك احرجيه بادمانك التظاهر باللامبالاة

***************************************
انتهى الخطاب إلى هنا، ومنذها لا يساورني شك أن النقد يتطلب نفسا كريمة 

أورد المسرحية كما هي دون تعديل، وهي مهداة لبكري




      "أنا لا أليق بهذا المكان!"
      هذه العبارة تلتصق بجدار رأسي، و تخرج كجثة هامدة مع كل نفس لي.
      كانوا يجتمعون بذلك المقهى، شباب يرتدون جلد الكهول، يسمونه الإحباط.....الإحباط! لن أرقى لذاك المقام، مهما عبست ملامحي و لونتها حزنا.
      كانوا ينظرون إلى الكون كمن يلفظ لقمة فاسدة و القيء يملأ كلماتهم هم الآن في بؤرة الإضاءة، تقدموا من كومبارسات إلى أبطال، بينما توارى الأبطال القدامى تحت ظلال الكومبارس..
      لا أدري كيف قادتني قدماي إلى هذه الحلقة؟ ربما كما قادتني إلى كل السابقات (نعم ، فهم كثر!) . لكن حلقتهم بالذات، لم يكن من السهل الانضمام إليها، لكنهم سمحوا لي بإكمال محيطها. هم يقولون ملامحي غريبة، كشيء لا يمكن الإمساك به......كالغروب، و كيف تمسك الغروب؟ يقولون رغم الهدوء الذي أتوشحه إلا أنهم أبصروا ألسنة التمرد و العبث في النوافذ المنصوبة على وجهي (يقصدون عيناي)....لا أستطيع فهمهم، ربما لأنني أفهمهم تماما!
      إذن كان انضمامي للحلقة هكذا دون سبب، علمتني التجربة ألا أستعجل معرفته، أنتظر في هدوء ، أتابع...أنسج في نول الترقب!
      لم أدعي معرفة أي شيء ، لذا كنت نواة الحلقة، فقد كانت علمتني كل الحلقات أن أحب نفسي علمت أم جهلت.
      المقهى كراسي و طاولات، كراسي للجلوس، تمتطيها كحصان إذا كنت منتصرا لتوك، و تمدد رجليك عليها إذا كنت عدميا في ذلك اليوم، و تنحني إلى الأمام واضعا رأسك بين يديك، إذا وصلت في منتصف العقدة (أي عقدة..ممممـ ما عارفة!) .و الطاولات للشاي الثقيل بدون سكر (ده شاي الحلقة) أو للخطب المنبرية و العروض و ما أكثرها. أنا أضع يدي تحت فخذي عندما أجلس و أنصب ظهري، و الطاولة ، أتابع تقشر طلاؤها الأخضر
      و رغم أن لإضاءة تصب حرارتها و ضوءها بقوة على المقهى ، دوما يتساءلون متى يأتي دورهم، متى تسطع شمس الحقيقة (الكلمتين مترادفات!)
      كلما أتيت إلى المقهى الراكد الذي يجلسون فيه ، تتعرق يداي، و أحس بانقباضة في قلبي، و رغبة عظيمة في حك وجهي، و تتعلق عيناي دوما بمدخل المقهى.............
      تطير ذبابة و ترك على وجه المثقف الأول، يهشها
      "الشيوعية فشلت!"
      المثقف الثاني "بل أنها لم تتحقق بعد!"
      الذبابة "ززززززززززز....."
      المثقف الأول "بعد؟! لكن يكون هنالك بعد، لقد تجاوزت الرأس مالية كل الشعارات العمالية"
      المثقف الثاني " ليس صحيحا، فـ...."
      المثقف الأول " ياخ شوف وضع العمال في بريطانيا، حزبهم يرزح تحت مظلة السوق الحر و فيء الرأس مالية!"
      المثقف الثاني " لا حزب العمال البريطاني لا يعبر عن الطبقة العاملة. صحيح أن وضع العمال أصبح أفضل منه في روسيا، لكن هذا لأنهم استبدلوها بعمالة أخرى، العمالة الأجنبية ....خاصة المهاجرين، هم الذين تخاطبهم الشيوعية و يتجاوزهم ظل الوفرة"
      المثقف الأول " لأ ياخ.....أنت ما رأيك؟"
      أنا؟!!!!
      " حقيقة ما عارفة! الاتنين صاح"
      تطير الذبابة نحوي مفكرة، تغير رأيها، و تذهب إلى المثقف الأول
      زززززززز
      "ماذا تعرفين عن الشيوعية ؟"
      "مش ديل ناس ماركس و لينين و روسيا وعمال؟"
      "أوه لا ! سأحضر لك كتابا"
      "حاولت، لكن لم أفهم شيئا! الكتاب الوحيد الذي فهمته عن المادية الجدلية، ثم اكتشفت أنه مخصص لربات البيوت!"
      تركتهم فاغري إلى الأفواه...ثم إلى ركن آخر من المقهى، قرب ست الشاي الحسناء المنبهرة، مثقفان آخران و .....نفس الذبابة
      "حاولت في قصيدتي الله لا يقطن هنا" أن أتجاوز الزمان و المكان، أن أكسر التسلسل المنطقي للأفعال و الأشياء"
      "تجربة جديدة حقا...أعد لي ذلك المقطع"
      المقطع؟!!!
      زززززززززززز
      "يا فزع الغروب...و آخر انفعالات الأجنة، محض المحض...كشف عني...مآلات....السراب"
      "جميل ...معبر، خاصة فزع الغروب....فيها شيء من الحركة"
      الحركة الوحيدة التي سمعتها ، هو تضرس أسناني من ذلك ...المقطع
      "أنت!"
      أنا؟!!
      "الديك محاولات شعرية؟"
      "لا لأ"
      "أترسمين، أو تمارسين القصة؟"
      أمارس القصة؟
      "تشيب! تشيب!"
      "هذا لأنك لا تعرفين نفسك، و لكنك فنانة، واضح ذلك تماما"
      ها؟ أين؟
      "حقا"
      "بالتأكيد فلك روح عابثة، روح فنان"
      ؟!! و لكني سعدت بالإطراء، أم انه شتيمة مغلفة؟ ممممممـ
      زززززززززززز
      كلما خرجت من ذلك المقهى ، أقطع على نفسي وعدا أن أشاركهم الحديث و الهم، هم تحقيق الشيوعية، و هم تمتع الهنود الحمر بحقوقهم الكاملة، و ذلك الوجع...ماذا يسمونه؟ اجل وجع القصيدة...و ذلك القلق الذي لا يجدون له دواء، متى تتلولو خصل شعري المسطحة كالمساطر؟! ....حتما هندما أنهل من الكتب المقررة على العضوية، سيسكنني ذلك القلق أيضا، و أرقى للإحباط. عندما أملك جرأة نفي كل ما اتفق عليه، عندما أناقض نفسي، عندما أدهش القادمين، و أقلق منام من سبق، عندما أتفوه بما لا يجرؤ لساني على إطلاقه تعففا....عندها أكون أصيلة في الحلقة، و لا يلوحوا ببابهم المفتوح لطردي خارجا...كما فعلت كل الحلقات.
      و ماذا عن فتيات الحلقة ؟ حقيقة لم ألتق أيا منهن. ليس لغيابهن و لكن لانشغالهن؟؟؟؟هم لا يجدون وقتا لفعل أي شيء، يحملن كتابا في أيديهن، يشاركن في الحديث بحيوية( و بعنف أحيانا)، بشفاه مزمومة .يضحكون أو يهيمون حزنا، و لكن لا مجال للابتسام. حركتهم الكثيرة كانت تقلقني، لأنها كانت تشير (متهمة) إلى...ذبابة سمينة في مملكة النحل!!!!!
      في يوم، توكلت، حملت كتابا في يدي و همت حزنا، و لأول مرة تلاحقني الذبابة. سألوني ، ذكرت أن البلدية أزالت بيت جارتنا مرة العشوائي! قهقهة عالية، اضطربت الذبابة، و طارت نحو مصدر الصوت
      " و هل ستبكين على كل معذبي العالم إذا لن تجف عيناك"
      و دار الخبر في الحلقة، يطلبون مني كل مرة أن أبكي على مقتل عمال في كمبوديا، و جلد امرأة في نيجيريا، مجاعة زامبيا و ....و ....و..
      حقيقة! خجلت من نفسي. لماذا ألبستها هذا الثوب؟ و أنا التي كنت أحبها علمت أم جهلت. لكم ما زال على تعلم الكثير
      مثقف "أنا شيعي!"
      مثقف "رجاء لا تحدثنا في الدين
      المثقف الشيعي "نحن الشيعة نتحدث في كل شيء عدا الدين، نؤجله لحين حضور الغائبين"
      المثقف العلماني "عن فؤادي؟"
      المثقف الشيعي " لا نقبل مزاحا في آل البيت"
      المثقف العلماني " ظننت مسألة القبول و الرفض مؤجلة إلى حين الحضور"
      المثقف الشيعي " إلا في آل البيت، كديه هسي خلينا! أنقر ما هو رأينا في الزواج؟"
      ززززززززززززززززززز
      عيناها كانت تشبهان جوهرتان عندما دخلت الحلقة، صديقة البطل! لفظتها الفتيات منذ أن وطأت أقدامها المقهى، فلقد تعدت على أحد حقوقها و أفرادها دونما توسل أو قربان. أصدرن فحيحا في أذن العضوية، فانقلبت إلى فك يطبق عليها.
      مثقف محرش "روزا امرأة رائعة ، قالت عن لينين....تعرفين روزا...مش؟"
      صديقة البطل "لا"
      المثقف المحرش "إذن الحديث معك غير مجدي!"
      المثقفة " روزا مناضلة مشهورة"
      مشهورة كلمة سوقية! لا أزيز ذبابة هذه المرة، فهذه منطقة تهابها!
      صباح اليوم التالي
      المثقفة "روزا لكسمبورج ولدت عام 1870 ، ألمانية كونت حزب سبارتاكوس،و الذي تحول إلى الحزب الشيوعي الألماني. عام 1919 كانت ثو...."
      مثقف محرش آخر " هل قرأت التفكك؟"
      صديقة البطل " في الحقيقة ...لأ"
      المثقف المحرش " إذن ما آخر كتاب قرأته؟"
      صديقة البطل " دومة ود حامد"
      المثقف المحرش " هل ما زال هناك من يقرأ للطيب صالح؟ لا بد أنه يستغرب ذلك أيضا"
      لا أدري لماذا ضايقها حديثهم؟ كان بوسعها أن تفعل مثلي و تصيح بعناد طفولي "و الله أنا عاجبني!"
      بدلا من هذا الأسى البادي في وجهها، و في حركة بطولية مني تدخلت لإنقاذ الموقف.
      "التفكك رواية مملة....و الدومة رواية تغريك للتنقل في صفحاتها، أو ليست هذه الرواية؟ لا أظن كاتب التفكك قد قرأ التفكك نفسه، لا بد أنه تفكك في منتصف الرواية"
      "لا يا عزيزة......"
      "أففف...لدي صداع...لا تنادي عزيزة، كموظفي الوزارات"
      كان الحنق بادي للمثقف المواكب. التفت إليها،مواسية، صدمتني بنظرتها، ملؤها احتقار لي و اعتزاز بنفسها...حقيقة تفهمت إحساسها، و من أنا كي أدافع عنها؟ أنا جهولة الحلقة؟ طأطأت رأسي في رضوخ و كان هذا أول و أخر تدخل لي في شئونها.
      حقيقة كنا متشابهتين، كلانا كان يسعى لإرضاء الحلقة، هي باقتدار و أنا في عناد. كانت تسعى لأن تكون أحد كواكب الحلقة، و أنا أسعى لأكون أحد جلاديها (إيلام الحلقة يرضيها، تماما كالتناسخ فيها)
      ماذا عن البطل؟ ما إن أوصل حبيبته إلى شاطئ الحلقة حتى انطلق في بحار البحث عن مغامرة جديدة. كان ذلك يؤلمها، فهي حبيبته أيضا. لكنها تناست ألمها في صراعها نحو البقاء في الحلقة.
      أما أنا فقد كنت بدأت أفكر في الانسحاب. لقد فشلت في الانسجام أو جلد الحلقة. فأعلنت في كبرياء أن وهج اندهاشي بالحلقة قد انطفأ ....خلاص! لولا تلك الحكة و ذلك الانقباض كنت خرجت من تلك الحلقة على الفور.ألا يرضيهم أني أعلنت فشلي؟ لست كهرقل الذي بنصفه الآدمي انضم إلى جبل الأوليمب! و ماذا إذا فشلت؟ سأضع التجربة في آخر ملفات ذاكرتي و أبقيها هناك! كأن شيئا لم يحدث. كم أنا سعيدة أنا أرقص تحت الشمس، أ،ا راضية عن نفسي، ملأتها رضا....الامتلاء الذي تحسه عند تناولك حلوى القطن. لا يهم أختي تقول سمي الإنسان من النسيان....تمام!
      قد يكون الفيلم ناجحا دون أبطال، فيترك المخرج البطولة لحكم الجمهور و ضميرهم. لكن لا يوجد فيلم دون وجود الخاين! البطل يستمد بطولته بمناوئته للخاين. و الخاين في حياتنا في عالمنا حتى بين ضلوعنا _النفس الأمارة بالسوء)
      و حلقتنا رغم بيزاريتها لا تشذ عن القاعدة. لحلقتنا خاين!
      أذكر أن الحكة كانت مشتدة على ذلك اليوم، وانقباض قلبي حتى صار في حجم النبقة. كان الجحيم يستعر من عيني فتحاشتني العضوية.
      صديقة البطل وصلت مرحلة الغرغرة من إطباق الحلقة عليها، حدثتني نفسي بالتدخل، لكن عيناها حذرتني من الاقتراب. على كيفها!
      واجهته بخيانته لها ، هز كتفيه لا مباليا و في أوج ثورتها صاح
      "و ماذا في ذلك....أنا أبحث عن ذاتي"
      حدثته عن حبها، عن كرامتها...فليضع نفسه مكانها....
      "أنا حميتك....ما تبحثي عن ذاتك ...يا..." جالت الذبابة في فمه المفتوح، بصقها خارجا، وانصاعت صديقة البطل لمبدأ الحلقة، الحرية لنا و ...أحيانا لغيرنا ( يعتمد على رأي الحلقة). حملت كتابها و هامت حزنا منشغلة مع نحلات الحلقة تتابعها الذبابة. مع الفارق في أعينهن يلمع بريق سراب...سراب جبل الأوليمب...., هي كسرت جواهرها (عيناها) ووضعت بدلا منه زجاجا يعكس الألم خارجا....على كيفها!
      كانت الحلقة في ذات اليوم تمجد المثقف الفنان ، الذي تسور ( و نسير) ليلا في داخلية للبنات. مدهش! رائع! و لا يسأل فهو الفنان! الآن هم ينتظرون إبداعا جديدا له، بعد أن أرضى اله إلهامه.
      أما أنا فكل ما كنت أفكر فيه ، هو ما إذا كان اغتسل بعد فعلته تلك...تساؤل سخيف أعذروني، لكن عيناي المعلقتان بالمدخل ، ترفضان التحول عنه، و تشوشان أفكاري، حتى أني فكرت جادة في خزئهما.
      وقع ظله عند الباب...جهرت عيناي، اتضحت ملامحه وقفت كأني انتظر قدومه....أنا أول ما وقع بصره عليه. جلست في ارتباك و همهم عبارات مرتبكة، و لكن لا نجرؤ أن نشيح نظراتنا عن بعض.
      كنت أطن أن تلاحق الأحداث أصمتني عن العالم الخارجي و عزلتني عنه.....ظننت خاطئة! فقد غرق المقهى في بحر من السكون، أخيرا تجرأ أحدهم في المشاباة من هذا الصمت
      المثقف الجريء "أوووووووووووه! الخاين!"
      توقعت أن أرى الإحراج في عينيه ، ولكن على العكس تماما، استرخت ملامحه، كمن يخلع قناعه في بيته، بعد يوم عمل طويل. و سلم سلاما حارا، تضايق منه المثقف الجريء. وسرت نظرة حنق لدى رواد المقهى ، خاصة المثقفات " حقيقة عضوات الحلقة يتعاملن مع كل مشكلة، كمشكلة شخصية) أ/ا أنا فقد كنت أبتسم ملء الشدق ( اعني ذلك حرفيا فقد أحسست لاحقا بألم حاد في الشدق ) أرجو ألا يكون ذلك تشفيا مني!
      شرع في السؤال منهم بشيء من الحميم و ربما الحنين
      " كيف حالكم...خبروني عن آخر أخباركم....آخر همومكم.....هل ما زلت مسكونا بالقلق؟ هل حققت نقطة التماس بماضيك و حاضرك و مستقبلك؟ ما آخر قصائدك...هل حققت أخيرا كمال القصيدة؟ أين رسامنا ؟ أما زلت صائما عن الكلام حتى تكسر حاجز أبعاد اللوحة؟ و انت ما أخبار السوبرمان؟ هل عثرت عليه؟ أجل ما اسمه؟ الرجل الأسطورة؟ و انت هل حققت نظرية ليست امرأة و بالتأكيد ليس رجل...ما اسمها؟ أجل نظرية تحييد الجنس! هل تفهم زوجك أرق كينونتك لتعودي لزوجك و طفلتك؟ ماذا؟ ليس ذاك من شأني؟ حسنا! أرى عضو جديد.....من وجهك أدرك أنك لم تكملي شهرا....سيزول ما تحسين به قريبا...فقط اعثري على طرف العصب و ابتريه...و ...و...و"
      ابتسم و في عينيه نظرة توحي بانحناء ممثل عند إنهاء مشهد ما. رغم أنه لم يكن هنالك أي تصفيق، ولكن نظرات الحنق أعطت نفس الأثر. استدار...."خاين" كلمة صوبوها صمتا و خوفا إلى ظهره، تلقاها و مضغها كحلوى لذيذة.
      أوشك أن يتجاوزني، تبسمي استوقفه
      " هل ضللت مكانك؟، تبدين غريبة"
      "نعم...لا.....اجلس معي"
      ابتسم مختبرا " هناك مقولة للمسيح في العهد الجديد تقول فيها..هل قرأت العهد الجديد؟"
      حاولن جاهدة التذكر " في الصحف ، عند التعازي يكتبون الرب أعطى و الرب أخذ...و هذا ما اعرفه"
      رد في سعادة " لا يهم....هنالك وهج...حرارة تحسها عند اقترابك من أنثاك، اكتمالك....كالاندماج في نجم ما"
      "هل هذا ما قاله المسيح؟"
      ضحك ثم بخجل " بل ما أحسه الآن....ربما تأتين...سأذهب للبحر....لأني إذا لم أندمج كالنجم ...أنشطر كالنجم"
      ودعني بأمل و خوف ......ذهب....علي أن أفعل شيئا.......أخذت نفسا عميها......و بسرعة و تلاحق شديد...أفرغت كل ما في جعبتي من بذاءات...لا أوجهها لأحد...بل أخرج ما في من قيء..أتطهر..للاندماج......ثم زفير طويل.........علا تصفيق في المقهى....نبهوني إليهم....توجهت نحوهم....تكتلوا سويا كخراف...و سننت سكيني
      " لا يهمكما في الشيوعية سوى أنها أرض خصبة لهوايتكما....صراع الديكة. القصيدة ليس مشروع ينجز...بل كما قال...أو ربما لم يقل فروست هي غصة في الحلق...الشعر ضرورة. الدين فكرة ترى ألقها في عينيك، لكنك تلبسها كبذلة مطرب ذهبية في حفلة مبتذلة. الفن مرقى روحي و إن أخطأ الفنان الوسيلة، أما العبث فهو العهر و لو ذيلته كل آيات الفضيلة. المرأة لا تساوي الرجل و لا هو يساويها...و لكنهما يكونان آدم الجنة. خذي جواهرك حاولت إلصاقها دون جدوى، لكنها أفضل من الزجاج على كل حال. أنا حزينة على مرة العشوائي، لن أبكي عليها...ربما أجد حلا.....أعلم أن كلمات مثل الوطن، القضية، الانتماء...وصلتكم ماسخة من من سبق ، علكة أخرجوها من أفواههم و مضغوها إياكم ماسخة......و أنا التي كنت أظنكم آلهة جبل الأوليمب....الآن كشفتم عن أنوفكم الحمراء، لن أكون مهرجا في هذا السيرك. أنا ذاهبة...إلى البحر!"
      جريت نحو الباب، التفت في نظرة أخيرة مودعة و صحت " أتدرون من أنا ؟.....أنا الخاينة!"
      حقيقة ، فيما بعد لم يشرفوني بهذا اللقب "خاينة" قالوا : البت ديك (تعمدوا نسيان اسمي" تعاني من اضطراب ذهني! ليس جنونا أو أزمة نفسية، فتلك أوسمة تشريفية في الحلقة....لا يهم لن أعود لدائرة حكمهم مرة أخرى.
      أنا الآن في البحر....ها هو ذاك.....تشابكت أيدينا...لم نضحك، فقط تبسمنا..., عندما كان الليل ، كنت أنا و هو نتلألأ مع ملايين أمثالنا
      أتدرون...................
      "ذاك المكان لا يليق بي!"


      اندمجنا

Sunday, 12 June 2011

الخروج من متاهة التحرير

الخروج من متاهة التحرير

تخيلت أن يقوم  فنان نابه برسم كاريكاتيري لميدان التحرير بحيث يبدو كمتاهة والمتظاهرون فيه منهمكون في بحثهم عن طريقة للخروج منها ، فيعييهم ذلك.



ولكي نضع لهذا المقال نبرة واتجاه فلا بد أن أوضح أني اوردت كلمة "فنان نابه" بغرض السخرية والشفقة في ان من ظاهرة متفشية في بعض أوساط الكتابة والتدوين وهي العجلة في النقل والتعجل في التحليل باعتماد العاطفة المباشرة والانفعال اللحظي دون أن يضع أحدنا "الرحمن" في قلبه فيستفته .

وما شأني أنا بالثورة المصرية؟ لماذا أتابع أخبارها على أطراف أصابعي ويدي على قلبي خوفا عليها من الزلل. ولماذا أربطها أصلا باحتمالات التغيير في السودان؟ الإجابة بسيطة، لأن الثورة المصرية الاقرب جغرافيا ووجدانيا- هي التي ستجيب على سؤال: ما جدوى الثورة؟

عجبا! أ و لم تجب انتفاضة اكتوبر وابريل على هذا التساؤل؟ الإجابة عندي: لا. فأنا أتفق مع رأي لأدونيس في منتدى أقيم في تونس، أن الثورات التي قامت في مطلع هذا العام هي ظاهرة عربية فريدة. هي أول انحرافة وأول عجلة تغيير في تاريخ علاقة الحاكم والمحكوم في المنطقة العربية. وفي رأيي الشخصي أن اكتوبر وابريل كل ما فعلته أنها نزعت الوصاية عن حاكم لتدرعها في رقبة اخر أواخرين.

أتابع دوما على الصفحات الالكترونية ردود أفعال القراء إثر كل خبر لتظاهرة جديدة أو اعتصام جديد في ميدان التحرير او غيره، أن "كفوا"! او "عودوا لبيوتكم"! "ماذا تريدون أكثر مما اعطيتم"! وفي حالات أخرى "رحم الله أيام خلت" !!! وبعض الكتابات التي تصف تتابع جمعات الاعتصام والمسيرات والصفحات التضامنية بالمأزق او انها انتكاسة ما بعد الثورة. فالكل يريد ميقاتا يحدد ويوضح متى يستوفي الشعب حقه وينال مناه ويحقق امنياته.
toonpool.com



 والامر في حقيقته –كما يعيه الفرنجة- أنه كلما استوفى الشعب حقا طالب باخر، وكلما تحققت أمنية لاحت أخرى، وهذا ما يسمونه يا سادتي الكرام بالديمقراطية. فما هي الديمقراطية؟...حنانيكم! حنانيكم!..لن أدخل في "رغي" المفكرين والسياسين عن تعريف الديمقراطية. هذه الكلمة التي من كثرة ما علكتها الافواه أصبحت ماسخة.
الديمقراطية هي عقد عمل بين الشعب والحكومة. والحكومة؟ الحكومة هم من اوكلهم الشعب للقيام على رغبات الشعب ومطالبه وفق العقد المبرم بينهما. والامر أشبه عندي بصاحب بستان والناطور. صاحب البستان هو الشعب والغفير أو الناطور هي الحكومة. لا يزال معكوسا في أذهاننا إذ كلنا يظن حقا أن الحكومة صاحبة البستان وكثر الله خيرها على نفحاتها الكريمة التي تتفضل بها على الغفير الكسول الملوم دوما على تقصيره وجهله وغبائه.
هذا هو التغيير الذي أعنيه والذي استدللت عليه بقول أدونيس. أنه اخيرا تم اعادة صياغة  حقيقة العلاقة بين الشعب والحاكم والذي إنما هو حكم بين الناس . ومن مصائب اللغة أن هذه الكلمة أصبحت تعني المالك أو المسيطر والمهيمن. وهذه التظاهرات والمسيرات التي يستدل البعض بها بأنها برهان على الفوضى أو الحيرة، تصبح في إطار ما قلته هنا تأكيدا على نجاح ورسوخ مبادئ الثورة. إنما الفوضى هي في تعاملنا –وتعامل السطات مع هذه التظاهرات، وإنما الحيرة هي لمن لم يتبين بعد المقصد الحقيقي من الثورة ولا زال يهرش رأسه محاولا فهم أسبابها. فهنا في بلاد الفرنجة تخرج مظاهرات ومسيرات كل يوم، وفي كل حي، وفي كل حارة ولا تتوقف أبدا. ربما في العطلات قليلا، لكن يستحيل أن تصدر صحيفة أو تشاهد نشرة دون مشاهد لتجمع ما يحمل لافتات تطالب بكذا أو ترفض ذاك او تتضامن مع ذلك أو كل ما ذكرت مع بعضه سوية!
http://northern-district-times.whereilive.com.au/news/story/lone-protest-on-power-prices/



الفارق بسيط. الفارق فارق كم وليس نوع. هي نفسها تظاهرات التحرير. نفس مسوغاتها. نفس الروح. إلا أن الأعداد أقل كما ستقل مستقبلا أعداد المتظاهرين في التحرير عندما يأتي الداعي لذلك. والسبب أن الشعب والحكومة في بلاد الفرنجة استطاعوا تنقيح العقد المبرم بينهما- عقد الديمقراطية- بخلق قنوات أخرى للتفاهم فيما بينهما لتحقيق الرغبات والأماني وادارة أمور البستان. كالتجمعات النقابية كالتشريعات القانونية كأجهزة الرقابة على أداء الدولة كقنوات الشكاوى كالبرلمان ونواب البرلمان . وحين لا يجدي كل ذلك-وذلك قليل الحدوث- يحملون أوراقا واعلاما ويخرجون شبابا وشيابا ويبحثون عن ميدان تحرير.

Image from the interenet


نعم تغيرت العلاقة بين الحاكم والمحكّم (لاحظتم أني أغير الأسماء-هي المحكم بتشديد وكسر الكاف). كما تغير الشعب نفسه. عشية الثورة سمعت حديثا للمفكر المصري حنا مينا يقول مصر تشهد فترة هي من اعذب وانقى فتراتها، على الجميع أن يستمتع بها سريعا، لأن كل شيء سيعود لحاله القديم: الفساد والتسلط والقمع. فرددت عليه فورا : لئن عاد الفساد ذاته، فأن الشعب ليس هو الشعب ذاته. هذه العلاقة الجديدة النشطة الحية –اللجوجة كما قد يصفها البعض-بين الشعب والحكومة، متمثلة في سيل التظاهرات والاعتصامات، هو ما يوضح هذا التغيير الجديد وصفته، ألا وهي الهمّة. لا يمكن أن تسمع في بلاد الفرنجة شيء على وزن هذه المقولة: عودوا إلى بيوتكم سيقوم المجلس العسكري بكل طلباتكم ومطالبكم. لا! ففي بلاد الفرنجة الشعب يريد أن يعرف متى سيقوم المجلس العسكري بذلك ومتى وكيف وأين ومن وماذا و و و...!! مرة أخرى لا أحد يسدي إليك خدمة فالمال مالك والثمر ثمرك، وعلى الناطور أن يتحمل انفاسك الحارة على قفاه –فليس له في الامر إلا ما وليته إياه–فالملك ملكك على كل حال.

وهذا ما اردت أن اقوله لمثبطي الثورة في السودان، ردا على تساؤلهم :ما البديل؟ أنتم البديل. ولا يهم إن جاء زيدا أو عبيدا.
متى ننعم بالديمقراطية؟ هذا خطأ اخر أوحت به اللغة. فالديمقراطية ليست اسما ثابتا ولا صفة جامدة هي فعل مستمر لا ينتهي. تعرفون لماذا ؟ لأن الوساطة-والتي تبنى عليها الديمقراطية- أمر سخيف ولا يستوفي أبدا باحتياجاتك كاملة. ومعروف القول الشائع أنه ما حك جلدك مثل ظفرك. إلا اننا نقارب ونسدد. وهذه هي الديمقراطية، أن تقارب من عمل الحكومة حتى تصبح وكأنها تهرش أكولتك وهيهات لها أن تفعل. فالأكولة باقية .
خلاصة ليست خاتمة المقال فقد بقي أمر الفتنة الدينية، خلاصة قولي أعلاه: اعلم عزيزي القارئ أن كل ما يعيب خروج امرء إلى التحرير أو اعتصامه به، هو تقصير السلطة عنه. فوجه أنظارك حينئذ للموكل من الشعب.

نأتي لأمر اخر. قد يقول قائل : ها أنت يا ميسون قد زينت للناس تظاهراتهم السمجة واغتصاماتهم السقيمة. فما قولك في اللذين استباحوا دماء بعضهم في امبابة وغيرها فيما عرف باسم "الفتنة الدينية". أليست من دلائل اخفاقات الثورة؟ بالله عليك ألا يحق للناس الترحم على عهد من الأمن العادل في ترويعه للجميع دون فرز؟
تساؤل مشروع اجيب عليه بخاطرة عجيبة. أتعجب في القران الكريم من الاية التي تقول:(( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا))
والعجيب في الاية أنها كأنها تأتي بالنتيجة المناقضة للفعل، واجدني كلما مررت بالاية أقول: عجبا أليس بدفع الناس هذا تهدم الصوامع والكنائس، البيع والمعابد، المساجد والجوامع. فكيف يا ربي تستدرك بكلمة :لولا؟
مرة أخرى أجد هذه الخاطرة تجرني لمقطوعة الذكر "الديمقراطية" اخ منها اخ!. مخطئ من ظن مرة أخرى أن الديمقراطية هذه شيء جميل أو نبيل أو سامي. لا لا لا...فما رأيت أسخف منها، أن يحكمني رأي أغلبية أو تعترض عزمي أقلية أو أن تكبح نزواتي صرامة المجتمع أو أن ينغص سلامي حرية لفرد. فالديمقراطية فيها تنازل عن حق من أجل اخر ..لأ وشنو؟ عن طيب خاطر كمان.
الديمقراطية يا اعزاء ضرورة. وكل ما ينضوي تحتها من مثل هي في الاصل ضرورات.
 الضرورة تحتم علي أن اسمح بحرية التعبير لعدوي إذ أنه يكفل حرية التعبير لي.
 الضرورة تحتم أن ينال الحقير تمثيلا عادلا إذ أنه يضمن تمثيلي العادل،
الضرورة تحتم علي أن أبصم بأصابعي العشر على عدالة الاجور لأناس قد لا يعنيني جاعوا أم شبعوا كي أضمن حقي وأجري العادل،
الضرورة تحتم أن اجرح حنجرتي من أجل حرية تلك الصحيفة المقيتة البغيضة إذ انها تعزز من حرية صحيفتي الحبيبة.
وقد علمتنا أحاجي جداتنا والتاريخ أن الانسان يبدل "القيم" و"المبادئ" إذا ما ضايقته أو ضيقت عليه كما يبدل حذاؤه. فالخير اليوم شر غدا، والشر هنا خير هناك. إلا أن الجوع جوع والعوز عوز والشبع شبع والعافية عافية لم تتغير أبدا على مر التاريخ . فالسقم شر والعافية خير. هذه الضرورات أمّن عليها الانسان منذ نشأة الخليقة.
وتتحول مبادئ الديمقراطية من اللغو إلى الفعل حينما تتنزل للناس وتصبح ضرورة كالماء والهواء والخبز. وهذا مقصد الاية الكريمة فهدم كنيسة يعني هدم مسجد هذا هو واقع الأمر. وعندما يتضح الأمر جليا كذلك. سيتوقف احدهم عن هدم كنيسة لا حبا فيها، إنما خوفا على مسجده. ولولا ذلك الدفع لما عرف الناس ضرورة السلام والتسامح. أقول قولي هذا لا استخفافا بدماء اهدرت ظلما وجورا. ولكن كي أمد الذين ينفذ صبرهم من طبائع الانسان وظلمه لأخيه الانسان بعزيمة الثبات الحق، وابشرهم بنصر قريب أجمل ما فيه أنه يدوم و يدوم.
http://www.redit.com/